حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

دراسة مقارنة بين فلسفة الفكر المصري القديم ومدى تطورها في علوم اللاهوت

بقلم أ.د/ أيمن وزيري - أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد – كلية الآثار – جامعة الفيوم 
دراسة مقارنة بين فلسفة الفكر المصري القديم ومدى تطورها في علوم اللاهوت
إنه لا يخفى على المُهتمين بدراسة موضوعات الديانة واللغة والحضارة المصرية القديمة أنها تُعَّد من الأمور الصعبة نظراً لتشعب جوانبها واحاطة معظمها بالغموض الذي يطرح العديد من الاستفسارات عند التعرض للبحث فى أى موضوع يتعلق بالحياة الدينية واللغوية وكذلك الحضارية ، وذلك نظراً لأن المصري القديم لم يترك شرحاً مُفصلاً لعقيدته ومُعتقداته ، وإنما أشار إليها بإشارات ومدلولات موجزةٍ ومبهمةٍ أحياناً وقد تحمل أكثر من تفسير، وعلى ذلك فقد كان للحضارة المصرية القديمة ما يُميزها فى اختيار أفكارها ومفاهيمها وكيفية التعبير عن تلك الأفكار والمفاهيم ، ولذلك فقد استخدم المصرى القديم الرمز للتعبير عن مُعتقداته الدينية ، وجدير بالذكر أنه كان لا يتم اختيار الرمز عفوياً وإنما كان يختاره طبقاً للعلاقة بين الرمز والشيء المرموز إليه ، وعلى ذلك فيُعتبر الرمز تجسيداً لكل ما فى الحياة من أشياءٍ محسوسةٍ ومعنويات مجردةٍ ، ولعل هذا هو سبب مرونته وإمكانياته اللامحدوده فى التعبير عن المفاهيم والمعتقدات الدينية ، وقد حاول الرمز إيجاد تفسيرات منطقية عن الخلود والسرمدية ، الوجود ، الميلاد ، النور ، الظلام ، الخير والشر . ولهذا فإن الرمز الحقيقي دائماً ما يتخطى حاجز الزمان والمكان لأنه ينقلنا إلى عالم آخر ذي دلالات ومفاهيم أخرى ، ولابد أن تكون مدلولات الرمز منطقية ومُترتبة على أفكارٍ أو ظواهرٍ مرتبطةٍ بمُعتقدات وأفكار أصحاب هذه الرموز أو مُستخدمي تلك الرمزيات المجردة والمحسوسة.

وإذا ما تناولنا بعض العناصر والأفكار القديمة بالمُلاحظة والتحليل سنجد أن لها صدى ومتوارث في علوم اللاهوت مثلما هو الحال فيما يلي:
●إن معنى لفظ الموت مثلاً في اللغة العربية له مشتقات عديده ، كما أن له معاني عده. وإن محاولة تعريف ظاهرة الموت ليست محاولة يسيرة. وإن بعض تعاريف الموت متعددة ومتشابهة، ويؤدى ذلك إلى مواجهة مفهوم الحياة. وإن تعريف الحياة ليس بالأمر الهين كذلك. ويتوقف دائماً على النظرة نحو جوهر الحياة. فالناظر إلى طبيعة الحياة على أنها مادية الأصل مثلها فى ذلك مثل باقى الأشياء فى العالم، يتخذ تعريفاً للحياة يختلف عما يتخذه الناظر إلى مصدر جوهر الحياة على أنه مصدر روحى، ويُلاحظ أنه إن كانت النظرة نحو الحياة نظرة مادية، فإنه يتيسر بحث قوانينها، وتغيير أنماطها، وأشكالها بأسلوبٍ منهجيٍ واعٍ. ويلتقى المتخصص فى علم الطبيعة مع المتخصص فى علم البيولوجيا فى معالجة مفهوم الحياة عن طريق استخدام علم الكيمياء.

ولا يعنى هذا أن الحياة تُفسر فى ضوء علم الكيمياء تفسيراً كاملاً، ولكنه يعنى أن الحياة نموذج كيميائى أكثر منها وقائع فيزيقية. فالوقائع الكيميائية مشتركة فى كل صور الحياة. وهى متشابهة بشكلٍ غريب فى كل التركيبات العضوية المختلفة. وترى النظرة العلمية أن الحياة لم توجد منذ الأزل. وأن أصل وجودها من المادة غير الحية لم يكن سوى خطوة من خطوات النمو التاريخى الطويل، أو التطور التاريخى الطويل للأرض التى نعيش عليها.

ويُلاحظ أن المعنى العلمى لمفهوم الموت، أو المعنى العلمى لمفهوم الحياة، سواء حاول شرح ذلك الطبيب الشرعى، أو المُتخصص فى علم البيولوجيا، أو المتخصص فى علم الطبيعة يبدوان دائماً فى نظر الرجل البدائى معنيين غامضين. فتفسير الموت لأسباب طبيعية، مثلاً، تفسير غير مقبول عنده. ويعتبر معنى النوم، وكذلك معنى الغيبوبة، فى بعض المجتمعات البدائية عدم وجود الروح المؤقت. أما الموت فمعناه عدم وجود الروح الدائم، وقد يصنف البعض مفهوم الموت بطريقة مختلفة عما هو معروف، فهم لا يفرقون بين الحياة والموت، كما نفعل، ولكنهم يفرقون بين الحياة السليمة من ناحيةٍ، وبين المرض والموت من ناحيةٍ أخرى.

وقد تصور المصريون القدماء أن "الكا" يترك الجسم فى أثناء النوم، أو فى حالات الغيبوبة. كما تصوروا الموت على أنه انفصال العنصر الجسمانى عن العناصر الروحية. وأنه انتقال من حالة حياة إلى حالة حياة أخرى. والموت عند أصحاب الكتاب المقدس هو مفارقة الروح للجسد الذى هو من تراب. وتذهب الروح إلى مكانها اللائق بها. إما إلى مكان الأبرار أو إلى مكان الأشرار. والمنزل الحقيقى عندهم هو اللحد للجسد، وهو المسكن الأبدى للروح. وقد عبرت المسيحية عن الموت فى بعض الأحيان بالنوم. والموت عند المسلمين هو مفارقة النفوس لأجسادها، وخروجها منها. وهو ليس بعدمٍ محض، وإنما هو انتقال من حالٍ إلى حالٍ. وشأن الموت، عندهم، شأن النوم تماماً. إنما يمتاز الموت بأنه إمساك للروح عند الله، وهو تشريف وتقريب. أى أن العبد كلما نام خرجت منه النفس، فإذا استيقظ رجعت إليه، فإذا مات خرجت خروجاً كلياً. 

●إن الروح عند البدائيين لها صور مُتعددة ، كما أن لها معاني متعددة. فيُعتقد أنها تنتشر في الجسد قاطبةً ، أو تتركز فى عضوٍ واحد (الرأس). وقد تكون فى شكل بشرى ضئيل. أشبه ما يكون بالدمية ، وقد تتجسد أو تكون مادية ، وقد تتعدد وتتناسخ ، وقد تكون فى شكل قزم ، وفى شكل الحية أو الفأر أو الحشرة ، أو تكون فى شكل فراشة أو فى شكل طائر، أو فى شكل البط والغربان، والبوم، والصقور، وقد يتصور كأنها نفس الإنسان. وقد تُعتبر الروح الجوهر الحيوي ، والجوهر الأخلاقي ، والجوهر المُدرك. ومن خلال الأمور المُحيرة التى يلاقيها الباحثون فى عقائد المصريين القدماء أنه توجد آراء مُتشعبة تتعلق بموضوع العناصر التى تكون الشخصية الإنسانية عندهم فهى فى مرة، تتكون من ثلاثى يجمع فى وحدة كلا من "الكا" الذى يرى فيه البعض صورة غير مادية للجسم، "صنو أو قرين"، و"البا" أى الروح، و"الخات" أى الجسم. وهى تتكون، فى مرة أخرى من ثلاثى آخر يجمع "الشوت" أى الظل، مع "البا" أى الروح، و"الخات" أى الجثة المحنطة، أما القلب الجسدى فقد كان يُسمى "الحاتى" أو "الأيب"، وكان يفترض فيه أن يكون مقر الذكاء، ويعنى الإرادة والشهوات، وكان رمز "الشرارة الحية" أو القوة المُتحكمة.

وكان الرمز "رن" يُعبر عن الاسم الشخصى حيث تمارس القدرة بمجرد النطق به، فإذا رغب الساحر فى القيام بعمل ضد شخص ما، فإنه يستخدم اسمه، وهو ينطق بتعويذاته السحرية الفعَّالة. والروح أو النفس، عند أصحاب الكتاب المقدس، بسيطة غير مركبة من أجزاء، ومستقلة. أى أنها جوهر بسيط، ولا تقدر الطبيعة أن تفنيه. وإذا كانت الروح أو النفس ذات حركة ذاتية، وهى القوة المفكرة، وهى قوة التصور، والتمييز، والحكم، وذاتيتها مستمرة مع تغيرات الجسم المُتلاحقة، فإن المادة جاهلة، وضعيفة، وساقطة. وحقيقة الروح، عند المسلمين، مغيبة عنا والبحث عنها كالبحث عن معرفة ذات الله,. وقد أُمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُجيب سائليه حين سألوه عن حقيقة الروح بقوله: "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً" (سورة الإسراء – الآية 85). ومذهب أهل السنة أن الروح هو النفس الناطقة المستعدة للبيان وفهم الخطاب. وقد ناقش ابن القيم موضوع النفس والروح. هل هما شئ واحد، أو هما شيئان متغايران؟ والرأى عنده أن الفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات. 

●إن مفهوم القرين موجود عند المصريين القدماء، وكذلك عند أصحاب الكتاب المقدس والمسلمين جميعاً. ولكن يُلاحظ أنه عند أصحاب الكتاب المقدس يسمى "تابعه"، وهو قريب من مفهوم القرين فى الإسلام ومفهوم القرين عند قدماء المصريين. وتحكى الأساطير فى المجتمعات البدائية عن أصل الروح، فهو فى بعضها شئ مقدس قد اُنتهكت حرمته ، ومن ثم أُوجدت قوة الموت ضد الإنسان، ويُلاحظ فى بعض الأساطير أن رحمة الله قد قدرت للناس أن لا يموتوا أبداً. وقد رأى المصريون القدماء أن الموت حالة طبيعية، ولكن دأبهم فى التفكير فيه وفى الخلود جعلهم يفكرون أيضاً فيما نسميه نحن "إكسير الحياة" الذى يمنع الموت، والمرض. وترجع عوامل الموت عند المسيحيين إلى هبوط آدم من الجنة، التى فيها الحياة الخالدة إلى الأرض الفانية. وذلك بسبب الخطيئة "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (سفر الرسالة إلى أهل رومة – الآيات 5 : 12 (العهد الجديد).

ويُلاحظ أن السيد المسيح بعد موته ذهبت نفسه الطاهرة وهى متحدة باللاهوت إلى الجحيم وأخرجت نفس آدم وحواء، وجميع الأنفس المسجونة بطائلة الخطيئة الأصلية وماتوا على الرجاء، وأصعدتهم إلى الفردوس. وترجع عوامل الموت عند المسلمين إلى هبوط آدم من الجنة، أيضاً، وذلك بسبب عصيان ربه سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)" (سورة البقرة، الآيات 35-36). ويُلاحظ أنه عند المسلمين أن آدم قد تاب من خطيئته أو تاب الله عليه كما ذُكر في القرآن الكريم : "فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (سورة البقرة، الآية 37).

●إن الأساطير فى بعض المجتمعات البدائية تقرر وجو معبود للموت، وهو أول إنسان تزوج من أخته ، ومن ثم خالف القانون الأساسى المُتعلق بالزواج من خارج العشيرة. وكان عند المصرين القدماء معبودات مُختصة بالموت مثل المعبود سكر، والمعبود خنتى إمنتيو، والمعبود أنوبيس. أما عند المسيحيين يستلم الروح عند الموت ملاك الرب. وملك الموت حقيقة يعترف بها الإسلام ويعتنقها المسلمون. وهو الموكل بقبض الأرواح بإذن الله عزرائيل. وقد كان التفكير فى الموت وفى الحياة الآخرة شغل المصريين القدماء الشاغل. ويبين وجود معبودات مُختصة بالموت عند المصريين القدماء مدى اهتمامهم بالموت. أما الدعوة إلى كثرة التفكير فى الموت عند المسيحيين المصريين موجودة ومطلوبة. وقد تكرر ذكر الموت بأنواعه وصوره فى أسفار الكتاب المقدس وإصحاحاته حوالى 331 مرة. والدعوة إلى التفكير فى الموت وتذكره موجودة أيضاً عند المصريين المسلمين، وهى مطلوبة كذلك. وقد ذُكر الموت لفظه ومشتقاته فى سور القرآن الكريم وآياته حوالى 165 مرة. 

●إن الحياة عند المصريين القدماء مُشتهاة وقد حملوا إلى درجة التعصب، كراهيةً ومقتاً للموت، وخصصوا جزءًا غير صغير من أموالهم لتدبير الطرق والوسائل لغلبته والحصول على الخلود فى العالم الآخر. أما عند أصحاب الكتاب المقدس فالأرض ليست نصيباً لهم. والذى يقصر الله أتعابه ويختاره قبل حينه إنما يمنع عنه الآلام والأتعاب، والموت مُشتهى، لأن يوم الولادة يُثقل كاهل النفس بحمل الجسد الثقيل، أما يوم الممات فيُحررها من ذلك الحمل . وللمسلمين فى هذه الأرض نصيب. ونجد أنه إذ يرغب الإسلام فى تذكر الموت. والاستعداد له، فإنه يكره للمرء أن يتمناه أو يدعو به. لفقر أو مرض أو محنة أو نحو ذلك. ويجوز تمنى المسلم الموت والدعاء به إذا خاف ذهاب شئ من دينه . ويُلاحظ أن المصريين القدماء لم يشعروا بالخوف الكبير من موتاهم. ويمكن إثبات ذلك من شواهد عديدة منها وربما يكون أهمها انتشار سرقة مقابرهم الزائد عن الحد. كما أن أصحاب الكتاب المقدس لا يخشون موتاهم أيضاً، كما يوضح ذلك أسفار الكتاب المقدس. وكذلك المصريين المسلمين لا يخشون موتاهم كما يوضح ذلك آيات وسور القرآن الكريم. 

●إن عقيدة وجود حياة بعد الموت، أو عقيدة الخلود، كانت منتشرة فى كثيرٍ من الأقاليم التى تسودها الثقافة البدائية. وقد احتلت فى نفوس المصريين القدماء فكرة الحياة بعد الموت مكانة عظيمة، فقد كانوا يُخلدون الروح فى قول. وكانوا يؤمنون بالبعث والنشور. وفى كلتا الحالتين كانوا يؤمنون بالخلود الشخصى بعد الموت. ويؤمن المصريون المسيحيون بالحياة بعد الموت، حيث يرجع "التراب (أى الجسد) إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذى أعطاها" (سفر الجامعة – الآيات 12 : 7، العهد القديم).

ويجمع المصريون المسلمون على أن الموت ليس بعدمٍ محض، وإنما هو انتقال من حالٍ إلى حال. ويُلاحظ خلال العصور الأولى المعروفة أنه لم توجد أية علاقة أخلاقية بين سلوك الإنسان على وجه الأرض وبين الحياة فى الآخرة. فلم توجد أية اعتبارات أخلاقية بشأن الموتى- مثلاً- عند البابليين والآشوريين القدماء.. وإن أُخذ فى بعض الأقاليم بفكرة أن المحاربين الذين يستشهدون فى المعركة يذهبون إلى مكان حيث توجد فيه النعمة والسعادة. وقد ظهر - فى مرحلة تالية- تطور عام للفكرة الأخلاقية ألا وهى "أن الحياة بعد الموت ستكون حياة الثواب، والعقاب وفقاً لسلوك الإنسان على وجه الأرض". وفى هذا الضوء، اعتقد المصريون القدماء أن الإنسان بعد موته سيُمثل أمام القضاة بشأن هذا السلوك. والشهداء عند أصحاب الكتاب المقدس قديسون. 

والمصريون المسيحيون يدعون إلى الإيمان بديمومة النفس، وقيامة الأجساد، والجزاء الأبدى، ويرون أن قضية قيامة الأجساد تتضمن، أيضاً، ديمومة النفس، لأن الأجساد لا تحيا إلا بها، كما تتضمن، أيضاً، الجزاء الأبدى لأنه الغاية من قيامها. وعند المصريين المسلمين أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين. ويرى المصرى المسلم أن هذا الكون تحكمه تدابير عادلة، ويسير وفق مشيئة عالية، وكل ما فيه إنما هو دليل اتزان، وقصد، وعدالة... وأن القضاء أمر حتمي ، والحساب لابد منه ولا محيد عنه. والحياة بعد الموت عند المصريين القدماء تعنى ضرورة بقاء الجثة بعد الموت.

فالروح وإن انفصلت عن الجسم فهى ما زالت بحاجة إليه لكى تعيش.. أى أن الجسم إذا أُبيد هلكت الروح.. ومن هنا نجد العناية بدفن الجثث، وإقامة المقابر الخالدة، وحبس الأوقاف لتقديم القرابين، والاحتفاظ بالتماثيل، والأثاث المنزلى، فضلاً عن الطعام والشراب فى المقابر.. وهذه أدلة على الإيمان بفكرة وجود حياة فى القبر، حيث تحوم "البا" فوق الجسم أو تطير إلى داخل القبر لتنضم إلى الجسم. مع ملاحظة أن الناس والمعبودات والموتى عند المصريين القدماء عندها نفس الحاجات، وُتعامل نفس المعاملة.. فكما أن المعبودات، والكائنات الإنسانية قد حُكم عليهم أن يعيشون على الأرض، فإنهم، أيضاً، قد حُكم عليهم أن تكون لهم مخاوفهم وأفراحهم، وأن يتزوجوا زوجاتهم، وأن ينجبوا أطفالهم.. وأخيراً قد حُكم عليهم أن يموتوا، وأن يُحسب عدد سنى حياتهم على الأرض ويُسجل.

ولا يعتقد المصريون المسيحيون فى حياة فى القبر بأية صورة من صورها. ولكن يُلاحظ أن الأرواح لا تنال ثوابها أو عقابها على أثر انفصالها من أجسادها، بل تأخذ عربوناً فقط من السعادة إذا كانت صالحة، أو من التعاسة إذا كانت طالحة، حتى يجئ يوم القيامة فتلبس الأرواح أجسادها، التى تنال معها ما تستحقه من ثواب أو عقاب، فالأرواح الصالحة التى انفصلت بالموت لا تتمتع مباشرة بملكوت السموات، بل تنعم فى مكانٍ خاصٍ عينه الله للمتوفين من الأتقياء قبل قيامة الأجساد للدينونة. وكذلك الأرواح الشريرة لا تُطرح مباشرةً فى الجحيم الأبدى، وإنما تُعتقل فى مكان العذاب (الهاوية) حتى يوم الحساب.

ويُقابل هذا عند المصريين المسلمين أن الروح بعد مفارقتها للبدن بالموت تعود إلى البدن فى قبره، وأن فى القبر حياة، ولكنها ليست الحياة المعهودة فى الدنيا التى تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبره، وتصرفه، ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس، بل حياة أخرى غير هذه الحياة حيث تُعاد الروح إلى البدن إعادة غير الإعادة المألوفة فى الدنيا، ليُسأل ويُمتحن فى قبره. وتُعاد الروح بين الجسد والأكفان، وهو عود خاص للمساءلة أى لسؤال الملكين: منكر ونكير. والقبر، عند المصريين المسلمين، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، أى أن الميت إذا مات، يكون فى نعيم أو عذاب، حيث إن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن مُنعمة أو مُعذبة. وأنها تتصل بالبدن أحياناً، ويحصل له معها النعيم أوالعذاب. والأرواح متفاوتة فى البرزخ أعظم تفاوت. فمنها أرواح فى أعلى عليين، ومنها فى حواصل طير خضر تسرح فى الجنة حيث شاءت، ومنها أرواح تكون فى تنور الزناة والزوانى، وأرواح فى نهر الدم تسبح فيه وتُلقم بالحجارة.. فليس للأرواح، سعيدها، وشقيها، مستقر واحد بل روح فى أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض. 

●كان الاعتقاد بالمسئولية الخليقة فى الحياة الآخرة، حاضراً فى أذهان بناة الأهرام، غير أنه كان منحصراً فى ذلك الوقت فى تعرض المتوفى للمساءلة أمام معبود الشمس، بصفة كونه قاضياً، وذلك استجابة لطلب إنسان قد أخطأ الميت فى حقه، لا ليُحاسب حساباً شاملاً. فكان الاعتقاد القائم إذ ذاك، أنه إذا لم يُطلب الإنسان للمحاكمة بتلك الصفة، فإنه من المحتمل أن لا يتعرض فى الآخرة لأى حساب آخر، وبعد عصر الأهرام ببضعة قرون، يُلاحظ أن ذلك الاعتقاد أخذ يُحدد، ويُعين بحالة أوضح مما كان عليه من قبل. وقد كان المصرى القديم يعتقد فى عالم الآخرة، ولكن فهذا العالم يبدء بعد أن يموت، ثم يصير حياً فى القبر، ثم يُحاسب مباشرةً بعد ذلك، أى أن مفهوم القيامة المعروف لم يكن معروفاً، كما يبدو، عند المصريين القدماء.

ويبدو أنه كان هناك مفهومان مميزان عن حياة الآخرة عندهم، هما: مفهوم المذهب الشمسى، ومفهوم المذهب الأوزيري . ولكن يُلاحظ أن هذا المفهوم، مفهوم القيامة، من أهم أسس المسيحية الراسخة. وقد أكثر كتبة العهد الجديد فى ذكر القيامة المجيدة للأجساد إيذاناً بمركزها. وقد اهتم الرسل الأماجد بالدعوة إليها. وهى قيامة للجميع، الأحياء والأموات.. وحكمة القيامة عند أصحاب الكتاب المقدس تتضح فى الدعوة إلى الجهاد ضد الأرواح الشريرة، وضد الشهوات، وفى عدم خشية الموت، وفى أنها أُس النعم، ومصدر الخيرات القيمة، وفى قهر الموت.

وإذا كان القبر، عند المصريين المسلمين، أول منزل من منازل الآخرة، والمرحلة الأولى من مراحلها، فإن البعث هو المرحلة التالية. ويلى ذلك النشور والحساب، والميزان والصراط، والجنة والنار. ويُلاحظ أن القرآن الكريم يطلق على ذلك الحدث الأعظم، الذى يؤذن بانتهاء الحياة الدنيا وبداية الحياة الأخرى مفاهيم عدة. منها يوم "الآزفة"، ومنها "يوم الحشر"، ولكن أبرز هذه المفاهيم، من ناحية التكرار والمعانى ثلاثة، هى: يوم الساعة، ويوم القيامة، ويوم الحساب. واهتمام القرآن الكريم باليوم الآخر، بالمعنى المشار إليه آنفاً اهتمام كبير يدل ذلك على تكرار ذكره فى آياته وسوره. وحكمة القيامة عند المصريين المسلمين هى فى جوهرها حكمتها عند أصحاب الكتاب المقدس. وعند أصحاب الكتاب المقدس تقوم القيامة فى لحظة فى طرف عين عند البوق الأخير... "فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير" (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس –الآيات 15 : 52 "العهد الجديد").

وقال السيد "المسيح" "فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع رياح من أقصاء السموات إلى أقصائها" (إنجيل متى الآيات 25 : 31). ومتى صدر أمر الله إلى ملائكته بإحضار جميع بنى البشر، وليس من المحتم أن يموت كل الناس يوم القيامة، بل يوجد من يكونون أحياء وقتئذ فيقتضى تغييرهم فقط – حينئذ تنحدر قوته إلى أعماق القبور فتُنعش العظم الرميم. وكم من أجساد مندثرة ضمن طيات الأرض. ولكن الله هو الذى يحيى الموتى، ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. ويأمر الله جميع الناس قاطبة أن يقوموا. حينئذ يُسلم البحر الأموات الذين فيه، ويُسلم الموت والهاوية الذين فيهما. وهذا العمل لا يحتاج إلى سنين عديدة، لأن قدرة الله لا تقف عند زمان ولا مكان.

بل كما قال الرسول "بولس": "فى لحظة". أى أنه بصدور الأمر الإلهى بانتهاء العالم ينتهى فى الحال.. حيث تحدث الزلزلة العظيمة، وتصير الشمس سوداء كمسح من شعر والقمر كالدم، وتسقط نجوم السماء على الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا هزتها ريح عظيمة، وحيث السماء وقد انفلقت كدرج ملتف، وكل جبل وجزيرة تزحزحا من موضعهما، وملوك الأرض، والعظماء، والأغنياء، والأمراء، والأقوياء، وكل عبد، وكل حر، أخفوا أنفسهم فى المغاور وفى صخور الجبال، وهم يقولون للجبال والصخور اسقطى علينا أخفينا عن وجه الجالس على العرش، لأنه جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف؟ "رؤيا يوحنا اللاهوتى – الآيات 6 : 12-17". ولا مفر للخاطئ من ذلك الهول، ولن تجديه كل محاولاته للتخلص منه. سيسمع، حينئذ بكاء وعويل لم يُعرفا منذ إنشاء العالم. ستدوس المرأة، وهى لا تشعر وليدها الرضيع. ويُهمل الأب ابنه وهو لا يدرى. أما الأبرار فلن يدنو منهم شر، ولا يقترب منهم خطر، بل يُخطفون، جميعاً، لملاقاة الرب فى الهواء.

وعند المصريين المسلمين أن البعث يسبقه النفخ فى الصور مرتين. ومراد نفخة الصور الأولى هو صعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله.. والمقصود بالصعق الموت من الفزع وشدة الصوت.. فلا يبقى لله خلق فى السموات والأرض إلا مات إلا من شاء الله. وعندهم أنه ليس من بنى آدم خلق إلا وفى الأرض منه شئ يعنى عجب الذنب، فيرسل الله تعالى ماء من تحت العرش منى كمنى الرجال فتُنبت أجسامهم، ولحومهم كما تُنبت الأرض من التراب. ثم يقوم ملك الصور بين السماء فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، ثم يقومون فيجيبون إجابة واحدة.. كل ذلك يحدث فى لحظة أهم سماتها السرعة الجارفة والمباغتة الآسرة. وقد دعيت القيامة عند المسيحيين، قيامة الأجساد خوفاً، من أن يظن أحد أن النفس تموت من الجسد لأن النفس خالدة لا يمكن أن يتسلط عليها فناء.

وقد اجتاز "المسيح" الموت بملء شخصيته. ولما ظهر لتلاميذه بعد قيامه، أراهم آثار الجراح فى يديه، وجنبه كى يبرهن لهم، أن هذا الجسد الذى أبقى عليه هو جسده الأصلى على الرغم من أنه تمجد.

ويرى المصريون المسيحيون أنه لابد أن تلبس النفوس أجسادها لكى تُكافأ النفوس التقية منها بالوجود فى السماء، ولكى تُجازى النفوس التعيسة منها بالطرح فى جهنم. والجسد المقام، فى رأيهم، يُشابه الجسد الذى يموت من بعض الوجوه، وإلا يكون العمل خليقة وليس قيامة. ويرون أن إنكار مُشابهة الأجساد الطبيعية للأجساد المُقامة مشابهة خاصة. إنكار للقيامة نفسها. ولا يقوم الأعمى أعمى، ولا الأعرج أعرج، ولا الضعيف ضعيفاً، بل يقوم الكل أصحاء كاملين. وسيكون الفرق عظيماً بين أجساد الأبرار وأجساد الأشرار التى تقوم. ويكون الأبرار كملائكة الله فى السماء.. ولا يجوعون، ولا يعطشون، ولا تقع عليهم الشمس، ولا شئ من الحر.. وتكون أجساد الخطاة مملوءة شناعة، ومتشحه بالسواد، وتنبعث منها الروائح الكريهة.

ويوم القيامة، عند المسلمين، يوم رهيب، والأشد رهبة أنه لا محيد عنه إطلاقاً، ولا ريب فيه. يوم عصيب لا مفر منه، ولا هروب.. "يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ" (سورة الحج – الآية 2). " يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أَوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ (42)" (سورة عبس – الآيات 34-42). ويعتقد المصريون المسلمون أن الناس يُبعثون، ويحيون، ويقومون وكلهم أحياء حتى السقط الذى نُفخ فيه الروح وتم خلقه.. حيث تنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه. ويُبعث كل عبد على ما مات عليه. وقيل إن الميت يُبعث فى ثيابه التى قبض عليها، وقيل إن الناس يُبعثون عراة يقومون وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم.. وتكون أرض يوم القيامة بيضاء عفراء. ويُحشر الكافرون على وجوههم. ومن الناس من يكونون راكبين، ومنهم من يمشون ويسعون.. ويُبعث المتكبرون فى صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم. وقيل إن الناس يعرقون يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين ذراعاً. وتدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم بمقدار ميل. وقيل إن يوم القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، وقيل إن مقداره نصف ذلك. وتُوضع للمؤمنين، يومئذٍ، كراسى من نور، ويظلل عليهم الغمام، ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016