حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

شم النسيم عيد الخصوبة والجمال في مصر القديمة (بحث كامل)

الآثارى/ النخيلي محمود رفاعي - مدير عام التوثيق الأثرى بأسوان يكتب بحث كامل عن شم النسيم عيد الخصوبة والجمال في مصر القديمة من حيث أصوله ومظاهره وطقوسه عبر العصور والديانات 
شم النسيم عيد الخصوبة والجمال في مصر القديمة (بحث كامل)
يحتفل المصريون في وقنا الحاضر وبالتحديد يوم الاثنين الذي يلي عيد القيامة عند المسيحيين من كل عام بعيد شم النسيم ،وهو عيد الربيع الخالد،كما يحتفل العالم أيضا بشم النسيم أو عيد الربيع. وتخرج الناس في جماعات وفي أسر في شتى أنحاء مصر في المدن و القرى والنجوع إلى الحدائق العامة وعلى شاطئ النهر الخالد حاملين معهم المأكولات المرتبطة بهذا العيد مثل الفسيخ والبيض الملون والبصل والخس، ومعهم كذلك الورود واللعب حتى يتمتعوا بجمال الطبيعة ويتنسموا نسمات الربيع النقية ويروحوا عن النفس من عناءها، ويجددوا حيويتهم. ويحتفل العالم أيضا بعيد الربيع في كل أنحائه.

والواقع أن الاحتفال بعيد الربيع (شم النسيم) في مصر له طقوس خاصة تميزه عن الاحتفال به في الدول الأخرى، وذلك ببساطة لأنه عيد مصري صميم نشأ في مصر القديمة بكل طقوسه وعاداته. وقد استمرت تلك الطقوس والعادات في مصر حتى الآن والتي نراها في احتفالنا الحلي بشم النسيم كما كانت في القديم تماما ولكن بعد تفريغ تلك الطقوس والعادات من محتواها العقائدي القديم ورموزها الدينية الوثنية، وإن ظلت لها شوائب عند بعض البسطاء القرويين. لقد أصبح شم النسيم الآن ليس إلا عادة وموروث تاريخيا . فقد وصل لنا هذا الاحتفال ميراثا عن أجدادنا المصريين القدماء وانتشر منها إلى شتى بقاع العالم .لذلك كان لابد من إلقاء نظرة تاريخية على نشأة هذا الاحتفال وأصله وطقوسه في مصر القديمة رائدة العالم في كل شيء. 

(أولاً) : أصل عيد شم النسيم وتاريخه وتطوره وانتشاره خارج مصر:
كانت أعياد المصريين القدماء ترتبط بالظواهر الفلكية،وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة من زراعة وفيضانات وخلافه ؛لذلك فقد حددوا موعد احتفالهم بعيد الربيع (شم النسيم) بالانقلاب الربيعي وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار،وقت حلول الشمس في برج الحمل وهو اليوم الخامس والعشرين من شهر برهمات. وطبقا لما ورد فقد كان المصريون القدماء يعتقدون أن هذا اليوم هو أول الزمان وبداية خلق العالم ،وقد أطلق القوم على ذلك العيد عيد (شمو) أي بعث الحياة، وقد تحرفت كلمة (شمو) بعد ذلك في العربية إلى (شَم) وأضافوا لها كلمة (النسيم) العربية والتي تعني الهواء الرقيق النقي نسبة إلى نسيم الربيع الذي يعلن عن قدومه لتصبح الكلمة (شم النسيم)؛ وكذلك لارتباط هذا الفصل باعتدال المناخ وجمال الجو وطيب النسيم وارتباطه أيضا بالخروج إلى الحدائق العامة والمتنزهات والاستمتاع بجمال الطبيعة.

ويرى البعض أن كلمة شم النسيم تحريفا للكلمتين القبطيتين (شوم إن سيم) التي تعني (بستان الزروع)؛ حيث أن كلمة (شوم) في اللغة القبطية تعني بستان، وكلمة (إن سيم) تعني الزروع، وأن (إن) التي بين الكلمتين هي للإضافة تعادل كلمة (of) الإنجليزية. وعيد شم النسيم هو أحد أعياد المصريين القدماء المرتبط بالمناخ والبيئة الزراعية. ويشير هذا العيد عند قدماء المصريين إلى بعث الحياة وتجديد عملية الخلق والخصوبة والنماء؛ حيث كانوا يعتقدون أن هذا اليوم هو أول الزمان، أو هو اليوم الذي تم فيه خلق العالم. 

وقد بدأ المصريون القدماء يحتفلون بهذا العيد في عام 2700 قبل الميلاد في الدولة القديمة عصر الأسرة الثالثة أي منذ حوالي 5000 آلاف عام، ويرى بعض علماء الآثار أن المصريين القدماء بدأوا يحتفلون بهذا العيد قبل ذلك بكثير وأنه كان معروفا في مصر القديمة منذ عصور ما قبل التاريخ أي من حوالي أكثر من سبعة آلاف عام؛ حيث كان معروفا في مدينة (أون) (هليوبوليس = مدينة الشمس) وهي عين شمس والمطرية حاليا ، وأنه انتقل من مصر إلى خارج البلاد بعد ذلك. 

وقد أخذ بنو إسرائيل الذين عاشوا في مصر هذا العيد عن المصريين وانتقلوا به وذلك وقت خروجهم من مصر، واتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال المصريين بهذا العيد؛ حيث احتفل بنو إسرائيل بهذا العيد بعد خروجهم من مصر ونجاتهم وأطلقوا عليه اسم عيد (الفصح). والفصح كلمة عربية معناها (الخروج) أو (العبور)، كما اعتبروا يوم شم النسيم الفرعوني رأساً لسنتهم الدينية العبرية وذلك تيمنا منهم بنجاتهم من فرعون، واحتفالا يبدأون به حياتهم الجديدة. ويصف سفر الخروج ذلك: "إنهم طلبوا من المصريين أمتعة فضية وأمتعة من ذهب وثيابا وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين".

وقد قال بنو إسرائيل أنهم اختاروا هذا اليوم موعداً لخروجهم من مصر حتى يكون المصريون مشغولين باحتفالهم بشم النسيم حتى لا يشعروا بهم، وخرجوا حاملين ما سلبوه من ذهب المصريين وكنوزهم وثرواتهم. وهكذا انتقل عيد شم النسيم من المصريين إلى اليهود في صورة عيد الفصح .

وبعد ذلك انتقل عيد الفصح (شم النسيم) من اليهود إلى المسيحيين في فلسطين؛ حيث أنه حينما بدأت الديانة المسيحية في فلسطين جاء عيد شم النسيم بعد صلب المسيح ـ من وجهة نظرهم ـ بفترة قليلة فرفض الفلسطينيون الاحتفال به حداداً وحزنا على الصلب لما في يوم شم النسيم من مظاهر البهجة وتلوين البيض وخلاف ذلك،ورغبة منهم في عدم مشاركتهم لليهود في أعيادهم. ولكن أحد القديسين أمرهم بالاحتفال به تخليدا لذكرى السيد المسيح وقيامه، وأن يصبغوا البيض باللون الأحمر تذكاراً لدمه، فجعلوه موافقا لعيد قيامة المسيح عليه السلام. وأصبح عيد القيامة ملازما ومرتبطا لاحتفال المصريين بعيدهم شم النسيم، ويقع دائما في اليوم التالي لعيد الفصح أو عيد القيامة.

فكان احتفال المسيحيين بعيد القيامة يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد شم النسيم يوم الاثنين وذلك في شهر برمودة من كل عام. وسبب ارتباط عيد شم النسيم بعيد القيامة على هذا النحو هو أن عيد شم النسيم كان يقع أحيانا في فترة الصوم الكبير ومدته 55 يوم (خمس وخمسين يوما) كانت تسبق عيد القيامة ولما كانت الأطعمة ذات الأصل الحيواني بما فيها السمك محرمة عند المسيحيين طيلة فترة الصوم الكبير وكان أكل السمك أهم ما يميز الاحتفال بعيد شم النسيم فقد تقرر نقل الاحتفال به إلى ما بعد عيد القيامة مباشرة حتى يتم الاستمتاع به وبمأكولاته التي ورثوها عن الأجداد، وأصبح يسمى كنسياً (اثنين الفصح). وما زال هذا معمولا به حتى الآن؛ حيث يأتي شم النسيم في اليوم التالي مباشرة لعيد القيامة. وعلى ذلك فإن عيد شم النسيم في أصله لا يرتبط بالديانة المسيحية مطلقا وإنما ربطه مسيحيو مصر بعيد القيامة ليتجاوزوا فترة الصوم الكبير كما أوضحنا. فهو عيد موروث عن قدماء المصريين. 

(ثانياً) طريقة المصريين القدماء في الاحتفال بشم النسيم وانتقال ذلك عبر العصور:
كان المصريون يحتفلون بعيد شم النسيم احتفالا رسميا تشارك فيه كل طوائف الشعب المصري وجميع طبقاته، بما فيهم الفرعون نفسه وكبار الكهنة وباقي كبار رجالات الدولة. فقد كان المصريون يبدأون احتفالهم بشم النسيم ابتداء من ليلة هذا اليوم فيبدأون باحتفالاتهم الدينية في ليلة هذا العيد حيث كانوا يتجمعون أمام واجهة الهرم الشمالية قبل غروب الشمس (ربما ليكونوا في اتجاه نسيم الربيع الذي تحمله نسائم الشمال) وذلك قبل الغروب ليشهدوا غروب الشمس؛فيظهر قرص الشمس وهو يميل نحو الغروب مقتربا تدريجيا من قمة الهرم حتى يبدو للناظرين وكأنه يجلس فوق قمة الهرم حيث تخترق أشعة الشمس قمة الهرم فتبدو واجهة الهرم أمام أعين الناظرين كأنها مشطورة إلى جزأين في منظر عجيب مدهش.

ومازالت هذه الظاهرة المدهشة تحدث عند قدوم الربيع في الحادي والعشرين من مارس من كل عام في اللحظات الأخيرة من الساعة السادسة مساء. ثم مع شروق الشمس يتحول إلى عيد شعبي تشترك فيه كل طبقات الشعب المصري حيث كان الملك يشارك مع كبار الكهنة الاحتفال بهذا العيد؛ فقد كان المصريون يخرجون مبكرا في جماعات وفي أسرهم إلى الحدائق والمنتزهات وعلى شاطئ نهر النيل الخالد،حتى يستقبلوا أشعة الشمس. وكانوا في خروجهم هذا يحملون معهم الأطعمة التي ارتبطت عندهم بهذا العيد، وكذلك أدوات اللعب، ومعدات اللهو، والآلات الموسيقية والدفوف. وكانت الفتيات تتزين بعقود الياسمين ، والأطفال يحملون سعف النخيل المزين بالألوان والزهور، ويظلون يحتفلون طيلة اليوم من شروق الشمس إلى غروبها، ويظلون يقيمون حفلات الترفيه مثل حفلات الرقص على أنغام الموسيقى التي يعزفونها على أدوات الموسيقى مثل الناي والمزمار والقيثارة تصاحبها دقات الطبول والدفوف مصحوبة بالأغاني والأناشيد الخاصة بعيد الربيع. كذلك كانوا يقومون بعمل التمثيليات ، كما كانوا يقيمون المباريات الرياضية. وكانوا يتبادلون التهنئة في الشوارع والأحياء السكنية والأماكن العامة. وكانوا يتناولون أثناء تلك الفترة من اليوم الأطعمة الخاصة بهذا العيد من فسيخ وبيض وبصل وخس وحمص مما سيلي توضيحه. وحين يعودون إلى منازلهم كانوا يقيمون كذلك في مساكنهم حفلات الاستقبال والزيارات، ويتبادلون التهنئة. 

(ثالثاً): أطعمة شم النسيم عند المصريين القدماء ورمزيتها الدينية والعقائدية:
كان للمصريين القدماء أطعمة خاصة يتناولونها في يوم شم النسيم والتي أصبحت من عاداتهم وتقاليدهم التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بشم النسيم منذ القدم وحتى الآن ؛ ومن هذه العادات الراسخة أكلهم بعض الأطعمة في ذلك اليوم بما يمثله عندهم من تجديد عملية الخلق والحياة والخصب والنماء والتي استمروا يفضلونها طيلة فترة تاريخهم والتي انتقلت من السلف إلى الخلف. وكان من أهم هذه الأطعمة الفسيخ (السمك الملح) والبصل والخس والحمص الأخضر (الملانة). وهذه الأطعمة مصرية أصيلة مرتبطة بمعطيات البيئة المصرية نفسها. وقد ارتبطت تلك الأطعمة عند القوم بمدلول الاحتفال بشم النسيم، وظلت حتى الآن ولكن بعد تفريغها من محتواها الديني والعقائدي إلا في القليل. وقد انتشرت هذه العادات من مصر إلى دول العالم في الشرق والغرب في احتفالهم بالربيع. وهذه الأطعمة هي: 

1ـ ((الفسيخ )) أو السمك المملح :
كان القوم في عيد شم النسيم يأكلون الفسيخ أو السمك ويعتبرونه طعاما أساسيا ظل مرتبطا بهذا العيد، وقد بدأت عادة أكل الفسيخ في شم النسيم عندهم منذ بدأ احتفالهم بهذا العيد منذ الأسرة الخامسة على أقل تقدير ،وذلك عندما بدأ الاهتمام بتقديس نهر النيل (حعبي)، فقد اعتقدوا أن الحياة وبداية الخلق كانت من الماء ، ففي مذاهبهم لتفسير نشأة الوجود أن العالم كان قبل الخليقة عبارة عن محيط أزلي (لجة مائية) ليس له نهاية وأن الإله الخالق برز من المياه وخلق العالم بإرادته فأصدر كلمة نطق بها لسانه فكان من أمر الخلق ما كان. واعتبر المصريون القدماء أن المياه التي على الأرض سواء الأنهار أو البحار أو البحيرات ما هي إلا فيضا من ذلك المحيط الأزلي الهيولي الأولي الذي تم منه خالق العالم. وعلى ذلك كان نهر النيل المقدس عندهم ما هو إلا فيضا من تلك المياه الأزلية وأن السمك يدل عليها. وقد برع المصريون في عملية تمليح وتجفيف السمك وصناعة الملوحة والفسيخ. و لا غرابة في ذلك فهم وحدهم من برع في عملية تحنيط الجسم البشري للحفاظ عليه بعد الموت. وقد ذكر هيرودوت المؤرخ اليوناني الشهير (أبو التاريخ) في كتابه عن مصر قائلاً عن المصريين: "إنهم كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة ، وكانوا يفضلون نوعا معيناً لتمليحه وحفظه للعيد أطلقوا عليه (البور)". والاسم البور هو الذي تحور في اللغة القبطية إلى(يور) ومازال يطلق عليه حتى الآن. 

2ـ البصل :
وكان البصل من الأطعمة التي حرص المصريون القدماء على تناولها في مناسبة شم النسيم منذ الأسرة السادسة على أقل تقدير. وكان القوم يعتقدون أن البصل مرتبط بإرادة الحياة وقهر الموت، والتغلب على الأمراض والشفاء منها،والتغلب على السحر وطرد الأرواح الشريرة والتغلب عليها.ونسجوا في قدرته الشفائية الأساطير؛وتوضح أسطورة قديمة وردت لنا من مدينة منف أسباب وجذور استخدامهم للبصل وجعله طعاما أساسيا على موائدهم في شم النسيم؛ تروي لنا أن أحد الملوك الفراعنة كان له طفل وحيد وكان محبوبا من الشعب وأن هذا الأمير الطفل قد مرض بمرض عضال أفقده القدرة على الحركة، وعجز الأطباء والكهنة والسحرة عن علاجه، فلزم الأمير الطفل الفراش عدة سنوات كانت فيها لا تقام أية أفراح أو أية احتفالات بالعيد مشاركة من الشعب للملك الفرعون في أحزانه.

وكان أطفال المدينة يقدمون القرابين للإله في المعابد في مختلف المناسبات طالبين لأميرهم الطفل الشفاء من مرضه. وذات يوم استدعى الملك الكاهن الأكبر للإله آمون فأخبرهم الكاهن أن مرض الأمير الصغير يرجع إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتقعده عن الحركة بفعل السحر. وأمر الكاهن بوضع بصلة تحت وسادة الأمير لتكون تحت رأسه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ كما تقول الأسطورة، وعند الصباح شقها ووضعها فوق أنفه ليستنشقها، كما طلب الكاهن تعليق حزم البصل فوق سرير الطفل وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وذلك لطرد الأرواح الشريرة. وتروي الأسطورة أنه بناء على ذلك تمت معجزة شفاء الأمير الصغير تماما والذي نهض من فراشه وخرج ليلعب ويلهو في الحديقة وعاد سيرته الأولى. وفرح الملك وأقام الأفراح في القصر وحضرها جميع أطفال المدينة وشارك الشعب بكل طوائفه في هذه الأفراح بالقصر.

وتصادف أن عيد شم النسيم كان بعد هذا الحدث بأيام فلما حل شم النسيم قام الملك وعائلته وكبار رجالات الدولة بمشاركة الناس في عيد شم النسيم ، وقام الناس مشاركة منهم في تهنئة الأمير الطفل بتعليق البصل على أبواب منازلهم وكذلك جعلوا البصل الأخضر على موائدهم مع البيض والفسيخ في ذلك اليوم ليصير عادة بعد ذلك. وحتى الآن أصبحت عادة أكل البصل في شم النسيم مع الفسيخ والبيض عادة ملازمة للمصريين في وقتهم الحاضر، وكنا نرى في القرى حتى وقت قريب ـ وفي بعضها حتى الآن ـ عادة وضع البصل تحت وسائد الأطفال لدفع العين عنه وطرد الشر،واستنشاق البصل بعد تكسيره وكذلك ظلت عادة تعليق حزم البصل على أبواب المنازل والغرف. وقد رأيت ذلك وأنا طفل من والدتي وجاراتها حيث أنه في يوم شم النسيم كانوا يقومون بدش البصل على أعتاب البيت (على مداخل الأبواب) ويلضمن البصل الصغير على هيئة العقود لنلبسه نحن الأطفال ليدفع عنا الشر.وحتى حينما كنا نصاب بالبرد والأنفلونزا كانت أمهاتنا تقوم بكسر البصل لنشمه حتى يقضي على البرد. لكن من المؤكد بعيدا عن الأساطير أن للبصل فوائده الطبية الكبيرة والمعروفة للجميع. 

3ـ البيض:
 كان المصريون القدماء في يوم شم النسيم يلونون البيض بالألوان المختلفة ويضعونه على موائدهم كطعام ارتبط بشم النسيم منذ بداية احتفالهم بهذا العيد.وعيد شم النسيم ارتبط منذ بدايته عندهم ببداية الخلق والحياة على الأرض . والبيض يرمز إلى عملية خلق الحياة من الجماد وبدايتها على الأرض. ففي مذاهب تفسير نشأة الوجود وعملية الخلق عند المصريين القدماء كان هناك في أحد تلك المذاهب البيضة الأزلية التي وضعها طائر خرافي في المياه الأزلية، وأن هذه البيضة خرج منها طائر النور صائحا لتمتلئ الحياة بالنور، وتدب الحياة على الأرض.

وفي إحدى أساطير خلق العالم عندهم صورت لنا أسطورة وردت على بردية من مدينة منف أن الإله بتاح إله الخلق في عقيدتهم أنه وضع بيضة على شاطئ المياه الأزلية خرج منها العالم وتمت عملية الخلق من هذه البيضة ، أو جلس على هيئة بيضة في المحيط الأزلي وخلق العالم. ومن هنا كانت رمزية البيض وأكله وتلوينه في عيد الربيع رمزية لإعادة الحياة وتجديد عملية الخلق والحياة والخصوبة والنماء، حيث أن شم النسيم في نظرهم هو عيد بداية الخليقة علي الأرض. لقد كان أكل البيض من الشعائر المقدسة التي ترمز لعملية الخلق وعملية تجديد الخلق في ذلك اليوم.

أما عملية تلوين البيض وزخرفته فتعود إلى عصور وعقائد قديمة لدي القوم حيث كانوا ينقشون على البيض الدعوات والأمنيات في عامهم الجديد ثم يجمعون البيض ويضعونه في سلال من سعف النخيل ويعلقونه في شرفات المنازل وفي أغصان الأشجار في الحدائق حتى يسطع عليها إله الشمس رع بأشعته فتنال بركة الإله ـ حسب معتقداتهم ـ فتتحقق دعواتهم ويبدأون العيد بتناول البيض. وهي عادة ظلت متوارثة حتى الآن. وقد اتبع هذا التقليد في جميع أنحاء العالم ؛ حتى أن الغربيين أطلقوا على البيض في شم النسيم (بيضة الشرق) نسبة لقدوم تلك العادة من الشرق (مصر). 

وحينما بدأت الديانة المسيحية في فلسطين فإن الفلسطينيين أظهروا عدم رغبتهم في الاحتفال بشم النسيم وعدم رغبتهم في تلوين البيض وذلك حدادا ـ من وجهة نظرهم ـ على صلب المسيح الذي حدث بالنسبة لهم قبل عيد شم النسيم بفترة قليلة في تلك السنة المقصودة، وحتى لا يشاركون اليهود احتفالاتهم التي منها شم النسيم الذي أخذه اليهود من مصر أثناء تواجدهم بها ثم أخذوه معهم بعد خروجهم منها إلى فلسطين كما سلف ذكره. ولكن أحد القديسين أمرهم بأن يحتفلوا بالعيد تخليدا لذكرى السيد المسيح وقيامه،على أن يصبغوا البيض باللون الأحمر حتى يذكرهم هذا اللون دائما بدمه. وأتذكر أن أمهاتنا كانت تلون لنا البيض في شم النسيم وبعد أن نأكله كانت تجمع قشر البيض الملون وتصنع لنا عرائس من الطين وتلصقها على الجدران التي كانت في ذلك الوقت من الطوب الأخضر وتقوم بلصق كسور قشر البيض الملون على هذه العرائس فتعطينا منظرا جميلا كنوع من الزينة وحتى تمنع العين والحسد . 

4ـ الخس :
الخس من الخضروات التي يكتمل نضجها في بداية الربيع ومن هنا فهو من النباتات التي تعلن عن قدوم الربيع. وقد ظهر الخس بأوراقه المعروفة في بداية الأسرة الرابعة على أقل تقدير حيث نراه مصورا في السلال ليقدم كقرابين للآلهة في عقيدة القوم،وقد زرعوه في الحدائق على مقربة من من البيوت ، وكان يوضع كذلك على موائدهم في شم النسيم ضمن الأطعمة المحببة والتي تعارفوا عليها في ذلك العيد،واعتبروه من النباتات المقدسة الخاصة بالإله (مين) إله التناسل والإخصاب، فقد صوروا الخس تحت أقدام هذا المعبود؛ حيث كان يقام تمثاله في أغلب الأحيان تجاه مساحة مربعة من نبات الخس .كما كان في أساطيرهم أن الخس كان يأكله الإله (ست) الذي كان ماجنا,ولكن فاقه (مين) في مجونه. وكان القدماء المصريين يرون أن الخس كان يجعل النساء خصيبات والرجال شبقين. وقد لفت ذلك نظر بعض العلماء المتخصصين في النبات والتغذية في عصرنا الحديث فقاموا بعمل أبحاث على نبات الخص وعلاقته بالخصوبة فوجدوا أن هناك علاقة وثيقة بين الخس والخصوبة ، واكتشفوا أن زيت الخس المعروف لنا يزيد من القوة الجنسية وذلك لاحتوائه على فيتامين (هـ)، بالاضافة إلى بعض هرمونات التناسل والإنجاب. 

5ـ الحمص (الملانة):
كان الحمص الأخضر من ضمن الثمار والأطعمة التي يتناولها المصريون القدماء في شم النسيم. وكان المصريون يطلقون على الحمص (حر بيك) بمعنى رأس الصقر؛ فكلمة (حر) بالمصرية القديمة تعني رأس ،أما كلمة (بيك) فتعني الصقر. وقد أطلقوا عليه هذا الاسم بسبب أن شكل حبة الحمص تشبه رأس الصقر الذي كانوا يقدسونه هو الآخر تحت اسم الإله (حورس). وقد وردت برديات طبية من مصر القديمة ذكروا فيها فوائد الحمص ومزاياه؛ وكانوا يعتبرون نضوج ثمرة الحمص وامتلاءها بمثابة إعلان عن قدوم الربيع؛ ومن هنا أخذوا منه اسم (الملانة ) أو (الملآنة). وكان الفتيات في عيد شم النسيم يصنعون من حبات الحمص الأخضر عقودا وأساور لهم يرتدينها كزينة في هذا اليوم. كما كانوا يستخدمون حباته أيضا في تزيين حوائط المنزل ونوافذه في حفلاتهم المنزلية. 

6 ـ الزهور:
ومن المظاهر الجميلة الراقية عند المصريين القدماء في يوم شم النسيم أنهم كانوا يتزينون بعقود من الزهور وخصوصا زهور الياسمين. ومن الجميل أن لفظ الياسمين الذي نستعمله في اللغة العربية لهذا النوع من الزهور هو تحريف عن الاسم المصري القديم لهذه الزهور وهو (ياسمون) وحولناه نحن في العربية إلى (ياسمين) ودخل الانجليزية مع تغيير بسيط (جاسمين). وكان المصريون القدماء يستخرجون من زهر الياسمين العطور وزيت البخور الذي كانوا يقدمونه ضمن قرابين الآلهة في المعابد. 

وهكذا يتبين لنا أن عيد شم النسيم هو عيد مصري قديم يعود لعصر الفراعنة. وأن عادة الاحتفال بشم النسيم في بدايتها ليس لها علاقة بالديانات السماوية ، ولم ينزل بها دين سماوي معين ، ولكن بعض أصحاب الديانات السماوية أقحموا هذا العيد إقحاما في طقوسهم أو في ديانتهم.

موضوعات بحثية:
أسباب إختيار المصريين القدماء للأطعمة - كيف إرتبط عيد شم النسيم الفرعونى بالأعياد المسيحية - أسرار الأطعمة المصرية القديمة فى عيد شم النسيم - لماذا اختار الفراعنة الفسيخ المملح فى يوم شم النسيم - هل يوجد عيد شم النسيم فى مناطق أو أماكن أخرى حول العالم.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016