حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

خصائص الفلسفة اليونانية القديمة

بقلم المفكر الفلسفى/ حسام المنفى 
خصائص الفلسفة اليونانية القديمة
كانت كلمة فيلوسوفيا ـ philosophia ـ "محب الحكمة" التي يقال عادة إنها لفظة يونانية مشتقة من كلمتين يونانيتين هما: فيلوس philos وتعني صديق أو محب، وسوفيا sophia وتعني حكمة.

كانت هذه الكلمة تطلق على كل فرد يسعى إلى اقتناص الحكمة، سواء استطاع الوصول إليها عن طريق التأمل العقلي الخالص أو عن طريق العلوم المختلفة التي تعتمد على الحواس كمصدر أساسي من مصادر المعرفة. إلا أن هذا اللفظ أخذ يضيق بعد ذلك على يد فبثاغورس الفيلسوف وعالم الرياضيات الشهير ليصبح حكرا على ذلك النوع من التأمل والتفكير العقلي فيما يصادف الإنسان من مشكلات نتيجة لما يطرحه من تساؤلات حول علاقته بالأخرين من بني جنسه، وعلاقته بتلك القوى الإلهية الخفية التي أبدعت العالم الطبيعي(1).

ويذهب الدكتور مصطفى النشار إلى أن " لفظ الفلسفة لم يكن يدل على ما نعنيه اليوم فقط من تفكير مجرد وتحليل عقلي للمشكلات الإنسانية والميتافيزيقيا(2) بل كان يدل كذلك على أي نشاط عقلي يبذله الإنسان بهدف السيطرة على الطبيعة وفهم ظواهرها الغامضة. ومن ثم كانت "الفلسفة" اسم يطلق على كل ابداعات الإنسان اليوناني في كل الميادين الفنية والأدبية والعلمية والدينية والفلسفية، فقد كان فيلسوفا كل من يفكر ويتأمل ويبرع في شتى الميادين. وعلى ذلك فالفلسفة كإصطلاح تعني "محبة الحكمة" بهذا المعنى الشامل الذي ظل ملتصقا بها منذ العصر اليوناني وحتى مطلع العصر الحديث الذي شهد بداية الإنفصال الفعلي للعلوم المختلفة عن الفلسفة(3).

وبعد هذه الإشارة السريعة لمفهوم الفلسفة عند فلاسفة الأغريق القدامى يجدر بنا أن نتجه إلى مناقشة أهم الخصائص التي كانت تتميز بها الفلسفة اليونانية القديمة أي بدأ من أول فيلسوف يوناني وهو "طاليس الملطي" الذي ولد سنة 624 ق.م حتى بداية ظهور السوفسطائيين في النصف الثاني من القرن الخامس ق.م، وهذه الفترة التي تقع بين طاليس والسوفسطائيين هي موضوع بحثنا في هذا المقال وفي عدة مقالات قادمة. وسنناقش في السطور القادمة من هذا المقال مشكلات ثلاث وسنتعرف على موقف الفلاسفة الطبعيين الأوائل من هذه المشكلات وهي مشكلة الطبيعة، ومشكلة الإنسان، ومشكلة الألوهية. وسنعتمد في مناقشاتنا لتلك المشكلات على كتاب "تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي" للدكتور مصطفى النشار . وكذلك كتاب "الفلسفة عند اليونان" للدكتورة أميرة حلمي مطر.

(أ) مشكلة الطبيعة:
كانت فكرة الطبيعة عند الفلاسفة الطبيعيين الأوائل تعني المادة الأولية التي نشأت عنها كل الموجودات ، ومن من ثم اتجه كل فيلسوف فرضية معينة لينطلق منها مفسرا ومعللا كل مظاهر الوجود المادي برمته. فقد انطلق طاليس من فرضية أن الماء هو أصل الأشياء ، أي أن الأرض وجميع الكائنات الحية بما فيها الأنسان قد انبثقت جميعها من الماء.

ثم افترض أنكسيمانس أن الهواء هو العلة الأولى للوجود وليس الماء كما كان يدعي طاليس ، وعند هرقليطس العنصر الرئيسي هو النار ، وكان أكثرهم عبقرية على الإطلاق هو دمقريطس الذي افترض أن العالم بأكمله ما هو إلا نتاج مواد صلبة غاية في الصغر بحيث لا تستطيع العين أن تراها ، أي أنه افترض أن الكون مكون من ذرات ، ومن هنا تتضح عبقريته وإبداعه وأصالته.

وكان الفيلسوف الأنجليزي فرانسيس بيكون كثيرا ما يمتدح دمقريطس ويثني عليه لأفتراضه هذا الفرض العلمي الخطير ومع ذلك فإن فكرة دمقريطس عن الذرة تختلف كثيرا عن تصور العلم الحديث لها ، واللافت للنظر هنا أن أغلب فلاسفة تلك الفترة قد استندوا في محاولة تفسيرهم لمظاهر الوجود المختلفة إلى عدة فروض أغلبها فروض مادية بحته مما يجعلهم أقرب للعلماء منهم للفلاسفة ولذلك أطلق على المشتغلين بالفلسفة في هذه الفترة "بالطبيعيين الأوائل" لأنه كان جل اهتمامهم منصبا على البحث في أصل الكون ونشأته.

تقول الدكتورة أميرة حلمي مطر "لم يكن تأثر الفلسفة الطبيعية المبكرة عند اليونان بالمستوى العلمي والفني الذي وصلت إليه الصناعة في عصرهم بأقل من تأثرها بالعوامل الإجتماعية والفكرية الأخرى ، فمعظم فلاسفة هذه الفترة كانوا علماء وكانت لهم مخترعات ومكتشفات علمية عظيمة الأهمية"(4).

ويقول برتراند رسل وهو في صدد حديثه عن طاليس أول الفلاسفة الأغريق "ومع ذلك فأمامنا مبرر قوي يحملنا على احترام طاليس ، ولو أنه احترام موجه إليه باعتباره رجلا من رجال العلم أكثر منه فيلسوفا بالمعنى الحديث لهذه الكلمة"(5).

(ب) مشكلة الإنسان:
كما رأينا كان البحث منصبا على كل ما يتعلق بالقضايا التي تمس الطبيعة وأن البحث في قضايا الإنسان ، النفس وطبيعتها، ما علاقة النفس بالجسد ، وما هو مصيرها بعد الموت ، الأخلاق ، وما مصدر القيم الأخلاقية ، أهي مطلقة أم متغيرة ، الحرية....إلخ كل هذه الأمور لم تكن تتصدر قائمة اهتمامات الفلاسفة الطبعيين الأوائل وكان جل اهماماتهم كما رأئينا تصب في البحث عن نشأت الموجودات وأصلها وعللها ، ولكن مع ظهور بروتاجوراس الفيلسوف السوفسطائي الشهير الذي قال "الإنسان هو معيار كل شيء" ومن بعده سقراط الذي اهتم هو الأخر بالبحث في قضايا الأنسان ، فحولا مجرى البحث اليوناني من النظر في الطبيعة إلى النظر في الإنسان والبحث في قضاياه ومشكلاته. وقد انقسم الفكر اليوناني منذ هذا التاريخ إلى ما قبل سقراط وما بعد سقراط فيما يرى المؤرخون نظرا لهذا التحول الذي طرأ عليه وهو الإهتمام ببحث طبيعة الإنسان ومشكلاته(6).

(ج) مشكلة الألوهية:
يقول الدكتور مصطفى النشار(7) "اهتم المفكرون اليونان بالبحث في الألوهية ، حيث ولد اهتمامهم بالبحث في الطبيعة وقضايا الإنسان ، ذلك الإهتمام بالتسائل عن القوة المبدعة الخالقة للكون والإنسان . ويمكن القول إن البحث عن الألوهية بصورة مستقلة قد بدأ مع اكسينوفان الشاعر الفيلسوف الذي كان أول من حاول تخليص اللاهوت اليوناني من أثار التفكير الأسطوري الذي صبغه به هوميروس وهزيود في أشعارهم التي صورت الألهة كالبشر يتخاصمون ويتصارعون ويتزاوجون وينجبون بل يقيمون علاقات مع البشر العاديين".

وقد خلص اكسينوفان إلى الإعتقاد بإله واحد وصففه بأنه لا يشبه الإنسان لا في صورته ولا في فكرته وأنه يرى ككل ويفكر ككل ويسمع ككل ، فوعي الإله ليس معتمدا إليه على أعضاء حسية أو على شيء يضاهيها. ولكن فكرة الألوهية أخذت تتبلور وتتشكل أكثر على في عقول المفكرين اليونان على يد سقراط الذي يؤمن بإله واحد كما أكد أفلاطون أيضا بواحدية الإله وأثبت وجوده ببراهين عقلية عديدة ، أما أرسطو تلميذ أفلاطون فقد بلغ في تنزيه الإله شوطا بعيدا ، فاعتبر الإله هو المحرك الأول للكون وهو العلة الفاعلة والغائية للعالم الطبيعي .

وخلاصة القول أن الفترة في تاريخ الفكر اليوناني والتي تبدأ بعام 585 ق.م تقريبا وذلك العام الذي تنبأ فيه طاليس بكسوف الشمس وتنتهي تقريبا في النصف الثاني من القرن الخامس ق.م مع ظهور السوفسطائيين وسقراط الذين نقلو البحث الفلسفي من مجال الطبيعة إلى داخل الإنسان نفسه ، وهذه الفترة تتميز بالبحث في الطبيعة وعلل الموجودات وأصل الأشياء وأن مفكرين تلك الفترة لم يهتموا بالبحث في الإنسان وقضاياه المختلفة وأيضا لم يرتقي اهتمامهم في المسألة الإلهية إلى مستوى اهتمامهم بالبحث في المشكلة الطبيعية.

المراجع
(1) د. مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، المجلد الأول ص32.
(2) الميتـافـيزيقـا كلمة مشتقة من الكلمـة الإغريقيـة "Metata Physika"، ومعناها (ما بعد الطبيعة). أي البحث في ما وراء الطبيعة مثل الله وصفاته ، النفس ، العقل وطبيعته ... إلخ.
(3) المصدر السابق .
(4) د. أميرة حلمي مطر: الفلسفة عند اليونان ص39.
(5) برتراند راسل: تاريخ الفلسفة الغربية المجلد الأول ص61.
(6) د. مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، المجلد الأول ص70.
(7) المصدر نفسه ص71.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016