حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

اخناتون وديانة آتون (بحث كامل بالصور)

بحث كامل من إعداد الآثارى/ محمد ثروت شاكر - مفتش آثار المنيا
تحت إشراف أ.د/ جلال أبو بكر - أستاذ التاريخ والحضارة المصرية - جامعة المنيا

الفهرس:
1- مقدمة (إخناتون في ميزان التاريخ). 
2- أبناء اخناتون وزوجته نفرتيتي. 
3- قالوا عن اخناتون. 
4- العاصمة السياسية الجديدة (تل العمارنه). 
5- موقف اخناتون من امون وكهنته. 
6- فكرة الديانة الاتونية وكيف دخلت مصر. 
7- تري ما هي دوافع ثورة اخناتون الدينية ؟ 
8- مبادئ واتجاهات اخناتون الدينية. 
9- بواعث العبادة التي دعا إليها اخناتون. 
10- صفات قرص الشمس. 
11- قرص الشمس في مصر قبل القرن الرابع عشر ق.م. 
12- أناشيد آتون في مقبرة آي. 
13- دور زوجته نفرتيتي وتأييدها للثورة الدينية. 
14- الجانب الحربي من حكم اخناتون. 
15- الحالة السياسية داخليا وخارجيا. 
16- رسائل العمارنة. 
17- الفنون والاداب في عصر اخناتون. 
18- خاتمة.
19- قائمة الصور.
20- المراجع.
اخناتون وديانة آتون (بحث كامل بالصور)
مقدمة (اخناتون في ميزان التاريخ)
في أوائل عام 1380 ق.م ولد الطفل امنحوتب الرابع في قلب قصر ملكي عظيم وفخم يتوسط العاصمة الفرعونية القديمة طيبة وكانت تجري في عروقه دماء ملكية عريقة ودينية متأصلة فأبوه الملك امنحوتب الثالث ابن تحوتمس الرابع والملكة القديسة موت مويا وامه الملكة تي ابنة النبي يوسف والقديسة تويا أطلق امنحتب الثالث علي ابنه نفس الاسم الذي تسمي به والذي اختاره له كهنة معبد امون وهو امنحتب بمعني ارضاء امون خشية لسطوتهم وجبروتهم وأجبار الملوك علي الخضوع لهم .

عاش امنحوتب الرابع بين ابيه امنحوتب الثالث وامه الملكة تي في بلاط ازدحم بنساء جميلات من كل البلاد الاسيوية جلبهن ابوه من انحاء الامبراطورية لتكن محظيات لنفسه فنشأ في وسط تهيمن عليه مظاهر الترف وعدم التقيد بتقاليد دينية التي ترسم لولي العهد طريقا محددا لا يحيد عنه.

ولا شك أنه كان للملكة المقدسة تي في ذلك الجو الصاخب اجتماعيا ودينيا سلطان في القصر وخارجه وبمعاونة والدها الحكيم يويا الذي عينه الملك مستشارا له ومشرفا علي تربية ابنه فبادر بارسال طفله الملكي ليتلقي تعليمه في الاله رع في أون(هليوبوليس) معبد اجداده من عصر الاهرام الذين حمل كل منهم اسم رع لا اسم امون وكان اخرهم جده تحوتمس الرابع الذي اتخذ من تويا (يوسف) مستشارا له في جميع الشئون السياسية والدينية.

يصف التاريخ امنحوتب الشاب انه كان مرهف الحس الشديد الذكاء وفيلسوفا سديد الرأي ذا عقل راجح ونفس صافية. 
مكث اخناتون الطفل يدير الملك مع والده تسع سنوات ثم مالبث والده ان دفع صحتة وشبابه ثمنا لملاذه واهوائه فمات ولم ىتجاوز الخمسين من عمره وعندما تولي عرش البلاد كانت تعاونه امه الملكه تي المقدسه كما كانت تشارك ابيه في الحكم طوال سنوات حكمه.

عندما تولي اخناتون عرش البلاد وجد الامور مهيأه بعض الشئ للثورة علي كهنة امون اله طيبه وطقوس عبادته المعقدة فخرج عليهم اخناتون بفكرة جديدة هداه تفكيره الي نظره ساميه في اصل الكون اساسها وجود الاله الواحد الاعظم الذي 
تطل سماؤه الحانيه من عليائها فوق جسم الارض ومن هذا العناق المقدس تخلق 
الاشياء بجسم ارضي وروح سماوية واطلق علي الاله الجديد اسم اتون وهو اسم 
من اسماء رع وهو ليس قرص الشمس ولكنه القوة الخفية خلف قرص الشمس التي تهب الحياه والحركه فرمز لها بقرص الشمس التي تتدلي اشعتها علي هيئة أياد بشرية تحمل مفتاح الحياة ورموز الخير والنعم وطالب الناس بعبادته لاشريك له.

واطلق الملك الفيلسوف علي نفسه اسم اخناتون اخن اتن اي مكرس الاله وفسرها مؤرخو الاديان بانها تعني رسول الاديان[1].

أبناء اخناتون وزوجته نفرتيتي:
تزوج امنحوتب الرابع وعمره اثنا عشر عاما وعلي الرغم من وجود فتيات كثيرات ممن يحملن لقب الاخت إلا إنه لم يتبع العادة القديمة التي ترغم الملك علي الزواج بالتي تحمل لقب الاخت الكبري الوريثة الشرعية للملك بل إختار زوجة لم تكن تمت إليه بأي صلة للعائلة الملكية وكانت تسمي نفرتيتي ,ويبدو إنها كانت أحد أبناء كبار النبلاء المصريين وكان يدعي (اي) أما عن امها فقد توفيت وكانت الزوجة الثانية لاي وتسمي تي وكان يطلق عليها المرضعة الكبري او المرضعة للملكة.

ويبدو ان نفرتيتتي قد تزوجت هي الاخري في سن صغير وعندما بلغت سن السابعة عشرة رزقت بطفلها الاول وكانت انثي. 
وكانت اسرة إخناتون قبل االذهاب للعاصمة الجديدة تتكون من زوجته نفرتيتي وابنته الكبري مريت اتون ثم انجبت الملكة بعد ذلك بنتين اخرتين وهما مكت اتون وعنخ اس ان با اتون.

وقد ظهرالملك علي الكثير من الاثار وهو وزوجته ومع ابنائه بمناظر تعبر عن الترابط الاسري مثل نري الملك علي احد اللوحات يقبل ابنته الطفلة علي حين تدلل الملكة ابنتها الثانية علي ركبتها وفي منظر اخر يتناول الملك شريحة من اللحم وتتناول زوجته طائرا يطهي علي النار ,كما يصور الفنان حزن الملك الشديد علي وفاة احد بناته مكت اتون تصويرا دقيقا وصور الاحتفالات بدفنها في تل العمارنه.وهكذا كان إخناتون يمثل دائما بملامح الاب السعيد الحنون مداعبا بناته الصغار ويأخذهن علي ركبتيه أو يداعبهن او يحتضنهن وكزوج مخلص كان يحيط زوجته بالحب والحنان ويطلق عليها سيدة قلبي وكصاحب دعوة للعدالة والحق فقد شجع الفنانيين علي تمثيله هو وافراد عائلته بواقعية مبالغ فيها بعض الشئ فمثلا كانت الزوجة نفرتيتي تعاني نت انفصال شبكي في العين ونري بوضوح هذا المرض في تمثالها الشهير ببرلين[2].

قالوا عن اخناتون:
اهتم الباحثين منذ أوائل القرن التاسع عشر عندما فوجئ رواد المصريات لأول مرة بصورته منقوشة علي جدران بعض المقابر الصخرية المنعزلة في مصر الوسطي. وأصبح ذلك الكشف الهام منذ ذلك الوقت موضوعا لمزيد من البحث والتقييم فأعتبره أحد الباحثين فرعون الاضطهاد وأعتبره اخر ضحية الخروج أما الاثري الشهير جلانفيل فرأي فيه ملكا لا يستحق سوي اللوم والتأنيب وأما برستيد عالم الاثار الامريكي فقد أمتدحه وقرظه ووصفه بأنه اول شخصية هامة في التاريخ ويري عالم المصريات جاردنر أن نظراته تدل علي التعصب وبلبلة الفكر مما يجعله نموذجا للمصابين بالهوس الديني ويتضح من كل ذلك لولا ان الموضوع فريد في بابه لما اثار كل هذا الجدل ونجد ان جيمس هنري برستيد يلخص في دراسة تاريخية كلاسيكية حكم اخناتون في الكلمات الاتيه:

لقد ماتت معه تلك الروح التي لم يشهدها العالم من قبل تلك الروح الجسورة التي تصدت بشجاعة لتيار التقاليد العتيدة ومن ثم برز من بين الصف الطويل للفراعنة التقليديين الذين لا لون لهم فنشر من الافكار ما تجاوز مفاهيم عصره و ارتفع عليها فلم يستوعبوها وقد سبق بذلك الفكر العبراني بنحو سبعة او ثمانية قرون ولكن ينبغي للعالم المعاصر ان يقدر هذا الرجل حق قدره بل عليه ان يضعه في مكان متميز فهو في زمن موغل في القدم تختلف ظروفه عن ظروف عصرنا أختلافا شديدا لم يصبح مجرد أول المثاليين أو الشخصية المتميزة الأولي في التاريخ ولكنه فوق ذلك كان أول الموحدين وأول الأنبياء العالميين فهو أعظم شخصيات الدنيا القديمة[3].

وقد أثبتت الحفائر والابحاث الحديثة ان اخناتون لم يشترك مع ابيه في الحكم بل استولي علي العرش بعد وفاته مباشرة وتوضح لنا رسائل العمارنة ان الملكة تي ام امنحتب الرابع قد ارسلت للملك الميتاني توشراتا خطابا تبلغه فيه بموت زوجها امنحتب الثالث وتطلب منه ان يستمر في علاقته الطيبة مع ابنها امنحتب الرابع وأجابها بان علي الفرعون الجديد ان يحافظ علي هذه العلاقة الطيبة بينه وبين الميتانيين ,ويستدل من الخطاب علي ان امنحتب الرابع لم يعتل عرش البلاد الا بعد وفاة ابيه,وفي الوقت نفسه يدل علي قوة شخصية الملكة تي داخليا وخارجيا,كما اثبتت النتائج الحديثة لمشروع معبد اخناتون ان امنحتب الرابع لم يكن شريكا في الحكم ايضا إذ لم يذكر اسم والده امنحتب الثالث علي احجار المعبد المكتشفة حتي الان,والذي شيده الملك امنحتب الرابع في طيبة في بداية حكمه فلو كان شريكا مع والده في الحكم لوجد اسم ابيه امنحتب الثالث بجواره او صورته منقوشة علي احجار هذا المعبد ,كما اكدت الابحاث التي قام بها دونالد ردفورد عدم مشاركة اخناتون ابيه الحكم[4].

العاصمة السياسية الجديدة (تل العمارنه):
في عام 1368 ق.م عندما بلغ الملك سن السابعة عشرة قرر الملك فجأة ان يترك طيبة ويبني العاصمة الجديدة حيث لاتصبح فيها عقيدة اتون عرضة للاضربات وشيد فيها معبدين لمعبوده اتون وفي الوقت نفسه غير اسمه من امنحتب لاخناتون (اخ-ان-اتون) اي الملائم او المفيد لاتون او الصورة المشعة لاتون وذلك لكي يبين انه قطع كل الصلات التي تربطه بامون. فنجد إنه هجر طيبة واستقر وعائلته وحكومته واعوانه بالعاصمة الجديدة تل العمارنه في مصر الوسطي وهي تقع علي الشاطئ الشرقي للنيل بين المنيا واسيوط علي بعد بضعة كيلو مترات محاجر حاتنوب للمرمر وهي تدين باسمها لقبيلة بني عمران الذين استقروا فيها منذ قرنين تقريبا ,وقد اطلق علي العاصمة الجديدة اسم اخت اتون وتهدمت المدينه بوفاة اخناتون[5].

وفي السنة الملكية السادسة وبعد أن غير الملك اسمه بوقت قليل إنتقل الملك للاقامة بمدينته الجديدة التي اقسم ألا يبارحها ابدا لذلك بنيت للملك ونفرتيتي وتي قصور منيفة في هذه المدينة كما بنيت مساكن لباقي افراد العائلة الملكية وبني معبد اتون واتخذ كمركز للعبادة الجديدة علي مستوي العالم كله وسور بسور عظيم. وحفرت مقبرة ضخمة للملك في الوادي الذي ينصف المرتفعات نصف الدائرية المحيطة بالموقع جهة الشرق وعومل كبار موظفي الملك بنفس السخاء ووهبوا ضياعا واسعة وحفرت لهم مقابر علي سفوح الجبال جنوبا وفي الصخور شمالا ولم يكن رجال بلاط اخناتون من عائلات عريقة بل كانوا رجالا من عامة الشعب يرجع الفضل كله في سمو مكانتهم للفرعون نفسه ,ويعود الفضل في كل ما نعرفه الان عن مذهب الملك الجديد الي مقابر موظفيه هؤلاء حيث زخرفها بنقوش إحتوت علي نصوص في تمجيد اخناتون والهه اتون[6].

وقد أشار اخناتون نفسه الي تاسيس المدينة علي لوحات حدود كبيرة عددها اربع عشرة علي الاقل محيت نقوش العديد منها ,منحوتة علي جوانب التلال الشرقية والغربية للنهر ,وهناك نسختان من النص احداهما طويل والاخر قصير والنص القصير محفوظ خير من الطويل وقد جاء به انه في اليوم الثالث عشر من الشهر الثامن من السنة السادسة أعتلي الملك عربة مذهبة وأبحر شمالا من الخيمة المزينة التي قضي الليل بها وذلك بقصد تثبيت حدود مدينة اخت اتون التي قد تم تصميمها,وبعد تقديم الاضاحي الي الاله توجه جنوبا الي بقعة كانت اشعة الشمس التي تضئ من فوقه تحدد المكان الذي يجب ان تكون عنده أقصي حدوده الجنوبية وهنا أقسم بابيه اتون وبأمله في ان تصل الملكة وابنتاهما الكبريان الي العمر الطويل بانه لن يتخطي هذا الحد كما اقسم الا يتخطي حدين اخرين الي الشرق وثلاثة اخري الي الغرب واما كل الارض داخل هذه الرقعة فهي لاتون وانه سيصلح من كل تلف او تهشيم يحل باللوحات التي تحددها وأقسم علي ان يعيدها الي حالتها الجيدة[7].

وعن أسباب اختيار المدينة ,فقد أصبحت المعيشة في طيبة غير متيسرة لكثرة اتباع مذهب امون القديم بالرغم من الاجراءات التي استخدمها اخناتون لأبادة هذا المذهب فكان الملك إذا القي بناظره علي شاطئ طيبة الغربي وجد مقابر ومحاريب ابائه وأجداده في حالة دمار وخراب اثر حملته الشنيعة عليها زد علي ذلك ان صروح الكرنك ومسلاتها الشامخة كانت تذكره دائما بمذهب ابائه واجداده وما فعلوه لاعلاء شأن آمون بالاضافة ما كان يجول في نفس اخناتون من الالم كلما رأي معبد والده الذي أقامه بالاقصر لاعلاء شأن امون الذي لم يتم بناء صحنه قبل وفاته.كل هذا جعلت اخناتون يفكر في الخروج من هذا المأذق فصمم علي بناء ثلاثة مراكز لعبادة اتون في اجزاء الامبراطورية الثلاثة مصر-النوبة-اسيا, وان يكون مركز هذه العبادة بالقطر المصري حيث عرش فرعون, فعند بلدة دلجو وبالقرب منها عند الشلال الثالث انشأ معبدا هناك سمي (جم اتون ), ثم مركزا اخر في سوريا ولا يزال متجاهل مكانه والثالث في تل العمارنة[8].

موقف اخناتون من امون وكهنته:
كان الملك اخناتون متحمسا لهذه الديانة الجديدة لذلك أنشأ معبدا لاتون في الكرنك علي أثره سميت طيبة مدينة إشراق آتون بدلا من مدينة آمون.

إله طيبة القديم الذي كانت قوته وثرائه قد زادتا بشكل ملحوظ في عهد هذه الأسرة.لذلك لم ينظر كهنة آمون لهذه الأجراءات بعين الرضا خاصة هم الذين نصبوا تحوتمس الثالث الفاتح العظيم ملكا علي مصر لذلك كان من الممكن ان يستبدلوا بالحاكم الصغير الجالس علي العرش ملكا آخر يختارونه لولا تمتع أمنحوتب الرابع بقوة الشخصية وأنتمائه إلي سلالة شهيرة من الحكام لها من القوة ما يجعل تنحيتها مستحيلا حتي علي هذه الهيئة القوية من الكهنة وتنشأ علي ذلك تعارض أدي إلي صراع مرير بين آتون والألهة الأخري وأدت حدة الخلاف إلي إستحالة التفاهم بين الملك وكهنة طيبة ,لذلك قرر الملك حسم الموقف فإنخلع عن كل العبادت القديمة مرة واحدة,وجعل آتون الأله الأوحد فكريا هو الاله الأوحد فعليا. لذلك أمر بإضطهاد الكهنة وإبطال عبادة الألهة الأخري بصفة رسمية في معابد مصر كلها كما محيت أسمائها من الأثار. كذلك منع إستخدام كلمة الألهة في صيغة الجمع ومحي وأزيل حيثما وجد بهذه الصيغة. وكان الاضطهاد الموجه إلي امون أشد قسوة لدرجة أن خرطوش الملك والد اخناتون المحتوي علي اسم اله طيبة لم يحترم أثناء عملية المحو والأستئصال. وأخيرا غير الملك إسمه من امنحتب إلي إخناتون ,ورأي أن يهجر طيبة ويتخذ مقرا ملكيا آخر فأنتقل لمدينة آخت آتون (مقر اتون) التي أقيمت علي البقعة تل معروفة الان بتل العمارنة بمصر الوسطي[9].

لقد قام بعمل ثوري حقيقي سعي من خلاله بالقضاء علي ديانة امون فأغلق معابده وشتت كهنته وإذ لم يقنع بهذه التدابير الاولي فقد هجر طيبة واقام وحكومته في تل العمارنه وغير اسمه وامر بمحو اسم امون من علي جميع المدونات علي العمائر وبصفة خاصة من خراطيش من سبقوه من فراعين وتشهد الديانة التي فرضها علي مصر علي نزعة توحيدية واضحة وإن لم يضطهد غير امون من الالهة ,فالاله الاقل هو اتون قرص الشمس[10].

فكرة الديانة الاتونية وكيف دخلت مصر:
كان إحتكاك مصر بالشعوب الاخري نتيجة لتوسعها اثناء حكم الأسرة الثامنة عشرة مما جعلها قوة عالمية عظمي قد أدي إلي إدخال نظرية جديدة في الفكر المصري ,وتنادي هذه النظرية بمفهوم الأله الأوحد وهو الشمس إله الكون كله ورب كل الدول وليس مصر وحدها وأنتشر في عهد امنحتب الثالث أسم قديم كان يطلق علي مادة الشمس أو قرص الشمس هو آتون أصبحت الالسنة تردده بكثرة .وأنتشرت عبادة هذا الاله بسرعه في عهد ابنه حتي أصبحت عبادة الاله الاوحد وليس فقط الأله الاعظم وسار للاله آتون رمز جديد هو قرص الشمس الذي تنبعث منه مجموعة من الاشعة تنتهي كل منها بيد آدمية كان يصل بعضها الي فتحتي أنف الملك والملكة جالبا لها نسمة الحياة في إشارة واضحة إلي قوة ناشئة من منبعها في السماء تتحكم في العالم وفي أقدار الناس ومثل هذا الرمز الظاهري كان من الممكن ان يكون له صفة العالمية ويبلقي قبولا في المستعمرات المصرية الاجنبية بشكل لم تكن الالهة المصرية القديمة ذات الاشكال الادمية والحيوانية قادرة علي تحقيقه وللتأكد علي قوة آتون في المستعمرات كان اسم الاله مفصلا او رمزيا يوضع في خرطوشتين مثل خرطوشتي الفرعون في إشارة إلي أنه ملك سماوي أعظم[11].

وفي الواقع ان كلمة آتون إستخدمت بكثرة في عهد امنحتب الثالث فمثلا أطلق اسم اتون علي القارب المقدس الذي كانت تستقله الملكة تي في البحيرة الملحقة بالقصر اذ سمي اتون يلمع.

ومن الغريب ان المعبودات الاخري التي كانت موجودة بجانب المعبود امون لم تتعرض لنفس المصير من الاضطهاد أو ان المصريين انفسهم نبذوا التقرب الي هذه المعبودات ,ولكن كان المعبود الرئيسي هو اتون الذي يتمثل في قرص الشمس نفسه أي الدائرة المضيئة وهو يختلف عن رع الذي يعيش في داخل قرص الشمس.

واصبحت هذه العقيدة من الان في كامل تطورها وكان اتون ايضا يسمي بالقوة النشطة او النشاط الذي يظهر في الشمس نفسها وفي ضوئها الحار والدافئ, أي القوة التي يعيش فيها رع نفسه وتقرب هذه العقيدة بين الافكار الدينية المصرية والافكار الدينية السائدة في سوريا حيث كان يعبد حيث كان الشمس يعبد في معظم المناطق تحت اسم (أوهون) أو (آدون) بمعني السيد.

والديانة الجديدة ليست بحاجة الي تماثيل للتقرب للمعبود فهو معبود ظاهري وتؤدي الطقوس له في الهواء الطلق وهي موجهة الي ذلك المعبود مباشرة الذي يشرق في الافق ويرتفع في السماء فعقيدة اتون كانت اكثر تطورا من المعتقدات الاخري السائدة في الفترة نفسها فقد اعترف اخناتون نفسه في البداية بالمعبودات الاخري وربما اراد في قرارة نفسه ان يتخلي كلية عن المعتقدات والخرافات ومن النادر ان نجد من بين هؤلاء الذين عاصروا الجيل القديم من يستطيع ان يقاسمه عمق وصفاء تفكيره وكان الملك يعلم ان اتون لا يمكن لمسه ولا يمكن رؤيته ولكنه موجود في كل مكان فهو اب وام لكل البشر في وقت واحد وهو يمكن ان يظهر عن طريق ضوء الشمس الذي يتغلغل في كل مكان وعلي الرغم من هذا فليس اتون هو هذا الكوكب وكما لا يمكن تحديده فانه يمكن ان يكون القوة الخفية التي خلف الشمس والتي هي مصدر هذا النشاط الحيوي الذي يصل الينا علي الارض بفضل حرارة اشعة الشمس التي تبعث الحياة وتقوي كل شئ وتنميه ولم يكن لاتون اي هيئة ادامية ولا يمكن ان تنحت له التماثيل او يصور علي هيئة فهو معني روحي تكمن فيه العدالة والخير والحب والسعادة المطلقة وكل ما هو سعيد علي الارض جزء من من طبيعة اتون فالحب والاستقرار المتعة والضحك والسرور وهدير المياه وقصف الرياح وفاكهة الارض والازهار وجمال الطبيعة وشقشقة الطيور فما كل هذا الا صدي لطبيعة اتون وقد راي بعض العلماء انه كان هناك تأثير اسيوي في هذه الديانة علي حين يري البعض الاخر ان الملك اعتنقها عمدا لكي يستطيع ان يوحد من خلالها بين اطراف مناطق النفوذ المصرية في اسيا في هدف ديني واحد وان عبادة الشمس تتناسب بسهولة مع الاتجاهات الدينية السائدة في انحاء مناطق النفوذ المصرية وكانت ذات اهداف بعيدة[12].

تري ما هي دوافع ثورة اخناتون الدينية ؟
اختلف العلماء حول دوافع هذه الثورة وتعددت ارائهم ,فمنهم من يري انها كانت للقضاء علي نفوذ كهنة امون والايقاع بهم والتخلص من نظامهم الاقطاعي. ومنهم من يري انه لإيجاد معبود تفهمه الدولة المصرية الممتدة امتدادا كبيرا في اسيا ,ومنهم من يري لكل هذه العوامل جميعها ,فقد عرفت مصر مظاهر متعددة للشمس فقد عبدت في شكل رع واتوم وخبر وحور اختي أما اتون فقد عرف في الدولة الحديثة فقط في عهد تحوتمس الرابع ثم في عهد امنحتب الثالث,ذلك الاله الواحد الذي لا شريك له والذي خلق هذا الكون ووهب كل من فيه الحياة والذي تمثل في قرص الشمس ترسل اشعتها التي بأيدي ادمية علي اهل هذه الارض فتحمل لهم هذه الاشعة النور والحياة.ولم يرمز اخناتون لمعبوده الا بهذه الصورة .وقد نشده اخناتون بالعديد من الاناشيد والصلوات منها:

(انت ايتها الشمس الحية التي وجدت منذ القدم انت ايها الاله الواحد الذي لا اله غيره خلقت المخلوقات من بشر وحيوان وكل ما يدب علي الارض أعطيت كلا مكانه وقدرت له رزقه ثم ميزت شعوب الارض ياختلاف لغاتهم والوانهم واشكالهم ثم فجرت النيل لمصر من باطن الارض ثم رفعت السماء علي الارض لترسل منها ضيائك ايها المشرق البهي البعيد القريب ما اعظم اعمالك ايها الرب كلها بحكمة صنعت وانت واحد)[13].

مبادئ واتجاهات اخناتون الدينية:
وتتلخص مبادئ واتجاهات اخناتون في النقاط التالية:
1- ان اخناتون كان مخلصا في دعوته الدينية ويتضح من كل هذا المجهود ان الديانة التي اراد نشرها في مصر تبين الرغبة والميل الي التوحيد وشيئا فشيئا نجد ان اخناتون فرض علي الذين اتبعوه في مدينة افق اتون عبادة واحدة مطلقة وهو كان يهدف بذلك للقضاء علي ظاهرة تعدد المعبودات في الاقاليم المصرية.

2- نجد ان الملك لم يبد اي اهتمام في الواقع بالسياسة الخارجية من الناحية العسكرية بل علي العكس انشغل كثيرا بامور الديانة في الداخل علي حساب تدهور الوضع السياسي في الخارج ,فقد اعتقد بحسن نيه انه يستطيع ان يحافظ علي سلطاته في كل سوريا العليا وذلك عن طريق ربط كل الشعوب بعقيدة اتون وكان يفكر في وحدة الشعوب المختلفة عن طريق الانجاه نحو عقيدة واحدة وهي عقيدة اتون الظاهر للجميع فالاشعة المتفرقة التي تخرج من قرص الشمس ما هي الا أيدي مقدسة تحمل الحيتة الي الكون بأسره وكان الملك يعتقد انه قادر بدون شك علي توحيد الشعوب هذه لكي يسود السلام بينهما بدلا من الحروب, وكما شيد مدينة الافق في مصر الوسطي فانه كرس لنفس المعبود مدينتين في اقصي شمال وجنوب البلاد تحت اسم با-جم-اتون ولا نعرف اين تقع المدينة الشمالية اما الجنوبية فمكانها الحالي في السودان.

3- ان عقيدة اتون او قرص الشمس لم تكن من اقتراحه الشخصي وكانت نواة هذه العقيدة موجودة من قبل عند بعض الملوك السابقين وايضا اسم اتون الذي يتمثل في قرص الشمس قد ظهر من قبل في نصوص الاهرام بالدولة القديمة.

4- يبدو ان بعض الكهنة المصريين قد لعبوا دورا هاما في ثورة اخناتون الدينية.

5- انه من الواضح ايضا ان هذه الثورة لم تكن طويلة الامد علي العكس كانت قصيرة جدا وربما ايضا ان عقيدة اتون قد اهملت اثناء حياة الملك اخناتون نفسه ويبدو ان زوجته نفرتيتي قد لعبت دورا دينيا في الثورة التي تزعمها زوجها. وان كانت قد بدت متحمسة في بداية الامر الا انها ظلت علي اي حال اكثر الوقت علي العهد مخلصة وموالية لهذه العقيدة اكثر من زوجها نفسها.

6- ان العقيدة قد انهارت بعد وفاته لانه كان يعد نفسه حلقة الوصل بين المعبود ومخلصين ومنهم من لم يؤمن ايمانا صادقا بهذه العقيدة.

7- كانت ماعت ويمكن ترجمتها الحقيقة او العدل او الاصول أي القواعد التي يجب ان تتبع هي الاساس الذي ارتكزت عليه ديانة اتون وقد طلبت من الناس ان يجعلوها نصب اعينهم وان يسمو الاشياء باسمائها ولا يلجئوا الي النفاق.

8- كره اخناتون تصوير الهه علي صورة من الصور سواء كانت انسانية او حيوانية وجعله فقط قرص الشمس الذي تعطي اشعتها الحياة للناس اجمعين.

9- كان اتون هو الاله الواحد الاحد الذي لا شريك له وكان هذا اللقب يطلق علي العديد من الالهة المصرية ولكن الجديد في الامر انه حرم عبادات المعبودات الاخري.

10- ومن اهم النقاط في هذه الديانة ان اخناتون كان وحده ابن اتون وهو المكلف بعبادته اما الناس فكانوا يعرفون اتون بعبادتهم لابنه ورسوله اخناتون وهذه النقطة بالذات هي التي وقفت حائلا بين الناس وبين الاستمرار في هذه الديانة بعد موت اخناتون.

11- لم تكن ديانة اتون لمصر وحدها بل للعالم فبسبب هذا الاله عاشت الاسماك في البحار والوحوش في الادغال والزواحف في جحورها.

12- لم يكن هناك معبد لبناء معابد مغلقة تنتهي بهيكل قليل الضوء وانما ببناء معابد مكونة من بهو كبير يتوسطه مذبح ليتمكن كل شخص من الاستمتاع بضوء الشمس.

13- كان اخناتون هو الوسيط بين الناس واتون ولكن لم يمنع ذلك من وجود الكهنة الخاصة بآتون.

14- لو دققنا النظر في ديانة اتون لوجدنا انها خطوة نحو التوحيد والتخلص من ظاهرة تعدد المعبودات.

15- ليس هناك شك في اناشيد اخناتون لالهه كانت ذات اثر مباشر علي المزامير وان المزمور 104 يكاد يكون منقولا عن النشيد الكبير وليس من قبيل توارد الخواطر اما كيفية وصول هذا النشيد للعبرانيين؟ 
فمن المؤكد قد حفظ في اسيا وبقي في ادابها وتناقلته الاجيال حتي جاء الوقت الذي جاء فيه العبرانيون بتدوين التوراة في القرن الثامن ق.م وما تلاه من قرون.

16- لم يتخذ اتون زوجة ولم يكن للنساء شأن حتي في كهنوته كما ان نفرتيتي لم يقرن اسمها بأي وظيفة في معبد اتون ولم يكن لها اي شأن في هذا الدين سوي انها كانت زوجة اخناتون[14].

بواعث العبادة التي دعا إليها اخناتون :
يصدم الباعث السلبي بالدرجة الاولي الذي يقف وراء الاصلاح الذي أدخله اخناتون علي العبادة في مصر حتي المراقب العابر فقد أقتطع من الدين التقليدي اكثر كثيرا مما اضاف أبطل عبادة الالهة وجعل معابدهم تقف بلا عمل وعلي اثر ابطال هذه العبادة اختفت ببساطة أساطير الالهة التي كانت تمدنا بروح كثير من شعائر العبادة ولم يكن اله الشمس الذي انتصر له اخناتون يتمتع بطبيعة الحال بأي اساطير. ولقد مرت الشهور الاولي من حكم اخناتون دون ان يظفر الهه بتصوير يخلع فيه الانسان صفاته عليه.

ولم تكن هناك بنية رمزية اصيلة تشئ بالسلوب الفني الذي يصلح لتبجيل الاله الجديد والاسماء والالقاب القليلة للغاية التي اقتبسها قرص الشمس تنتمي بصفة كاملة الي عباد رع الشمسية وأقران رع المقدس فلقد أقصي اخناتون عالم الغيب الذي اتسم بتركيب رائع عن اذهان الناس ولم يعد الحق يصدر من احد اللهم سوي الملك ,وهذا الحق يصدر عنه ضرورة تحميه بشكل كامل فلا اله الا اتون ولا معابد احتفالية ولا شعائر دينية فيما عدا تقديم القرابين وهو امر اولي ولا تصويرا دينيا ولا تشبيهات للاله الجديد بالانسان ولا اساطير ولا مفهوما حول التجلي دائم التغيير للعالم المقدس وكان في وسع العالم الروماني ان يصف اخناتون بحق انه ملحد فما تركه جلالته لمصر لم يكن الها باي حال من الاحوال بل مجرد قرص في عرض السماء[15].

صفات قرص الشمس:
هذا الاله الواحد الاحد كان سيدا سماويا للنور وتركزت نقوش كتل التلاتات المستخرجة من الكرنك علي الحقيقة التي تقول انه ارتفع للاعالي علي سائر البشر الذين يعتمدون بقوة علي اعمال الخير التي يجود بها دون حساب ضوء القرص هو الذي يقدر الحياة وهو الذي يسبب الاسباب كي يحيا كل فرد ولا يمل الناس من التطلع اليه.

ينبع الشطر الاعظم من معارفنا في اخياتون حول طبيعة القرص من الترنمية الكبري المنقوشة في مقبرة اي وهي من نظم الملك نفسه علي الارجح. فبعد نبذ اخناتون للاساطير وما دفعته اليها رمزيتها من حذف كل الاستعارات المماثلة من هذا النوع الادبي اي نوع الترانيم ,لم يعد هناك مفاهيم يمكن طرحها بشأن الاله الجديد اللهم سوي المفاهيم العالمية واعتماد الحياة علي الشمس والمفارقة (التعالي) وقدرة الخلق وتنظيم الكون والقوة المطلقة .ولم يكن اي من هذه المفاهيم جديدا وهذه نقطة لا ينبغي لعبقرية اخناتون في الصياغة الشعرية ان تحجبها عن ذهننا فالقرص هو الخالق والحافظ لكل ما علي الارض وما تحتها.

فنجد ان المفهوم الجديد للاله الذي طرحه اخناتون كان فاترا فلقد خلق القرص الكون كيف؟ ليس هناك من يخبرنا ويبدو ان هذا الامر لم يكن ليهم الملك وحفظ عليه استمراره ولكنه يبدو كأنه لا يستشعر عطفا علي خلقه حقا يمدهم بالحياة والقوة معا ولكن بصورة اقرب الي عالم الاكتراث إذ لم يقع في أيدينا أي نص يخبرنا انه يسمع صرخة الفقير او يشفي المريض او يغفر للمذنب.ولم يكن هناك سبب وراء كافة ما نفتقده علي نحو ما هو واضح في العبادة هو ان إلها رحيما علي هذا النحو لم يكن بكل بساطة ليخدم الغرض الذي توخاه اخناتون.

فلم يكن قرص الشمس بالنسبة لاخناتون اكثر من اقنوم للملكية المقدسة وانعكاس باهت لصورته هو علي هذه الارض وقد اسقطت باتجاه السماء وكانت كنية القرص الجافة قد شقت طريقها مع عيد السد الاول الذي اقامه وكما سبق لنا رأينا الي الخرطيش كما لو كان ذلك القرص ملكا بل وموصوفا بهذه العبارة التي تليق بالملوك وحدهم (فليهب عمرا مديدا الي ابد الابدين) ولما كان هذا القرص حاكما مطلقا للكون فلقد استحق التوقير الذي يجدر بالملوك فكل الذين يكونون في معية الملك يروحون ويغدون في وضع الركوع أو يقبلون الارض عند قدميه. وكانت المخلوقات التي يرسمها الفنان لاغراض الزخرفة مثل طيور (رخيت) او الحيات ذات رؤس الثعابين مزودة بأيد ترفعها تقديسا ل قرص الشمس وكانت القرود ترفع كفوفها علي نفس النحو تعبدا له[16].

قرص الشمس في مصر قبل القرن الرابع عشر ق.م:
يميل كثيرون إلي ان يتركوا الكلمة المستخدمة للاله الذي عبده اخناتون وهي اتون دون ترجمة كما لو كانت اسم علم غير ان في هذه الكلمة في الحقيقة اسم عام قديم في القاموس المصري الدارج علي الالسنة ولا يزيد معناه عن قرص ,ولقد عثرنا عليه منذ عهود المملكة القديمة مستخدما الاشياء الدائرية مثل المرايا أو الاجسام الشبيه بالاقراص التي تستخدم في العبادات.ويبدو من المرجح ان الكلمة كانت مستعملة بالفعل في نفس الوقت في التعبير الذي يقول عن الشمس المادية (قرص النهار), وهذا الاستعمال الاخير هو الذي أدي الي انتشار مشتقات عديدة من هذا الاسم في الادب الديني فنسمع كثيرا ان الاله الشمسي رع بصفته الكائن في قرصه اي هو الذي يتجلي في قرص الشمس المادي الذي نراه بأعيننا ,وكان الاتقياء الورعون يتوقون الي اليوم الي يركبون فيه بعد وفاتهم في القرص الي جوار إله الشمس الذي يعبر السماء كل يوم .وفي مثل هذه الحالات كان الحديث يدور حول القرص بصفته كيانا متميزا عن إله الشمس الذي يتجلي بذاته خلاله وتربط فقرات قليلة قرص الشمس بالكلمة التي تعني ضوء الشمس أو أشعة الشمس وهو ربط لا يخلو من مغري.

إعتبارا من المملكة الوسيطة ولو ان ذلك كان علي نحو متفرق ولكن بشكا اكثر توترا في المملكة الوسيطة ,استعارت لغة الامبراطورية التي نهضت كظاهرة جديدة قرص الشمس كرمز ملكي وعام وشامل. وكان من الممكن ان يقال عن الغزو الذي يقزم به الملك انه طوق كل ما يحيط به قرص الشمس وان يقال عن مآثره بل واحيانا عن شخصه انه يضارع قرص الشمس كما يمكن للفرعون وقد أرتدي تيجانه وجواهره اللامعة أن يضئ الارضين أكثر مما يفعل قرص الشمس ,وبصفته حاكما عالميا كان في الامكان وصفه بإنه قرص الشمس كافة البلدان .وخلال ارتباط الحية التي تزين جبين بصرف النظر عن التاج الذي يرتديه بعين رع أي الشمس المتوهجة اكتسبت الحية تلك صفات قرص الشمس كما سار قرص الشمس امام الجيش الامبراطوري الي الحروب.

وقد كان هناك اهتما متزايد بعبادة الشمس اوائل الاسرة الثامنة عشر ,ففي غالب الاحيان كان نص الترنيمة ينقش علي جانبي مدخل المقابر النموذجية التي كانت تحفر داخل الصخر، مما عرفته تلك الفترة ,حيث يضفي رونقا ,كما ينبغي عليه ان يفعل علي شخص المتوفي الذي يكون مرسوما وهو متوجه الي الخارج كي يستقبل شمس الشروق بالتحيات ومع حكم الفرعون تحوتمس الثالث كان هناك نوع من التماثيل قد اصبح مألوفا يظهر شخصا راكعا وهو شخص صاحب المقبرة ممسكا صادودا نقشت عليه ترنيمة رع التي صارت بمثابة ضرورة لا غني عنها, وتختلف هذه الترنيمة عن تلك اختلافا يسيرا في كل حالة من الحالات ولكن اللهجة واحدة الي حد بعيد:

(التحيات لك يا من تكون رع عند بزوغك وتكون اتون عند غروبك الجميل .فأنت تشرق وتضئ علي ظهر أمك ساطعا كملك للتاسوع ونوت الهة السماء تركع امامك وماعت الهة الصدق والحق لا تكف لحظة عن احتضانك فتعبر باب السماء بقلب يملأه السرور رع في مركب النهار ويكون مركب الليل قد قضي باهلاك من يحمل عليه الجنوبيون والشماليون والشرقيون والغربيون يقطرون مركبك تمجيدا لك فانت الاول وانت الازلي الذي خلقت وحدك دون خالق لك وأمنت الملك والسيد قد خلقت ..... يا ايها الفرد الفريد الذي ظهر الي الوجود بين السماء والارض في الوقت الذي لم يكن فيه للارض أو العالم السفلي وجود).

كان امون قد اندمج مع رع منذ وقت طويل واصبح الاسم المركب (امون-رع) يدل علي إله العالمين وملك سماوي يشارك بشكل كامل في كافة المفاهيم الشمسية ويستطيع المرء ان يلاحظ خلال العقود السابقة علي اخناتون ميلا نحو تصور رع او امون –رع في ضوء قرصه المادي وفي إسباغ قدرات (رع-اتوم-خبري) في الخالق والحفظ علي هذا القرص ويستشعر المرء علي نحو يضببه الابهام ان هذه الايقونة الشمسية القديمة يوميا كانت ترتقي من وضع التجلي البسيط البسيط لاله الشمس الي مرتبة اله مستقل.

تمتع كلا من الفرعون تحوتمس الرابع وامنحوتب الثالث بعلاقة أوثق بقرص الشمس من سابقيهم من الفراعنه ,فأول هذين الفرعونين يطلق علي قرص الشمس في جعران تذكاري مشهور اسم واهب النصر في ميدان المعركة وتشير لغة البلاط البالغة التزويق والتنميق الي الملك بصفة القرص في أفقه والي القصر الملكي كدوار للقرص وفي ظل حكم الفرعون امنحوتب الثالث صك لقب نب ماعت رع أي امنحتب الثالث هو قرص الشمس الباهر وأمتد اللقب كي يسير أيضا بأشكال متنوعة علي القصر الملكي علي الضفة الغربية لنهر النيل في طيبة وعلي المركب الملكي وعلي هذه الفرقة أو تلك من فرق الجيش ,وخلال حكم نفس الفرعون بدأت مظاهر إله الشمس كموضوع للتفكير والتأمل في أدب الترانيم إلي مدي اكبر مما كان عليه الأمر من قبل وتمتعت الألهة الشمسية بصيت أكبر في المعبد الملكي الجنائزي مما كان عليه الحال فيما مضي وأخيرا تستقر ترنيمة طويلة رائعة منقوشة لاله الشمس علي صادود للمهندسين التؤام (سوتي-وحور) بقرص الشمس كإله تام الريش أي كامل النمو وتصفه علي هذا النحو (هو الذي خلق الناس جميعا وقدر لهم أعمارهم)[17].

أناشيد آتون في مقبرة آي :
نشيد أتون منقوش علي جدران مقبرة آي في تل العمارنة:
(إنك تشرق جميلا في أفق السماء ..يا آتون الحي يا بدء الحياة أنك إذا أشرقت من جبل النور الشرقي ..ملأت كل بلد بجمالك ومحبتك ..أنك جميل أنك عظيم ..إنك تتلألأ عاليا فوق كل بلد ...أن أشعتك تحيط بالاراضي كلها وبكل شئ خلقته ..لأنك رع وتستطيع الوصول إلي نهايتها ...وتستطيع أن تجعل كل بلد أسير لك ..أنك الأله الذي دان الجميع بحبك..إنك ناء ولكن أشعتك علي الارض..أنك تشرق علي وجوه الناس.. ولا يستطيع أحد منهم ان يتكهن بسن قدومك..حينما تغيب في أفق السماء الغربي ...أظلمت الارض وأصبحت تبدو كإنها ميتة ..فيستقر الناس في حجراتهم وقد غطوا رؤوسهم وأنخفض صوت زئيرهم ..ولا تري عين عينا أخري ويتسلل اللصوص الي المنازل ويولون الفرار دون ان يلتفت احد اليهم...أما السباع فهي تخرج إلي عرينها والثعابين تنساغ وتلدغ ويخيم الظلام ويعم الارض السكون ...عندما يذهب خالقها ليستريح في أفقه الغربي ...وإذا أصبح الصباح تشرق متألقا في الافق.. 
وعندما تضئ كأتون أثناء النهار يتبدد النهار ويستيقظ كل من القطرين مهللا ... ويصحو الناس ويقفون علي أقدامهم ...ثم ينتشرون في الارض.. يباشر كل منهم عمله.. وترتفع أذرعتهم متعبدين لشروقك.. فيغتسلون ويلبسون ملابسهم.. أما الماشية فهي فرحة في مروجها ..والاشجار والنباتات فهي تزدهر لأنك انت الذي توقظهم..والطيور فهي ترفرف تاركة أوكارها وتسبح أجنحتها بحمدك.. وتقفز الحملان علي أقدامها وكل ما يطير أو يحط..أنهم يعيشون لأنك أشرقت من أجلهم.. وتبحر السفن شمالا وجنوبا.. وتعج الطرق بالناس.. أما الاسماك في النهر فهي تقفز أمامك ..أن أشعتك تنفذ إلي أعماق البحر أنك تعطي الحياة للجنين في أحشاء النساء.. وأنك تصنع من النطفة الرجال.. وأنك انت الذي يعني بالطفل في بطن أمه...أنك تهب نسيم الحياة لكل إنسان خلقته..عندما ينزل الطفل من بطن أمه ليتنفس..في اليوم الذي يولد فيه..تفتح فمه وتمده بكل ما يحتاج إليه...وإذا صاح الفرخ في بيضته.. فإنك تهبه الهواء ليبقيه حيا...ثم تمده بالقوة لكي يثقب بيضته.. ويخرج منها وهو يوصوص إذا ما حان موعده..ويسعي علي قدميه إذا خرج منها.. ما أكثر مخلوقاتك.. وماأكثر ما خفي علينا منها.. أيها الأله الأوحد الذي لا شبيه له...لقد خلقت حسبما تهوي أنت وحدك خلقتها ولا شريك لك.. خلقتها مع الانسان والحيوان كبيرة وصغيرة..خلقتها وكل ما يسعي علي قدميه فوق الارض.. وكل ما يحلق بجناحيه في السماء ..خلقت بلاد سوريا والنوبة ومصر.. وأقمت كل انسان في مكانه.. ودبرت لكل إنسان ما يحتاج إليه...وجعلت لكل منهم أيامه المعدودة...لقد تفرقت ألسنتهم باختلاف لغتهم.. كما أختلفت أشكالهم وألوان أجسادهم..لانك انت الذي يميز أهل الامم الاجنبية. لقد خلقت النيل في العالم السفلي ..ودفعت به إلي أعلي حسب مشيئتك ليحفظ أهل مصر احياء.. وذلك لانك انت الذي خلقتهم لأجل نفسك وانت سيدهم جميعا الذي يشغل نفسه من اجلهم.. أنت ياشمس النهار يا عظيما في جلالك.. انت الذي يعطي الحياة لكل البلاد الاجنبية البعيدة.. لقد جعلت نيلا يهبط اليهم من السماء وجعلت له امواجا تتدافع علي الجبال كالبحر .. لتروي حقولهم التي في قراهم..ما أعظم تدبيرك ياسيد الابدية وهبت نيل السماء لشعوب الجبال.. أنت الذي صنعت الدنيا بيديك.. فأحييت حيوانها وكل من يسعي فوق أقدامه ..أما النيل فيخرج لمصر فقط من العالم السفلي.. تغذي أشعتك كل حديقة ويحيا وينمو كل نبات إذ ما أشرقت عليه لقد خلقت الفصول لكي تحي كل مخلوقاتك.. وجعلت لهم الشتاء ليتعرفوا علي بردك ثم جعلت لهم الصيف لييتذوقوا حرارتك.. لقد خلقت السماء البعيدة لتشرق فيها.. وحتي تري كل ما صنعت .. ذلك عندما كنت وحيدا.. أنت الوحيد الذي يشرق في صورته كأتون الحي ساطعا متلألأ رائحا وغاديا.. لقد خلقت من نفسك تلك الأشكال التي تعد بالملايين.. مدنا وقري وقبائل وجبالا وأنهارا.. كل العيون ترنو إليك.. لأنك أنت أتون الذي يشرق في النهار علي الارض.. أنك في قلبي وليس هناك من يعرفك.. غير أبنك نفر خبرو رع –رع ان رع ..اخناتون.. أنك أنت الذي ثقفته بتدبيراتك وقوتك.. أنك انت الذي أمددته بالحكمة أنت الذي صنعت الدنيا بيدك.. وخلقت الناس كما شئت أن تصورهم.. إذا ما أشرقت عاش الناس ..وإذ ما غربت ماتو.. أنك أنت الحياة ولا يحيا الناس إلا بك.. تستمتع العيون بجمالك حتي تغرب.. فإذا غربت في الافق الغربي.. ترك الناس أعمالهم كلها.. ولكن عندما تشرق ثانية.. يزدهر كل شئ لأجل الملك.. لأنك انت الذي خلقت الناس لأجل إبنك.. الذي ولد من صلبك ملك مصر العليا ومصر السفلي .. الذي يحيا علي الحق سيد الارضين اخناتون.. الذي يحيا إلي الابد وكذلك من أجل كبري الزوجات الملكية محبوبته سيدة الارضين نفر نفرو اتون نفرتيتي.. التي تحيا وتزدهر دائما وإلي الابد)[18].

دور زوجته نفرتيتي وتأييدها للثورة الدينية:
لعبت نفرتيتي ومعني اسمها الجميلة آتية, دورا خطيرا في اتجاهات زوجها الدينية والسياسية ويبدو انها كانت تتمتع بجاذبية وجمال كبيرين وبشخصية وبشخصية قوية كان لها تأثير كبير علي زوجها ويبدو ان حياة نفرتيتي واخناتون كانت حياة هانئة سعيدة في ظل الالفة والتبادل العاطفي والحنان الذي يسبغانه علي بناته الست والواقع انه ليس في مصر الفرعونية ما يماثل صور نفرتيتي مع زوجها اخناتون وبناتها في الدلالة علي قوة العلاقة الاسرية والزوجية ,ولكن عندما ارتد اخناتون عن عبادة اتون في ايامه الاخيرة بعد زيارة امه الملكة تي له في تل العمارنه غضبت نفرتيتي التي كانت متحمسة للدين الجديد وربما كانت اكثر ميلا منه واشد تعصبا فهجرته وعاشت في قصر منعزل في اقصي اطراف المدينة متزعمة الحزب الذي ظل مؤمنا لعقيدة اتون[19].

الجانب الحربي من حكم اخناتون:
اما الجانب الحربي في حكم اخناتون فقد كان متدهورا جدا لان اخناتون كان يكره سفك الدماء البشرية ويعتقد انها لا تتفق مع المبادئ الانسانية ومع عبادة الاله الواحد وعاني هذا الملك الفيلسوف الشاعر المفكرمرارة الالم حين رأي دينه الحقيقي ودعوته الوطنية الصادقة تتفكك وتنحل امام العدو في الداخل والخارج[20].

لم يكن اخناتون ملكا محاربا فأهمل السياسة الخارجية للامبراطورية وبدات مصر في عهده تفقد سيطرتها علي الجزء الشمالي من امبراطوريتها فقد اهتم اخناتون بدينه وعقيدته وأهمل رسائل الحكام الذين يستغيثون به ويطلبون منه العون ولم يهتم بمقابلة الرسل الذين أتوا من اسيا لمقابلته فأستغل الملك الحيثي الموقف وأحتل سوريا كلها وبسط سيطرته علي دولة الميتاني, كل هذا ولم يتحرك الملك المصري للدفاع عن امبراطوريته فسقطت المدن الفينيقية الواحدة تلو الاخري حتي أن أهالي إحدي المدن وهم أهالي بلدة تونيب أرسلوا أكثرمن عشرين رسالة لفرعون مصر يستنجدون به ((والان فان مدينتك تونيب تبكي ودموعها تسيل ولا ناصر لها لقد أرسلنا عشرين رسالة الي مولانا فرعون مصر ولا من مجيب))[21].

وقد يعيب البعض علي اخناتون انه لم يول الجيش الاهتمام اللازم ويمكن القول بأن حالته الصحية لم تسمح له بذلك هي التي حالت بين خروجه في حملات حربية ,وكان هناك نوع من النشاط الحربي نراه ممثلا علبي جدران المقابر في تل العمارنة فنري مواكب الجنود وكان هناك جنود للحراسة أمام القصور والمعابد وأبراج المراقبة التي تحيط بالمدينة وقيام بعض الفرق والقوات ببعض التدريبات امام الملك وكذلك مناظر اسري الحربمن الاسيويين والنوبيين الذين يقدمون الجزية امام الملك,وربما في هذا تقليد لأصل قديم وقد صور منظر يمثل الأعداء في مقبرتي معحو ومري رع في تل العمارنة وعثر في الكرنك علي لوحة نقلت من تل العمارنة عليها مناظر جنود ومراكب حربية ,وكشفت الحفائر التي قام بها المعهد الفرنسي عام 1932 في منطقة مدامود عن ست كتل حجرية تحمل نقوشا من عصر العمارنة تمثل مناظر حربية تبين المشاة والمركبات[22].

الحالة السياسية داخليا وخارجيا:
كانت سيئة في عصر إخناتون داخليا وخارجيا ,أما داخليا فقد أنتشر الفساد وكثرت الرشاوي والفساد نتيجة إنصراف اخناتون الي دينه إنصرافا كليا .أما الخارجي فمصدرها رسائل العمارنة فهي مليئة بتحذير فرعون وطلب المعونة منه بعد أن أدرك أمراء غرب أسيا أن فرعون قد أصبح معلما دينيا لا قائدا عسكريا فدبروا المؤامرات وحاكوا الدسائس حتي أن مصر لم تكن في وقت من الاوقات في حاجة كحاجتها وقت ذاك الي حاكم قوي يعيد لها نفوذها ولكن للأسف كان يحكم مصر ملك فيلسوف عجز عن فهم الخطر المحدق ببلاده وقد أستخدم فرعون في بلاطه عددا كبيرا من الرجال الحديثي النعمة لم تكن لأسراتهم اهمية من قبل فتولوا أعلي المناصب بينما إختفت العائلات القوية العظيمة التي كانت تتوارث الوظائف العظيمة ,معني ذلك أن الطبقة الاقتصادية الارستقراطية وقفت بجانب كهنة امون ضد فرعون وفي مقدمة من عاونوه (اي) الذي بدأ كمروض للجياد ثم تزوج مربية اخناتون ومري رع كبير كهنة امون وماي قائد الجيش و(راموزة) الذي كان في الواقع وزيرا منذ أيام امنحتب الثالث وقد أرتد إخناتون في أواخر ايامه عن دينه محاولا إرضاء كهنة آمون ولكن إرتداده لم يفده بشئ ولم يعره الشعب أو رجال الدين أي إلتفات وأختفي فجائة من التاريخ ونحن نجهل تماما ما حدث نتيجة مؤامرة دبرت للقضاء عليه كما إن عدم عثورنا علي جثته يجعل من الصعب التكهن بعمره وقت أن فارق الحياة وقد محا المصريين اسمه واسم الهه من مكان وتجاهلت وتجاهلت قوائم الملوك عصر العمارنة واطلق عليه المصريون اسم مجرم أخنيتي.

هكذا أسقط إخناتون إذ انه لم يحظ بتأييد منأي قطاع في البلاد لقد وقف رجال الدين ضده بعد أن نكل بهم وعارض الشعب دعوته الجديدة فهو شعب يتمسك بالتقاليد ويميل إلي القديم وتبرم به رجال الجيش بعد أن رأوا تلك الدولة المترامية الأطراف التي بنوها بدماء بائهم يعبث بها فتي خيالي منصرف عن واجباته كملك مسئول ومع ذلك فقد حظي عصره بإهتمام من المؤرخين لم نشهده في أي عصر من العصور,وقد أختلف المؤرخون في فكرتهم عنه ,البعض قد اعجب به ومجده ورفعه إلي مرتبة تصل للنبوة والبعض الاخر هاجمه وأتهمه بالضعف والتخاذل وأستنزل عليه اللعنات فهو كحاكم قد أهمل واجباته الأولي وتسبب في إنهيار البلاد بل لقد اتهم بالشذوذ بل بالجنون وشك في قواه العقلية ,ومهما يكن الأمر فقد أمتلك إخناتون قوة عقلية عبقرية وعقلا نضج بدرجة لا تتناسب زمانه وكان بلا شك فيلسوف ومفكرا عميقا وفدائيا كرس حياته لدعوة رائعة ستظل أحد معالم الحضارة المصرية القديمة بل أحدي مفاخرها وستظل تمثل وثبة فكرية رائعة من خوالد الفكر في العالم[23].

وخارجيا بانغماس إخناتون في افكاره الدينية العميقة وبانشغاله في مشاريع البناء الكثيرة في العمارنة ازداد اهماله لشئون امبراطوريته فلم يدرك الا في وقت متأخر جدا ضرورة القيام بعمل حاسم لانقاذها .فقد دأب الحيثيون وأعوانهم علي القضاء سلطان ونفوذ مصر في سوريا ,ونشأ موقف مشابه في فلسطين شمالا ,فلم يعد للامبراطورية المصرية وجود حقيقي في آسيا وكانت الجزية السيف المفروضة علي آسيا تصل بانتظام وقد خلدت مناسبة تسلم الجزية السنوية في السنة الثانية عشرة من حكم إخناتون وظهرت صورة للملك وبناته الست في حفلة استلامها في صورة مبهرة. وبعد ذلك انقطعت اي اخبار عن ورود جزية أو أتاوة[24].

وربما استغل التحالف الحيثي فرصة القلاقل التي نجمن عن الثورة الدينية لمواصلة ما حققه من نجاح وأستعاد ملك قادش سهل سوريا الشمالي ,واستولي ملك عامورو وهو حليف اخر للحيثيين علي الموانئ الفينيقية التي تحتلها مصر ولم يقدم امنحتب الرابع علي اي عمل مضاد واكتفي بارسال محقق الي فينيقيا ويا للغرابة فقد ثبت ملك عامورو في الممتلكات التي كان قد أستولي عليها من مصر والتي سرعان ما شملت بيبلوس أيضا فقد اعترف امنحتب الرابع بالامر الواقع وتظاهر بالنظر الي ملك عامورو علي انه تابع له وثار البدو بدورهم في فلسطين فاستولوا علي مجدو واورشليم وعبثا استنجد اهل البلاد بمصر فلم يمدهم أمنحتب الرابع بأي مساعدات أخيرا استسلم الميتاني حليف مصر تحت وطأة ضربات الحيثيين والاشوريين المتوالية والمتعاقبة وقد أصبح الحيثيين اليد العليا في هذا الوقت فقد أرغموا ملك عامور والذي كان يود أن يبقي مستقلا في الوضع الذي ثبته فيه امنحتب الرابع أرغموه علي ان يوقع معهم ميثاق تحالف ,نجد إذن نفوذ الحيثيين قد حل في كل مكان محل النفوذ المصري حتي لم يبقي من انجازات تذكر من انجازات تحوتمس الثالث[25].

رسائل العمارنة:
في عام 1887م فقد حدث في هذه السنة أن كانت احدي الفلاحات المسنات تحفر بحثا تحفر بحثا عن السباخ في الاطلال المجاورة لقرية التل الحديثة بالعمارنة فإذا بها تكشف عما نطلق عليه الان (دار السجلات أو ديوان الرسائل) وكشفت هذه القروية في هذه البقعة عن مئات الالواح الطينية (المصنوعة من اللبن) عليها نقوش تمثل علامات غريبة الشكل وعندما عاين الاثريون وتجار العاديات المحليون هذه الالواح لم يبالوا بها بداية الامر وظنوها مزيفة ,وعندما تبين أصالتها كان عدد الالواح وأجزائها التي تبقت حوالي ثلاثمائة وخمسين قطعة.

وبالفحص الدقيق وجد أن هذه القطع المعروفة الان باسم (رسائل العمارنة ) هي في واقع الامر نسخ وأصول لبعض المراسلات الدبلوماسية أستخدم في كتابتها الكتابة المسمارية.وكانت هذه الكتابات متبادلة بين البلاط المصري من جانب ,وحكام الاناضول واشور وبابل وقبرص وميتاني ومدن أخري مستقلة في فلسطين وسوريا من جانب اخر .وقد ألقت هذه السجلات الهامة كثيرا من الضوء علي العلاقات التجارية والعادات الاجتماعية والدينية,وعلي الطبيعة الجغرافية والمراسم الدبلوماسية لذلك العصر.وقد توفرت عن ذلك بعض الاثار عن عهود سابقة ,إلا ان مدي هذه العلاقات ومستواها الحضاري وارتفاع مستوي العلاقات بين الحكومات المتحضرة في الشرق الادني في منتصف الالف الثانية قبل الميلاد لم يكن من الممكن تصوره قبل الكشف عن هذه الالواح الطينية رغم تفتتها احيانا وإصابتها بتلفيات شديدة[26].

الفنون والاداب في عصر اخناتون:
يعتقد البعض أن الفن الاتوني في عهد اخناتون يمثل الحقيقة التي عاش فيها اخناتون فتماثيله الضخمة التي توجد بالمتحف المصري تظهر الماعت (الحقيقة) ولكن بطريقة مبالغ فيها ,فهي تظهر الملك بجسده الضعيف ووجهه النحيل ذي التقاطيع الرقيقة وعينيه المتأملتين وفخذيه المتكورتين بمعني اخر,تظهر الملك في شكله الذي يمثله اغلب الظن في الواقع وليس في ذلك الاطار الذي يظهر الفرد في احسن صورة وهو الفن الذي كان متبعا من قبل عهده ثم أتبع ايضا بعد عهده علي ان هناك مناظر تؤكد ان فنانو عصر اخناتون قد بدأوا في بداية حكمه بتصويره داخل هذا الاطار المثالي وهي صورة قد لا تنطبق علي ما يمثله الواقع[27].

فقد تركت الاتونية في الفنون والاداب بصمات اكثر عمقا استمر تأثيرها الي حد ما مدة اطول ففي مجال الادب لم تحدث تغييرات جذرية إذ تعليم الفنون الادبية التقليدية ,وظل تلاميذ المدارس يدرسون قصة سنوهي ,ولكن الفضل يرجع للايديولوجية الجديدة في الانتشار المتزايد لروح الحرية التي عمت الاعمال المعاصرة وبرزت علي وجه الخصوص في مجال الشعر كالاناشيد والترانيم الالهية والملكية.فأرخي الشاعر العنان للابداع الفني .إن السمة البارزة لما أدخل من إصلاحات علي الفنون الادبية هو انتقال لغة الحديث الي النصوص الرسمية لقد سادت في الماضي النزعة المحافظة في مدارس الدولة فحافظت علي لغة الدولة الوسطي التي تعرف باللغة الكلاسيكية وأبقتها علي حالها أما اخناتون فقد ادخل لغة الحياة اليومية إلي امهات الحياة الادبية التي تناولت موضوعاتها بأسلوب اقرب الي اللغة القبطية منه الي لغة متون الاهرام بفضل تطعيمها باللهجات الشعبية والاقتباسات الاجنبية.لقد نهل الانفتاح الادبي من نفس الروح التي نهل منها الفن ولكن دون ان يصل الي تجاوزاته ولقد سبق ان لاحظنا ان المثالية الرسمية أخذت تتراجع منذ عهد امنمحات الثالث لتفسح الطريق أمام نوع من الواقعية ,اكثر حسية ,ولا تتردد في أبراز ملامح الجسد باستخدام اساليب تقنية نذكر منها علي سبيل المثال (الاردية ذات الثنايا اللينة) كما يظهر هذا السخاء المفرط في معالجة الاحجار في فن الرسم فالخطوط أقل صرامة واستخدام الالوان اكثر ليونه كما تطورت الموضة لتتمشي اكثر مع العصر فظهرت طرز حديثة لتصفيف الشعر وأزياء جديدة ,الي جانب الاهتمام ببعض التفاصيل البسيطة في اساليب التصوير كأحتواء المحجر للعين والخطوط الانسيابية التي قدمت لنا العيون اللوزية الشكل التي اشتهر بها اخناتون كما نلاحظ ثنايا الرقبة والاذان المثقوبة وعلي كل حال لم تلق هذا التغييرات اجماعا عاما ,ومنذ العام الثاني من حكمه دفع اخناتون هذا الاتجاه الي مزيد من المغالاة فيما يخصه هو وعائلته ,واسرف في الواقعية الي حد انها قاربت الكاريكاتير واتخذ بروز ملامح الوجه وهبوط البشرة مظهرا مرضيا شديد الوضوح في التماثيل الاوزيرية التي نحتها المثال (باك) لسيده ,ويميل البعض الي تفسير انتفاخ بطن هذه التماثيل بانه تجسيد لما اصاب جثة اوزيريس من فساد بفعل السائل اللمفاوي ,وعلي مر السنين اخذت الخطوط تفقد الكثير من وحدتها وان ظلت تتجاوز الحدود التي اقرتها التقاليد المتوارثة التي بقيت مع ذلك حافظة علي اساليبها وقواعدها وظهرت موضوعات جديدة ولكن الصورة التي تمثل العائلة ظلت قاسما مشتركا بين كل المشاهد خاصة مشاهد العبادات ولا يتضمن الموضوع جديدا اللهم الا استخدام مشاهد من الحياة اليومية مضفية علي التصاوير مسحة انسانية قويه فنشاهد الاشخاص في اوضاع ومواقف تصبو الي بساطة ما هو طبيعي وتترك انطباعا بالخصوصية وما حدث هنا اشبه بالاساليب التي اتبعت مع انفتاح الادب الرسمي علي اللغة العامة الوطنيةانه نزعة الي تبسيط الشكل مع التخفيف من حدة خطوطه الاساسية وتراجع دور هذه الخطوط في ابراز حدود الشكل واصبحت السيمترية في الفن اكثر خفاء وظهر المنظور الزائف وانفتح المجال امام التعبير عن العواطف فانطلقت دون قيد بعد ان تداعت الحدود الصارمة وزحف فن الحياة اليومية والموضوعات الطبيعية ليشمل التصاوير التقليدية التي تشبعت بالنضارة وببساطة التعبير الجياش بقدر ما فقدت من إتقان الاساليب الفنية, وشاعت في اواخر عهد اخناتون الدراسات الفنية نقلا عن الطبيعة ,فصممت باسلوب هادئ يتسم بالصفاء وقد تم الكشف في موقع العمارنة في مرسم النحات تحوتمس عن العديد من الرسومات الاوليه وقوالب وصور شخصية لافراد العائلة الملكية نذكر منها علي سبيل المثال رأس نفرتيتي الذائع الصيت والموجود حاليا في متحف برلين[28].

خاتمة
كانت الثورة في الخارج وثورة كهنة امون في الداخل تزيد من هموم اخناتون وأحزانه فخاف علي ملكه من الضياع ولم يكن له ولد ذكر لان نفرتيتي أنجبت له ست بنات فقد زوج الكبري لحميمه سمنخ كارع وتسمي مريت اتون ثم اشركه معه في الحكم ليكون ولي عهده من بعده.كما زوج ابنته الاخري الي توت عنخ امون,ومات اخناتون بعد ان حكم ست سنوات من عمره في طيبة وكانت أمه في خلالها القائمة علي العرش كما حكم في تل العمارنة عشر سنوات ,وان التاريخ ليقف مندهشا من عبقرية اخناتون وجرأته في نشر آرائه الفلسفية ومذهبه الديني في عصر قديم مثل العصر الذي عاش فيه حوالي ثلاثين عام[29].

مات اخناتون وهو لايزال شابا في الثانية والثلاثين من عمره مات الملك الاله ولهذا لم يستطع اتباعه من الاستمرار في دينهم فقد مات اخناتون ومات معه دينه وعقيدته إذ بموته فقدت الرعية الرمز الحي الذي يتعبدون اليه وبالتالي فقدوا وسيلة الاتصال بالاله اتون[30]. 
ولا نعلم حتي الان أين هي جثة الملك اخناتون فمن المرجح انها دفنت في العمارنة ولكن أين هي؟ 

وهنا أرجح رأيين :
الأول: ربما انها دفنت في العمارنة ولكن بعد صعود حور محب للعرش وظهور عملية الانتقام من اخناتون وأتباعه وتهشيم اثارهم ومحو اسمائهم من قبل كهنة امون في عصر الملك حور محب قد عثروا علي مقبرته وعبثوا بها ودمروها مع جثته.

والرأي الثاني : من المرجح أيضا أن كهنته والموالون له قد دفنوه في مكان ما في تل العمارنة غير معروف حتي الان ,لانهم يعلموا ان كهنة امون سينتقمون منه بعد موته فقاموا ببناء مقبر له ووضعوا جثته في فيها وان هذه المقبر لم تمتشف بعد,ومن المرجح ان التابوت الحجري الذي وجد لاخناتون في مقبرته في تل العمارنة ربما انها مقبرة رمزية لكي يشتتوا من يبحث عن مقبرته بعد موته.

قائمة الصور
تمثال لاخناتون وزوجته يعبر عن الترابط الأسري
تمثال لاخناتون وزوجته يعبر عن الترابط الأسري

لوحة لأخناتون ونفرتيتي يدللان بناتهما
لوحة لأخناتون ونفرتيتي يدللان بناتهما

تمثال نصفي لاخناتون بتاج الحرب الازرق
تمثال نصفي لاخناتون بتاج الحرب الازرق

رأس نفرتيتي المشهور بمتحف برلين من الحجر الجيري الملون
رأس نفرتيتي المشهور بمتحف برلين من الحجر الجيري الملون

لوحة تظهر اخناتون وأسرته يتعبدون لأتون
لوحة تظهر اخناتون وأسرته يتعبدون لأتون

_____________________
المراجع
[1] سيد كريم: اخناتون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ص6، 5. 
[2] رمضان عبده: تاريخ مصر القديم، ج2، المنيا، ص115، 114، 106. 
[3] سيريل الدريد: اخناتون، مترجم، القاهرة، 1992، ص17، 16. 
[4] سمير اديب: تاريخ وحضارة مصر القديمة، مكتبة الاسكندرية، 1997، ص179، 178. 
[5] رمضان عبده: نفس المرجع السابق، ص 108، 107. 
[6] سيريل الدريد: اخناتون، المرجع السابق، ص74. 
[7] سير الن جاردنر: مصر الفرعونية، مترجم، القاهرة، 1973، ص248، 247. 
[8] جيمس هنري برستد: تاريخ مصر منذ اقدم العصور الي الفتح الفارسي، مترجم، القاهرة، الطبعة الثانية، 1996، ص240. 
[9] سيريل الدريد: اخناتون، المرجع السابق، ص74، 73. 
[10] جان فيركوتير: مصر القديمة، مترجم، القاهرة، الطبعة الاولي، 1992، ص117. 
[11] سيريل الدريد: اخناتون، المرجع السابق، ص73 
[12] رمضان عبده: تاريخ مصر القديم، نفس المرجع السابق، ص109، 108. 
[13] عبد العزيز صالح، واخرون: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور (تاريخ مصر القديم)، القاهرة، 1996، ص229، 228. 
[14] سمير اديب: تاريخ وحضارة مصر القديمة، المرجع السابق، ص195:193.. 
[15] دونالدريد فورد: اخناتون ذلك الفرعون المارق، القاهرة، 2008، ص174. 
[16] دونالدريد فورد: اخناتون ذلك الفرعون المارق، نفس المرجع السابق، ص185، 183. 
[17] دونالدريد فورد: اخناتون ذلك الفرعون المارق، نفس المرجع السابق، ص177:175. 
[18] سمير أديب: تاريخ وحضارة مصر القديمة، المرجع السابق، ص192:184 
[19] عبد العزيز صالح، واخرون: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور، المرجع السابق، ص232. 
[20] اسامه حسن: مصر الفرعونية، القاهرة، الطبعة الاولي، 1998، ص34. 
[21] سمير اديب: تاريخ وحضارة مصر القديمة، المرجع السابق، ص183. 
[22] رمضان عبده: تاريخ مصر القديم، المرجع السابق، ص117. 
[23] عبد العزيز صالح، واخرون: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور، المرجع السابق، ص231، 230. 
[24] سيريل الدريد: اخناتون، المرجع السابق، ص75. 
[25] جان فيركوتير: مصر القديمة، المرجع السابق، ص119، 118. 
[26] سيريل الدريد: اخناتون، المرجع السابق، ص20. 
[27] سمير اديب: تاريخ مصر القديمة، المرجع السابق، ص183، 182. 
[28] نيقولا جريمال: تاريخ مصر القديمة، مترجم ، القاهرة، 1988، ص297:293. 
[29] اسامه حسن: مصر الفرعونية، المرجع السابق، ص35. 
[30] سمير اديب: تاريخ وحضارة مصر القديمة، المرجع السابق، ص183.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016