حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

الكهنة والكهانة فى العلوم والديانة (بحث كامل فى مصر الفرعونية)

الكهنة والكهانة فى مصر الفرعونية
(الكهنة والكهانة فى مصر الفرعونية) بحث بقلم الأثارى الفصيح/ محمود محمد مندراوى - مفتش آثار مصر الوسطى 

مقدمة
كان الكاهن فى مصر الفرعونية رجلا مرموقاً محترماً من قبل العامة والخاصة والملوك، فهو ممثل المعبود، والقريب منه، وصاحب شرف أطعامه وألباسه والقيام على خدمته، فالكاهن فى مصر القديمة أو بمعنى أدق مصر الفرعونية كان هو العالم الأوحد فى البلاد تقريبا- إلى جانب دورهم الدينى، فهم الأطباء والمهندسين والفلكيين والسحرة والأدباء والشعراء والملوك فى بعض فترات التاريخ المصرى القديم  والقضاة والمختنين والصيادلة والكيميائيين  ....الخ كما سنرى فى السطور القادمة، فهم علية القوم ، الذين يوجهون الناس ويحمسون الشعوب بحجة ما يريده الرب.

وهم من أغدق عليهم الملوك والأمراء بالهدايا والعطايا الكثيرة ،وذلك لينالوا رضاهم ويقربوهم من المعبودات، ويدفعون عنهم الشر ويجلبون لهم الخير، وهم من يقسم بينهم القرابين التى تقدم من عامة الشعب وخاصتهم ، فمن فى مصر القديمة كان لا يتمنى أن صبح ابنه او حتى هو نفسه كاهنا أو فردا من أفراد السلك الكهانوتى، وذلك لما شعرة المواطن المصرى البسيط ولمسة فى مهنة الكاهن المقدسة.

وفي السطور القادمة سوف أستعرض مهنة الكاهن فى مجموعة من الفصول أبدأ فى فصلها الأول بحب المصريين لرجال الدين والاستقرار الذى ساد مصر وتعدد المعبودات مشيرا الى كثرتهم ومهامهم   وكيف كان كل كاهن يحاول أعلاء شأن معبودة.

 وفى الفصل الثانى سأتحدث عن معنى كلمة كاهن وكيف ظهر الكاهن ، والملك هو الكاهن الأول للبلاد وكيف كان الملك يختار الكاهن والأهواء التى دخلت فى تعيين الكهان ، ومن بعدها سنذكر ألقاب الكهان وتقسيمهم داخل المعبد ،وما يجب على الكاهن من طهارة وتحريم بعض الطيبات والختان وقص الشعر والملابس وغيرة مما حرم وأبيح للكهان فى مصر القديمة.

وفى الفصل الثالث واجبات الكهنة و   كيف كان يعيش الكاهن ؟وما هى الامتيازات التى قدمت له فى سبيل إنجاح مهمته السامية المقدسة ؟ وكيف توزع القرابين ؟ وهل قدم البشر كقرابين للمعبودات الساخطة ؟ وكيف كانت الخدمة اليومية وثروات المعبد ، وسر ظلمة المعبد ، وكيف كانت تستشار المعبودات ؟والاعتناء بالحيوانات المقدسة من قبل الكهنة.

أما فى الفصل الرابع سنتحدث عن علوم الكهنة وما وصلوا لهم من تقدم مبهر فى شتى علوم الأرض ، وأنهم بعلمهم فاقوا العصر الحديث  ، وسنظهر أن السحر كان عند الفراعنة علما وليس سحرا كما ظن كثيرا من الناس ، معتمدين فى ذلك على بعض آيات القران الكريم وقصة فرعون موسى عليه السلام وكيف كان الكهنة أو السحرة علماء فى تلك الحادثة وليسوا بسحرة.

وفى الفصل الخامس سنتحدث عن قوة الكهنة وسيطرتهم التى وصلت بهم أنهم أصبحوا ملوكا فى عصر الأسرة 21 وكيف قامت دولة الكهنة وكيف انتهت والدور السلبى للكهنة وكيف كانوا يستولون على خيرات المعبد باسم الأرباب ، وسنستعرض دراسة قامت بها جامعة مانشستر تثبت فيها أن الكهنة كانوا لصوص قرابين ، وأيضا سنستعرض كيف أحتاط الملوك منهم ومن شرهم وكيف مسحوا عقول الشعب المصرى البسيط باسم الدين.

وأخير سنتحدث عن دور النساء فى الكهنوت ، وعن التحنيط والتى ختمت بهم البحث وذلك لما فيهم من موضوعات شائكة سوف نستعرضها فى حالها ، متمنيا من الله العزيز القدير أن ينال البحث إعجابكم.

وما كان من توفيق فمن الله ، وما كان من تقصير وخطأ فمن نفسى ومن الشيطان 

الفصـل الأول
حب المصريين  لرجال الدين  والتدين
يمر الزمان وتختلف الأديان ويبقى شعب مصر شعباً متديناً بطبيعته مهما اختلفت العصور والأزمان ومهما اختلفت الديانات من وثنية إلى سماوية ،فالشعب المصرى محب للدين وللتدين، وكل ما له صله بالدين يظهر له الشعب المصرى كل الاحترام والتقدير ، فها نحن الآن فى مصر أذا مر على مجموعة من المسلمين قس مسيحى أظهروا له الاحترام والتبجيل لأنه رجل دين ،وكذلك أذا مر شيخا بأحد المسيحيين قابلوه بالترحاب والوجه البشوش لأنه أيضا رجل دين ، حتى فى الناس الغير ملتزمة دينيا يحترمون ويبجلون رجال الدين وكل ما له علاقة بالدين ،نعم أنهم أهل مصر.

وليست هذه الظاهرة وليدة اليوم أو الأمس بل هى وليدة آلاف السنين حيث يذكر لنا هيرودودت  وهو  على اقتناع راسخ فى ذهنه  ومن دون أدني شك  مؤكداً : "أن أهتمام المصريين الزائد – والذى وصل إلى درجة الوسوسة- بكل الأمور المتصلة بالعقيدة قد جاوز كل المقاييس" وقد بنى حكمة من وقائع ملاحظاته الشخصية لمدى الحرص الذى يؤدون به طقوس عقائدهم والتى تهدف إلى جوهرها إلى عبادة الآلهة .. كذلك من الطاعة التى يظهرونها للكهنة الذين ينقلون لهم ما توحى به الآلهة من فروض وأوامر(1).

فلقد كان المصريين أكثر اهتماماً عن جيرانهم بأمور العقيدة – مما جعلهم دائما سمات الأمة فائقة التدين – هى تلك الآثار التى قدمت الأدلة – ومنذ العصور المبكرة وحتى عهد متأخر من تاريخهم –على أنهم قد خصصوا للاحتفالات الدينية وتنفيذ الفروض العقائدية المتصلة بعبادة الأرباب قدراً عظيماً من الوقت  الذى امتص طاقة الأمة فإذا أضفنا على ذلك الاحتفالات الجنائزية وطقوس تخليد الموتى التى يؤدونها فى المدافن فإننا لابد وأن نعذر الزائر العابر لمصر – والذى لم يستطع أن يغوص في الأعماق – عندما يعلن أن المصريين أمة من الرجال المستفزين كليه لعبادة الحيوانات وأداء طقوس الموت.(2)

فالمتطلع على الآثار المصرية والنقوش اليومية الخاصة بهم فى المقابر يلاحظ أيضا إيماناً عميقاً بالخلود وتصورا كاملا عن العالم الأخر .. وتدينا تاما ...نلمحه فى الآثار ،فى أدب قدماء المصريين فى سلوكهم وفى معاملاتهم .(3)

من هنا جاء تقديس المصريين القدماء لرجال الدين والكهنة ، والذين أظهر لهم الشعب المصرى كل التقدير والاحترام والتبجيل ، لما لا وهذا الكاهن هو من  يحدثهم عن الله وعن الجنة والنار وعن العدل والحقيقة ، وهو من يشفيهم أذا مرضوا  فهم كانوا الأطباء والصيادلة ، وهم من كانوا يخططوا لبناء المعابد والمشاريع الكبرى ، وهم من يحكمون لهم فى أى تخاصم ، وهم من يزوجونهم ويختنوا أولادهم وغير الكثير من مهام الكهنة التى سوف نسردها بالتفصيل فى الصفحات القادمة.

الاستقرار سبب الازدهار
الدين في هذا الوادي الذي كونته يد الزمان حين ألقت من الصلصال الطمي الذي انداح جنوباً وشمالاً فانتشر عليها امتزج الواردون من الصحراء الغربية بالمرتحلين من القبائل الرحل من الصحراء الشرقية بالنازحين من فيافي الجنوب بالقانطين الوادى منذ كان تاريخه سحراً وبهذا المزج طلعت على ضفتيه أمه بها أشرقت فى مغرب العصر الحجري الحديث حضارة ضمت إلى الشمال الجنوب فسجلت وحدة سياسية ظلت طابع الوادى منذ مشرق تاريخه السياسي حتى الغروب(4).

منذ الوهلة الأولي تترك الحضارة المصرية القديمة انطباعا بأنها كل متجانس ، اكتسبت بفضل امتدادها الزمنى غير المألوف مكانة خاصة فى تاريخ البشرية ،ومع حلول الألف الرابعة ق.م تظهر وقد اكتملت أركانها لتتوارى قرب نهاية القرن الرابع الميلادي، عن ما يقرب من اربعين قرناً من تاريخ مصر تعطى انطباعا بالاستقرار الراسخ الذى أحاط بمؤسسة سياسية شامخة لم تستطع أن تقوضها ولا نجح الغزاة فى زعزعتها(5).

نتج عن الاستقرار السياسى بطبيعة الحال استقرار ديني ،فى ظل منظومة دينية متكاملة ومتماسكة ومنظمة بشكل جيد يعرف كل منها دورة المطلوب منه ويؤديه بالشكل الأمثل دون تحريف ولا زيادة فى التعاليم والنصوص.

بهذا اللون من التفكير الإلهي بدأ الفكر الإنساني فى سمت الدولة القديمة ،فمذ بدأت مصر تهدأ وتستقر فى الداخل وتمتد أنظارها إلى الخارج  على أسس وحدتها السياسية امتدت يد الزمان تسجل للوادى ديناً رسمياً بدأ مظهره  يسود الوادي(6).

بدأ بهذه الوحدة السياسية يخرج عن أن يكون عقيدة شخصية ومذهباً نفسياً إلي دين رسمى تفرضه الدولة على الناس فرضاً.(7)

تعدد المعبودات فى مصر القديمة
إذا تكلمنا عن الموضوع فى عمومه ممكن أن نقول أن المصريين فى جزء كبير من عهد الأسرات فى تاريخهم قد استضافوا عدداً قليلاً من الآلهة الجديدة وأنهم كانوا قانعين تماما بعبادة نفس الآلهة التى كانت معروفة لأسلافهم .. رغم أننا  نعرف أنهم قد سمحوا فى بعض الأوقات لآلهة غريبة بالانضمام لمجمع الآلهة المصرية القديمة ولكن النصوص الدينية تدل على أنه لم يكن مسموحاً لهم أن تغتصب وظائف الآلهة المحلية.

قد تكون السياسة وأسباب أخري هى التى أمنت لها قدراً محدودا من التعريف فى البلاد عموماً أو أن أهل المدن عاملوها بتسامح بسيط –الذى كان سمة من سمات بلاد الشرق-  ولكن بمجرد أن ينتهى السبب الذى من أجلة تم عبادتها فإن هذه الآلهة الغريبة كان يتم تجاهلها بهدوء  وخلال فترة قصيرة تنسى عبادتها(8).

خلال عصر ما قبل الأسرات كان لكل تجمع سكانى أو قرية أو بلدة إلها خاص وكانت عبادته تزدهر او تنحدر تبعا لتقدم أو تدهور رخاء المجتمع الذى يعيش فيه.

وعندما تم تقسيم البلاد إلى أقاليم أطلق عليها المصريون "حسبو" او "نوم"  برز من بين كل آلهة إقليم إله متميز –أو مجموعة من الآلهة المتحالفة- وأصبح يمثله- فى بعض الأحيان إله واحد يمثل إقليمين – وبطبيعة الحال كان هذا الإله يكتسب رفعة الشأن والسيادة على جميع الآلهة المحيطة ووبذلك أصبحت مصر مقسمة من البحر المتوسط حتى الفنتين بين نفوذ آلهة متعددة ،وبمرور الوقت صار من المعتاد أن يعتز شعب كل "نوم" بإلهة الخاص الممثل له ويعتبرونه الإله الأكبر أو "الله" ويغدقون عليه كل القدرات والصفات الممكنة(9).

وذلك أمر بديهي لان القطر المصري كان يتألف من أقاليم مختلفة ،ولا جدال فى أن لكل إله كانت له منطقة نفوذ ثابتة محدودة فى بادئ الأمر ،وكان سلطانة فيها هو السائد(10).

كان كل إله مقاطعة يطلق عليه فى معبده أو مدينته رب المعبد أو رب المدينة حسب الأحوال ، ومن ذلك يتضح لنا انه لم تكن المنطقة التى يسيطر عليها كل إله تتألف من قبيلة ذات عصبية واحدة بل من أهل المنطقة التى كان يوجد فيها هذا الإله وممن يحتمون فى سلطانه(11).

إلى جانب معبود كل مقاطعة والتي تعرف بالآلة الرسمية كان عدد عظيم في كل مكان من الآلهة الأخرى ذات الأهمية النسبية ،غير إنها كانت تشاطر الإله الأعظم العبادة بصفتها زوجه له أو ابنا ،وأحيانا كانت لها عبادة مستقلة وسلطان(12).

وما بين القوة الطبيعية التى كانت تعبدها قرى مصر ومدنها ،قوى كانت تعبد فى كل مكان مع أنها لم تكن لها معبد فى اى جهة وهى المعبودات الجغرافية أو الزراعية أو الآلهة المألوفة. كانت تقدم قرابين للنيل فى جبل السلسلة وفى الفنتين وفى شمال منفيس عند منبع نيل مصر السفلى ،وفى زمن هذه الأعياد، فى الوقت الذى كان يصل فيه الفيضان كانت تغنى الأناشيد التى تؤكد مصدرة الأسطوري .ومنذ نصوص الأهرام كان الكهنة يرددون الأغنيات للماء الذى يجلب الخصب والذى يحمل الحياة للقطر.(13)

أما معبودات المراعي والحقول ، فهى أكثر غموضا ، وكانت تتناوب فى الأجزاء السفلى من جدران المعابد ،مع آلهة النيل المكتنزة فى حمل القرابين ولقد التحق بها آلهة النسيج وغيرها......(14)

وهذه المعبودات تذكرنا بالآلهة المساعدة عند الإغريق "ديمون" وبآلهة الزراعة عند الرومان ، إن هذه المعبودات تقف فى منتصف الطريق بين القوى السماوية وبين البشر .ولم تكن هذه الآلهة وحدها ، ففى المنازل وكذلك هياكل الميلاد حيث كان يحتفل بالمولود الإلهي ،كانت توجد معبودات مألوفة حاميات الميلاد والنساء اللاتي يضعن ،والأطفال مثل تاورت ومسخنت وبس(15).

الآلهة (من اليمين)، حورس وأنوبيس وأوزيريس من قبرة حور محب
  
والملك نفسه الم يكن إلها؟ انه يدعى الإله الكامل ،فيما جرت العادة عليه ،وكان يسمى حورس وابن رع ، وهذا كان من شأنه دعم السلطة الملكية قانونا ، ولقد صار بعض الملوك إلهة سماويين .كان امنوفيس الأول من عدادهم ويبدو أن رعمسيس الثانى كان كذلك حتى فى أثناء حياته ،ولكننا نجهل السبب الذى دعا إلى هذه الترقية فى نظام وظائف الكائنات(16).

وبالفعل تثبت لنا الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقران حقيقة ادعاء بعض الفراعنة الإلوهية فى حياته، وقد ذكر لنا القران الكريم قول فرعون لأهل مصر حين قال لهم موسى عليه السلام  اعبدوا الله الواحد الأحد  فى سورة الزخرف : "وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِيقَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51)"
بل وفى العصر المتأخر عبدت أشخاص ووزراء مثل اياح حتب أم أحمس الأول وايمحوتب رب الطب والهندسة فى العصر المتأخر وغيرهم .... وقد أقيمت لهم المعابد وقدمت لهم القرابين على أنهم آلهة سماوية.

ولذلك كان على المصريين أرضاء كل تلك المعبودات  بالقرابين والهبات هى الآخرة ، مع أنها اقل شهرة وفاعلية عندهم من المعبودات الكبرى مثل آمون وحتحور ورع وبتاح ...الخ.

وظيفة كل معبود
مما سبق نستطيع أن نحدد ماهية كل غله ولا نزاع فى أن أهم عمل كان يقوم به الإله نحو أتباعه هو أن يمنحهم أو يحرمهم الأشياء الضرورية للحياة العامة ، أما الملوك فكانوا يطلبون منه الحياة والصحة والثبات والنصر  والسعادة(17).

وكان الإله يظهر عظمته وقوته وجبروته فى كل أمور الحياة الظاهرة التى لم يكن فى مقدرة الإنسان أن يتغلب عليها ،لذلك كانت الآلهة تعمل كأنها رؤساء أو ملوك فى آن واحد(18).

كل كاهن يحاول إعلاء شان معبودة
الغريب أن لكل مجتمع كهنى لإقليم يؤكد على أن إلهه هو الأب الأكبر لجميع الآلهة الأخرى، وأنه خلق السموات والأرض، والأعجب أن قبٌل كهنة المجتمعات كل ما يدعيه كهنة مجتمعات الأقاليم المجاورة عن خصائص آلهة مجتمعات أقاليمهم ،فالحقيقة أنه لم يبد أبداً – بقدر ما أمكن تجميعه من نصوص الديانات  أن كهنة مجمع آلهة ما قد حاولوا طمس آلهة المجتمعات الأخرى حتى لو كان من حظهم – بفضل الحروب- أن ينعموا بسيطرة دائمة على الأقاليم التى تُعبد فيها آلهة مجتمعات غريبة عنهم ، وما حدث عندما حصل كهنة رع على القوة الفائقة التى كانوا ينعمون بها فى هليوبوليس أثناء حكم الأسرات الخامسة والسادسة .. فالثابت أنهم لم يطمسوا الإله المحلى "تم " ولكنهم أرفقوا اسمه باسم ألههم فى تركيبة واحده هى "رع- تم" ، وبالمثل فى فترة لاحقة عندما انتصر أمراء طيبة وملوكهم أعلنوا أن ألههم "آمون" أكبر الآلهة المصرية طرا، ومع ذلك لم يطمس كهنته الآلهة الأخرى أو يدعون بأنها ليست بآلهة بل حافظوا لها على كل صفاتها وقالوا أن آمون قد تمثلها وأنه بالتالي أصبح أكبر إله(19).

على عكس ما فعله أخناتون عندما أعلن أن آتون هو المعبود الرسمي لمصر ،وأن كل معبود سواه باطل ، وراح يكسر ويمحوا ويهدم كل معابد ومقصورات   ر المعبودات الأخرى ، مما دعي الشعب كله وعلى رأسهم كهنة أمون أن يثاروا لمعبداتهم ، وبالفعل حدث لهم ما تمنوا وقضوا على أخناتون وعبادته الجديدة ، والتى نالت انتشاراً واسعاً فى سنين قليلة من إعلانها الديانة الرسمية للبلاد ، مما جعل موارد المعابد الأخرى تقل ، وهذا بطبيعة الحال عاد بالفقر على الكهان الآخرين – وهذا من وجهة نظري الخاصة- مما دعي الكهنة فى الأقاليم الأخرى الثورة والقضاء على الديانة الجديدة والتى عطلت وأوقفت ما كان يدخل للمعابد من كنوز وخيرات.

الفصل الثاني
معنى كلمة كاهن
 كما جائت فى المعجم الوسيط هى:-
الكَاهِن : كلّ من يتعاطى علمًا دقيقًا . 
ومن العرب من كان يُسمِّي المُنَجِّمَ والطبيبَ كاهنًا . 
و الكَاهِن الذي يقوم بأمر الرجل ويسْعَى في حاجته . 
و الكَاهِن عند اليهود والنَّصَارى : من ارتقى إِلى درجة الكهنوت . 
و الكَاهِن عند أَصْحاب الديانات الأخرى من غير المسلمين : من ساغ له أَن يُقدِّم الذبائحَ والقرابين ويتولى الشعائرَ الدينية.

 الملك هو الكاهن الاول
ومع ذلك فلا يوجد توازن دون توقع اختلال واتساق يقدر على الثبات حين يصيب التلف احد عناصره، وهذا تركيب ميكانيكى معقد اشد التعقيد ،فيه يتمتع كل عنصر بالحرية ثم هو عالم لا يستطيع البقاء او يتماسك دون رقابة متصلة ،فالمعبودات فى حاجة إلى ابن يغذى ويرعى أرواحهم الأرضية ، والمخلوقات تطالب بان يكون لها راع يبين لكل دوره وحدوده: وهذا الضمان للتوازن العالمى وهذا الراعي للبشرية هو الفرعون(20).


رمسيس الثاني يقدم قرابين إلى اله الحرفيين والصناع بتاح -أبو سمبل

فبعد توحد البلاد واستقرارها وتحولها من النظام الإقليمي  والمدن المتفرقة إلى نظام الدولة الكبيرة الموحدة . وبعد ان استوي رئيس الدولة الجديد عليها فى مداها الواسع ،وظل كما كان فى مملكته الصغيرة صاحب السلطان فيها ومالك أراضيها وغلالها والمسئول عن الفيضان وعن شروق الشمس وميلاد الناس وانبات الزرع ،ثم هو من ولد الآلهة يراعي شئون آبائه ويتلقى منها لقاء ذلك السلطة التى يسود بها الأرض لتوكيد النظام الذى وضعته الآلهة ،ولضمان استمرار ذلك الانسجام أصبح ما الواجب ما يأتي:

أولا: إن وجود الآلهة هو الدافع المحرك فى هذا العالم ،والملك هو المسئول عن إقامة العبادة.
ثانيا: الحرص على تكامل عناصر الكون بحسب ما وضع لها من نظام ،ومن هنا يتضح دور الملك التشريعي والقانوني.
وهكذا أصبح واجب الملك مزدوجا :الحرص على النظام الدنيوي ،وعلى الشعائر الدينية ذلك بسن القوانين للناس(21أ).

كيف ظهر الكاهن 
عن العقل الإنساني قد خلعت الآن يد الزمان رداء "السحرة " وعليه خلعت رداء "الكهنة" طوت يد الزمان ساحر القبيلة وبمغيب القبيلة غيبته ، وطلعت به بطلوع الدولة وإشراق الحضارة المشرقة كاهناً ، بيد أن ظلت سجيته القديمة ساحراً سجيته الجديدة كاهناً، فقد تطورت القبيلة إلى دولة ، وتطور هو من ساحر إلى كاهن(21ب).

ومن الواضح أن أتمام كل هذه الطقوس على النحو المتقدم وهم وخيال ن فانه إذا كان من الممكن ان يصبح رئيس القبيلة فى عصور ما قبل التاريخ  القائد الإداري والرئيسي الديني، فقد كان من المستحيل على ملك مصر أن يكرس حياته للأمانة فى ألاف المناطق المختلفة بالمملكة ولما اختفى نظام القبيلة ليستبدل بنظام الملكية الموحدة أصبح من المستحيل على رئيس القبيلة وقد أصبح فرعونا أن يكون الإمام الفعلى فى إقامة الطقوس لكنه احتفظ بهذه الإمامة اسميا فقط، وبقيت له صورها مرسومة بالمعابد ،أما من الناحية العملية فان الملك قد نزل عن هذا لمتخصصين انتدبهم ليقوموا بها بدلا منه، وعلى ذلك فقد كان مكان الكهنة الرسمى يقوم اساساً على هذه الفكرة التى لن تمحى وهى أنهم مندوبو السلطات الملكية، فباسم الملك وفى مكان السلطان كان كهان مصر يؤدون الطقوس الدينية اليومية فى كل البلاد(22).

وهنا يخطر ببالنا سؤال هام الا وهو كيف كان يختار الكاهن ؟ وعلى اى أساس؟ وهل كانت هناك شروط واختبارات لذلك المنصب ام لا؟
إذا كان من الغريب أن المعلومات اللاهوتية لم تكن ذات بال إطلاقاً عند تعيين اى كاهن – وكان على الكاهن أن يقضى مدة التدريب على الطقوس الصارمة للعبادة – فان الدراية بتلك الطقوس لم تكن فيما يبدوا من الشروط التى تحدد اختيار كاهن جديد، وقد كان الكهنة يمارسون مهنة الكهانة بمجرد دخولهم المعبد ،وتشير كل الأدلة القاطعة على أن الحياة الكهنوتية أنما كانت تحتم على الكاهن أن يكون قد تثقف ثقافة دينية ، ومن هذه الادلة وجود علم مقدس متطور تطورا واضحا وبعض إشارات إلى تأملات دينية ن وكل ما نعرفه هو ما ورد فى قرطاس من العصر المتأخر يفيد بوجوب معرفة المتقدم لشغل وظيفة الكاهن قراءة النصوص الدينية المدونة فى القراطيس(23).

الأهواء الملكية تتدخل فى تعيين الكهنة  بمرسوم ملكى
كان التعيين يأتى بمرسوم ملكى  باعتباره كما قلنا سابقا هو الكاهن الأول للبلاد والقائد الأعلى للمجلس الكهنوتى. حيث كانت كل العبادات فى اى معبد تقام باسم الملك، وقد وجاء فى احد فصول الشعائر: "ان الآلهة أعدت لى السبيل ،وان الملك هو الذى ارسلني لاجتلاء طلعة الإلهفالملك هو الذى كان يعين سائر طوائف الكهنة ومن الواضح أن مثل هذا التركيز كان يقضى وجود وزارة ذات اعتبار ويسبب كثيرا من التأخير "فى التعيين" وواقع الأمر أن عمل الملك قاصر على تعيين كبار رجال الدين وكبار الكهان فى العبادات الكبرى ،فاما تعيين الكهان ذوى المناصب الدنيا فقد كان يتركه للوزير(24).

المجلس الملى او "الكهنوتى" يعين صغار الكهنة
كانت الأهواء الملكية فى اغلب الأحيان تهدد بخلق الاضطرابات فى النظم المحلية المتبعة إذ كان الكهان ينظمون فيما بينهم تشكيل كهنوتهم ، ومع هذا فمن الإنصاف أن نعترف بان الملك كان من النادر أن يتدخل فى مثل هذه الأمور وذلك بسبب ضخامة عدد المعابد وعدد الكهان ،ولذلك كان فى استطاعة أسر الكهنوت ان تزدهر فى غير خوف ،وإذا لم تستطع أمور الوراثة –كما سياتى الذكر لاحقا- الوفاء بحاجة عبادة ما إلى من تقتضى من الرجال قامت مقام ذلك وسيلة أخرى وهى الترشيح، فكان العاملون يعقدون اجتماعا ويتفقون فيما بينهم على اسم من أسعده الحظ بالانضمام إلى طوائفهم المقدسة(25).

ويبدو أن تلك الطريقة كانت أفضل الطرق المتبعة لتزويد الوظائف الشاغرة بمن يشغلها ، ومن المرجح كذلك أن كل كاهن جديد ، ولو كان من اسر العاملين فى المعبد يوافق المجلس  الملى على تعيينه ،وان يتم تكريسه بالخدمة الدينية ببراءة مسجلة(26).

ألقاب الكهنة
تبدو الاحتفالات المحلية الأصلية التى تعود إلى الظروف الإقليمية المتبادلة فى عدد ما الألقاب التى يحملها كهنة الآلهة المختلفون ، وعدد كبير من هذه الألقاب استمر فى العصور التاريخية فعلى سبيل المثال :
- الأعظم بين الرائين وهو لقب الكاهن الأكبر لرع فى طيبة 
- والأعظم بين ما يشرفون على الحروف وهو لقب بتاح الأكبر فى منف 
- وأعظم الخمسة فى بيت تحوت وهو لقب كبير  كهنة الآلهة فى هيرموبوليس – الاشمونين 
- لقد كان الاسم المصرى الدائم للكهنة كان هو "الخادم " ثم أصبح بعد ذلك "حم نتر" اى خادم الأله وكان هذا اللقب مع لقب المطهرون يرجع إلى عقيدة الشمس.
- أب الإله وهؤلاء ياتون فى السلم الهرمى للنظام الكهنوتى فى طبقة بين "خدم الإله "وبين "الكهنة المطهرين" لكن لم يتم استيضاح بشكل مرضى حتى الآن لطبيعة وظيفتهم او بسبب تسميتهم باللقب الدينى الذى يحملونه(27).
- وكان يطلق عليه هليوبوليس  "الشخص الكبير الذى شاهد رع تم" وفى منفيس " الرئيس الأكبر للكادحين"
- وفى سايس "حاكم المعبد المزدوج"(28).
- أما بالنسبة للكاهنات الكبيرات ففى منفيس كانت تحمل لقب "نفرتوت" وفى سيخم "الأم المقدسة" وفى سايس "ارت" اى الشخص الكبير وفى منديس "اوتشا-با-اف" وهكذا....(29)

تقسيم الكهنة داخل المعبد
بانتظام الدولة إلى مراتب ودرجات ، انتظم الكهنوت إلى نظام ، درجاته ومراتبه فروع تقبض على مختلف الشئون الدنيوية باسم الدين ومن ثم بدأت الآراء  الكهنوتية تبرز كعقائد دينية(30).

ورغم أن صعوبات كثيرة سوف تواجهنا ونحن نصف الطبقات الكهنوتية ، فهي مختلفة فى كل عصر ، إلا أن مؤسسي الكهنة تكونت فى الدولة الحديثة من خمسة أنواع من الكهنة ينقسم كل نوع إلى أربع درجات هى كاهن الإله ،الأب الإلهي ،كاهن التطهير، الكهان المرتل ،الكاهن ايميوشتا "(21).

ولكننا استطعنا إحصاء سبع طبقات كهنوتية متميزة ،ثلاث طبقات أساسية وأربع طبقات متغيرة وغير ثابتة وهى كما يلى(32):

1- الكاهن الأكبر "حم نتر"
وكان الأعلى  رتبة بين الكهنة والذى يقوم الملك بتعيينه وكانت شخصيته مؤثرة فى المجتمع ، ويرجع أصله إلى فترة قديمة جدا وكانت تطلق عليه ألقاب مختلفة ،فقد كان الكاهن الأكبر لإلهة الشمس فى عين شمس يسمى "أعظم الرائين" و"الذى يستطيع رؤية الإله " وقد دمج اللقبان فى لقب واحد هو " أعظم الرائين أمام  طلعت الإله رع" ،ولقب "الذى يرى السماء " و"رئيس أسرار السماء " وكان فى منف يسمى "الزعيم الأول للفنانين " لان بتاح فى منف كان يتخذ صفة المسئول عن الصناع والفنانين.

2- الكهنة المختصون
وهم مجموعة من الكهنة الذين يصنفون فى المرتبة العليا ويعملون فى وظائف محددة تخص الخدمة والطقوس وأعمال النظافة اليومية ،وإكساء وتزيين التمايل الإلهية والمحافظة على قاعات الطقوس وعلى الموارد المخصصة للاستعمال اليومى كالحلى والثياب ومتطلبات العبادة ،ويشتملون بصورة عامة على(33):

أ‌- المطهرون "وعبط
ب‌- المرتلون من الموسيقيين والراقصين "خرى حب"
ت‌- الكهنة المجنحون "pter phore" نسبة للريشتين اللتين تزينان غطاء رأسهم وهم الكهنة القراء والكتاب الين كانوا يمارسون عملهم فى ما يسمى بحقول العلم المقدس "العلم الإلهي" الذى كان يشمل مختلف الحقول الخاصة بالأدب والحكمة والفلك  والكيمياء والطب فى بيت ملحق يسمى بيت الحياة ولم يكن كتبة المعبد هؤلاء من الكهان فقط بل كانوا يشكلون الطبقة المثقفة والمتعلمة (34).

3- صغار الكهنة
وهم صغار رجال الدين الذين لهم دورا بسيطا فى العبادات الدينية والنشاطات المقدسة وينقسمون إلى:
أ‌- الأتقياء : وهم الذين يقومون بأعمال بسيطة مثل حملة القارب المقدس والسقاية فى المعبد ورش الماء ومراقبة الدهانين والرسامين ورؤساء الكتاب والعمال اليدويين للملك المقدس ،او ان يكونوا عمالا يدويين بسطاء مكلفين بأحذية الإله ... يتوزعون إلى طبقات فى المعابد الكبيرة التى تمتاز بكثر رجال الدين ، منهم رؤساء الأتقياء او المتقدمين فى التقوى ن أو من المرؤوسين المصنفين داخل فئة كبار الكهان الصالحين للقيام بجميع الأعمال التى يتطلبها المعبد والعبادة . (35)
ب‌- الرعاة "pastophor":وهم حملة الأشياء المقدسة .
ت‌- الاحبار ك وهم المكلفون بتقديم القرابين ونحرها قبل ذلك .
ث‌- مفسروا الأحلام "العالمون بالغيب" وهم الضالعون فى عالم الظواهر الليلية وتعليم هذا العلم العرافى.

4- الكهنة المؤقتون "اونوت"
 وهم كهنة الخدمة المؤقتة الذين ظهروا بشكل خاص فى عصر الدولة الوسطى حيث يتناوبون العمل الكهنوتى لفترة مؤقتة ثم يعودون إلى حياتهم اليومية المدنية المعتادة(36)

5- الكاهنات
كانت المرأة قبل الدولة الحديثة تدخل ف خدمة المعبد وفى سلك الكهنوت وهناك كاهنات للآلهة نبت وحتحور ولكن الأسرة السابعة عشر أظهر تلقباً كهنوتيا ًجديداً للملكات والأميرات التي سيصبحن ملكات "زوجة الإله " وكان يحرم عليه الاتصال الجنسي باى بشر وكانت صاحب نفوذ عظيم ينافس سلطان الفرعون،وتخلع على نفسها صفات ملكية ،وتحتفل بأعياد اليوبيل وتقيم النصب باسمها وتقدم القرابين.(37) وسوف نخوض فى ذكر دور الكاهنات لاحقا بشكل أوسع واشمل

 6- الإداريون والمستخدمون
وكان هؤلاء خارج السلك الكهنوتى ولكنهم يقومون بالمهام الإدارية والخدمية للمعابد ،وخصوصا إذا كانت المعابد واسعة وكبيرة مثل مدراء الأملاك ورئيس القطعان والمخازن ...الخ وكانت هناك مجموعة كبيرة من المستخدمين كالبوابين والعمال والحراس والجنازين والجزارين والعبيد ..... الخ (38)

والواقع واليوميات التى وجدت فى اللاهون تتيح لنا مزيد من المعلومات التفصيلية عن تنظيم المعبد الجنائزى "لسنوسرت الثالث" والذى كان مشيدا فى هذا الموقع ،فكانت الهيئة الدائمة للمعبد  تتكون من الخادم الأكبر للإله والمذيع وسيد الأسرار وحافظ مخزن الملابس وسيد القاعة الفسيحة والمشرف على هيكل القرين وكاتب المعبد وكاتب المحراب والكاهن المرتل وهؤلاء الموظفون كان معظمهم يتولون أعمال إدارية ،أما باقى الكهنة المسمون كهنة الساعة فكانوا يشكلون مجموعات أربع "يسمون فى اللغة المصرية سا " وفى العصر اليوناني يسمون فيلى وكلا الكلمتين تعنيان مراقبة ، وكل مجموعة منها تقوم بالخدمة شهر فى دورها فى المعبد ، وعندما تنتهي الرابعة من الخدمة المحددة لها فأن الأولي تعود لداء دورها فى الخدمة وبذلك فكل مجموعة تعمل 3 أشهر فى السنة ،وفى العصر البطلمى أضيفت جماعة خامسة إلى كهنة الساعة (39).

تنصيب الكاهن وترسيمه
بعد عملية التطهير التى تقتضى على كل من يدخل المعبد ،لم يكن شئ ذو بال "لم يبقى على الكاهن الجديد إلا أن يحظى بلون من التعميد البسيط"(40). ويمكن استكمال مراسم التنصيب من نص على تمثال بالمتحف المصرى يمدنا ببعض معلومات إضافية حيث يقول صاحبه وهو كاهن شاب:
(مثلت فى حضرة الإله وكنت شابا ممتازا حين قدمونى إلى أفق السماء  وخرجت من النون "الماء الأزلية" وقد خلصت  من كل ما كان عالقا بى من مساوئي ، وخلعت ملابسى ،  وخلصت من الدهون التى كانت عالقة بى ، كما يتطهر حورس وست ، وتقدمت إلى حضرة الإله فى قدس الأقداس مليئا بالرهبة أمام قوته)(41)

ومن ثم كان خطوات التكريس ممثلة فى المثول فى المعبد ، فالتطهير ثم تبليغ بعض الأسرار التى كانت إلى جانب ذلك بالطبع بعض التوصيات ثم تبليغ بعض الأسرار التى لم يكن يستطيع معرفتها سوى الكهنة المبتدئين ،مثل معرفة تلك الاصطلاحات السحرية التى من شأنها أن تسمح "بفتن السماء والأرض وجهنم والمياه ورؤية الشمس تتصاعد إلى السماء بين ركب من آلهتها ، وكذلك مطلع الفجر والنجوم  فى كامل هيئتها " انظر قصة ساتنى 121"(42)

حق بيع الوظائف الدينية
تشير النصوص من العصور الفرعونية المتأخرة إلى وجود حق ابتياع الوظائف الدينية بكل ما تغل من دخل ، وقد عرف الرسم الذى كان يحصل على هذا الشراء فى اليونانية باسم "telestilcon"" وانتشرت هذه العادة فى العصر الإمبراطوري وبخاصة فى وظائف صغار الكهنة أو الكهنة الخدم ، وإذا جاز لنا مراجعة هذا العمل إلى أيام الدولة الوسطى ،فان معلومتنا تظل قاصرة عن تتبع الطرق التى كان يتم بوساطة هذا الشراء فى عصور أقدم.(43)

الكهانة تورث  للابناء
مثلها مثل كثيرا من الصناعات والحرف والوظائف فى مصر القديمة فأن الكاهن يؤرث ابنه ويوصى له أن يصبح كاهناً. ويحدثنا هيرودوت فى كتابه الجزء الثانى الفصل 37 :
"انه عند موت احد الكهنة كان يخلفه ابنه فى مكانه ."
ومع ذلك فان تلك القاعدة لم تكن مطلقة من الناحية العملية ، وإنما كانت تقليدً متبعاً رسخ فى الأذهان ، ومنذ عصر الدولة القديمة نجد أمثلة من الوصايا يطلب فيها الكاهن با تئول وظيفة الكاهن إلى وريث يحدده ، فهو يرى تلك الوظيفة حقا كحقه فى كل ما يملك من متاع خاص.

 أما فى الدولة الحديثة فكان يحدث ان يتقدم احد الأشخاص مطالبا بوظيفة كهنوتية فى معبد ما ، ولم يكن ينبغى عليه إلا أن يتذرع إلى ذلك فى بساطة بأنه ابن الكاهن ،بل والأكثر من ذلك فى العصر المتأخر لوحات تنسب لنا سلسلة من انساب أصحابها يذكر يعضهم أن أسلافه حتى الجيل السابع عشر كانوا من كهنة معبود بعينه(44).

الطهارة الروحية والجسدية للكاهن
كما نعلم ان الكاهن هو ممثل المعبودات  وحلقة الوصل بين الشعب والمعبودات ، وهو المتحدث والأمر الناهى  فى الحياة الدينية عند المصرى القديم ،فكان لازما عليه أن يكون طاهر الروح وطاهر الجسد ،حتى يتسنى أن يكون فى شرف حضرة المعبود فى قدس الأقداس.

اغتسال الكهنة
كما أن اصطلاح المتطهرين الذى يطلق على أكثر طوائف الكهنة انتشارا أنما يذكرنا بعمليات التطهير الأولى التى يغتسل فيها الكاهن ليخلص من كل ما علق به:" يغتسلون بالماء البارد مرتين نهارا ومرتين ليلا "هيرودت الكتاب الثانى فصل 37.

تطهر الكاهن الاكبر  
فقد كان على الكاهن أن يجرى تطهراً يومياً مماثلاً قبل أن يضع ملابسه وقبل أن يزود بإشارات أو رموز ملكية وعلى ذلك فان التطهر وصب المياه البديل له أصبح عنصرا رئيسيا فى اى خدمة دينية واضحي النقاء البدنى والنظافة أمرا مطلوبا للملك والكاهن بل والرجل العامى(45) وغالبا ما يكون هذا التطهير فى البحيرة المقدسة الملحقة بالمعبد ، فقد كان الكهنة قبل بدء خدمتهم الصباحية ينزلون إلى الماء فيريقونه على أنفسهم  فى غزارة ، فإذا لم يكن هناك بركة أو بحيرة يحل محلها حوض من الحجر(46) ولقد كان الطقس الصباحى المبكر الذى يفتح بطقس التطهير يعطى الفعل المصرى الذى يعنى "يشرق صباحا" معنى المديح والإطراء والتهجد أو الصلاة بوجه عام(47). وضرب أخر من الطهارة المادية قد كان على الكاهن ان يغسل فمه بقليل من مذاب النطرون قبل أن يطرق المكان المقدس.

سر إزالة شعر الرأس والحواجب والرموش عند الكهنة
ويقول هيرودوت فى كتابه عن مصر الجزء الثانى الفصل 36:
"فى غير مصر يطلق كهنة الآلهة شعورهم ،أما فى مصر فيحلقونها """"".

فقد كان هناك نظام صارم من نظم الحياة الكهنوتية يتمثل فى ان يزيل الكاهن الشعر من جسده .
ويحدثنا هيرودوت ان الكهنة كانوا يزيلون الشعر من اجسامهم مرة كل يومين حتى لا تعلق به قملة او اى حشرة قذرة اخرى تمنعهم من ممارسة العبادة .

تلك حقيقة تويدها صور الكهان التى نراها على آثار الفراعنة وبخاصة فى أيام الدولة الحديثة وأواخر أيام المصريين من آل فرعون ،فلم يكن الباعث على حلاقة الشعر شيئا غير الحرص على النظافة التى تقتضيها العقيدة ،وتستلزمها الشعائر الدينية ،فقد كانت النظافة –كما قلنا-  أهم ما يشترط  ان يتوفر فى الكاهن ،وليس أدل على ذلك من أن أول مراتب الكهانة تشير إلى تلك الحقيقة فالكاهن يسمى الطاهر او المطهر(48).
تمثال الكاهن تاي تاي، متحف برلين –المانيا ويظهر فيها حليق الرأس

ويبدو أن تلك العملية كانت اضطرارية إذا بلغت قيمة الغرامة فى العصر المتأخر على كل ما يهملها 1000درهم، وهناك من النصوص المختلفة الأخرى ما يحدثنا أن الكهنة وصل بهم أمر المبالغة فى ذلك بالتخلص من شعر رموشهم وحواجبهم، وكانت هذه قاعدة عامة(49). فعلى سبيل المثال الرحالة اليونانى اويدوكسس دى كنيدى  الذى كان يحاول الإطلاع على العلوم الجديدة  من الكهنة المصريين  فلم يقبل إلا بعد أن أزال شعر جسده. وقد وضح لنا القران الكريم سبب تلك العادة بطريقة غير مباشرة ،فقد كان القمل منتشرا جدا فى تلك الفترة وكان  القمل جندا ً من جنود الله لعذاب قوم فرعون بسبب مخالفتهم لموسى عليه السلام فيقول الله عز وجل : "فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَولا عجب فى ذلك فهذا من عادات وتقاليد شعب مصر  من قديم الأزل حتى وقتنا هذا.

فلكل شعب عاداته وتقاليده الخاصة،فمن الشعوب من يرى استكمال الزينة فى تطويل شعر الرأس وتصفيفه ، وإرسال شعر اللحية وتمشيطه، فلا غرابة فى أن يتجرد الناس  من تلك الزينة  حين يموت لهم احد ،وكانت الحلاقة لديهم من مكملات الزينة ،فهم يخزنون يصرفهم الحزن عن الزينة ،فيرسلون شعورهم ويطلقون لحاهم ،وما ذال ذلك دأب خلفائهم من سكان الوادى حتى اليوم وخاصتا فى قرى الدلتا وصعيد مصر(50).

الختان عند الكهنة
كان هناك تقليدا أخر متصل بالطهارة الجسدية إلا وهو الختان ،فقد كانوا يقومون بعملية الختان بقصد النظافة ،"إذ كانوا يضعون النظافة فوق كل القيم الجمالية " هيرودوت الجزء الثاني فصل 37. ولم يكن كل المتفرغين لأعمال الكهنوت قد أجريت لهم عملية الختان إذ أن تعلمهم الحياة الكهنوتية كان وهم لا  يزلون صغار فى السن  ،لذا كان يختتنون عندما يتولون مهامهم الرسمية ، وقد أصبح الختان فى عهد الإمبراطور هادريان علامة مميزة للكهنة(51).

ولا عجب فى تلك الطهارة الزائدة كما اعتقدها الرحالة وأهل العالم القديم برمتهم ، فقد ذكر لنا أيضا هيرودوت أن الشعب المصرى كان نظيفا جدا ،وشوارعهم لا يوجد بها اى قاذورات وكذلك طيب ريحتهم وحسن منظرهم ونظافتهم حتى الفقراء منهم فقال هيرودوت: "عجبت لنظافة الشعب المصرىوالكهنة بطبيعة الحال جزء من أفراد المجتمع المصرى ينطبق عليهم ما ينطبق على باقى الشعب ،بل بالعكس كانوا اشد حرصا من الشعب فى النظافة لأنه يمثل المعبود ودائما كما ذكرنا فى حضرة المعبود.
الختان من على جدارية من معبد سقارة

تحريم الطيبات من الطعام على الكهنة
ورد عن بعض الكتاب الإغريق والرومان أن كهنة مصر لم يكن يسمح لهم بتذوق الطيبات من طعام الموائد، ويصور لنا هيرودوت فى هذا المجال قائمة طعامهم بطريقة شيقة (كتابه الجزء الثانى الفصل 37) ولكن الرحالة الذين أتوا بعده لم يشاركوه هذا الرأي ،فهم يذكرون أن الكهنة كان عليهم أن يحرموا أنفسهم من كل شئ تقريبا ،فقد كانوا يحرمون على أنفسهم بعض أجزاء الذبيح إذ كان عليهم أن يتحاشوا الرأس أحيانا والأرجل أحيانا أخرى والأعضاء الأمامية أحياناً ثالثة ،وهم لا يأكلون لحم البقر ولا الخنازير بطبيعة الحال ،كما كان لحم الماعز من المحرمات أيضا وكذلك الحمام  والبجع والأسماك وخاصتا البحرية منها.

تحريم أكل الفول
كما حرم عليهم الخضر وكذلك الفول "وتحريم الفول فى الأغلب كان يقصد منه اجتناب الغازات المعوية التى يسببها أكل الفول " ،أما النبيذ فقد كانوا يتناولون منه قدرا قليلا او لا ينالون منه شيئا. كما أن الملح –الذى كان من منتجات المعبود "تيفون"- كان من غير المرغوب أن يظهر على الموائد ،لقد كانوا بالفعل مساكين خاصة وانه كان من واجبهم فى كثيرا من الأحيان ان يحرموا أنفسهم حتى من النزر اليسير من الطعام(52). أما الثوم فكان محرما عليهم أكله بسبب ما ينبعث منه من رائحة كريهة بعد أكله ،وكذلك كل أكل يصدر عنة رائحة كريهة كالكرات والبصل وغيرة.

تحريم أكل الحيوانات المقدسة 
تروى الأساطير أن معبود كل إقليم كان يحرم حيوانا معينا ولكنه نادرا ما كان يحرم نباتا ،وكان من واحجب الكهنة فى هذا الإقليم أن يمتنعوا عن تناول شئ من لحم أو لبن هذا الحيوان المكروه. ومن ناحية أخرى فقد كان الحيوان المقدس – الذى يختلف من منطقة لأخرى- بالطبع محرما أكله فى الوقت الذى تحلله البلدة المجاورة ومن هنا نشأت المعارك بين قرية وأخري.(53). فهل تعلم عزيزي القارئ أن الصراع الأزلي بين أهل البهنسا الاقليم 17   واهل القيس  وسمالوط سكان الاقليم16 سببه أكل الحيوانات المقدسة !!!!! واليكم القصة فى عجاله  كما ذكرها بلوتارخ

أطول حرب أهلية فى التاريخ
روى لنا بلوتارخ فى كتابة "ايزيس وازوريس 72:أن أهل مقاطعة اكسيرينكوس "البهنسا حاليا-المنيا" كانوا يقدسون نوعا من السمك وهو ما يسمى بسمك" القنوم " من اسمه الإغريقي اشتق الإغريق اسم الإقليم على حين أن مقاطعة كينوبوليس (القيس والشيخ فضل وسمالوط حاليا) أكلوا هذا السمك وهم الذين كانوا يقدسون الكلب ،فما كان من أهل البهنسا إلا أن ضحوا بالكلاب واكلوها ،وكان نتيجة ذلك أن نشأت حرب بين البلدين كانت وبالا عليهما معا ،وقد فض الرومان فيما بعد هذا النزاع وعاقبوا المتخاصمين.

بل وقد ذكر فى بعض كتب المؤرخين العرب بأن هذا الصراع أستمر حتى دخول الإسلام إلى مصر فأخا بين الإقليمين كما أخا بين الأوس والخزرج فى المدينة من قبل ، وذكروا لنا أن تلك الحروب والمناوشات كانت أشبة بحروب وصراعات دول كبيرة ، راح ضحيتها الألف من الطرفين ، وقد ذكروا أيضا أنه كانت هناك خنادق ودهاليز تصل البهنسا الإقليم السابع عشر  بالقيس حيث  عاصمة الإقليم السادس عشر من أقاليم الصعيد  فى تلك الفترة ، بل وكانت هناك جواسيس ونظام مخابراتى كبير فى تلك الحرب بين الاقليمين بسبب الحيوانات المقدسة ،وذكروا ايضا دور الكهنة فى إشعال تلك الحروب والتى قيل استمرت أكثر من 1000عام ،فكل كاهن كان يغار ويثأر لمعبودة الخاص به فيشعل حماس إقليمه للثأر من الإقليم الآخر.

ولقد كان أكل حيوان ما فى إقليم يعتبره سكان الإقليم المجاور سندا ارضيا لإلههم من أكثر الأسباب التى يمكن أن تخلق الخصومة بين أهل الاقليمين. وقد كان لكل من يعرف تلك الأساطير والمعلومات التي لها مساس بالإلهة وطبائعهم يصبح وفى يده قوه سحرية تمكنه من أن يجعل الآلهة تحت سلطانه ويجبرهم على خدمته لقضاء أغراضه السحرية(54).

تحريم الزواج على الكاهن والاتصال الجنسى
كانت الحياة الكهنوتية تحتم نوعاً أخر من أنواع الصبر الجسماني وهو الامتناع عن الاتصال الجنسى على الأقل خلال الاعتكاف فى المعبد ، وكان للكهنة المصريين أن يتزوجوا اذ ان وظائفهم لم تجبرهم على حياة العزوبة(55). وإذا صدق ديودور (الجزء الاول ص80)) : فقد كان عليهم على الاقل  أن يكتفوا بزوجة واحدة ،على حين كان لكل امرئ بعيد عن العمل فى المعبد ان يتمتع بغير واحدة. ومع ذلك فلم يكن هذا القيد عاما فنحن نعلم ان الكاهن "با شير ان بتاح" كان تحته عددا من النساء، وهكذا يبدو أن حياتهم الخاصة كانت تختلف من كاهن لأخر كل حسب حالته ، ومع ذلك كان لابد عليهم جميعا أن يتطهرواً حينما يعبرون السور المقدس.

وفى هذا ذكر لنا هيرودوت فى كتابه عن مصر الكتاب الثانى الفصل 64 
والمصريون أيضا هم أاول من راعى السنة التى تحرم جماع النساء فى المعابد ،كما تحرم دخولها بعد الجماع دون اغتسال ، وسائر شعوب العالم القديم –فيما عدا المصريين واليونانيين- يجامعون النساء فى المعابد ،ويدخلونها بعد الجماع دون غسل ،اذا يعتقدون أن شئنهم  شأن سائر الحيوان ،وأضافوا أنهم يرون جميع الحيوانات والطيور على كافة أشكالها تتعاشر فى معابد الآلهة وحرمها ، ففذا كان ذلك العمل لا يرضى الإله فلماذا إذا تفعله الحيوانات ، هذا ما يرونه ليبرروا بع أعمالا هى فى نظري غير مُُرضي .
  
لن يبدوا غريبا أن يحرم المصريين على أنفسهم دخول المعبد بدون اغتسال بعد الجماع ، ولسنا نستبعد مطلقا أن يكونوا قد سبقوا غيرهم من الشعوب فى الأخذ بهذه السنة أن لم يكونوا أول من أخذا بها. ونحب بهذه المناسبة أن نذكر أن الإسلام قد حرم على أصحابة مباشرة النساء فى المساجد كما جاء فى سورة البقرة (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة 187]. وفى ذلك ما يشير إلى أنهم ربما كانوا يفعلون ذلك قبل التحريم والنصوص المصرية الدينية وواضحة حول هذا الموضوع ،فالتطهر من ملامسة النساء فرض محتوم فى أيام كثيرة.(56)

ملابس الكهنة
يقول هيرودوت فى كتابه عن مصر الجزء الثاني الفصل 37: "يلبث الكهنة ثيابا من كتان فقط، ,أخذيه من البردى ، وغير ذلك من الملابس أو الأحذية محظور عليهم لبسها إلا القليل". لقد كان أجود اللباس لدى المصريين يصنع من الكتان ،فلا عجب أن يكون ثياب الكهان من النسيج الأبيض ناصع البياض ، فهو لشدة بياضه سريع التأثر ، لا يكاد اثر الوسخ يبدو فيه حتى يبادر حاملة بتنظيفه. ولا غرابة أيضا فى أن ينتعل الكهان تلك النعال الخفاف من البردي المجدولة حتى يسهل عليهم تنظيفها(57).

ولقد كان من العسير تمييز الكهنة بهيأتهم وأزيائهم عن غيرهم من المصريين فكان محرماً عليهم بعض الأقمشة والصوفية منها بخاصة ، ذلك لأنها مستخلصة من مخلوقات حية تصيب لابسيها بالقذرة وتحط من قدسية المكان التى يؤدون فيها واجباتهم .ويبدو أن هذه القاعدة كانت قاطعة لا استثناء منها ولا هوادة بدليل ما كتبه هيرودوت و ابوليه فى شأن العقوبات المادية الباهظة التى كانت توقع على المخالفين(58). وكذلك كان محرم على الكهنة لبس الملابس المصنوعة من القطن وذلك اعتبارا منهم بان القطن نجس لا يجوز لبسه والوقوف فى حضرة المعبود به.

يبدو بالفعل أن الكهنة قد احتفظوا بزيهم الثابت الذي ارتدوه منذ العصور الأولى للحضارة المصرية ، ولم يكن يميز هذا الزى إلا بعض التفاصيل التى تحدد وظيفة كل كاهن كالوشاح الذى يتشح به الكاهن المرتل ، فاما الكهنة المتخصصون وكبار الكهنة فقد كان من حقهم أن يخالفوا ذلك ،فالكاهن الذى يلقب عندهم "سم" كان يرتدى جلد الفهد ، على حين ان كبير كهنة هليوبوليس يحمل رداء من جلد فهد مزخرف بحليات على شكل نجوم . كما أن لكبير الكهنة فى منف  الحق  فى حمل قلادة ذات شكل خاص(59). واذا استثنينا كبار الشخصيات الدينية فان الكهنة تميزوا عن بقية الجماهير بقدم زيهم ووقارهم ،وليس من شك فى ان هذا الاحتفاظ بالشكل القديم كان يضيف إلى هيبتهم ومكانتهم شيئا من الشهرة فى مجتمع كل ما فيه جيد وجديد.


ملابس الكهنة على احدى الجداريات

الفصل الثالث
واجبات ومهام الكهنة
إلى جانب كل ما ذكرناه سابقا من تطهر وختان واعتزال النساء وملابس الكهنة. كانت الطقوس تزاد يوما بعض يوم مع مر الزمان، والتي كان يحفظها خدام الإله "الكهنة" عن ظهر قلب، وقد نصبهم القوم لينهضوا بخدمات بيت الإله، ولإطعام تماثيله وألبسه، وللعناية بالحيوانات المقدسة، ولإقامة الأعياد والمواكب، هذا إلى جانب أنهم كانوا يعرفون ويجيدون فن تخمين ما يريده الإله، وينتزعون منه بواسطة الوحى نبوءات عن المستقبل، وأحكام فاصلة فى القضايا، وحقائق تتعلق بالمخاصمات(60).

ولم يكن الكهنة طائفة منعزلة تعيش على هامش المجتمع ولا تغشاه إلا لاستمالة الجماهير ودفعها نحو حياة خلقية ارفع مستوى واقوي نشاطا من حياتها العادية، كلا ،بل كان أولئك الكهنة المصريون  يقومون بدور دقيق جدا، فهم نواب صاحب الحق الوحيد فى القيام بالخدمة الدينية، وكان قوامها العمل على رعاية الوجود الإلهي على الأرض ممثلا فى صورة متكاملة داخل قدسه فى المعبد حيث طابت له الإقامة، وكان لوظائفهم دورا هاما ،فهم يشاركون فى البناء الديني لملك فرعون الذى يقتضى المحافظة على العالم كما خلقته الآلهة وهذا عمل لا يستطيع النهوض به سوى المتخصصين الفنيين، أما فيما عدا ذلك من أعمال الكهان وتفكيرهم فلم يكن فى نظر الدولة شئ ذا خطر فهم لا يشبهون فى شئ كهان العبرانيين أو أحبار النصارى، أنما هم أشخاص عاديون لا يختلفون عن غيرهم فى شئ ولا يتميزون بأنهم من أصل ألهى، وليس عليهم هدى الجماهير ولا إقناعهم، ومهما يكن لم يخرجوا عن كونهم مواطنين مأذونين من الملك بان يحلو محله فى أداء بعض الطقوس المادية اللازمة للصالح العام، والعقيدة الشعبية لا تدين لهم بشئ، وإذا كان فيهم المفكرون العظماء او القديسون فلم يكن ذلك غير نتيجة لتعدادهم الشخصى ولا صلة له بنشاطهم المهنى نفسه(61).

ولكن السؤال هنا كيف كان يعيش الكاهن ؟وما هى الامتيازات التى قدمت له فى سبيل انجاح مهمتة السامية المقدسة ؟ إن كهنة كل معبود فى منطقته لم يخضعوا لاى سلطة خارجية ، وكان للكاهن الأعظم سلطات تقل بالكاد عن حاكم المقاطعة نفسه(62). ويقول هيرودوت: "لقد تمتع الكهنة بامتيازات ليست بالقليلة ... فهم لا يستهلكون شيئا من ثرواتهم الخاصة ،بل يصنع لهم الخبز المقدس ، ويصيب كل واحد منهم يوميا كمية كبيرة من لحم البقر والاوز ،وتقدم لهم الخمور مصنوعة من العنب". ذلك صحيح ، فلقد كان لكل معبد من معابد الدولة وبخاصة الكبرى منها أوقافه من الأرض-كما سيأتي ذكرها لاحقا- وما تنتج من غلة وثمار ،وما يرعى من حيوانات ويعيش عليها من طيور ، وكان الكهان وكافة من يخدمون فى المعابد من حولهم أنما ينالون أرزاقهم من أوقاف تلك المعابد وحبوبها(63).

وأيضا تدلنا الآثار الواردة من العصور الفرعونية أن قرابين المعبد كانت تقدم من الطيور والإوز الذى كان المصريين مغرمين بأكلة وخاصتا فى الأعياد وتقديمه كنذور للمعبودات، وكذلك زراعة العنب وعصر العنب وصناعته نبيذا. السؤال الملح الآن هو كيف كانت توزع القرابين التى تهدى إلى المعابد ؟

فكرة تقديم القرابين
حيث نجد في كتب الموتى لجميع العصور براهين تدل على أن الغنى والفقير والمتعلم والجاهل كانوا سواء فهم يصلون الهبات الجنائزية ويعلنون فى كل الفصول إيمانهم العظيم بوجود تلك الآلهة المادية وما ستفيض به عليهم(64).

تقسيم القرابين
من الناحية النظرية فإن كل دخل أو إيراد من ثروة المعبد خاصة الطعام والشراب والملابس والعطور كان يذهب لإشباع القرابين الخاصة بمعبود المعبد ،ولكن بعد أن يتشبع المعبود رضاء منها "طبقا للتعبير المصري" فغنها كانت تقسم بين الكهنة والموظفين الآخرين بالمعبد ،ولقد كان ذلك مناقضا للحاسة العملية للمصريين فى تدمير التقدمات بإحراقها ،ولهذا كانت هناك محارق للغزلان والإوز والماعز ، وكانت إحراق تلك الحيوانات رمزا للقضاء على أعداء الإله،والشعيرة التى يطلق عليها " وضع فى النار " يبدوا أنها امتداد لشعائر جنائزية قديمة وعامة ،وهى ثابتة منذ الدولة القديمة ، وكانت الماعز والإوز من أقدم الحيوانات التى تذبح لتقديمه على سبيل المثال فى الاحتفال القديم جدا والخاص بفتح الفم(65).

بعد كل ما عرضنا عن الواجبات وما يجب أن يكون عليه الكاهن لابد لنا ان نعرف كيف كانت الحياة اليومية داخل المعابد، أو بصيغة أخرى الخدمة اليومية فى المعابد للكاهن.

أما كيفية تقديم القرابين فهى كالأتي
كما وصف لنا هيرودوت والذى حضر بالفعل طريقة تقديم الأضحية عندما زار مصر فى القرن السادس قبل الميلاد  قائلا :
"يذهبون بالحيوان الموسوم إلي المذبح حيث يضحون، ثم يقودون نارا وبعد ذلك يسكبون خمرا فوق الأضحية، ثم ينحرونها مبتهلين للمعبود ،وبعد ذلك يقطعون رأسها ويسلخون جلدها ثم يمطرون على الرأس وافر اللعنات، وإذا كان عندهم سوق ويقيم عندهم يونانيين يبيعون لهم الرأس، وإما يلقون بها فى النهر، أما بخصوص اللعنات التى تنزل على الرأس فانه (ان كان هناك خطب سيحل على المضحيين أو بمصر كلها فلينزل على هذا الرأس) ووفقا لتلك الشعائر لا يذوق احد من المصريين مطلقا رأس اى كائن حى"(66).

أما عن إخراج أحشاء الذبيحة وحرقها فيختلف عندهم باختلاف المعبد ،فبعضهم كان يتركون الحوايا والدهن داخل الجسم ، ثم يقطعون الأرجل ونهاية العجز والأكناف والرقبة ،وبعد ذلك يملؤن جسم الثور خبزاً نقياً وعسلا وزبيباً وتيناً وبخوراً ومراً وغيرها من الطيب ،ثم يسكبون عليها زيتا وفيرا ثم يبدون الحرق ،وهم يصومون قبل تقديم الأضحية ،وإثناء احتراق الضحية يلطمون كلهم وعندما ينتهون من اللطم ،يوضع أمامهم طعاما مما تبقى من الذبائح(67). ويضحى المصريون كلهم بالثيران والعجول الطاهرة ولا يباح لهم أن ينحروا الأبقار لأنها مقدسة لايزيس(68).

تقديم البشر كقرابين للمعبودات
يظهر أن التضحية البشرية كانت أمرا واقعيا فى الأزمان السحيقة من عصور ما قبل التاريخ ،فيقال أن المصرى كان يقرب أخاه الإنسان قربانا للآلهة عند اشتداد حنقه أو عندما كان القوم يبغون مساعدته فى مدلهم الأمور العويصة ،ولكن كان ذلك يحدث فى أزمان سحيقة جدا ، وكانت هذه الضحايا تقدم عندما كانت تشتد الحروب بين الآلهة أو فى مواقيت الأعياد الجنائزية ،فقد كان الذين يناصبون الآلهة العداء يضربون بالعصا ويقتلون ن أما شركاؤهم فى ذلك سواء أكانوا رجالا أم نساءاً فكانوا يضربون حتى تدمى أجسامهم ،وربما كان ذلك يحدث فى الأصل للبشر فى العبادات المأتمية الخاصة ،ولا شك فى أن ختم حيوانات الضحية بختم مثَل عليه رجل موثوق فى وتد تعذيب ،وعلى رقبته سكين ، لذلك تشعر بأن الإنسان كان يقدم يوميا كضحية فى الأزمان الغابرة(69).

يضاف إلى ذلك أننا نجد على جدران المعابد المصرية حتى العصور المتأخرة جدا صورا لم يتغير شكلها وهو يقتل الأسرى الذين جئ بهم أمامه مكبلين فى السلاسل والأغلال أمام الإله، هذا إلى أننا نشاهد صور أبى الهول التى تمثل الملوك، وصور الحيوانات الخرافية، تلقى بالأعداء على الأرض وتمزقهم كل ممزق. ثم نشاهد كذلك صورا رمزية ممثلا فيها الفرعون وهو قابضا على نواصي طائفة من الأعداء يضربهم برأس دبوسه أو بخنجره المعكوف(70). كل تلك المناظر والذكريات تشعرنا بان القوم كانوا متعودين ذبح الأسرى من الأعداء تكريما لألهتهم ،والواقع أننا نجد على أقدم الآثار مناظر عديدة ممثلة عليها هذه الذبائح ،ويشاهد  عليها أيضا جثث الأسرى مكدسة(71).


جدارية توضح رمسيس الثانى يؤدب الأسرى

موائد القرابين
كانت الآلهة فى الأزمان السحيقة تحبون دماء الضحايا وهذا يلاحظ من وضع طعام الضحية بعد ذبح الحيوان أمام المعبد  على مائدة القربان أمام الإله وهذه الأطعمة كانت تشمل على لحوم ومشروبات وفطائر وأزهار وغيرها . ولكن أهم شئ كان يقدم هو البخور ، وكان يتمتع بكل هذه الأشياء الكهنة المطهرون والكهنة الخدام القرين "الروح المادية"(72) –كما سبق وذكرنا_.

الخدمة اليومية وشعائر المعبود
الخدمة الدينية حفظت لنا فى سجلين رئيسيين أحدهما يتكون من سلسلة الرسوم والنقوش المصاحبة فى عدة هياكل بمعبد اوزير بابيدوس والثانى يؤرخ بالأسرة 18 ويعود إلى المعبود آمون ونجدة فى بردية هيراطيقية بمتحف برلين وكلا الفقرتان متشابهتان جوهريا وهم معا يكونان الصورة التالية للاحتفال الدينى :

فقبل دخول المعبد كان الكاهن يطهر نفسه فى البحيرة المقدسة وعند وصوله للمعبد فانه يشعل النار أولا ثم يملأ مبخرة بالبخور ومادة مشتعلة ، ثم بعد ذلك يتقدم إلى قدس الأقداس حيث يوجد الإله طول الليل ،وينتزع الكاهن الخاتم الطينى من على الباب ثم يدفع المزاليج ويفتح مصراعيه ثم يظهر له تمثال الإله حيث يحيى الكاهن الإله راكعا أمام تمثاله ثم يرتل بعد الصلاة نشيداً أو اثنين ثم يقدم له العسل أولا ويحرق الزيد من البخور ،بينما يدور أربع دورات حول التمثال ثم يقدم له نموذجاً صغيرا لماعت إلهة الصدق ،ثم فى النهاية يأخذ تمثال الإله إلى مقصورته وينتزع الملابس القديمة عنه ثم يمسحه بالزيت المقدس.

ويبدأ التزيين الفعلى بعد أن يوسد التمثال على حشوة صغيرة من الرمال منتشرة على الأرض ربما تمثل الصحراء التى من خلفها تظهر الشمس كل يوم ، ثم يبخر المعبود ويرشه بالماء من أربعة أواني  ،وأربعة  أواني أخرى حمراء اللون ثم يكرر التبخير فانه   يطهر فم التمثال بثلاث أنواع مختلفة من ملح النترون ثم يضع عليه غطاء الرأس والملابس ذات الألوان المختلفة،ويستبدل الجواهر التى عليه بغيرها ويعيد طلاء رموشه بطلاء اخضر أو اسود اللون ثم يضع للإله رموز الملكية ، ثم تأتى بعد ذلك الزوجة المقدسة فيضع الكاهن الإله فى مقصورته ،ثم يطهر المذبح ويضع الطعام والشراب أمامه ،ويرفع الكاهن كل لون من ألوان الطعام مقدما كل منها على التتابع ، وتنتهى الوليمة فيغلق باب المقصورة ثم يختمها ويطهر الغرفة مزيلا آثار قدميه بعناية خاصة ثم يغادرها ،وفى كل مرحلة من مراحل الخدمة الصباحية يرتل الكاهن صيغ وكلمات مناسبة.(73)

المعبد ما  هو الا صورة للكون ككل
لم يكن المعبد مجرد بناء صامت بسيط أو إطاراً لا يكترث بالأحداث التى تدور داخلة ،بل كان صورة مختصرة للكون أو بمعنى أخر نموذج يصور بطريقة رمزية مناطق الكون حيث يتحرك الإله ، ويبدو أنه كان على الكاهن الجديد أن يتسلم عند تعيينه شرح معانى هذه الرموز المختلفة(74)

ثروات المعبد
كما ذكرنا أنه كان يعمل فى المعبد الواحد عددا كبيرا جدا من الكهنة والموظفين والخدم والعبيد، وكلما زادت ثروات المعابد كلما زاد عدد العاملين بها ،ولم لا تزيد ثروات المعابد – وكما ذكرنا – ان كل غنى وفقير عالم  وغير متعلم كبير وصغير كان عليهم ان يقدموا الأضاحى والقرابين للمعبودات.

ولدين من عصر رمسيس الثالث (1198-1166ق.م) قرطاس يسجل مجموع ما كانوا فى خدمة آمون من الرجال بين كهان وفلاحين ثم صيادين ومن رجال الملاحة والإداريين وغيرهم من مختلف العمال ، قد بلغ عددهم 81322 شخصاً ، كما نعلم من المصدر نفسه أن المعبود المحظوظ كان له 433حديقة ومساحة قدرها 2393 كيلوا متر مربع من الحقول و83 سفينة و46 دارا لأعمال البناء و65 قرية صغيرة تعود غلالها على تلك الأماكن المقدسة(75). وأمام تلك الثروة تبدو ثروات باقى المعابد ضئيلة بشكل واضح ، فمعابد هليوبوليس ومن وهما اكبر مدينتين فى مصر بعد طيبة كانت مواردهما اقل من ذلك بكثير ،وفيما يلى جدول يبين موارد من المعابد الثلاثة وإمكاناتها(76).

الكهنة قضاة على أبواب المعابد
رأينا كيف كان الكهان يردون باسم إلههم على ما يطرح فى ساحته من أسئلة أو شكاوى ،وكيف كانت تلك الردود تقوم مقام القانون ، فكثيراً ما كان يحدث فى أيام الدولة الحديثة أن تقام المحاكم فى المعابد أو بالقرب منها .ذلك فضلاً عن أن الكهنة كانوا يقيمون بالقرب من الموظفين المحليين في محاكم كل مدينة ،ويبدوا أن عادة الالتجاء إلى العدالة الإلهية أيام الدولة الحديثة قد انتشرت بالنسبة للمسائل الدينية أكثر من المسائل المدنية ،وحسبنا فى ذلك أن يصف القوم يومئذ المدخل إلى المعبد بأنه" باب السبيل إلى ساحة العدل" كما اكدت الوثائق " هذا هو المكان الذى يستمع فيه إلى شكايات الشاكين جميعا  ويحتكم فيه الضعفاء والأقوياء التماسا للفصل بين الحق والباطل" .ويبدوا ان جوسقا ً من تلك التي كانت تلاحق المعبد إلى معبد الميدامود الكبير كان مكاناً لأحدي هذه المحاكم الملية.

 ولكن ترى اى الدعاوى التى كان يترك الفصل فيها لتقدير الإله ؟
وأى الكهان كان أهلاً للنطق بالإحكام ؟
وبأي عين كانت تنظر الإدارة إلى تلك المحاكم الغير رسمية ؟

ذلك ما لم نستطع الرد عليه نظراً لعدم توفر الوثائق الهادية في هذا الرأي ، وكل ما يمكن إدراكه هو فكرة بقاء هاتين السلطتين القضائيتين جنباً إلى جنب – كل فى حدود اختصاصاته – ذلك إذا ذكرنا أن المحاكم الشرعية ظلت حتى السنين الاخيرة فى مصر الإسلامية إلى جانب المحاكم الأهلية (77) وفى رائي حتى الآن فى مصر وعلى الرغم من أنها محاكم مدنية إلا أن بعض القضايا يحكم ويلجأ فيها إلى الدين والعقيدة مثل الزواج والطلاق والمواريث ، وقضايا أخرى ينظر إليها ويحكم فيها طبقاً للقانون المدني الذي استفتيا فيه الشعب ويسمى الدستور. وقد أخذ الكهنة فى القرون الوثنية الأخيرة مأخذ الجد الدور الذى مارسوه كمفسرين لإرادة الإله تماما كأسلافهم حملة الزوارق وممن كانت كواهلهم تحس بأقل دفعة أو حركة يقوم بها الإله.

والسؤال هنا:
كيف كان يتعامل الكاهن مع المعبود ؟
ومن له الحق فى المكان المظلم المسمى قدس الأقداس ؟
وما هى الأسئلة التى يجيب عنها المعبود ؟
وكيف كان يرد ذلك الصنم الأصم ؟

ظلمة ورهبة المعبد
إن المعبد المصري لا يستقبل الجماهير فمن المدخل إلى قدس الأقداس توجد سلسلة من الأبواب تحجب عنه النور بطريقة متصلة ،فيتزايد الظلام من بهو إلى بهو فى سبيل القاصد إلى قلب المبنى، وتنخفض السقوف وترتفع القيعان ، وفى رهبة متزايدة يبلغ الزائر مدخل الهيكل محكم الغلق  والذي يستقر فيه التمثال المقدس، فالمعبد المصري هو المستقر الأرضي الذى يحتفظ بالتمثال الذى ارتجاه الإله ليرعى منه هذا العالم حالا فيه فى هيئة تمثال يزار عند كل صباح لينال ما ينبغى له من العناية والرعاية الدينية، فضلا عن فضلا عن الحرص على إلباسه وإطعامه وحمايته ضد الأرواح الشريرة التى تحتمل أن تفاجئه بالأذى(78).

كان كل مصرى قادرا على مخاطبة الإله باختباره فى مسائل شخصية محضة وطالماً أن الملك وحده وعدد قليل من الكهنة المفوضين عن كان مسموحاً لهم بالاقتراب من قدس الأقداس حيث يستقر الإله حيث كان بمثابة بيته الخاص ، فإن استشارة الإله كانت قاصرة على المواكب العامة فى الأعياد عندما يدور حول المعبد والمدينة رغم أن تمثاله كان مختلفا داخل مقصورة  محمولة عليها ستارة مسدله ، وقد كانت المقصورة تعتلى مسطح مركب موضوعة على محفة ،ولقد ثبت أن العديد من الآلهة قد أصدروا نبوءات،ومن هنا أن هذه الممارسات كانت عامة لأي معبود(79)

ولن تكن الأسئلة الموجه للمعبود منبعثة من مجرد فضول لمعرفة المستقبل بل الرغبة فى السلوك أو التصرف المطابق لمشيئة المعبود كانت هى مقصد السؤال . وكانت مساعدته مطلوبة غالبا فى أوقات الشدة وعدم الوثوق ، فان ادعاء الملكية شئ لابد أن يحسم ،وذنب رجل مظلوم فى قضية ما يجب تأكيده ، وكذلك موافقة الإله على تعيين موظف ما يجب الحصول عليها ، وهكذا فان دور أو وظيفة الإله هنا كانت هي تلك التي للقاضي.  

ولسؤال المعبود كانت هناك طريقة متبعة . فنجد أن الكهنة كانوا يحملون فوق أكتافهم محفة عليها تمثال المعبود ،وإذا كان من الضروري الرد بالإيجاب على أسئلة كبير الكهنة فى الصفوف الخلفية يميلون إلى الأمام ويبدو التمثال مائلا لكى يجود برضاه وموافقته(80).

وتصف لنا النصوص تلك الإشارة بالألفاظ الآتية
"خرج جلالة المعبود-آمون رع- ملك المعبودات فى موكب ،ووصل إلى البهو الكبير لمعبد آمون وتوقف أمام قدس الأقداس ،وذهب إليه كبير الكهنة من-خبر-رع ،مرتلا الأناشيد الطويلة على عدة مراحل ، ثم تحدث إليه قائلاً : يا سيدي الطيب، هناك موضوع ما: هل يجب أن نتحدث عنه – وعندئذ- مال المعبود الكبير بعمق  إلى الأمام  على حين رفع الكاهن الأكبر يده شاكرا ً معبودة الذي يتحدث – كأب يتحدث مع أبنه – وبعد ذلك قال الكاهن الكبير : هل ترغب فى العفو عن عبيدك وتسمح لهم بالعودة إلى مصر ، ومال المعبود بعمق إلى الأمام"(81)

ويبدوا أن هناك إجراء أخر وذلك عندما يقرأ المتوسل طالب النبؤة أو يتلو طلبه . ففى هذه الحالة فإن التمثال المحمول بواسطة الكهنة يتراجع ليعبر عن الرفض ، أما إذا واصل تقدمه فإن الإجابة تكون فى صالح الطلب.(82)

الخاص قبل ذلك بينما كان المتوسلين فى بعض الحالات أعضاء محترفين فى الكهنوت المصرى الأمر الذى يجعلهم فى حالة شكهم فى أية خدعة للعدالة قادرين بالتاكيد على عدم قبول قرار غير مستحب من جانبهم ، وعلى ذلك فمن الأسلم القول بأن الإيحاء ، والإيحاء الذاتى قد أثر على حاملى تمثال الإله(83).

الاهتمام بالحيوانات المقدسة فى المعبد
يقول هيرودوت  ويعتقدون أن الثيران مقدسة لذا فهم يفحصونها ،فإذا رأى الكاهن شعرة واحدة سوداء فى جسد الثور عده نجسا ويقوم بفحص الثور كاهن معين لهذا العمل ،يفحص الحيوان واقفا وراقدا ،ثم يسحب لسانه ليرى إذا ما كان نقياً من علامات خاصة ، وينظر كذلك فى شعر الذيل ليرى ان نبته طبيعي ،فإذا كان الثور طاهرا من كل الوجوه يضع عليه علامة وذلك بان يلف حول قرنيه قطعة من البردي وبعد أن يلصقها بصلصال لزج يضع عليها ختما ،وبعد ذلك يسوقون الحيوان ،أما من يضحى بثور غير مرسوم بهذه الكيفية فالعقوبة على ذلك الموت.

الفصل الرابع
العلوم عند الكهنة
يروى لنا هيرودوت أن الكهنة المصريين كانوا من اعلم أهل الأرض بالعلوم الدنيوية وخاصة كهنة هليوبوليس  والذين يعتبرون اعلم كهنة مصر. واتفق على ان الكهنة او المصريين عمتا هم أول من عرفوا تقسيم السنة الشمسية وذلك لتنظيم الحياة الزراعية والحياة الدينية والأعياد. ويقول الكهنة أنهم اهتدوا لهذا التقسيم بسبب تأملهم فى النجوم ،وأن المصريين كانوا أول من أوقف للمعبودات الهياكل والمعابد والتماثيل وهم أول من حفروا الصور على الأحجار "فى الغالب -يقصد بذلك الكتابة الهيروغليفية-بعضها محفور حفراً غائراً داخل الصخور وبعضها حفراً بارزاً(84).

وقد كانت العناصر الدائمة التى تحكم "العلم الكهنوتى" وتعطي له مظهره الأصلي  عبارة عن البحث فى الكتابات القديمة والاعتقاد فى قوة نفوذ الأصوات والتخصص المندرج فى الكتابة الهيروغليفية بغرض الاستعمال الديني ثم البحث فى هذه الكتابة عن طرق متعددة للتعبير(85).

بيوت الحياة
كان الكهنة بالإضافة إلى قيامهم بالطقوس الدينية وأعمال الكهنوت المعروفة رعاة لحقوق العلم الإلهي المقدس، وكانت بيوت الحياة بمثابة مكتبات للمعابد فنرى فيها عمليات حفظ وتدوين كافة العلوم ،فقد كان الكهنة الكتبة المتخصصون يطورون علومهم فى هذه الحقول فعلوم الكهانة والطقوس كانت لها الحصة الأكبر ،وقد كان للكهنة ولع خاص بتدوين كل ما يحصل سنويا وكل ما يساعد فى شئون العرافة والفأل ، ودون كثيرا من المعلومات التى تخص جغرافية مصر والكون كله ، وشملت علومهم الفلك والهندسة ونصوص التنجيم وكذلك علوم الهندسة وفن العمارة ، وكانت العلوم الطبية من أهم العلوم المقدسة وقد شملت التحنيط واختلطت بالسحر القديم وفنون الجراحة وتطورت علوم الحيوانات وظهرت مدونات كثيرة لتفسير الأحلام والسحر والعقاقير والصيدلة والأدب(86).

وهذا يدلنا على أن المعبد كان بمثابة الجامعات العالمية والروحية وأن الكهنة كانوا بمثابة الأساتذة العلمانيين والروحانيين لمختلف حقول هذه الجامعات لمصر ولجيرانها وخصوصا اليونان .(87)

الكهنة والفلك
كان الكهنة المصريين  يحبون التأمل فى السماء ورصد النجوم والكواكب وربطها بظواهر طبيعية فى الحياة اليومية كظاهرة فيضان النيل وفترات الجفاف ومواعيد زراعة كل محصول ، فبرعوا فى علم الفلك والذي كان لازماً عليهم أن يبرعوا فيه لينظموا حياتهم اليومية وشئون الدولة ومواعيد الأعياد والاحتفالات الدينية ، وإعلانها للشعب  لبدأ الاحتفالات ،وقد كان الكهنة يخبرون الملوك أولا بتلك الأحداث حتى يخرجوا على الشعب ويبشروهم فيعتقد الشعب أن هؤلاء الملوك آله عرفوا الغيب وحققوا لهم ما أرادوه وذلك بسبب جهلهم وعدم معرفتهم الحقائق العلمية والتى ذكرنا أنها كانت مقتصرة على الكهنة.

وهناك الكثير من الآثار والبرديات الفرعونية التى يستدل بها على التقدم فى علم الفلك والتنجيم واكتشافهم لأسرار الكون ورصدهم بكل دقة لمختلف النجوم والكواكب والمذنبات ومختلف الظواهر الفلكية كالكسوف والخسوف ،من مراصدهم الفلكية الباهرة كالأهرامات والمعابد التى كانت تستخدم كمراصد فلكية يوضع بداخلها أجهزة الرصد المختلفة .(88)

واكتشفت على بعض التوابيت وفى أسقف المعابد خرائط فلكية تحدد  البروج الثني عشر ومواقع الكثير من النجوم والكواكب الثابتة والسيارة فى صفحة السماء ، كما دلت خرائطهم الموجودة بكتبهم الفلكية على رصدهم لنجوم مختفية وراء نجوم أخري لا يمكن رصدها بالعين المجردة ولا بأحدث الأجهزة المتوفرة فى عصرنا الحديث(89).

الكهنة والطب
كان الاعتقاد السائد فى الماضي أن الإغريق وعلى رأسهم أبو قراط هم مؤسسو الطب وان العلاج الحقيقي بدأ فى عصرهم ، حتى ظهرت بردية أدوين سميث عام 1930 ، فتبين منها أن قدماء المصريين هم مؤسسو الطب ورواده الحقيقيين من ألاف السنين ، وأن أبو قراط وغيره من أطباء اليونان هم تلاميذ الأطباء الفراعنة ،وانهم نهلوا من علوم قدماء المصريين وطبهم الشئ الكثير(90).

فكما ذكرنا سابقا عند الحديث عن الحلاقة عند الكهنة أن الرحالة اليونانى اويدوكسس دى كنيدى  الذى كان يحاول الاطلاع على العلوم الجديدة  من الكهنة المصريين  فلم يقبل إلا بعد أن أزال شعر جسده وهذا يدلنا ان الإغريق وغيرهم كانوا يتعلمون من الكهنة فالمعابد كانت جامعات كبيرة لتدريس شتي مجالات العلم وعلى رأسها الطب كأقدم علم على سطح الأرض.

ولما لا وقد شرح الفراعنة الجثث فى أثناء عملية التحنيط التى كانت أحدى الشعائر الدينية فى العالم الآخر حتى تتعرف الروح على المتوفى ، وعرفوا من خلال التحنيط أماكن كل عضو من أعضاء الجسم ، ووجدوا له العلاج من الدواء الذى كان يتكون من مواد طبيعية ومواد مركبة لم يطلع عليها إلا الكهنة. وقد ذكر هيرودوت أن المصريين –يقصد هنا الكهنة –  ابتدعوا فن التحنيط وحفظ الأجساد من التحلل لمعرفتهم بالعقاقير الحافظة للجسم والواقية من التعفن والفساد(91)
   
والختان – وهو عمليه جراحية – عادة فرعونية لها طقوس دينية ، كان يقوم بها كاهن يدعى الكاهن المختن مما يوعز بان العملية التى يقوم بأجرائها لا تدخل ضمن اختصاصات الجراح العادى(92) ومن أهم البرديات الطبية التى وصلت إلينا بردية كاهون ، بردية ادوين سميث ، بردية هيرست وهى ما وصفت لكل داء دواء من الأمراض التى تصيب الإنسان  ،بردية برلين ، بردية ايبرس ،بردية لندن ، بردية تشتربيتى ، وقام العلماء بدراسة هذه البرديات فاتضح أنها تحتوى معلومات طبية سليمة وفى منتهى الدقة.

وقد قام الكهنة بعمل عمليات دقيقة جدا فى جسم الإنسان ، منها ما هو فى المخ والقلب وغيره من الأماكن الحساسة فى جسم الإنسان. والسؤال هنا كيف قام الكهنة بإجراء تلك العمليات المعقدة فى  مثل هذا الزمن السحيق ؟
والجواب :
لقد استخدموا البنج فى التخدير وكانوا يسمونه " ممفيتس" ويحضرونه من سحق حجر الرخام ومزجة بالخل واستعماله كمخدر وقد أثبتت العلوم الحديثة فعلل هذا المخدر ، حيث أن الرخام مركب من كربونات الكاليسوم الذى يتأثر بحمض الخليك الموجود فى الخل ويكون حمض الكربونيك ، فكانوا يستفيدون من تأثير حمض الكربونيك الناتج من التفاعل الكيميائى أثناء صعوده فى إحداث التخدير الموضعي(93).

كما يذكر لنا -  سرج سونيرون كهان مصر القديمة ص175:
يكاد إبراء الجسد من علته يعتمد –فى عقيدة الشعب المصري – على مطاردة روح الشر وإجباره على ترك الجسد باستخدام عزائم السحر أكثر من الاعتماد على علاج الجسد نفسه ، والرأي لديهم أن أفضل العلاج وانجحه ما يتمثل في رقية تؤتى فعلها فورا وأنه لن يقدر عليها إلا واحد من العرفان "الكهنة المرتلين" الذين تخصصوا فى معرفة كتب السحر القديمة.

وهنا نرى أن هناك ارتباط كبير بين السحر والطب والعلاج ، فالشعب العادى يعتقد أنه يبرأ ويطيب ويشفى بالسحر ، وإنما هو فى حقيقة الحال العلم والمعرفة التى وصل لها هؤلاء الكهنة فى علوم الطب ومجالاته ، ومن هنا  علينا لازما أن نتحدث عن السحر ونوضحه ، لكى نفهم أن العلاج والشفاء كان يأتي من العلوم الطبية وليس من السحر الأسود والخزعبلات.

الكهنة والسحر
كنت قد تحدث سابقا فى بحث مطول عن موضوع علاقة السحر بالسحرة وهذا البحث موجود بالفعل على موقع حراس الحضارة لمن يريد أن يستزيد ، ولكن هنا سوف أذكر نقطة لم اذكرها فى المقال البحث السابق بالتفصيل ألا وهى السحر وعلاقته بالعلم.

فمنذ ظهور الأديان السماوية والتى حرمت السحر ، وكفرت من يذهب إلى السحرة الذين يستخدموا الجن ويسخرونهم فى خدمتهم، وذلك بشروط من الجن أهما أن تكفر بالله وهو  ما دعى الأديان السماوية إلى تحريم السحر وخالصتا السحر الأسود أو سحر الشر والأذى أو السحر الشيطاني الأسود.

السحر العلمى
- ومن بين ما سبق - فقد كان هناك نوعا أخر من السحر كان يمارسه الكهنة فى الماضى لا علاقة له بالشياطين ، ولا يتم من خلال إلحاق الأذى أو الضرر بالآخرين وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم السحر العلمى فهذا النوع من السحر كان يستخدم فى تسخير الطبيعة بوسائل وطرق آلية وميكانيكية ونظريات علمية فيزيائية وكيميائية لصالح الإنسان والبشرية وكان يطلق على هذا النوع من السحر العلمى الطلسمات والسيمياء "وهو من أشتق منها كلمة الكيمياء" والنبرنجات والحيل الميكانيكية .. الخ.

والنتيجة
ومن يراجع كتب السيمياء السحرية والطلسمات والحيل الميكانيكية سيكتشف أنها تحتوى على نظريات علمية ومعادلات كيميائية وشرح لطرق تصنيع الآلات مكتوبة بلغة وأسلوب ومصطلحات كانت غير مفهومة عند أهل زمانها من العلماء والكهنة.(94) وبتغير اللغة صاغ كل شعب تلك الرسوم والرموز بأسلوب مختلف على حسب ما فهم منها ، وكانت النتيجة أنهم اعتقدوا أنها سحر ،كان يستخدمه الكهنة فى حياتهم وعلاجهم للناس.

الغرب يكتشف الحقيقة ويستغلها
ولم ننتبه إلى تلك الكتب إلا بعد اكتشاف مجموعة من البرديات الفرعونية السحرية التى لاحظ العلماء من خلال قراءتهم التمحصية لها أنها تحتوى على نظريات ومعلومات علمية ، وأن هناك حتما علاقة بين السحر والعلم والتكنولوجيا ، وقد توصلت الأبحاث التي أجريت فى بعض مراكز أوربا المتخصصة فى ذلك المجال إلى معلومات فى منتهى الخطورة عما تحتويه كتب السحر والطلاسم والبرديات الفرعونية وغيرها من نظريات علمية ساعدت الأوربيين فى اختراع الكثير من الأدوات والأجهزة المتطورة ، لكن لم ينشر من هذه الأبحاث إلا القليل والباقي لا زال حبيس الإدراج والمكاتب باعتباره من الأسرار العسكرية غير المسموح بنشرها فى الوقت الحالى.(95)

الساحر هو العالم
كما قلنا أن السحر كان من ضمن العلوم الكهنوتية التى يتعلمها الكاهن عند دخوله إلى السلك الكهنوتى ، والذين كانوا كما ورد أنهم استخدموه فى الطقوس وفى العلاج وغيرة من أمور الحياة. سحرة فرعون موسى عليه السلام علماء كما جاء فى القران : وهنا يثبت لنا القران الكريم أن الساحر كان العالم فى الماضي ،أو بمعنى أخر كان العالم الذى يأتي بأشياء خارقة للطبيعة مبهمة على الناس لأنهم لا يعرفون الطريقة التى يصنع منها تلك الأشياء أو الآلات والأدوات التى يستخدمها فى صنع هذه الأشياء الخارقة يسمى عندهم ساحر أو يعدونه ضمن السحرة ويتضح ذلك من قوله تعالى على لسان فرعون موسى(96): "وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ" سوة يونس 79 فهنا يوصف الساحر بانه عالم ، وكذلك فى قوله تعالى: "قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ" الشعراء الآية 36-37 ووصف القران السحر "العلم " الذى صنعه سحرة فرعون سحر "علم" عظيم ، سحروا به أعين الناس وأسترهبوهم فشاهدوا الحبال والعصى التى ألقاها السحرة أما أعينهم وكانت حيات تسعى قال تعالى: "قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُن النَّاس وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم" الأعراف آية 116 
  
من الواضح أن سحر كهنة او علماء فرعون كان من نوع السحر العلمى وليس شعوذة ودجل ، فهم لم يحدثوا لمئات الألوف من الذين حضروا من مختلف أرجاء مصر لمشاهدة هذا الحدث  نوعا من التنويم المغناطيسي أو سلبوهم إرادتهم ، فان كان ما فعلوه سحرا فكيف انطوى على موسى عليه السلام شعوذتهم ودجلهم ؟ 

وفى الغالب أن هؤلاء السحرة كان بأيديهم أجهزة تستطيع تشكيل الأشعة والموجات الكونية المنتشرة فى الكون فى اى صورة يريدونها ، ومن خلال تلك الأجهزة يستطيعوا ان يحركوا تلك الصور ، فتظهر على الناس فوق العصي التى القوها صورة مجسمة وملونة وشبة حقيقية لحيات تسعى ، فشاهدها الناس وموسى على الملأ فارتعب الجميع ومعهم موسى من المشهد " فأوجس فى نفسه خيفة موسى " فما كان من الخالق إلا أن أمر موسى عليه السلام  بأن يلقى عصاه فسقط كل هذا ومن ثم تفرقت صور الحيات الوهمية التى صنعوها فى الهواء ، وهنا كانت المعجزة التى جعلت السحرة يسجدون لموسى كنبى لن عصاه فعلت معجزة خارقة للناموس الكونى لأنها ليست كحياتهم وعصيه الالكترونية والتكنولوجية(97).

براعة الكهنة فى الهندسة والعمارة
قد يكون من أكثر الأمور عثر أن نحدد فى دقة ما كان لكهان مصر من معرفة بالهندسة ،وإذا كانت التقاليد منذ القدم  قد أطنبت فى الإعجاب بمهارة الكهنة المصريين فى الهندسة والعمارة ، فأننا لم نعثر إلى الآن على وثيقة نستعرض فيها عناصر الهندسة التى كانوا يعرفونها ، وليس فى العدد القليل من القراطيس التى بين أيدينا والتى سمها العلماء "البرديات الرياضية،فسائر الأمور التى تعالجها تلك البرديات تكتنفها الحلول الاجتهادية أو التقريبية(98)

والى القائ العزيز فمن معرفة  الاتجاهات الأصلية - التى توصل لها الكهنة- قد كان لها دوراً وأثراً كبيراً فى إقامة مبانيهم الخاصة، إذ أن إنشاء كل بناء كان يبدأ بالنظر فى الكواكب ومراقبتها –وخاصتا المبانى الدينية والجنائزية- كما أنه عثر كذلك فى كثير من الأحيان فوق بلاط الأساسات الخاصة بمختلف القاعات على طائفة من  الخطوط  تحدد محور البناء ، ترى عن أي شئ كانت تعبر هذه الخطوط ؟ وما هى القواعد التى تحكم اتجاهاتها ؟(99) وهذا ما سيجاوب عنه الزمان والحفريات التى ما زالت مستمرة على أرض الكنانة ، والتى إلى الآن لم تكشف 1% من التاريخ المصرى القديم.

الأدب عند الكهنة
لقد ظل كثيرون ممن لم يدرسوا العلوم المصرية القديمة لا يعرفون عن مصر إلا أنها بلد المومياوات وأبو الهول والأهرامات وتوت عنخ امون ، فعندما ظهر كتاب الأستاذ" ماكس بيبر" عن الأدب المصرى القديم دهشوا عندما قرءوا عنوانه وسأله بعضهم بشئ من الدهشة "أيوجد لمصر أدب قومى كالأدب اليونانى والرومانى واللاتيني والألماني؟" وقد كان رده عليهم كتابه المختصر فى الأدب المصرى القديم(100)

فقد قام المصريين القدماء بترجمة الكتب فى بيوت الحياة ، وأيضا ظهر الأدب فى أناشيد المعبودات ومتون الأهرامات ونصوص التوابيت وكتب الموتى ، وظهرت أيضا المسرحيات المكتوبة بعناية ودقة فائقة ،وأيضا تجسيدها على الواقع فى المعابد الكبيرة مثل منف وهليوبوليس وطيبة والذين كانوا يقومون بالأدوار التمثيلية هم كهنة المعبود من كل معبد ، وأيضا ما ظهر فى الأساطير المصرية القديمة من قصص معظمها خيالى يعتمد على خيال المؤلف أو الكاهن الكاتب لها وبعضها الأخر به جزء من الحقيقة كقصية ايزيس واوزوريس والتى قيل عنها انها حدثت بالفعل فى أزمان ساحقة من ما قبل التاريخة وصاغها الكهنة بطريقة تتناسب مع عقيدتهم فى شكل روائي قصصى جميل ،وأيضا القصص الأخرى مثل الفلاح الفصيح وسنوحى وغيرها من القصص التى فى نظرى تفوق الأدب العالمي قديما وحديثا ، كل ذلك كان عالقا فى رقاب الكهنة عليهم أن يدونوه ويكتبوه ويصبغوه حتى لا يندثر وينسى مع مرور الزمان ، وهذا ما قاموا به فى بيوت الحياة كما اشرنا سابقا.

ولم يقتصر الأدب المصري القديم على النقوش الدينية وتدوين الحقائق والمقالات العلمية –كما ذكرنا فى بيوت الحياة- ولكنه يتعدى ذلك إلى مؤلفات لها قيمتها الأدبية تثبت أن المصرى القديم كان يقدر الأدب ويتذوق حلاوته ويسحر ببيانه فى وقت كان الإغريق وغيرهم من الأمم يهيمون على وجوههم ويتخبطون فى ظلام الجهل .(101)

العقاقير والصيدلة والأدوات  عند الكهنة
من الممكن أن نضم إلى معارف الكهنة معرفة العقاقير وصفاتها  برغم مما كانت تقتضي صناعتها من أساليب فنية لها طابع خاص. وفى الحقيقة أن خزانة الكتب فى معبد أدفو  تشير إلي أنها كانت تضم كتباً في معرفة كل أسرار المعمل: أي المقادير التى كانت تقتضيها صناعة المراهم والدهون والعطور التى تسبب التخدير والدوار والتى كان يستمتع بها الأرباب ، ولم تخلوا المعابد فى بعض الأحيان من معامل صغيرة تستخدم مخازن للمواد زكية الرائحة. كما كان فى معبد أدفو قاعة مبنية من الحجر سموها المعمل وانتشرت على جدرانها عبارات النقش الهيروغليفية تصف طريقة أعداد تلك العطور المستخدمة فى الطقوس الدينية من عناصرها الأساسية ومقدار النسب فى خلط المواد ومدة طهيها وتبريدها .(102)


قائمة تسمى دلاب الادوات الطبية على معبد ادفو

وقد ضمت أيضا حوائط هذا المعبد قوائم ببعض الأجهزة الطبية التى كانت تستخدم فى العمليات التى كان يجريها الكهنة فى المعبد على المرضى ، وأيضا قد عثر على حديثا على بعض الأجهزة التعويضية التى كانت تركب مكان الأطراف المبتورة من جسد الإنسان . 


عضو صناعى لساق من الخشب والجلد لتسهيل عملية المشى

وكذلك عثر في بعض الأواني  الفخارية المستوردة من قبرص والتى ترجع إلى عصر الدولة الحديثة والتى تم اكتشافها فى أبيدوس بسوهاج  عثر على بواقي مادة الأفيون والتى كانت تستخدم كدواء معالج وكمخدر فى بعض الأحيان فى العمليات الجراحية السهلة مثل فتح الخراج وتضميد  الجروح بخيط  كان الكهنة قد استخرجوها من أمعاء الماعز.

وكذلك برعوا فى أمراض وأجهزة النساء والتوليد وما أدل على ذلك من أنه كان فى كل معبد مكان يسمي" بيت الولادة "والتى تحميه كلا من الربة حتحور وبناتها السبع والربة  وتاورت  والتى كانت فى شكل أنثى فرس النهر والمعبود بس.
كرسى الولادة

والسؤال هنا لما اندثرت تلك العلوم مع اختفاء الكهنة ؟
والجواب هو أن تلك العلوم كانت قاصرة على الكهنة من دون غيرهم من البشر ، يعلمها الكاهن الكبير للصغير والصغير لمن يأتى بعده وهكذا ....  وكان جزاء وعقاب من يفشى تلك الأسرار هو القتل، لأنها كانت أسرار شبة عسكرية يقوم عليها الاقتصاد المصرى، فعليك أن تتخيل أن الزجاج المصرى- على سبيل المثال - القديم كان ورقة ضغط  دبلوماسية على كثير من ممالك العالم القديم، وذلك لأن سر تلك الصناعة بهذه الجودة  كان موجوداً فقط فى مصر، يمتلك سر الخلطة الكهنة فقط  دون غيرهم، والذين كانوا يركبون الخلطة السرية للزجاج ويتركوها للصناع فقط لتشكيلها ونفخها، دون أن يعرف هؤلاء الصناع أنفسهم سر هذا التركيب العجيب.

وهنا لجاء الكهنة إلى طريقة يحفظون بها علومهم لمن خلفهم من الكهنة حتى لا تندثر بموتهم ، فاخترعوا الرموز والطلاسم والشفرات والأرقام لتسجيل تلك العلوم  والتى علموها بطبيعة الحال للكهنة الصغار ، ومع مرور الأيام واندثار طبقة الكهنة بظهور الديانات السماوية فى مصر ، وتغير اللغة اندثرت تلك العلوم وذهبت مع الكهنة  والديانة السابقة فى  متاهات  التاريخ.

الفصل الخامس
سلطة ونفوذ الكهنة
مثل أى شئ فى الكون يبدأ ضعيفا ثم يقوى كانت الكهانة ،وكما سبق وذكرنا أن لكل قرية ومدينة  كان لها معبدها الخاص والذى بطبيعة الحال يعمل به مجموعة من الكهنة يزيد ويقل عددهم كلما كان المعبد والمعبود ذات شهرة ، من هنا زاد عدد الكهنة وأصبح لهم مجلس ملى يجمعهم جميعا تحت راية واحدة ،فأصبح للكهنة دورا كبيرا فى الحياة السياسية والحياة العامة إلى جانب دورهم فى الحياة الدينية كممثلين للمعبود الذى يملئ على الشعب بأفعل كذا ولا تفعل كذا والشعب يصدق على كلام المعبود الذى يصل اليهم عن طريق الكهنة وذلك –كما ذكرنا- لان الشعب المصرى متدين بطبيعته ويقدس كل ما له سلطة بـ"الله"،  لدرجة أنهم كانوا يعزلون ملوكا ويعينون آخرين  ،وخاصتا فى عصر الدولة الحديثة والعصر المتأخر ،فلا يخفى علينا الدور الذى قام بهع كهنة آمون فى الإطاحة بأخناتون ،وكذلك قيام دولة الكهنة  بعد عصر الرعامسة ،وبظهور دولة الكهنة والذين تولوا حكم مصر سارت مصر الفرعونية الى طريقها للانهيار والضعف بعد أن كانت سيدة العالم القديم اقتصاديا وعسكريا وعلميا واجتماعيا.

 فقد أحرز كهنة آمون خلال الدولة الحديثة تحت رئاسة كاهن آمون الأكبر أعظم سلطة سياسية ، وفى طيبة وضواحيها استطاعوا بالفعل خلق دولة داخل الدولة فى عصر ملوك الأسرة 21 الين عاشوا فى تانيس بالدلتا، وهذه الدولة كانت محكومة نظريا بواسطة آمون، ولكنها كانت تحكم عمليا بواسطة كبار كهنة آمون أنفسهم، والذين كتبوا أسمائهم داخل خراطيش ملكية أسوة بالفراعنة المصريين، وأضافوا إلى أنفسهم الألقاب الملكية، رغم اعترافهم بفترة حكم ملوك تانيس فى الشمال واقروا على الأقل نظريا بتحالفهم معهم(103) وبالفعل أصبح الملك حريحور أول كاهن يتولى عرش مصر بطريقة فعلية. وكان حريحور فى سن الشيخوخة عندما تولى السلطة، ولم يكن من عائلة كهنوتية بل اكتسب وظيفة كبير الكهنة عن طريق الانخراط فى السلك العسكرى، وكانت توليته العرش نتيجة موت الملك رمسيس11 (104) وتولى من بعده ابنه الأكبر –بعنخى- وظيفة كبير كهنة امون، مما يدل على انه فى تلك الفترة لم يستطع ان يمارس أعماله ككبير لكهنة آمون منذ أن أصبح ملكاً.(105)

وعلى الرغم من أن العاصمة انتقلت إلى تانيس فى تلك الفترة ومن قبلها الى تل العمارنة فى عصر اخناتون إلا أن طيبة كانت العاصمة الدينية الفعلية للبلاد المصرية. فقد كان لطيبة – فى عصر دولة الكهنة- تأثيرا قويا من الناحية الدينية على تانيس فأصبح لثالوث طيبة مكان الصدارة فى تانيس (106) ويعطينا دكتور عبدالحميد زيادة عدد حكام مصر من الكهنة فى كتابة مصر الخالدة ص832 فى  قائمة بتتابع كبار الكهنة بينهما كالأتي : حريحور- بعنخى- باى نجم الاول- ماساهرتا – نس بانب- منخبر رع –باى نجم الثانى- باسباخع ام نيوت.

وفى نهاية الأسرة استقر احدر رؤساء الليبيين ويسمى ماواسن بن بوى فى مدينة هيراقليوبوليس –على حدود الصحراء الغربية من منف ، وأصبح ذا قوة ونفوذ وكذلك ابنه نب نحسى وحفيده باتوت، الذين لعبواًً دوراً هاماً فى التاريخ المصري فى تلك المنطقة(107) ومن هنا بدأ الانهيار الحقيقى لمصر الفرعونية والتى ظلت مستقره  أكثر من 2500سنة على يد الكهنة ورجال الدين والذى كان الأولى لهم  أن يبقى كما هم فى مجال العبادة والعلم الذى من خلاله سادة مصر جميع دول العالم القديم.

والخلاصة فى قوة الكهنة هى
أن كل ما يراه الكهنوت صالحاً لحكمة يصوغه عقائد رسمية فتصم بسمة الإيمان من بها آمن ،وأما من أبي لها تصديقاً فتصمه بوصمة الكفر بالدين ، فالدين الرسمي أبدأً هو الحق !(108)

الكاهن إنسان عادى خارج المعبد
كان الكهان يقومون بالوظائف الدينية التى عرفنها وما يرفقها من مظاهر لازما لتحقيق ذلك،ولم يكونوا يقومون بالوعى الروحى الكبير فى المجتمع أو تثبيت قواعد الدين فى قلوب الناس ، بل كانوا تحيدا موظفين يقومون بأعمال محددة ويختلطون بالناس باعتبارهم أناساً عاديين ولا يعيشون على هامش المجتمع أو فى عزلة خاصة.(109)

وعندما سنحت له الفرصة وقوية شوكتهم  تدخلوا فى الأمور السياسية فكانت لهم دولة الكهنة والتى سبق وتحدثنا عنها وكيف أن تلك الدولة فشلت فشل ذريع ،حيث كانت بداية النهاية لدولة عظيمة سادت العالم القديم لمدة تزيد عن 2000 عام. بل ووصل بهم الحال إلى أنهم سرقوا قوت الشعب تحت حجة القرابين والتقرب من المعبودات كما سنرى فى السطور القادمة ، وسنظهر دورهم السلبى كما ذكرنا من قبل محاسنهم ومميزاتهم.

الدور السلبى للكهنة وكيف كانوا يستغلون الوطن باسم الدين
وللأسف أستغل الكهنة دورهم المهم فى المجتمع المصرى القديم وكيف كان الكهنة يستغلون شعار الدين للاستيلاء على مقدرات الوطن من خيرات وثروات وسلطة نافست الملك نفسه-كما سبق واشرنا- وهددت ملكه لدرجة أن هؤلاء الكهنة أغروا   بعض خدم الملوك بقتل الملوك أنفسهم ، وكانت تكشف الجريمة، ولكن  لم يستطع  أحد عمل شيء تجاه قوتهم ونفوذهم  المنتشر والمسيطر على المملكة المصرية القديمة.

الكهنة فى موضع شك من الملوك
 وكانوا فى موقع شك   فقد كان من  مهام الوزير أنه كان يشرف على المعابد وعلى الكهنة مما يدل الشك فيهم وعلى اختلاسهم للثروات  والقرابين وعطايا الآلهة ، وسوف نأخذ على سبيل المثال ما دبره الكهنة للملك امنحتب الثالث ،وذلك من الآثار الواردة والمخطوطات المكتشفة حديثا على لسان الملك امنحتب الثالث نفسه ، فقد أوصى   أمنحتب الثالث  حين  أتاه الموت أوصى أبنه مع شهقات النفس الأخير  بألا يقيم شعائره الجنائزية فى معبد الإله آمون لأن الكهنة يتاجرون بدين آبائهم ويجعلونه وسيلة للسيطرة وتحقيق المصالح الخاصة  وهذا ثابت تاريخيا.

الكهنة نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين والمصريين أصبحوا عبيدا للفكرة
كان المصرى القديم  البسيط فى هذه الفترة معزولا عن المعبد والكهنة الذين كانوا يملكون أن يدخلوه العالم الغربى (الجنة) بسلام عند استقباله بعد موته، فكانت ترعبه الفكرة ويقدم لهم العطايا والطاعة،  فأستمر هذا المصري عبدا لفكرة أن هناك أوصياء على الدين لم ينصبهم أحد عليه  ولكن ينصبون أنفسهم ويفرضون هيمنتهم ويمثلون دولة داخل الدولة، وكان من السهل على الإنسان البسيط الذى لم يأخذ قسطا من التعليم أو الثقافة  أن ينخدع تماما بالشعارات البراقة مع عقول فارغة، وصارت الخرافات التى تزكى إرهاب الدين والرعب من الآخرة أحد أسباب قوة هؤلاء الكهنة، فأنت تابع لهم مبشر بالجنة، وأما ضدهم فأنت كافر وملحد  مستحقا للجحيم، فأصبح هؤلاء الكهنة مشعوذون نصابون أكثر منهم رجال دين  ،يدعون الحق والسيادة على الشعب فكانوا مصدر تخلفه وضياعه فى أحقاب كثيرة من التاريخ وخاصتا فى الفترات المعروفة عند علماء المصريات ودارسي التاريخ المصرى القديم باسم فترات أو عصور الانتقال وهو ثلاث عصور.

الكهنة لصوص قرابين فى بعض الفترات
كما سبق واشرنا أنا الكهنة هم من كان يوزع عليهم القرابين المقدمة من الشعب ومعهم عمال وموظفي المعبد ، الى جانب ذلك كانوا هم من يغدق عليهم الملوك  والأمراء بالعطايا والهدي لإرضائهم وإرضاء المعبودات ، فأغدقوا عليهم بالقرى كما سبق واشرنا فى ثروات المعبد والسفن والعبيد وحصة من الناتج القومى من الغلال ،والى جانب ذلك أيضا جزء من غنائم الحروب التى كان يخوضها الجيش المصرى  فى توسعاته الخارجية خاصا فى عصر الدولة الحديثة ،وعليك أن تتخيل ان فى عصر تحتمس الثالث كانت حدود مصر قد وصلت جنوبا إلى الشلال الأول وشمال إلى قبرص وشرقا للعراق وغربا لليبيا ، فتخيل معى كمية الغنائم التى فاز بها الجيش المصرى من تلك الفتوحات وكذلك الجزية المفروضة على تلك الممالك سنويا كان الكهنة لهم نصيب منها باسم الإله طبعا. كل هذا كان يذهب فى بطونهم غير مراعين للشعب المصري الفقير فى معظم السنين والفترات التاريخية للأسف الشديد، وهذا ما قد أثبتته دراسة علمية سنقوم بسردها حالا.

دراسة علمية تثبت بأن الكهنة لصوص قرابين
فقد اثبت علماء من جامعة مانشيستر في بحث جديد لهم عن فراعنة مصر القديمة ان كهنة وخدمة المعابد الفرعونية المصرية كانوا مصابين بالتخمة  ويعانون من السمنة المفرطة وأمراض تصلب الشرايين  والسبب هو كثرة تناول الأطعمة الدسمة التي كانت تقدم كقرابين للآلهة الفرعونية.

تقول البروفسيرة " روزيلا ديفيد" أن البحث الذي قامت به الجامعة انقسم إلى شقين الأول أعتمد على دراسة اللوحات الجدارية ونقوش المعابد الفرعونية ونصوص اللغة الهيروغليفية التي اختصت بالأطعمة الفرعونية ونوعية الطعام المقدم كقرابين للآلهة أما القسم الثاني فقد أعتمد على دراسة طبية للمومياوات الفرعونية ومومياوات كهنة وخدم المعابد تحديدا للتحقق من دور الطعام الدسم و غير الصحي في إصابة الفراعنة بأمراض تصلب الشرايين وأمراض القلب.

والنتيجة
جاءت النتائج غنية ومؤكدة على حقيقة ان كهنة مصر القديمة كانوا من  أكثر الناس التهاما لكميات الطعام الغني بالدسم والشحوم ويرجع السبب في ذلك إلى كثرة القرابين التي كان يقدمها المصري القديم الى الإلهة في المعابد الفرعونية فكلما كثرت اللحوم والطعام الفاخر كلما زاد ذلك من تقربه للآلهة لنيل الرضا في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة على حسب اعتقاده ونصح الكهنة له. تقول الدراسة أن قرابين الطعام كانت غنية جدا بالدسم ومليئة بأنواع اللحوم الفاخرة المختلفة والفاكهة والحلويات والجعة وكان الكهنة مع أسرهم يتقاسمون هذه العطايا السخية بعد انصراف الناس من المعبد، كان الكهنة يتناولون ثلاثة وجبات يومياً مليئة بالسعرات الحرارية العالية، وهو الأمر الذي أدى إلى أصابتهم بأمراض الشرايين والقلب وعجل بموتهم.

ووفق الدراسة فإن أبحاثا طبية أجريت على عدد من مومياوات الكهنة في معابد مصر الفرعونية المختلفة أثبتت موتهم في سن مبكرة تنحصر بين الأربعين والخمسين بسبب تكلس الشرايين والأزمات القلبية من جراء الطعام الدسم الذين دأبوا على تناوله. الطريف أن الكهنة الذين لعبوا دور الوسيط بين الآلهة الفرعونية وعامة الناس هم الذين دأبوا على نصح الناس بهذه النوعية من الطعام حتى يتقربون إلى الآلهة طلبا لطول العمر والصحة الجيدة   لكن لسوء الحظ كان الكهنة هم اول من تضرر من تلك الأطعمة التي عجلت بموتهم في سن مبكرة.

وأخير سوف نتحدث عن موقف النساء من الكهانة وعن التحنيط ، وقد تم تجيل الحديث عنهم لأخر البحث حتى يتثنى لنا معرف الصحيح منها والخطأ فالأقويل فى التحنيط والكاهنات كثيرة جدا ومتضاربة ولكن سنقدم لكم الخلاصة وما هو ثابت بالدليل والنقوش والآثار الواردة إلينا  فى الحالتين.

موقف النساء من الكهانة
يقول هيرودوت فى الفصل 35 من كتابه عن مصر الجزء الثانى:
والمرأة لا تصبح كاهنة للإله أو للإلهة  أما الرجال فمنهم الكهنة لجميع الآلهة والإلهات.
ولكن لم تكن الكهانة محرمة على النساء كما يقول هيرودوت بل كان النساء منذ أيام الدولة الحديثة ،وربما قبل ذلك أيضا، فى خدمة المعبودات وبخاصة حتحور ونوت ، ولم يكن من العجيب ان تعمل السيدة المصرية فى خدمة المعبودة حتحور رمز الأمومة والحنان والحب والعطف، ففى أيام الدولة الحديثة ما يدل على ان النساء عملن فى خدمة الأرباب ،إلا أن عملهن فى الكهانة لم يكن أصيلا ،فهن كن يشاركن فى الشعائر بالغناء والإنشاد والعزف وهز الصلاصل ،كما كن على الجملة من جوارى المعبودات ،فكما كان لفرعون مصر من يخدمه فى قصره من الجوارى ،كان للأرباب كذلك من يخدمهن فى معابدها(110).

وكن فى ذلك طبقات
أولاهن تدعى" أعظم الحظيات" وكانت فى الأغلب الأهم وزوجة عظيم الأحبار، ومن فوق الجميع "سيدة بيت فرعون" ويسمونها "صاحبة الإله" أو الفاتنة "المتعبدة" أو "الإلهية" وكانت هذه فى معبد آمون تقوم مقام الزوجة الإلهية موت أو خنسو(111).

واول من عرفت بتلك الصفة من بيت فرعون أيام الاسرة18 هى أحمس نفرتارى أم فرعون أمنحتب الأول، تلك التى قدست بعد وفاتها فى جبانة طيبة وأصبحت من حماتها ورعاتها وكذلك كانت الملكة المعروفة حتشبسوت من صاحبات أمون، ولما بلغت العرش قامت ابنتها مكانها  ن فكلام هيرودوت لم يكن حقا كله، وإنما هو صحيح من حيث أن المرأة لم يكن لها نفس الدور الذى كان يضطلع للرجال فى الكهانة(112).

من هنا نستطيع أن نقول ان النساء كانت تعمل فى المعبد ولكن فى أدوار محددة  ، فمثلا لا تكون كبيرة الكهنة ، مع العلم أنها من الممكن أن تكون  أميرة من الأميرات ، او حتى ملكة من زوجات الملك ، وفيما يلى سوف نستعرض بالدليل القاطع بعض الآثار الواردة إلينا والتى تشير بالفعل إلى أن النساء أمتهنوا مهنة الكاهن ومارسوها كما يمارسها الرجال تماماً.

1- تمثال مزدوج لـ مايا و ميرت مصنوع من  الحجر الجيرى يرجع لعصر الدولة الحديثة الاسرة18 عهد الملك توت عنخ امون حيث ذكر على التمثال ان  مايا مدير خزائن امون فى حين كانت ميرت  كاهنة ومغنية بمعبد امون  وهو موجود متحف لايدن للآثار الان.
مايا و ميرت

2- وأيضا تمثال خشبى فى غاية الجمال للكاهنة ايمرت-نيبيس من عصر الدولة الوسطى الأسرة 12 كاهنة آمون. ترتدي ثوبا الجلد الضيق و شعر مستعار موجود  بمتحف لايدن للآثار أيضا.
ايمرت-نيبيس

3- وأيضا الكاهنة حتحور حينحينت من  الأسرة 11 من الدولة الوسطى  والذى سجلت أعمالها وألقابها ومهنتها على تابوت قاعدته اللواح من الحجر الجيرى والغطاء من الحجر الرملى وقد عثر عليه فى الدير البحرى بالاقصر وموجود بمتحف ميتروبوليتان بنيويورك حاليا.
تابوت الكاهنة حتحور حينحينت

القزم سنب وزوجتة كاهنت حتحور
                                          
 وأيضا أكثر وابعد  تاريخيا من ذلك فقد عرفت الدولة القديمة مهنة الكهانة للسيدات فها هى سنيتيتس زوجة القزم الشهير سن والتى كانت تحمل ألقاب كاهنة حتحور ونبت.

الكهنة والتحنيط
لم يسجل المصريون القدماء وصفا لعملية التحنيط بتفاصيلها وجزئياتها ،كما لم يصلنا مرجع واحد يناول هذا الموضوع ،ولم تتعرض المناظر صراحة  لعملية التحنيط بالوضوح المطلوب ، وما ورد فيها من أشارات وإيماءات يقتصر على الجانب الدينى.(113)

وكل ما نعرفه عن التحنيط  بالنسبة لتلك العملية التى أدهشت العالم بأثرة قديما وحديثا ، لا يقارن مع تلك  المعجزة العلمية والتى من خلالها بقيت الجثث الآلف السنين دون تحلل وفناء ،وكذلك من خلالها برع المصرى القديم فى الطب لأنه من خلال أخراج أحشاء الجثث فى عمالية التحنيط كان يتعرف على الأجزاء الداخلية من الجسم البشرى ، ومن هنا بدأ علم أجراء العمليات الجراحية عند الأطباء المصريين القدماء الذين عرفوا كل شئ داخلى وخارجى عن الجسم البشرى من خلال عمليه التحنيط، والتى كان يقوم بها كهان المعبد ولا أحد غيرهم يعرف السر حتى الأطباء الكبار الذين كانوا من خارج المعبد لا يعرفون سر التحنيط، فهو علم قاصر على الكهنة ككثيراً من علوم المصريين القدماء، والذى كان يقتل من يفشى سرا ً من أسرار تلك العلوم. فهى علوم اقتصرت على السلك الكهنوتى فقط يؤرثوها جيلاً عن جيل فى سرية تامة، لذلك اندثرت واختفت باختفاء الكهنوت والديانة المصرية القديمة وظهور الدينان السماوية فى مصر والتى حرمت العبث فى جسم الإنسان بعد وفاته.

مراحل التحنيط
كانت عملية التحنيط تمر بعدة مراحل مختلفة فى زمن محدد ولكل كاهن مهامه فى مراحل التحنيط المختلفة. فبعد الوفاة مباشرة ينتقل الميت إلى بيت التطهير وهو المكان المخصص لعلاج جثمانه تحت إشراف كاهن جراح أخصائي فى إعداد الجثث للتحنيط، فيسجي المتوفى فوق مائدة خاصة ،ويتم استخراج مخه ،كما يتولي الكاهن إحداث شق أسفل البطن فى الجانب الأيسر مستخدما سكينا من الظران حسبما تقتضيه الطقوس الجنائزية ،وتخرج أحشاء المتوفى من خلال هذه الفتحة بعد نزع الحجاب الحاجز ،أما الأعضاء المستخرجة يتم علاج كل عضو على حدة وتلف باللفائف الكتانية ،وبعد ذلك ظل المصريين من الناحية النظرية حتى عصر الانتقال الثالث يضعونها فى أواني خاصة ،وعثر على أثارها الأولى فى أثاث "حوتب حرس" الجنائزى وهى والدة خوفو وبسبب تأويل خاطئ لـ"اثناس كيرشر" تعرف هذه الأواني اصطلاحيا باسم الأواني الكانوبية .وبعد الانتهاء من أخراج الأحشاء يأتي دور المحنط الذى يتولى "تمليح" الجسم(114).
ابناء حورس الاربعة على شكل أوانى كانوبية

الذى يوضع فى النطرون لمدة 35يوماً ،الأمر الذى كان يتسبب فى اسوداد البشرة، ولتقليل من هذا الأثر السلبي تم صبغ بعض أجزاء الجسم بالحنة أو دهن بالغرة الحمراء بالنسبة للرجال أو بالصفراء بالنسبة للنساء ،أسوة بما كان متبع مع التماثيل والنقوش ،ويقوم أهل المتوفى بتوفير قطع من القماش مشبعة بالصمغ والعطور ومختلف الدهان ،الغرض من الإبقاء على المظهر الخارجى لجسم المتوفى مع ضمان سلامة حفظة ،وتغطى فتحة البطن بلوحة صغيرة يتكفل أبناء حورس الأربعة بحمايتها(115).

وعملية التحنيط كانت عملية مكلفة جدا لا يقدر عليها عامة الشعب ،بسبب ما تحتاجه من كلفة كبيرة فى مواد التحنيط، وأخرى فى اجر الكهنة الذين قاموا بالتحنيط والذى كان يقدرؤ غالبا فى كثيرا من الأحيان بالذهب ، وكانت كل جثة أراد صاحبها التحنيط تحنط على قدر ما معه من مال ،وعلى حسب ثراء ومكانة المتوفى ، واغلب الشعب المصرى كان من الفقراء اللهم إلا بعض الموظفين والكتبة والذين أيضا لم يحنطوا بنفس كيفية الأمراء والملوك والأثرياء.

الهوامش:
نظراً لطول المادة العلمية البحثية فيرجى من القارئ المهتم بمعرفة مصدر كل فقرة ذكر رقم الفقرة المطلوب معرفة مصدرها فى التعليقات أسفل البحث ليتمكن كاتب البحث من الرد عليه ... وشكراً لكم على إهتمامكم بقراءة  كامل البحث الذى يحتوى على أكثر من 14 ألف كلمة.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016