حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

الأسرة والطفل فى مصر الفرعونية (بحث كامل بالصور) تربية - تعليم - ترفية

الأسرة والطفل فى مصر الفرعونية (بحث كامل بالصور) تربية - تعليم - ترفية
بقلم الآثارى الفصيح/ محمود مندراوى - مفتش آثار المنيا 
الأسرة والطفل فى مصر الفرعونية تربية - تعليم - ترفية
(بحث كامل بالصور)

مقدمة
اعتبر المصرى القديم الوطن مصدر حياته الاجتماعية والبشرية ، كما أن أمه الحنون مصدر حياته الشخصية ، فقد هذبه الوطن بعناية تامة وحب مخلص ، لأن معاهد العلم التى نما بيد جدرانها والأمثال الصالحة التى اقتبسها ما هى فى الحقيقة إلا ثمار الحب الذى لقنه السلف للخلف ، وكانت نفوسهم كبيرة وكل أعمالهم للمستقبل وحده ،لذا عاش الوطن فيهم وخلد ذكراهم.

الواقع أن الطفولة هى اولى مراحل الحياة وأحقها بالعناية سواء على مستوي الأسرة أو المجتمع ،وتعتبر دراسة تنشئة الطفل والاهتمام به أهم المقاييس التى يقاس بها تطور المجتمع وتقدمه ، حيث أن الاهتمام بالطفولة هو فى حد ذاته اهتمام بمستقبل المجتمع.

فالمستقبل عند المصريين القدماء وعند أى أمه هو الطفل ، فالأطفال فى كل عصر وفى كل زمان هم زينة الحياة الدنيا وشغل الآباء الشاغل ،مهما اختلفت الديانات والعقائد ،فغريزة الأبوة والأمومة غريزة فطريه، زرعها الله فى كل قلب كائن حى إنسان كان أو حيوان ، فالأطفال هم شباب ورجال المستقبل ، وقد وصت جميع الأديان السماوية برعاية الأطفال وحسن تعليمهم ، وأوضحت أهمية الطفل فى حياة الأسرة ،ويذكر لنا القران الكريمة فى قوله تعالى: 
"المال والبنون زينة الحياة الدنيا"

من هنا عمد الآباء من قديم الأزل إلى كيفية أخراج طفلة فى مجتمع صالح لكى يخرج المولد موطنا صالحا يستفيد منه الأب والدولة ، واستفادة الأب هنا ليست إلا استفادة معنوية ، فكل ما يرجاه ويتمناه أي أب أو أم أن يروا أولادهم خيرا منهم وفى أحسن من حالهم الذى هم عليه.

وفى هذا يقول لنا الحكيم المصري القديم فتاح حتب :
"إذا كنت عاقلاً فرب أبنك حسبما يرضي الله تعالى، وإذا شب على مثالك و جد فى عمله فأحسن معاملته واعتن به، أما إذا طاش وساء سلوكه فهذب أخلاقة وأبعده عن الأشرار لئلا يستخف بأمرك"

وفى بحثنا هذا سوف نتناول رعاية الطفل ودور الأسرة فى إنشاء الطفل وتربيته وتعليمه ليكون عضو صالح فى المجتمع المصري القديم ، متحدثا عن كيف كانت الأسرة المصرية أسره ولوده وعن اختيار الزوجة لإنشاء عائلة وتربية الأطفال تربية صالحة، ومدى شغف الأسرة بإنجاب الأطفال ومعرفة نوع الجنين ورعاية الأم الحامل، ورضاعة الطفل وكيف كان يربى ويحمل الطفل، كذلك دور الطب والطب الشعبي فى رعاية الأم والجنين كل هذا فى الفصل الأول.

أما فى الفصل الثانى سنتحدث عن أمراض الطفولة وكيفية علاجها، وكذلك عن الألعاب التى كان يلعب بها الطفل المصري وهو صغير، والمرضعات ودورهم فى حياة الأطفال.

أما الفصل الثالث سوف نتحدث عن التعليم وعن كيف كانت مصر صاحبة فكرة أول حضانة وروضة أطفال فى العالم ، وعن مناهج وطرق التدريس ودور المعلم والوسائل المستخدمة فى التدريس ، وعن دور الضرب والترغيب والترهيب فى العلم ، وعن أهمية المتعلم و بُغض الجهل والجهلاء.

متمنيا من الله أن ينال البحث إعجابكم ، ، ، ،
وما كان من توفيق فمن الله 
وما كان من جهل أو نسيان فمن نفسى ومن الشيطان

الفصل الأول
1- معنى كلمة طفل 
2- الأسرة المصرية أسرة ولودة
3- اختيار الزوجة
4- شغف المصريين بالأطفال 
5- إلتماس الرقى والتمائم للحمل
6- إلتماس الأولياء والصالحين والموتى للحمل
7- سبب كثرة الأولاد
8- حب الملوك للأطفال
9- المسئول عن الحمل 
10- الحمل والوحم
11- تطبيب الأطفال والأم
12- الطب الشعبى
13- معرف حمل الأم ام لا ؟
14- نوع الجنيين وولع المصريين بمعرفته 
15- مابعد الولادة – عادات تمارس بعد الولادة 
16- السبوع 
17- الختان
18- تسمية المولود
19- الغناء وهدهدة الاطفال 
20- أهتمام الام بالرضيع 
21- وسائل أكثار اللبن فى الطب الشعبى 
22- المرضعات وبيت الحاكم ومكافئتهن وفضلهن 
23- المعيشة الحسنة 

تشير لنا نصوص وأناشيد أخناتون على تفكير المصرى القديم فى مراحل نموه وبداية تكوينه حيث نقرأ فى أناشيد آتون: 
"أنت خالق الجنين فى الأم، 
أنت واهب الحياة للجنين فى رحم أمه، 
وملطفه حتى لا يتكدر فيبكي، 
كيف لا وأنت المربى فى الرحم، 
الذى يعطى نفس الحياة لكل مخلوقاته ! 
انت فاتح فمه 
ومعطيه حاجاته ...."

معنى كلمة طفل فى اللغة المصرية القديمة
فى الواقع كان يقابل كلمة طفل فى اللغة المصرية القديمة عدة مرادفات منها : 
"غرد" و "شيرى" 
وأيضا كلمات مقابلة لكلمة طفل مثل : "مس"

وكان المخصص لكلمة طفل عبارة عن طفل يضع سبابته فى فاه، مجدول الشعر، والتى أصبحت – الضفيرة - هى مخصص كلمة طفل من عصر الدولة الوسطى وما تلاها من عصور أخرى.

الأسرة المصرية أسرة ولود
الأسرة المصرية العادية أسرة ولود ، وكان يجب أن عدد الأولاد فى البيوت كان لا يتعدي الاثنين فى المتوسط لارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال أو لأنهم يرسلون فى وقت مبكر إلي المدارس أو إلي حيث يتدربون على حرفة.(1)

اختيار الزوجة
وعظ والد أبنه فى أواخر القرن16 ق.م فقال له : 
"تخير زوجتك حين الصبا وأرشدها كيف تصبح إنسانة ، فعساها تنجب لك طفلاً، فإنها إذا أنجبته لك وأنت شاب استطعت أن تربيه وتجعله رجلاً، وطوبى للرجل إذا أصبح كثير الأهل وأصبح يرتجى من أجل أولاده ...."(2)

ومن تلك المقولة يتضح لنا أشياء مهمة فى المجتمع المصري القديم ، حيث كان يتزوج الشباب وهم صغار السن ، وهى عادة لا تزال موجودة فى صعيد مصر ، فما أن يتم الطفل رشده ويبلغ الحلم حتى تفكر عائلته فى زواجه ، ويتضح لنا أيضا من تلك المقولة أو الحكمة السابقة أن الغرض المرجو من أجله الزوج هو أنجاب الأطفال ، وتكوين أسرة كبيرة يتباهى ويتفاخر بها الأب ، يساعده فى أعمال الحقل ، وأعمال الصناعة إذا كان الأب حرفي ، وغيره من أمور الحياة إذا كان المولد ذكر ، وأما أن كانت أنثى فهى تساعد الأم فى شئون المنزل وتربية أخواتها وحملهم كما سنوضح لاحقا.

شغف الأسرة بالأطفال
كان شغف الأسرة المصرية للأطفال والإنجاب وأن يصبح أب أو أم كبيراً جداً ،لدرجة أنهم فى حالة تأخر الإنجاب كانوا يلجئون إلى الكهنة والسحر وعادات أخرى سوف نستعرضها وذلك لسرعة الحمل وحماية السيدة الحامل وطفلها الجنين.

تمثال مجمع لأسرة فرعونية من الحجر الجيرى الملون
تمثال مجمع لأسرة فرعونية من الحجر الجيرى الملون

التماس الرقى والتمائم للحمل
استعانت النساء بتمائم خاصة لنجاح الحمل ، فقد كان الرقاة يصنعون بعضها على هيئة إناث الحيوان التى تمتاز بكثرة النسل مثل الضفادع ، ويشكلون أخري على هيئة إناث الحيوان التى تتصف بضخامة البطن والثدي مثل فرس النهر –المعبودة تاورت-(3)
المعبودة تاورت ربة الولادة وأحد تمائم الولادة والحمل
المعبودة تاورت ربة الولادة وأحد تمائم الولادة والحمل

ومن تلك التمائم أيضا تميمة القطة الممثلة فى المعبودة باستت وهى ترضع أطفالها فى شكل يدل على الخصوبة وكثرة الأولاد ، وكذلك تميمة المعبود بس الذى يحمى السيدات حين الولادة ، وبنات حتحور السبعة الموكلين بالحمل والولادة كما فى العقيدة المصرية القديمة.
تمثال وتميمة لقطة ترضع أطفالها من سقارة ترجع للعصر المتأخر مصنوعة من الخشب والبرونز
تمثال وتميمة لقطة ترضع أطفالها من سقارة ترجع للعصر المتأخر مصنوعة من الخشب والبرونز

التماس كرامات الأولياء والصالحين للولادة
وقد التمس الأزواج والزوجات عون الأولياء وكرم الموتى ، فوضعت أحداهن تمثالاً صغيراً فى قبر أبيها كتبت عليه : 
"أرجو أن تهب ابنتك (سح)) طفلاً

وأسقط شاب رسالة فى قبر أبيه توسل إليه فيها أن يساعد امرأته على الحمل ، ونجح الدعاء ، وولدت زوجته طفلاً جميلا ً ولكنه سقيم ، فأسقط الشاب رسالة أخري لأبيه قال فيها 
".... أرجو طفلاً ذكراً ثانياً سليماً ....."(4) 

ولكن هناك سبب جعل المصري القديم يحب كثرة الأولاد ترى ما هو هذا السبب ؟ 
والجواب:
لم يكن شغف الآباء والأمهات المصريين بالأطفال من رغبة في إشباع غرائز الأبوة والأمومة وحدها ، وإنما كانت وراءه دوافع اجتماعية ودينية كثيرة: 

فقد نشأ مجتمعهم القديم فى نشأة زراعية فى جوهره ،والكيان الاقتصادي للمجتمعات الزراعية يتأثر بوفرة الأيدي العاملة أو قلتها ،وما يصدق من ذلك على اقتصاديات المجتمع الكبير يصدق كذلك على دخل كل أسرة زراعية فيه ،سواء عملت فى أرضها أو استؤجرت فى أرض غيرها ، فكلما تكاثر أفرادها كلما تهيأت الفرص لزيادة دخلها(5).

وكذلك فقد شغف الفراعنة الحكام لمصر والأمراء بكثرة عدد الأولاد والأطفال أيضا، وهناك أساطير دارة على عدد أولاد بعض الفراعنة الذين تعدوا 100 ولد وبنت.

الملوك الفراعنة وحب الأطفال
شارك فراعنة البلاد أهلها فى تمنى كثرة الأولاد لأنفسهم ولمصر كلها ، وانعكس صدى هذه الرغبة فيما سجلوه من نصوص أكدوا فيها أن أربابهم وعدوهم بوفرة الخلف ومنوهم بعمران أرضهم ، فادعت حتشبسوت أن أربابها قالوا لها : 
"سيعمر الصعيد والدلتا بالذرارى، ويزداد أولادك كما زادت بذرة الخير التى غرستِها فى نفوس رعاياك"(6)

الحمل والولادة
المسئول عن الحمل وفضل الأبوين
مع ما قدرة المصريون القدامى من فضل ربهم الذى يصون الجنين في بطن أمه، ويحفظ نفسه، وينزل السكينة عليه فلا يئن ولا يبكي، فطنوا فى الوقت ذاته فى أن غذاء الأم الحامل هو السبب المباشر لنمو الجنين وتغذيته.(7) 

الحمل والوحم
وسمع المؤرخ ديودور الصقلى هذا الرأي منهم، فأعجب به ، وكتب يقول أن المصريين وإن اعتقدوا أن الأب هو المسئول عن الإنجاب ، إلي أنهم فى الوقت ذاته يعتبرون أن الأم هي الوسيلة إلى تزويد جنينها بالغذاء والجن "أي الحفظ والحماية". ولا يستبعد أن يكون اهتمام السيدات حتى الآن بوحم الحمل ، وتلبية ما تشتهيه فى فترة حملها خشية أن يتأثر تكوين المولود بحرمانها منه ، أثرا من آثار التفكير القديم.(8)

الأطباء يعتنون بالأم والجنين
فى الواقع ابتدع الأطباء والمطببون المصريون وسائل عدة لتيسر الولادة العسرة ، بحيث تضمن مخطوط طبى من القرن16 ق.م إحدى عشر وسيلة "لاستخلاص الجنين من بطن السيدة "على حد قوله . ونافس الكهان والرقاة الأطباء والقوابل فى معالجة ما كانوا يندبون إليه من الولادات العسرة وكان بعضهم يرتدون ملابس معينة ، ويمسكون عصيا خشبية ذات أشكال خاصة يلوحون بها حين يتلون رقاهم لإقصاء من يتوهمونه أو تخشاه الوالدة من أشباح وشياطين قد يتجمعون حولها ويعملون على تعويق الوضع أو أفساده .(9)
كرسى الولادة

الطب الشعبي بأمراض النساء
وقد عثر على ثلاث ورقات بردى منها مخطوط خصص لتشخيص أمراض النساء، ومخطوطان آخران تضمنا ثماني وسائل للتميز الأنثى المخصبة والأنثى العقيم(10) 

طرق معرفة إذا كانت السيدة حامل أم لا؟ أو "اختبارات الحمل"
وهي الطرق التى تمكن الطبيب أو الأم معرفة أمكانية هل حدث حمل أم لا ، وهو ما يعرف فى وقتنا هذا باسم اختبارات الحمل.

ومن الطرق التى أتبعها الطب الشعبى عند المصريين القدماء لمعرفة السيدة قد حدث لها حمل ام لا طريقة سهلة جدا – على الرغم من أن العلم الحديث يعتبرها أفاعل ساذجة غير علمية - إلا أنها كانت تستخدم إلى وقت قريب فى مصر فالمعروف أن الطب الشعب هو طب متوارث من الأجداد للأبناء للأحفاد دون تقيد بمفاهيم وطرق علمية يعتمد فى الأساس على الخبرة والتجربة.

طريقة البطيخ فى كشف الحمل
وهى أحدى الطرق التى ذُكرت أيضا فى البرديات ، فكان يوضع عصير البطيخ على لبن سيدة قد أنجبت ولد ، ثم تشرب منه السيدة التى تريد أن تعرف أنها حامل أم لا ، فإذا أقاءت ورجعت ما فى بطنها فأنها حامل ، أما إذا انتفخت بطنها فأن الحمل كاذب ، وإذا لم يحدث لها شئ فأنها لم تحمل أبداً – إلى أن يشاء الله- وهذه الطريقة كانت تستخدم أيضا لمعرفة البنت العذراء ستلد ام لا حين تتزوج.

ولع المصري بمعرفة نوع الجنين ولد ام أنثي
العرب بوجه عام والمصريين بوجه خاص شعوب معروفه بولعها وحبها لمعرفة نوع الجنين قبل أن يولد. 
وهكذا كان أجدادنا المصريين القدماء ، فاخترعوا عدة طرق من الطب الشعبى لكشف نوع الجنين ولد كان ام أنثي ، والغريب أن تلك الطرق ظلت مستخدمة عند الأطباء القدماء حتى القرن 7م ، فنرى احد الأطباء يكتب فى برية يعلم فيها أحد تلاميذه تلك الطريقة لمعرفة نوع الجنين ، ومعرفة إذا كانت الأم حامل ام لا.
الطريقة هى:
تضع السيدة فى حفرتين فى الأرض حب الشعير وفى الأخرى حب القمح ، ثم تبول السيدة فى على النباتين ، فإن خرج الشعير دون القمح أو قبلة كان المولود ذكر ، وأما إذا خرج القمح فإن المولود أنثي ، وأن لم يخرج الاثنين فإن الحمل كاذب ،هذا باختصار شديد.

وقد أعتبر المصريون ثراء الدنيا قليل الغناء إذا أعوزته نعمة الولد ، ولم يتصوروا سبيلا لسعادة من حرم من نعمة النسل غير التبني ، يستفيد المرء نفسه وقد يفيد به مجتمعه(11).

ما بعد الولادة
عادات كانت تمارس بعد الولادة للأطفال
تميزت الأسر المصرية بعادات محمودة أعتبر الكتاب الإغريق القدامى آيات يحتذي بها، منها:

أولاً: عادة غسل الطفل عقب الولادة ،وهذا لا يبدو غريبا فى الوقت الحالي ولكن تتضح أهميته عندما نعرف أن أطفال اسبرطة كان يكتفون بالاستحمام فى أيام معينة من كل عام.

ثانياً : تقصير شعر الطفل ، فيقول عنها هيرودوت أنها تقوى جلد الرأس وتعمل على زيادة صلابته بتعرضه عارياً لحرارة الشمس.

ثالثاً : الختان، ولعلها اعتبرت حينذاك أنها من عوامل النظافة. وسوف نتناولها منفصلة لأهميتها لاحقا.

رابعاً : غسيل اليدين حين تناول الطعام ، وما يترتب عليه من فوائد صحية وتجنب الأمراض.

خامسا : الربط بين النظافة وبين التطهر بالنسبة للبالغين ، كالتطهر من الجنابة ومن النفاس والحيض ،والتطهر قبل أداء الشعائر الدينية.

سادساً : تفضيل التوسط فى الطعام والشراب.

سابعاً : روى لنا ديودور الصقلى أن المصريين اعتادوا على الحقن والحمية والمقيئات على فترات متقاربة ،وأنهم برروا ذلك بان أغلب الغذاء الذى يتناوله الإنسان يزيد عن حاجته ويولد الأسقام ، والاستغناء عن بعضة يجلب العافية(12).

وصدق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حين قال : 
"المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء

السبوع
"حلقات برجلاتك حلقة دهب فى وداناتك"
هي جملة تقال فى السبوع حين تعلق حلقة إيزيس فى أذن المولود ،وهى التي يسمع عن طريقها صوت الرب ،وتعاليمه التي أولها طاعة الوالدين ،لاعتقادهم أن حاسة السمع تنفتح عند المولود في اليوم السابع من خروجه من الحياة الدنيا إلى حياة المصريين.(13)

لذلك يقوم المصريين وعلى رأسهم القابلة والأم نفسها بعمل صخب حول المولود لكى تتفتح حاسة السمع وتعمل ، ثم يدعون للإله بأن يحفظ المولود ويمنحه العمر المديد ، وهذا الاحتفال عمره آلاف السنوات ، ولا يزال يقام في كل بيت مصري حتى الآن.

فالسبوع هى يوم احتفال الأسرة بقدوم المولود سواء كان ولد أو بنت فتجتمع العائلة ويقوم ببعض الطقوس والتى فقى مجملها تعود إلى أجدادنا الفراعنة ، وبعضها الأخرى من الشرائع السماوية ، ونوع ثالث من العادات الفرعونية التى حورها المصريين لتتطابق مع الشرع.

والمهم فى كل ذلك أن يوم السبوع هو يوم احتفال بقدوم المولود فى سلام بعد أن تكون أمه قامت من وضعها فى سلام وتستطيع الحركة والقيام من فراش الولادة وهى عادة لا توجد فى أي مكان على سطح المعمورة إلا فى مصر -بهذا الشكل الكبير والفرحة والاحتفال.

الختان
الختان عند الشعب المصري القديم هو جزء من نظافة البدن كما وضح لنا هيرودوت في كتابة عن مصر في الفصل 37 عند الحديث عن أهمية النظافة والختان عند الشعب المصري القديم وخاصة للذكور ، فهي عملية فى الأساس من واجبات الطهارة والنظافة عند الشعب المصري القديم.
رسم لجداريه من سقارة توضح عملية ختان الذكور

وكما ذكرنا فى بحثنا السابق أن الكهنة كان شرطا لازما عليهم الختان قبل أن يرسم كاهن ، وأعتقد أن الختان كان فى مصر يسرى على الرجال ككل عامتا. 
وكان الختان لا يتم فى سن صغير كما هو الحال الآن بل كان يتم والطفل فى سن مابين العاشرة والثلاثة عشر.

وكان الختان يتم فى المعبد على يد كاهن يدعى الكاهن المختن ، ولا يقوم بها الأطباء العاديين ، فقد كانت تسبق عملية أجراء الختان بعض الطقوس الدينية ومن بعدها يختن الطفل ، بمقابل مادي يدفعه الأب للمعبد ، ربما من الغلال أو ما يقابله ذهب أو ملابس أو غيرة من السلع الأخرى.

أما ختان الإناث فلم يذكر فيه شئ قاطع ، ويقال أنه كان يتم فى الجزء الجنوبى من المملكة المصرية (بلاد النوبة ) وكانت غالبا ما تقوم بعملية ختان الإناث هى القابلة - ما نسميها الداية حاليا- مع مساعدة الأم والأقارب فى المنزل.

وقد أرتبط عقائد وعادات مصرية قديمة لا تزال إلى الآن فى مصرنا الحديثة عن الختان ، مثل وجوب الختان فى أخر الشهر القمري (الشهر العربى) وأيضا عمليات المشاهرة والختان الجماعي لأطفال الأسرة الواحدة فى حفلات الزواج الخاصة بالعائلة،وغيرة من تلك العادات المتصلة بالختان ، والتي لا تزل حتى الآن عندنا فى صعيد مصر ، سواء أكانت الأسرة متعلمة أو غير متعلمة فالكل يمارس تلك العادات والتقليد التى توارثنها من أجدادنا الفراعنة إلى الآن.

وقد ذكر أن الختان أول ما ظهر ظهر فى مصر القديمة ومنه أنتشر إلى باقي بلاد العالم وخاصة شبة الجزيرة العربية وآسيا الصغرى ، وذلك عن طريق التجار والرحالة الذين كانوا ينزلون إلى مصر ،للبيع أو الشراء وغيرة من الأمور الأخرى.

تسمية المولود
تضمنت المسميات الشخصية المصرية القديمة من حيث المحتوي أسماء دينية الطابع وأخرى دنيوية الصبغة ، وأسماء بسيطة التركيب وأسماء مركبة الصيغة . وبعض الأسماء اقتصرت على عصور معينة دون غيرها.

ومن تلك الأسماء التى كانت تطلق على الذكور ما يلى :( 14)
1- كثيراً ما كان المولود يسمي باسم يتمنى الخير له مثل "سنب" أي سليم " "واوف عنخ " بمعنى يحى "ومرى" بمعنى محبوب ، أو يسمى باسم يتمنى الخير لذويه مثل ما يعنى "عاش الوالد" و"عاش الأخوة " ربما يعنى عوض عنهم كما يقال الآن عوض وعوضين ومعوض.

2- يسمى باسم يميزه بين أقاربه وأقرانه ، مثل "نبسن" بمعنى سيدهم و"باسر" بمعنى الريس . ولا تزل بعض تلك الأسماء موجودة إلى الآن مثل سيدهم وزينهم والأمير والحسن وكذلك ستهم ورئيسة.

3- قد يسمى بصفة جسمية ما ، مثل الأسود أو الأحمر أو الطويل وأبو راسين "ذو الرأس الكبيرة ....الخ.

4- قد ينسب المولود إلى بلدته مثل المنفي والطيبي ، أو إلى حرفة مثل النجار والجندي ...الخ.

5- قد يشتق الاسم من ظروف وضع الطفل أو عبارة نطقت بها الأم أو القابلة حين ولادته مثل "ايمحوتب" اى الآتي فى سلام و"ايمسخ" بمعنى جاء بسرعة ومتعب وعسران .....الخ.

6- قد يسمى عوضا باسم حيوان أو نبات أو شئ ما ، مثلما يقال حتى الآن ديب ونخلة وصقر ....الخ.

7- قد يسمى الطفل باسمين اسم عادى واسم للتدليل.

8- تلونت معظم الأسماء بروح التدين الغالبة على المجتمع مثل حسى رع أي مداح رع، وحم رع وباكن آمون بمعنى خادم آمون وامنمحات بمعنى آمون فى الصدارة .....الخ.

9- قد يحتمل الاسم الانتساب إلى معبود مثل "حورى " أو" سيتى" ....الخ.

10- قد يسمى الطفل بيوم مولده مثل اليوم الثامن أو التاسع على نحو خميس وجمعة الآن ، أو على ترتيب الأولاد مثل "وعتى" : بمعنى وحيد .... الخ.

11- قد يسمى باسم مناسبة دينية أو وطنية يحتفي بها فى وقتها مثل حور محب : أى المعبود حور فى عيد ، وهو ما يشابه تسمية رجب وشعبان ورمضان الآن.

12- قد يسمى باسم شائع فى العائلة لجد أو عم أو خال كما يسمى باسم ولى العهد أو الملك.

13- كان من الكنايات التى تطلق على الأبناء أحيانا ما تلتصق بهم أكثر من الأسم وربما كان لها دور فى تكوين شخصيته ، مثل "باماى" بمعنى الأسد و"وسرحات " بمعنى الجسور ...الخ.

طرفة : رمسيس كان كنيته باسم سيسى !
كما يذكر لنا الدكتور عبد العزيز صالح في كتابه الأسرة المصرية عبر عصورها ص92 : أن من الطريف أن المصريين أطلقوا اسم "سيسى" على رمسيس الثاني أو سوسو ، وذلك مما يعنى أن أسماء المصريين القدماء لم تكن بالصعوبة التى تبدو بها الآن.

14- لم يكن المصريون ينادون أطفالهم بأسماء كاملة دائما ، وإنما كانوا يختصرونها وينغمونها ، كما يجرى إلى الآن فى مصر ،مثل ايبى ، بيبى ، تى ، وميمى ، خوى ، شيرى .....الخ.

15- حين كان يتدخل اسم المعبود فى اسم طفل ،فغالبا ما كان المنادى يتخطى اسم المعبود تأدبا أو تخفيفا فيختصر اسم امنمحات على محات وآمون محب إلى محب ....الخ.

وإليكم بعض معاني أسماء الملوك :(15)
خوفو : عسى أن يحمينى 
إمن-حتب: سلام آمون أو راحة آمون
رمسيس : رع –ميسو بمعنى ابن الشمس 
أمنمحات : بمعنى أمون فى المقدمة 
من-كاو-رع : بمعنى خالدة أرواح رع 

أسماء الإناث: (16)
1- اشتركت أسماء الإناث مع الذكور فى بعض وانفردت عنها ببعض أخر.

2- اتسمت أغلب تسميات بناتهم بطابع العذوبة والإعزاز ورغبة التدليل ومنها على سبيل المثل نفرت : جميلة ، نفرو :جمال ، بنرة: طعمه ، حريرة :زهرة ، سشن: سوسن او زهرة اللوتس ،جحست :غزالة ، نفرتارى : حلاوتهم ، حنوت نفرت:سيدة جميلة .....الخ.

3- من أسمائهن ما يكشف عن استبشار الأبوين بمولدهن مثل "داوت نفرت " أى صباحية مباركة ، و "وبت نفر " بمعنى قدم الخير أو بشرة السعد ، و"حنوت سن" بمعنى ستهم ، و"سات مريت" أى الابنة الحبيبة ، ونفرتيتى بمعنى الجميلة آتيه .....الخ.

4- وشأنها شأن البنين ،كثيرا ما ألحقت أسماء البنات باسم المعبود أو معبودة- مثل مرت آمون بمعنى محبوبة آمون.

5- كما هو متوقع غالبا ما كانت أسماء البنات تختصر وتحور وترخم وتنغم أكثر من أسماء البنين مثل تبس ونبت وشيشى ......الخ.

6- كان لتسميات الأوساط الشعبية تعبيرات تنم عنها أحيانا مثل :
" تامية "أي القطيطة ، " أوبت" بمعنى فتفوتة وشخشيخة ، وقد تخشى الحسد فتسمى طفلتها "جمت موتس" أى لقيتها أمها ، و"نرختوسى" أى محدش يعرفها ، و"تقرورة" بمعنى ضفدعة ....الخ.

7- وثمة أسماء مصرية قديمة مشتركة كان يسمى بها الولد والبنت على سواء مثل أحمس و إعحمس "اى ولد القمر" ، وقمر ونور وبدر ....الخ.

الغناء وهدهدة الأطفال
ليس من المستبعد أن روح التوسط النسبي فى تقبل الأبناء والبنات ظل أثرهما باقياً فيما لازالت بعض الأمهات الشعبيات يرددنه من أهازيج الهدهدة التى ترحب بمولد البنت بما يقارب من ترحيبها من مولد الولد

وتقول الأم فيها بلهجتها العامية فى البنين ما معناه : (17)
- لما قالوا لى دة غلام – أشتد ضهر أبوة وقام. 
وجانى الحبايب هنونى – ومن فرحتى ما جانى منام.

وللبنات غنوا :
- لما قالوا دة بنيه – قلت يا ليلة هنيه.
بنتي الحبيبة أهي جايه – تنفعني وتحن عليه.

الرضاعة والطعام
فى عادات الرضاعة والفطام وغيرة من أمور الرضاعة أحتفظ المصريين بعاداتهم وتقليدهم بالكثير منها إلى الآن ، اللهم إلا بعض التغيرات البسيطة التى حدثت مع السنين مثل مدة الرضاعة.

ولم تخلو المقابر الفرعونية من مناظر للرضاعة وكيف كانت ترضع الأم صغيرها ، ومشاهد وتماثيل المعبودة إيزيس وهى ترضع أبنها الوحيد حورس خير دليل على اهتمام نساء مصر فى تلك العهود بعملية الرضاعة الطبيعية.
تمثال من الفاينس لايزيس وهى ترضع حورس من متحف متروبوليتان
تمثال من الفاينس لايزيس وهى ترضع حورس من متحف متروبوليتان

مدة الرضاعة
يقول لنا الحكيم فتاح محب فى هذا الشأن : 
"أن الله سخر لك أماً كابدت كل مشقة حين حملتك وولدتك وأرضعتك ثلاث سنوات"(18)

من هنا نعرف أن فترة الرضاعة عند القدماء المصريين كانت ثلاث سنوات ، وليست سنتان كما هو الحال الآن فى مصر ومعظم دول العالم ، وكلنا نعلم فوائد الرضاعة الطبيعية للطفل ، فهى تساعد على بناء جسد وعقل الطفل ، على عكس البدائل الأخرى ، ومن هنا أيضا أنه كان بين كل طفل وطفل حوالي أربع سنوات ثلاثة منهم فى رضاعة الطفل السابق وتسعة شهور فى حمل الطفل اللاحق ومن هنا تكون الفترة أربع سنوات ، وهذا تنظيم للأسرة طبيعى يساعد على تربية الطفل دون مشقة وعناء طفل أخر.

اهتمام الأم برضيعها
تفاوتت وسائل رعاية الأم المصرية لوليدها بتفاوت ثقافة الوسط الذي تنتمي إليه ، وصورت المناظر والتماثيل القديمة بعض الأوضاع التى كانت الأمهات يتخذنها حين الرضاعة.

كيفية أرضاع الطفل
فالفقيرات منهن كن يجلسن بأبنائهن على الأرض أو يفترشن الحصير ، وأكثر أوضاعهن شيوعاً حين الرضاعة ، هو أن تفترش الأم ساقيها من تحتها ، وتضع رضيعها فوق فخدها وتسلمه ثديها . وأقل أوضاعهن شيوعاً هو أن تجلس الأم وهى تقيم ساقاً وتثني ساقاً ، ثم تنصب صغيرها على الساق المنتصبة ، أما ذوات النعمة من الأمهات فصورتهن بعض المناظر يتبوأن المقاعد بأطفالهن فى استرخاء مريح ، وينعمن مع الرضاعة بأطايب الغذاء ورعاية الإيماء والخدم.(19)
رسم على حجر جيرى يوضح أم ترضع طفلها من تل العمارنة

وقد أختصر الحكيم بتاح-حتب اهتمام الأم بطفلها ورعيتها له فى حكمته لابنه التى يقول فيها : 
"لم تأنف –أمك- من فضلاتك ، ولم تسأم معاناة تربيتك ، ولم تكل أمرك لغيرها يوما ما ، وكانت تبر أساتذتك وتواسيهم كل يوم ليعتنوا بتعليمك ، والآن صار لك أولاد فأعتن بهم كما اعتنت بك أمك ولا تغضبها لئلاً ترفع يديها إلي الله فيستجيب دعاءها عليك"(20).

وقد اتخذن المصريات وسائل عدة لتيسير الرضاعة فكانت أحداهن إذا شعرت بجفاف لبنها استعانت بوسائل التطبيب التى يعرفها عصرها ، أو تعوذت بالرقي والتمائم.

وسائل إكثار لبن الأم فى الطب الشعبي
تضمنت أحدي البريات القديمة وسيلتين لإدرار لبن المرضعة . 

الأولى : أن تحرق المرضعة عظام سمك معين فى الزيت وتسحقها ، ثم تلك بها سلسلة ظهرها.

الثانية : أن تستعين المرضعة بعفن الخبز ( وهو من مكونات البنسلين الحالي) فتحرق رغيفاً عفناً ، وتخلطه بنبات (خساو) ثم تأكل خليطهما وهى جالسة تفترش ساقيها من تحتها.(21)

أما النساء اللاتي اعتقدن فى التمائم ونفعها ، فكن يشترين من أعياد المعبودات وموالد الأولياء تمائم رقيقة من الخزف والمعدن مشكلة على هيئة الثدي – والمعروفة بتميمة الثدي- أو على هيئة المعبودة "ايسة" إيزيس وهى ترضع طفلها الوحيد ، أو هيئة المعبودة حتحور فى شكل البقرة ، أو المعبودة تاورت فى شكل فرسة النهر ، ويعلقنها على الصدر أو البطن.(22)

المرضعات وبيت الحاكم
استخدمت القصور الملكية المراضع منذ القرن الثامن والعشرين ق.م على أقل تقدير ، وخصصت لكل أمير مولود فيها مرضعة أو أكثر من مرضعة ، وحاضنة أو أكثر من حاضنة ، وكانت المرضعة أحيانا تكلف بدور المربية والحاضنة ، وروت لنا قصة طفولة سيدنا موسى عليه السلام فى مصر شيئا من هذا الوضع.(23)

المكافئة والامتيازات التى حصلت عليهن مرضعة الحاكم وعائلتها
حظيت أغلب مراضع أولياء العهود بجزاء وافر ومكانة اجتماعية طيبة ، فخصصت لبعضهن ضياع مناسبة ، وتمتعت بعضهن بحقوق الأمهات علي من تولين إرضاعه من صغار الملوك أو أولياء العهود.(24)

وجاز لأولدهن أن يتلقبوا بلقب الأخوة فى الرضاعة للفرعون الحاكم ، كما جاز لأزواجهن أن يعتبروا أنفسهم فى منزلة الآباء "الروحيين" للفراعنة.(25)

مكان المرضعات فى القصر الملكى
وكان يفرد لهن أحيانا جناح خاص من أجنحة القصر الملكي يسمى جناح الرضاعة أو دار المراضع.

الأثرياء والطبقة الوسطي ينتهجون نهج الملوك فى المرضعات
جرى الأثرياء المصريون على مجرى الأسرة الحاكمة فى استخدام المراضع لأطفالهن ، وقلدهم بعد ذلك أهل الطبقة الوسطي ، وتوفرت للمراضع فى الأسر المضيفة مكانة مقبولة سمت بهن عن مستوي التابعات والجواري ، وسمحت لبعضهن الإقامة مع أسرة الرضيع مدى الحياة.(26)

الاعتراف بفضل المرضعات من الرضيع
احتفظت لنا المصادر المصرية بنماذج طريفة من صور وفاء الرضيع بمرضعته ، والربيب بربيبته ، منها أن الطفل إذا بلغ سن الشباب وفارق أسرته وراسلها ، حرص على أن يستفسر من حين إلى حين عن حال مرضعته ، علي نحو ما يستفسر عن أحوال أهله.

وقد كتب شاب (من القرن 20ق.م) رسالة إلى وكيل أعماله قال له فيها: 
((أرجو أن تكتب إلي عن كل ما يتعلق بصحة وحياة مرضعتي))

ومن أرق الوصايا التى تناولت أمر المراضع قول عنخ شاشنقى : 
((لا تعهد بولدك إلى مرضعة بما يجعلها تتخلى عن ولدها))(27)

أشهر مرضعات التاريخ الفرعونى
وأشهر المرضعات فى التاريخ والتى سميت باسمها مقاطعة كبيرة من مقاطعات صعيد مصر ألا وهى المقاطعة السادسة عشر والمسماة "منعت خوفو" أي مرضعة خوفو كما جاء فى نقوش مقابر بنى حسن والتى ترجع إلى عصر الدولة الوسطى ، وهى المنيا وسمالوط حاليا ، والتى قام الملك خوفو بتكريمها حية فوهب لها أرض فى ذلك الإقليم الذى سماه على أسمها والذى ظل يحمل اسم منعت خوفو حتى العهد القبطى فسميت ميني أو مينو بمعنى الميناء أو المرسى أو البيت.

وأيضا قام الملك خوفو بتكريم مرضعته وهى ميتة فقام بإنشاء هرم لها على غرار الملوك والملكات فى ذلك العصر المبكر جدا من تاريخ مصر ، ولا تزال أطلال هذا الهرم موجودة إلى الآن بزاوية الأموات ( زاوية سلطان) شرق النيل إلى الجنوب من المنيا إلي الآن.

ولا ننسى كما جاء فى الكتب السماوية مرضعة سيدنا موسى عليه السلام ،وهى فى الأصل أمه التى ألقت به فى النيل كما أمرها الله خوفا من بطش فرعون ، فحرم الله عليه المراضع إلى أن جاءت أخته وعرضت عليه أمه فرضع منها ، وتلك القصة مشهورة فى الكتب السماوية الثلاث التوراة والإنجيل والفرقان ، وهى توضح لنا ظاهرة انتشار المرضعات فى مصر القديمة ودورهن فى أنشاء وتربية الأطفال فى مصر الفرعونية.

طعام الأطفال والمعيشة الحسنة
حين زار المؤرخ ديودور الصقلى مصر فى القرن الأول الميلادي ، استرعت هذه الأوضاع نظره فكتب يقول : 
"يربي عامة المصريين أولادهم فى يسر ، فيطعموهم عصيدة يطبخونها من مواد رخيصة وافرة ، ومن سيقان البردي بعد شيها علي النار ، وجذور نباتات مائية يستسيغون طعمها نيئة ومطبوخة ومشواة"(28)

ومما جعل حال الأطفال فى يسر حتى الفقراء منهم هو أن مصر بلد زراعية يتوفر فيها الحبوب طول العام بفضل تخزين الغلال ، وتربى الماشية المنتجة للألبان والطيور الدجنة التى تساعد على اكتمال غذاء الأطفال ، هذا إلي جانب وفرة المصادر المائية التى كان يعمُد الفلاح المصري القديم إلى النيل والبحر والبحيرات لصيد السمك وإطعام أطفاله .

الفصل الثانى
1- الأطفال فى الأسرة 
2- رعاية الأم للطفل 
3- رعاية الأب للطفل ومشاركة الأم 
4- واجبات الأبناء على الآباء 
5- وجبات الآباء على الأبناء 
6- الولد سر أبيه 
7- كيف كانت تحمل الأطفال 
8- كيفية معرفة اللبن الصحى 
9- طريقة لمعرفة هل سيشفى الطفل أم لا قبل علاجه 
10- وصف بعض الطرق للعلاج "العقاقير" 
11- التسنين ومشاكله 
12- الإيمان بالحسد 
13- وضع الإناث فى الأسرة 
14- إلى من يؤل الطفل المنفصل والديه (الطلاق) 
15- الألعاب والتسلية ونماذج من تلك الألعاب 

الأطفال فى الأسرة
* والسؤال هنا كيف راعت الأسرة المصرية أطفالها ؟ وكيف احتضنوهم وحملوهم ؟ وكيف أرضعت الأم وليدها ؟ وما هو سن فطامة ؟ 
كل تلك الأسئلة وغيرها سنجيب عنها أن شاء الله فى السطور القادمة.

رعاية الأم لطفلها
أن حب الأمومة وحنان الأم غريزة وضعها الله فى قلب كل أنثى ، فنرى كيف ترفع البهائم الرتع حوافرها وأرجلها عن صغيرها لكى لا يتأذى ، فما بالك بالبشر والنساء خاصا ً ، والأم المصرية كانت أحرص النساء على أطفالها وأشدهن حباً لهم إلي الآن.

فقد اطمأن المجتمع المصري إلى رعاية الأم لطفلها في سنه المبكر ، فكانت تحتضنه طيلة الثلاث أعوام الأول ، ترقده بجانبها ، وتحمله على خاسرتها أو كتفها أو حو كتفيها ، وإذا خرجت به حملته بالأوضاع نفسها أو حملته عنها خادمة على خصرها وشدته إليها بشال عريض.

وإذا استطاع الطفل المشي أمسكته أمه بيدها حين الخروج ، أو تركته إلي الخادمة تتبعها به ، أو أجلسته معها فى محفة الخروج –كلا على حسب وضعة وطبقته الاجتماعية- واحتفظت المناظر والتماثيل المصرية الصغيرة بأوضاع طريفة تمثل الأم فى بيتها تمشط شعر بناتها ، وتضم إليها أولادها.(29)
تمثال من الحجر الجيرى يوضح أم تصفف شعر أبنها
تمثال من الحجر الجيرى يوضح أم تصفف شعر أبنها

مشاركة الأب فى رعاية الأطفال
شارك الأب أمرآته فى الحدب علي صغاره ، ولم يكن أبا ًً غليظاً يتباعد عنه أطفاله ، فصورته المناظر يضع يده فى يد ابنه ،أو يضع يده على رأس ابنه ، وصورت البنت تسند يدها على كتف أبيها ، أو تمسك كتفه وهو يلعب النرد مع أمها ، وصورت الوالد يتضامن من ولده الصغير حتى يصعد على فخذه ويقف عليها مستندا على ذراعه ، وصورته يجلس ولده فى حجره .....الخ(30)

وتلك المعاملة الحسنة المليئة بالحنان والأبوة هى من شيم الأب المصري القديم وإلي الآن نرها فى بيوتنا ومجتمعاتنا المصرية التى لم تتأثر بتغير الزمان ولا بالمدنية الكاذبة التى تدعى الحنان والرحمة وهى خاوية على عقبيها من الحنان والرحمة والمودة بين أفراد الأسرة ، ومناظر أخناتون على جدران مقابر تلك العمارنة توضح لنا جانبا كبيرا من تلك المعاملات الأسرية الراقية ، فنراه تارة يسامر زوجته بالحديث معها وبناته يلعبن من حولهن واحدهن على كتفه والأخرى فى حجر الملكة نفرتيتى ، ونراه تارة أخري يقبل أحدى بناته ، وتارة تقدم الملكة الزهور للملك ، وتلك الحياة الأسرية الصغيرة ما كانت الا صورة مصغرة لما نشأ عليه المجتمع المصري منذ قديم الأزل إلى أن تقوم الساعة أن شاء الله.
رسم لنقش من تل العمارنة لأخناتون وعائلته ومداعبة بناته اللعب معهن
رسم لنقش من تل العمارنة لأخناتون وعائلته ومداعبة بناته اللعب معهن

ويقول الحكيم آنى موصيا ابنه : 
"دع الابن يتقبل كلام أبيه ، وعلم ابنك على هذا المنوال ، لان المطيع هو رجل كامل فى نظر الأمراء ، فإذا تقبل كلامك بقبول حسن وتنبه وأطاع ،فلإن أبنك يكون حكيماً وتكون أعماله موفقة ، أما الإهمال فيفضي إلى العصيان ،والغبى يجب أن يسحق"(31)

واجبات الأبناء على الآباء
كان من أهم واجبات الأبناء تقديم القرابين إلي أرواح آبائهم وأجدادهم كما هو الشأن الآن فى الصين والهند ، وكان الابن الأكبر يلقب بعائل أمه " ايون –موت-اف" وكان يلبس جلد النمر عندما كان يقوم بتقديم القرابين الجنائزية لروح والده.(32)

ولقد كان حقا على الأبناء عند تشييع جنازة آبائهم أن يطرحوا الثيران أرضاً ثم يقوموا بنحرها ، وانك لتشاهد صور هؤلاء الأبناء وهم يفعلون ذلك وأسماؤهم منقوشة على جدران مقابر آبائهم.

وكانوا يقومون عدا ذلك بصيد الطيور وتقديمها قرابين لهم ، وهذا ما فعله الملك رمسيس الثاني لأبيه الملك ستي الأول،كما هو مصور على جدران معبد أبيدوس.(33)

فإن رعاية الوالدين واجب أخلاقي مفروض على الأبناء يشجعهم على ذلك –من بين أمور كثيرة- الميراث المرتقب ، وهو سلوك شبة ما يحدث فى الوقت الراهن ، فقد وصلتنا فى واقع الأمر وصية بحرمان عدد من الورثة الشرعيين من حقهم في الميراث.(34)

ويقول الحكيم آني: 
"الابن الذي يسمع ويطيع هو كأحد أتباع حوريس يبلغ سن الشيخوخة.."(35)

ما يجب على الأب تجاه الابن
كان المصريون القدماء ينظرون إلي تعليم الأبناء كأنه واجب تمليه عليهم محبتهم لهم.(36)

وكان من واجب الأب أن يستحث كل من أبنائه على تأسيس بيته الخاص أي أن يشيد منزلاً أو يرمم المنزل الذي قد يتسلمه عند الالتحاق بالعمل ، ثم يتخذ لنفسه زوجة(37)

وفى الأدب المصري القديم نجد الحكيم فتاح حتب يقول في هذا الشأن:

"لا تهمل الترحم على والديك وتحر لهما من أعمال الخير والبر أكثرها نفعاً وأرجاها قبولاً ، ومتى قمت لهما بهذا الواجب قام به لك ولدك"(38)

الولد سر أبيه
ما يكاد الولد أن يشتد ذراعه ، ويقوى على الذهاب والإياب ، إلا ويشركه والده فى عمله ومهنته الذي يمتهنها ، فنرى في مصر القديمة ظاهرة غريبة وهى توريث الأب المهنة أو الصنعة أو الوظيفة للابن مثلما يؤرث الملوك الحكم لأولادهم تماما ، فنرى الموظف يريد من ابنه أن يصبح موظفا وهو ما يكون وكذلك الكاهن والصانع وغيرة ، ومن المهن المنتشرة في مصر بما أنها بلد زراعية مهنة الفلاح ، ومشاهد جدران المقابر توضح لنا كيف كان الابن يشارك أباه في عمل الحقل اليومي ، فكان الأب يزرع ويحصد فى حين يرافقه الابن بعد أن يكون قد أطعم الحيوانات التى يربيها الفلاح فى منزله وينتقل بها الولد كل صباح إلى الحقل ، ويحضر لهم الطعام من البرسيم والنبات الأخرى ويسقيهم فى مواعيد منتظمة ، وهذا ما يقوم به ابن الفلاح إلى الآن فى مصر حتى وبعد انتشار التعليم فى قرى ونجوع مصر إلا أن الطفل فى الأجازات يساعد ولده إلى الآن ، وغلبا ما يرث مهنته حتى ولو تعلم ونال أكبر الشهادات فيظل مرتبطا بالأرض والزراعة كما كان صغيرا تماما ، اللهم إلا القليل من أبناء الفلاحين الآن ما يتركون تلك المهنة ويبيعون الأرض ،وذلك بسبب أن مهنة الفلاح مهنة شاقة ، حتى بعد ظهور الآلات الحديثة من محاريث وميكينات ري وغيرها مما يساعد الفلاح.

وكذلك الإناث فما ان يشتد ساعد الفتاة حتى تكلف بحمل أخيها الصغير - كما ذكرنا أنفا - وتقوم بأعمال المنزل من غسل وطبخ وغيرة من أمور المنزل اليومية والتى تعلمها الأم لبنتها كما تعلمته هى من أمها.

وأيضا كما ذكرنا فى فوائد العلم نجد أن الكتبة والموظفين يحسون أبنائهم على تعلم العلم لكى يتجنب تلك العمال الشاقة ، وهو فى الغالب ما يكون للولد فيصبح كاتبا مثل أبيه او موظفا بإحدى دواوين الحكومة.

كيف كانت تـُُحمل الأطفال
لقد كان الأطفال يلفون فى لفافات من الأقمشة منذ نعومة أظافرهم وتحملهم الأخوات الكبريات أو الأمهات وراء ظهورهن تارة وعلى صدورهن تارة آخري.(39) 

كيف كان يطبب الأطفال
تفاوتت وسائل تطبيب الأطفال فى الأسر الفرعونية باختلاف نوعية ظروفها واختلاف مستوياتها الحضارية ،فشاعت بين أهلها عقاقير طبية ، ووصفات شعبية ، وتمائم وأحبة سحرية ، فضلاً عن دعوات دينية ورقي متوارثة كانوا يتلونها على العقار والوصفة الشعبية والتميمة السحرية ، اعتقادا منهم بأن الدواء الذي يصنعه المخلوق لابد وأن يلتمس الناس نجاحه من الخالق.(40)

كيفية معرفة اللبن الصحي من غيرة
تعارف المشتغلون بالطب على وسائل تميز لبن الرضاعة الصحي من غيرة ، فاللبن الصحي رائحته تشبه رائحة مسحوق الخروب ، وللكن اللبن الفاسد تشبه رائحته رائحة خياشيم السمك "محيت".

طريقة لمعرفة إذا كان المولود سيشفى أم لا قبل علاجه !
وتعارفوا علي وسائل أخرى زعموا أنها تكشف عن مدي قابلية المولود السقيم للشفاء قبل علاجه ، ومنها أن تسحق الأم جزءاً من مشيمته وتخلطها بلبنها ، ثم تسقيه إياه ،فإن قاءوه تكهنت أنه ميئوس من شفائه ، ويستطيع الطبيب بدوره أن يتسمع صوت المولود السقيم ، فإن سمعه يردد ...ني...ني، رجح أنه سيعيش ، وغن سمعه يداوم الأنين أو سمعه يقول ...مبي ....مبي ، ورآه يطأطئ رأسه رجح أنه قصير الأجل ..(41)

بعض العقاقير التى وصفت للأطفال لعلاج الأمراض المختلفة
ابتدع الأطباء عقاقير لتنظيم تبول الطفل والتقليل من صراخه وعلاج ما يصيبه منمن النزلات المعوية والرمد والسعال ، ولا تزال بعض تلك العقاقير يستخدمها الريفيات إلى الآن مثل:
- الخشخاش: او قشوره يستخدم فى الأوساط الشعبية لتنويم الأطفال.
- الكروية وعسل النحل: كان يستخدم لعلاج السعال.
- سيقان البردي: تستخدم كعلاج النزلات المعوية.
- وحبوب "سبة": كان يوضع مع لبن أم وضعت ذكرا لعلاج النزلات المعوية.
- بردية قديمة مكتوبة فى الزيت الساخن توضع على بطن الطفل (حتى يتفاعل عليها نبات البردى وحبر الكتابة والزيت) وذلك لتنظيم بول الطفل . وربما نفعت للسعال إذا وضعت على الصدر .
- زهور نبات "نبيت": ينقع فى جعة طازجة ، ويسقي الطفل من منقوعها أو يعجن بذور "خنت" على هيئة أقراص يتناولها الطفل مع اللبن لمدرة 4 أيام إذا كان رضيعا ، أو مع الطعام إذا كان قد فارق الرضاعة تنظم له البول وشفى السعال.(42)
- النعناع : لعلاج حالات المغص وتهدئة الأطفال.
- قشر الرمان : لعلاج حالات الأسهل.
- الينسون : لعلاج حالات الإمساك.
- الحلبة : كمهدأ عام ومكمل غذائي للطفل.
وغيرها من النباتات الأخرى التى كانت تستخدم فى علاج الأطفال فى سن الرضاعة وتستخدم كمكمل غذائي أيضا.

التسنين، ولحم الفأر لعلاج مشاكله
أما أوجاع التسنين ، فقد أوصي بعضهم من عقاقيرها بعقار عجيب وهو لحم الفأر المسلوق ، ولكن قد يخفف من غرابته أن لحم الفأر ظل يستخدم كعلاج فعال لدى بعض الإغريق والرومان فى العصور القديمة وبعض المشارقة والمغاربة فى العصور الوسطى ، ويقال أنه كان يوصف فى بعض جهات ويلز بانجلترا إلى قبل أجيال قليلة لعلاج أوجاع التسنين أيضا وتقليل سيولة اللعاب وعلاج السعال عند الأطفال .(43)

الإيمان بحسد الأطفال والعلاج والرقية منه
لم تقتنع الأمهات بوقاية أطفالهن من الأمراض العضوية الظاهرة وحدها ، وأنما حرصن كذلك على وقايتهم من شرور الحسد وما توهمته من أذى الشياطين وعتاة الموتى ، واستخدمن لهذه الوقاية تعاويذ ورقى كثيرة ، مازالت بعض الأمهات يعوذن أطفالهن بأمثالها كلما جن الليل عليهم وبسط عليهم مخاوفه(44).

وضع الأطفال الإناث فى المجتمع والأسرة المصرية
سبق وأن شرحنا فى السطور السابقة وضع ومشاهد الملك أخناتون مع بناته وأسرته ، وليست مشاهد أخناتون فقط فكثيرا من مقابر الفرعنة ما توضح لنا مدى العلاقة بين البنت وأبيها وأمها ، من حب ومودة وعطف كبيرا جدا ، فلا يفرق الأب بين الولد والبنت من أولاده وأطفاله فالكل سواء فى المعاملة الحسنة والود والرحمة التى كان يعامل بها أبناءه.

وتشهد لنا أسما الفتيات المصريات أن أغلب أسرهن كانت تتقبل الأنثى بقبول حسن ، وترضى بها رضاً يقرب من رضاها بالذكر.

ولكن ما مدى صحة إيثار المولود الذكر عن الأنثى فى المجتمع المصري القديم ؟ وما مدى صحة هذا الكلام ؟
لا ننفى أن وضع المولود الذكر فى المجتمعات القديمة ظل أزكى من وضع الإناث ،وأن إيثار المولود الذكر نشأ عن عدة اعتبارات ، بعضها منطقي مقبول ، وبعضها مصطنع مفتعل ومن هذه الاعتبارات :(45)

- أن رب البنين كان أظهر بين قومه وأكرم على أهل حيه من رب البنات.

- أن أهل العشائر كانوا يتطلعون إلي الفتى ليكون دراءاً لعشيرته دون الفتاه.

- كان رب الأسرة أحوج إلى الولد ليشاركه خبراته واحتياجاته.

- يخلفه فى ثروته إن كان من أصحاب الثراء.

- وأن الولد يظل أكثر حفاظا على روابط الأسرة من الفتاة.

- الولد أكثر قدرة على أن يحمل اسم أسرته لمن يولد له من الأبناء.

- أن جريرة – بمعنى ذنب أو خطأ - الفتي إذا زل كانت أقرب للنسيان والغفران في رأى الأسرة ورأى المجتمع من جريرة الفتاة.

والسؤال أين كان يؤل الطفل فى حالة الطلاق وانفصال الزوجين ؟
فى حالة انفصال الوالدين ، لا تشير وثائق الطلاق أبداً إلي من هو كفيل الأطفال ، ويبدو أنها كانت مسئولية الأب كما يستدل من جميع الحالات التى نعرفها ، ولكن من المحتمل أن الوليد كان يظل لعدة أعوام فى حضانة أمه ، وليس هناك مبرر لإثارة المشاكل حول هذا الموضوع ، كما أن المسألة لم يترتب عليها مصاعب من أي نوع.(46)

التسلية والترفية والألعاب
الألعاب عن الطفل المصري
كان الطفل المصري مرفها في تلك الميزة وهى الألعاب وذلك لأن كل طبقة تصنع لأولادها من الطبيعة الألعاب من دمى الطين وغيرة ، إلي جانب الأثرياء والذين كانوا يشترون اللعب المتحركة للأطفال ، هذا إلى جانب الألعاب الجماعية التى لا تحتاج إلا للأطفال لتمتع بها وممارستها مثل اللعب بالكرة وغيرة. 
فلم تكن ألعاب أطفال المصريين القدماء مكلفة ، فقد كانت بسيطة لكنها ممتعة.(47) 
وسوف نقوم بسرد تلك الألعاب فيما يلي بالتفصيل من واقع النقوش والرسومات والألعاب التي وصلت إلينا من الحضارة الفرعونية:

العاب العرائس والدمى
فقد شاعت العرائس والدمى بين لعب الأطفال ، ومثلت أشكال إنسانية ، وأخرى حيوانية وثالثة جمعت بين الإنسان والحيوان.(48)
عروسة من القماش من العصر الرومانى –المتحف البريطانى
عروسة من القماش من العصر الرومانى –المتحف البريطانى

وقد صنعها أصحابها بما يناسب إمكانيات الأسر المختلفة فصنعوا العرائس من الخشب والطين والفاينس والفخار والعاج والحجر ، وصوروا على بعض العرائس صور القلائد ورسموها هندسية وحيوانية ، وزينوها بخصل من الشعر الطبيعي وشعور مستعارة من الخيوط المجدولة ، والصوف وحبات الطين المسلوكة فى خيوط على هيئة الخرز وميزوها بأذرع تتصل بأجسامها بوصلات خشبية صغيرة يستطيع الطفل أن يحركها ويتخيل الحياة فيها ... الخ.(49)
كلب متحرك من العاج من عصر امنحتب الثالث الاسرة 18 – متحف متروبوليتان
كلب متحرك من العاج من عصر امنحتب الثالث الاسرة 18 – متحف متروبوليتان

لعبة خـُطا الإوزة
وهى لعبة يجلس فيها صبيان متقابلان وقد وضع كل منهما إحدى قدميه الممدودتين فوق ألآخري ووضع كفيه فوقهما فى وضع قائم ، ثم بتتابع اللاعبون فى القفز ، ولقد ظهرت فى جدران مقبرة بتاح حتب ، ورأينا أحد المشاركين فى هذه اللعبة وقد وضع شريطاً على كتفيه ربما مكافأة للفائز فى اللعبة، كما تكرر المنظر فى مقابر "مروروكا" من الدولة القديمة.(50)
رياضة القفز أيضا فى الألعاب الراقصة

وظهرت رياضة القفز أيضا فى الألعاب الراقصة ،الأكروبات كما مثُل فى مقبرت ست وزجة انتف أكر من الأسرة 12 ، وظهرت فى مقبرة باكت الثالث منظر يوضح القفز العالى بشكل متسلسل.(51)

العاب الطين
كان من أحب وسائل التسلية إلي نفوس الأطفال صنع لعب من الطين على هيئات مختلفة ، وهم يمرحون ويلعبون على جوانب الترع والقنوات القريبة من قراهم الريفية ، كما يفعل اليوم أبناء القبائل الأفريقية ، وكانوا يحملون أحسن ما يصنعونه من اللعب إلى بيوتهم للتسلية بها أثناء وجودهم فيه.(52)

وهو ما يحدث إلى الآن-فى رأى الخاص- فى قري ونجوع صعيد مصر ودلتاه ، فلا زال الأطفال يلعبون بنفس الألعاب الطينية المصنوعة بأناملهم الصغيرة ، من مخيلتهم التى ورثت الفن والنحت من أجدادهم الفراعنة بدون أن يشعروا.
عروسة فخارية من عصر الانتقال 3
عروسة فخارية من عصر الانتقال 3

لعبة الحمار
وهى لعبة تمثل طفلاً يزحف بيديه وركبتيه يحمل فوق ظهره طفلاً أو طفلين وهى من الألعاب الطريفة جداً التى تبعث المرح فى قلوب الأطفال ، وقد ظهرت هذه اللعبة فى مقبرة بتاح حتب بسقارة الأسرة الخامسة.(53) 
وكثيرا ما يلعب الآباء مع الأبناء تلك اللعبة فى المنازل ، وكذلك الأخ أو الأخت الكبيرة مع الأصغر.

لعبة النحلة
كان الأطفال المصريين يلعبون بالدوارة "النحلة"(54) 
وهذه اللعب لا تزال عندنا فى الصعيد إلى الآن ،وهى عبارة عن حجر بيضاوي الشكل غالبا ما يكون من الحجر الجيري يقوم الفتيان بضربة بعصا مربوط فيها خيط أو حبل فتدور تلك النحلة أو الحجر فى شكل دوائر وغالبا ما تعلب على ارض مسطحة جافة وقاسية حتى تسهل عملية دوران الحجر ، وتسمى عندنا فى الصعيد باسم لعبة أبو "علقة" ، وظهر لها الآن شكل جديد وهو النحلة التى تدور بمجرد تحريكها بالأصابع ولكن مصنوع من البلاستك.

لعبة أخفاء الوجه أو "لعبة صلح"
وتتمثل فى أن يجلس أحد الأطفال ويخفي وجهه فى حجر زميله ، ويتناوب زملاؤه ضربه ، وعليه أن يعرف من ضاربه ، فإذا عرف جلس الضارب مكانه لتكرار اللعبة من جديد ، وهى أشبة بلعبة التخمين التى يمارسها الأطفال حتى يومنا هذا(55) 
وهى اللعبة المعروفة حاليا فى بر مصر كله باسم لعب "صلح " وهى من الألعاب التى يمارسها الأطفال والشباب حتى يومنا هذا ، وتبعث السرور والضحك فى قلوب لعبيها.
مشهد للألعاب الرياضية من مقابر بنى حسن بالمنيا
مشهد للألعاب الرياضية من مقابر بنى حسن بالمنيا

اللعب بالكرة وحكاية" الكورة الشراب"
كان هناك العديد من أشكال الكرات عن أطفال المصريين القدماء . 
منها كرات الجلد ، وكرات الخشب ، وأخرى من الجوارب القديمة المحشوة ،ولقد كانت تلك اللعب يستخدمها الأطفال المصريين فى ألعابهم غلي عهد قريب.(56)

وأشهر تلك الكرات على الإطلاق الأخيرة،المصنوعة من الجوارب وتسمى" الكورة الشراب " وهى عبارة عن جراب أو شراب قديم -كما يطلق عليه المصريين- محشو باللفائف من الإسفنج أو القماش القديم ، وهذه هى عبقرية الطفل المصري الفقير الذي لا يستطيع أن يتحمل والده نفقة شراء لعبة جديدة أو كوره مصنوعة من الجلد ، وعلى تلك الكرات ظهر فى مصر أشهر وأحرف اللاعبين ، وبتلك الكرة المصنوعة من الجوارب القديمة نثبت للعالم أجمع أن الطفل المصري ، والمصريين القدماء قد لعبوا كرة القدم قبل البرازيل بخمسة ألاف عام تقريبا ، وأن لم يكن أكثر.

ومن العاب الكرة للفتيات
نصبة الفتيات أو" صيادين السمك"
وهى من الألعاب المحببة لدي الأطفال خاصة الفتيات ، ولها عدة طرق منها البسيط الذى تقف فيه خمس فتيات فى صف ينظرن إلي السادسة التى تمسك الكرة بيدها.

وطريقة أخري تعتلى فيهما بنتان ظهري زميلتهما ثم تتفادي الراكبتان بثلاث كرات صغيرة فى حركة سريعة متلاحقة ، وإذا فشلت أحداهما فى التقاط الكرة تنزل عن ظهر صاحبتها لتعتليها هى.(57) 
وتلك اللعبة تشبة لعبة "صيد السمك " أو صيادين السمك التى يلعبها الفتيان والفتيات فى مصر الحديثة إلي الآن مع بعض التعديلات البسيطة.

ومنها لعبة يقمن فيها بربط كرة فى نهاي ضفائرهن ويمددن أذرعهن إما للإمساك بمرآة أو بأحدي العصى المنقوشة ، وكن يقفزن ويتمايلن وأقرانهن يلتففن حولهن على هيئة دائرة يغنين ويصفقن بالأيدي.(58)
اللعاب إيقاعية من سقارة
اللعاب إيقاعية من سقارة

أو يلعب بعضهن بعدة كرات فى وقت لاحق أو يلعب البعض الأخر بكرتين مع ثني الأذرع بشكل متقاطع ، وفريق ثالث يقفن على رجل واحدة أو يقفزن فى الهواء أو يركبن ظهور بعضهن البعض وهن ممسكات الكرة.(59)

ومن أجمل مناظر العاب الكرة منظر منظر من مقبرة خيتى ببنى حسن يمثل أربع بنات ، واحدة تجلس على الأخرى لتحاول أن تتلقى الكرة وإذا سقطت منها تقف وتجلس الأخرى عليها ، ونرى فى المنظر الفتيات يرتدين العقود والأساور والضفائر الدالة على حداثة سنهن ،وإبداع الفنان فى تصويرها مما يشير إلي أنها كانت تبعث السعادة فى روح المتوفى.(60)

وكانت الكرة تصنع من مواد متعددة مثل ألياف النخيل –البردى- الجلد ، وقد عثر على عدد كبير من هذه الكرات مصنوعة من الجلد فى طيبة ترجع إلى الأسرة 11 وهى موجودة الآن بالمتحف المصرى.(61)

وهناك ألعاب أخرى عديدة مرسومة فى جداريات مختلفة منها
لعبة يجلس فيها الأطفال على الأرض ظهراً لظهر وقد تشابكت أذرعهما ويحاول كل منهما أن ينهض بالآخر دون الاستعانة بذراعية.(62)

وهى لعبة حمولة الجمل حاليا وهى من الألعاب المنتشرة عندنا فى صعيد مصر إلى الآن مع اختلاف المسميات من منطقة إلى أخرى.

هذا إلى جانب اللعاب الذهنية مثل لعبة الضامة والشطرنج الفرعونى وغيرة من الألعاب التى كانت تعتمد على التفكير فى اللعب ، وكذلك اللعاب النرد وغيرها من تلك الألعاب المسلية ، ومقبرة توت عنخ آمون كان بها نماذج كثيرة من تلك الألعاب ، وكذلك أيضا وجدت فى مقابر الأطفال مجموعة كبيرة من تلك الألعاب.
مجموعة من الألعاب المصرية القديمة
مجموعة من الألعاب المصرية القديمة

الفصل الثالث
1- التعليم 
2- حظ الأطفال من التعليم فى مصر القديمة
3- بؤس غير المتعلمين
4- ترغيب الأطفال فى العلم
5- العلم والوظائف الحكومية
6- أهداف التربية والتعليم فى مصر القديمة 
7- اللواح الكتابة
8- أول حضانة فى التاريخ 100% مصرية
9- الطرق التى أتبعها المعلمين فى تعليم الأطفال
10- المعلمين
11- الملوك وحرصهم على تعليم أولادهم العلوم المختلفة
12- الفروسية والقتال عند أطفال الأمراء والملوك
13- الملابس
14- تحديد النسل

الأطفال و التعليم
التعليم هو مقياس تقدم أى أمة ، وهو مواشر على تحضر الأمة ورقيها فى التعاملات وغيرة من الأمور الأخرى ، إلى جانب أن التعليم يعم بالخير على البلد ،والتعليم هو هدف كل أب لابنه ، وهدف كل دولة لأطفالها وراعيها ، وتنفق عليه الدول الأموال الطائلة وذلك لتطويره والرقى به ،حتى يخرج لنا علماء على قدر التطور الحاصل فى البلاد وقتها.

حظ الأطفال من التعليم فى مصر القديمة
لم يكن التعليم من الأمور الميسورة فى مصر الفرعونية ، ولم يكن الطريق إلي المدرسة معبداً دائما ، غير أن الميل إليه والرغبة فيه كانتاً غالباً شائعة بين كثيرين ، فهم كانوا يشهدون ما يجني المتعلمون من ثمار التعليم ، وهم كانوا يكرهون الجهل ويفرون منه ، بل كانوا يعدونه قذرا لابد أن يزال بالتعليم ،كما تغسل القذارة بالماء(63).

سن التعليم
كان الطفل في مصر الفرعونية يبدأ حياته المدرسية فى سن مبكرة ، كما هو الحال الآن فى مصر ، ولا يمكن أن يكون لهذا النوع من الحياة المدرسية آنذاك أثر فعال فى نشأة التلميذ لأنها لم تكن تؤهله إلي استيعاب موضوعات دراسية عميقة ، إذ كان هذا النوع من التعليم مجرد مران رتيب للذاكرة ،كما هو الآن ، دون محاولة لفهم المعاني وإدراكها ، ولقد كانت بعض المدارس تلحق بدواوين الحكومة المختلفة لإعداد طائفة من الموظفين للنهوض بالأعمال الحكومية.(64)

أهمية العلم
البراهين على تقدير المصريين للعلم وأهله ، ونفورهم من الجهل والجهلاء كثيرة ، لا يكاد يحصيها العد ، فمن ذلك يقال للصبي: لا تكن بغير لب كمن لم يتعلم ، أو قولهم :أن الأحمق من عدم العلم ، ومن لم يعلمه أبوه كان تمثالاً من حجر(65).

بؤس غير المتعلمين والجهلة وقيمة العلم فى الأدب المصرى القديم
لدينا كتاب من عصر الدولة الوسطى يحتوى على نصائح والد لولده ، وقد نقلته مدارس "الكتبة" وهو كتاب النصائح التى وجهها (خيتى بن دواوف) لابنه (بيبي) وهذه التعاليم تصف لنا بصورة عنيفة البؤس والشقاء الذى كان يعانيه كل فرد لا يحترف الكتابة "أي غير متعلم" ،إذ كان الموظف المتعلم يعتبر مسيطرا على الناس ، وكان يغبطه على عمله كل أصحاب الحرف الأخرى.(66)

ترغيب الأطفال فى العلم
نجد أن أول ما يلقى "خيتى" على ابنه من النصائح هو أن يرسم له صورة قبيحة للجاهل ، ثم يغريه بأن يحب العلم أكثر من حبه لأمه ، ويقول أنه عاجز عن تصوير جماله، ثم يشير إليه أن صناعة الكتابة تفوق كل الحروف ، وأنه لو تعلمها هنأه القوم على ذلك فيقول: "
لقد رأيت من ضرب ، فعليك أن توجه قلبك لقراءة الكتب، ولقد شاهدت من أعتق من الأشغال الشاقة ، تأمل : لا شئ يفوق الكتب"(67)

العلم يؤهل الطفل للوظائف الحكومية
وقد كانت الوظائف الكتابية هي أحسن وسيلة يضمن بها الشاب المصرى القديم تحقيق مستقبل مشرق ،لأنه يضمن له الالتحاق بالسلك الإداري البيروقراطي والترقي فى كوادره ، وكان هذا مطمع كثيرا من الشباب لتحقيق كثيراً من المزايا التي لم يكن غيرهم من الشباب العادي ينعم بها ، وكانت الكتابة مهنة مهمة لا تقتصر على النسخ والتسجيل ، ولكنها أشبه ما تكون بأعمال السكرتارية في العصر الحديث ،فكان كبار الموظفين أنفسهم يفخرون بلقب كاتب ،فالكاتب فى ذلك الزمان كان يتمتع بالاحترام الشديد.(68)

وعندما يتأهل الشاب ويصبح كاتباً مبتدئا تكون الدنيا قد ابتسمت له كما تقول "التعاليم" ، ومعظم المزايا المذكورة تعزى إلى تجنب المهام الشاقة البغيضة والأعمال غير المحببة للنفس.(69)

أهداف التربية والتعليم
تركزت أهداف التربية فى مصر القديمة فى ثلاث أهداف :
- إعداد الموظفين اللازمين للجهاز الحكومي.
- الإعداد للحياة الأخرى.
- الاستقامة الخلقية فى الدنيا.(70)

الألواح الخاصة بالكتابة
تلك الألواح الخشبية أو الفخارية والتى كان يطلق عليها مشايخ ومعلمين وتلاميذ الكتاتيب فى مصر فى القرن المنصرم والقرون التى سبقته اسم "لوح الإردواز".

لقد كانت ألواح الفخار أداة استعملها التلميذ المصري للمران على الكتابة ، وما لبث أن أستعمل لهذا الغرض تلك الألواح الفخارية بعد طلاءها بطبقة من الجص لمنع تسرب الحبر إلى مسامها ،كما ساعد طلاءها على سهولة مسح الكتابة لاستعمالها مرة أخر(71).
لوحة لتعليم الكتابة للصغار
لوحة لتعليم الكتابة للصغار

أول حضانة وروضة أطفال فى التاريخ مصرية 100%
لقد كان أطفال الطبقات الراقية يذهبون إلي مدرسة الحضانة التى كانت ملحقة بالقصر الملكي، حيث كانوا يختلطون فيها بأبناء سيدات القصر وبالرهائن من أبناء أمراء سوريا !، وكان يشرف على تربيتهم هيئة كبيرة العدد من الوصيفات.(72)

وهنا نلاحظ مدى أهتمان المصرى القديم بالأسير وكيفية معاملة الأطفال الأسرى كما لو كانوا فى قصورهم الملكية فى بلادهم.

ويمكن اعتبار مدرسة آنى أشبة بروضة الأطفال، ولكن كان عليه البدء بتعليم التعامل مع الكلمة المكتوبة أي القراءة ، ولكن الحقيقة أن الدراسة الجادة كانت لا تبدأ في هذا السن المبكر كما فعل آني ففي المنوعات عند الكلام عن التدريب والخبرات نجد ان التلاميذ او الطلبة كانت أعمارهم تتراوح ما بين 13و19عام عند بدء التدريب الجاد المستفيض ،علي أيدي مدرسين قساة عتاة.(73)

ولقد كانت تنشئة الأبناء فى القصور الملكية موضع فخر واعتزاز من جانب النبلاء ، وقد كانوا يشيرون إليها عند تدوين تاريخ حياتهم ، فيقولون أنهم كانوا ممن أشرفوا على تربية أبناء الملك.(74)

الطرق التي اتبعها المعلمين مع الأطفال :
1- طريقة النسخ المباشر 
2- طريقة الإملاء 
3- الكتابة من الذاكرة 
4- الوعظ والإرشاد ، وعرف عن المصريين كيف يعظون ويرشدون إيمانا منهم بأن ذلك من وسائل الإصلاح والتقويم .
5- الترغيب والترهيب 

ومن أساليب الترغيب والترهيب :
1- الضرب ، فواضح من ما اجتمع لنا من تراث وخاصة أيام الدولة الحديثة –أن الضرب – كان من أوائل وسائل التربية على تويم السلوك ، ومن ذلك قول احد المربيين لتلميذه: 
"لأعلمن قدميك كيف تزرعان الطرق والمسالك عندما تلتهبان بسوط من جلد فرس النهر ، وإياك أن تضيع يوما من حياتك ، وإلا أوجعتك بالضرب"(75)

2- الحبس ، من ذلك ما تحدث به أحد المربين مخاطبا تلميذه فيقول: 
"لما كنت فى مثل سنك قضيت فى الحبس ثلاثة أشهر أقمتها جميعا بين جدران المعبد ، ولم أهرب من محبسى هذا إلا بعد أن مهرت يدي فى الكتابة"(76)

3- الإغراء ، لم يفُت المربين من قبل ومن بعد ، أن يغروا تلاميذهم بمستقبل باهر إن هم حرصوا على اغتنام شبابهم للاستفادة من الدرس والتحصيل ، ومن ذلك قوله: 
"سطر بيديك ، واتل بفمك وأفعل ما أمرك به ، ستجد التعليم أغنى وأقتى من حياة غنية بالخبز والجعة ، اقبل على الدرس واهجر الرقص لتكون موظفا يقظا ..."(77).

وطالما تحدثنا عن العلم والتعليم فى مصر القديمة لابد أن نتكلم عن المعلمين ودورهم الفاعل فى تربية الأطفال وتعليمهم فى اختصار.

المعلم
بطبيعة الحال لا نستطيع الزعم بوجود طائفة من المتعلمين المتخصصين المتفرغين الذين تعينهم الدولة للقيام بمهمة التعليم فى مثل هذه الحقبة المبكرة من التاريخ، ذلك لأن تلك المهمة كانت تتم فى أغلب الأحيان علي أيدي موظفي الدولة فى المجالات المختلفة بالإضافة إلي عملهم الأصلي فى دواوين الحكومة ونفس الشئ يمكن قوله بالنسبة لرجال الدين فى المعابد وللضباط فى الجيش(78).
الكاتب الجالس من عصر الدولة القديمة من الحجر الجيرى-المتحف المصرى
الكاتب الجالس من عصر الدولة القديمة من الحجر الجيرى-المتحف المصرى

الملوك يحرصون على تعليم أطفالهم العلوم المختلفة
حرص عدد غير قليل من ملوك مصر على اختصاص أبنائهم المقربين إليهم من أبناء الخاصة والمتعلمين بالبلاط بتعليم يناسب مواقعهم السياسية ومراكزهم الاجتماعية ، وقد أستدل المؤرخون على ذلك من بعض الآثار الخاصة بين هؤلاء الذين أتيحت لهم فرصة هذه النوعية من التعليم ، وفى مقدمتهم شبسبتاح الذي عاصر اثنين من أواخر ملوك الأسرة الرابعة وأربعة من ملوك الأسرة الخامسة ،ومما ذكره يمكن استنتاج ما يلى :

1- أن قصور الفراعنة كانت تهتم منذ النصف الثاني من الأسرة الرابعة على الأقل بتنشئة أبناء الخاصة فيها مع الأمراء.

2- لم يكن أبناء ملك وحدهم هم الذين يختصون بتربية القصور.

3- كان هناك جناح خاص فى القصر يستخدم لتربية الأمراء ومن ينضم غليهم من أبناء المقربين والخاصة.

4- يبعد أن يكون التعليم الديني هو كل ما كان يتعهد القصر به تلاميذه الذين كان منهم أبناء الملك نفسه.(79)

مراحل التعليم فى مصر القديمة
تتكون مراحل التعليم فى مصر القديمة من ثلاث مراحل أساسية هى المرحلة الأولى ومرحلة التعليم المتوسط والمرحلة الثالثة ، وسوف نتناول كل مرحلة على حدا فيما يلى :
المرحلة الأولى:
كانت هذه المرحلة التى ينبغى أن يتعلم الصبى فيها مبادئ القراءة والكتابة ، فإذا ما أنتهى من ذلك ، زودته بلون من الثقافة وقسط من المعرفة ، وكان ذلك كله يتم طور الصبا وفى دار للتعليم يسمونها قاعة الدرس ،يتهجى فيها الصبي مفردات اللغة ، ويتمرن على نسخها ورسمها ، كما يتعلم بعض مبادئ اللغة وقواعدها ، وما كان يومئذ ضروريا من مبادئ المعرفة العامة ، ومن ذلك العدد والحساب وبعض أصول الدين ، كل ذلك علي نحو يشابه ما كان يتعلمه الصبية فى الكتاتيب بقرى مصر ومدائنها حتى عهد قريب.(80)

المرحلة المتوسطة:
تعد هذه المرحلة فى الواقع امتدادا للمرحلة الأولى ، ذلك لأن الغرض منها هو التوسع في التعليم عامة أو الحظوة بلون من التخصص ، ويبدوا أن نظامها كان يسمح للتلميذ أن يجمع ما ينبغي لهم من ألوان الدراسة النظرية والعملية.

وكانت إدارات الحكومة ودواوينها هى ما تتكلف بتنظيم الدراسة فى هذه المرحلة ، وكان الغرض من ذلك أن يتاح للتلاميذ الذين أتموا تعليمهم فى المرحلة الأولى أن يتدربوا تدريبا مهنيا خاصا ،ينالونه على يد طائفة من قدماء الموظفين.(81)

وكان التلاميذ فى تلك المرحلة يجيدون الكتابة ويحسنون النسخ ، ويحظون بمزيد من المعرفة ،ويستطيعون فى نفس الوقت أن يلموا ببعض أسرار الوظائف الحكومية ومقتضياتها.(82)

المرحلة الثالثة:
نستطيع أن نقول أن المرحلة الثالثة من التعليم عند قدماء المصريين هى مرحلة الاستزادة من الدرس والتحصيل ، وتعمقه والتوسع فيه أو نستطيع أن نقول -فى كثير من الحرص والتحفظ- أنها تقابل ما نسميه فى أيامنا بالدراسات العليا من جامعية ومعهديه ومراكز مختلفة للبحوث .(83) 
وقد كان مكانها عند آل فرعون يدعي "دار الحياة " وكانت من ملحقات دور العبادة(84).

أطفال الملوك والأمراء والأثرياء وتعليمهم الفروسية وفنون الحياة والوجهة الاجتماعية
إلى جانب ما كان يتعلمه أطفال الملوك من أمور الكتابة والقراءة وأمور الدين والعقيدة ، كانت الأم تعهد إلى أحد المدربين الأقوياء وغالبا ما يكون من ضباط الجيش لتدريب الأبناء على فنون القتال وخطط الحروب وتكنيك المعارك الحربية وغيرة من الأمور المتعلقة بالحرب من تدريب على السيف والنبلة والحربة وركوب الخيل والعجلات الحربية ، وخاصة أن كان الطفل هو ولى العهد ، لأنه من المعروف فى العصور الفرعونية المختلفة أن الملك هو من كان يقود الجيش ويكون على رأس جنوده وإليه ينسب النصر والهزيمة.

هذا إلى جانب تعليم الأطفال فنون الحياة والكلام والمائدة وما يتبعها من أتيكيت ومظاهر اجتماعية لابد أن تكون فى بيوت الأثرياء والملوك.

وكانت البنات الصغيرات تعهد الأم بهم- أن لم تفعل هى- إلى من تدربهم على الزينة واللبس والتطيب واختيار الملابس لكل وقت وكذلك الحلي وآداب الكلام والطعام والحديث فى وجد الكبير وفى حضور الملوك أو الحكام.

الملابس
كان شأن الأطفال فى ملابسهم وزينهم تماما مثل شأن الكبار ، وما أظهرته لنا نقوش وتماثيل العهود الفرعونية التى وصلت إلينا بأن الأطفال كانوا عراة حفاه لم يكن صحيح ، وكان الغرض من أظهار الأولاد بهذا الشأن فى النقوش والتماثيل الفرعونية هو تمييز نوع الطفل ذكر أم أنثى ،وذلك لان الأطفال من الجنسين فى ذلك السن يكونوا متشابهين من نعومة وليونة الجسم وشكل الوجهة ، فأراد الفنان بهذا الشكل أن يظهر الأطفال فى شكلهم البرئ واضعا سبابته اليمنى فى فمه.

وقد اختفت هذه الظاهرة أو قلة منذ عهد الدولة الوسطى وبدأ يظهر الأطفال فى ملابس تشبه إلى حد كبير ملابس الآباء والأمهات.
نموذج لتمثال من الأسرة 5 يوضح الأطفال عراه
نموذج لتمثال من الأسرة 5 يوضح الأطفال عراه

وقد كان اللون الأبيض هو اللون المفضل عند المصريين وذلك لعكس حرارة الشمس التى تكون مشرقة فى معظم أيام السنة على أرض مصر ، وكذلك الملابس المصنوعة من الكتان المصري والذى كان يصدر إلى ممالك العالم القديم أجمع ولا يلبسه إلا الأغنياء فى تلك الممالك ، كان الكتان هو لباس الطفل المصري ، مع الملابس الصوفية أيضا فى الشتاء.
نموذج لتمثال من الدولة الحديثة يظهر الاطفال بملابسهم

تحديد النسل ووسائل منع الحمل عند الفراعنة
على الرغم من ذلك كله –لم يكن هناك ما يمنع الأم من أن تتجنب الحمل إذا ضعفت عنه ، او تخوفت العجز معه عن تربية صغارها إذا تعاقب الواحد منهم تلو الآخر ، ولهذا اهتم الأطباء بإيجاد وسائل معينة تؤدى إلى "منع الحمل عاماً أو أثنين أو ثلاث أعوام " على حد قول نصر مصري قديم(85)

الخاتمة
يتضح مما سبق الإشارة إليه أن الطفولة فى نظر المجتمع المصري القديم كانت بلا شك المرحلة الصالحة للتعليم والتلقين إذ تترسم خلالها فى ذهنه وأحاسيسه المبادئ والقيم التى يجب أن يتمسك بها وتلك التى يجب أن يعرض عنها.(86)

وعلى ذلك فيمكن القول بأن الإنسان المصري القديم لم ينس أن يتفهم الدعائم الأساسية فى تنشئة أطفاله وأن يركز على الاهتمام بمراحل الطفولة المبكرة التى يتكيف فيها الطفل بالبيئة والمجتمع تكيفاً قوياً يستمر أثره طوال حياته.(87)

الهوامش
يوجد بالبحث 87 هامش .. ونظراً لطول البحث فيرجى من القارئ المهتم بمصدر المعلومة ذكر رقم الهامش فى التعليق ليجيبه الباحث الأثرى الأستاذ/ محمود مندراوى (الآثارى الفصيح) عن المرجع الخاص بها.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016