حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

(بحث كامل بالصور) تحوت المعبود الفيلسوف ورب الأشمونين

بقلم الأثرى الفصيح محمود محمد مندراوى 
مفتش آثار مصر الوسطى 

مقدمة :
تحوت "سيد السماء "والغامض و"المجلل بالأسرار" والصامت و"رمز الحكمة والوقار" وأسماء عديدة لقب بها هذا المعبود المثقف الفيلسوف ، فهو أو من خط بالقلم ، ولذلك ادعى بعض العلماء انه سيدنا إدريس عليه السلام، تحوت رب الأشمونين وذائع الصيت في المملكة المصرية القديمة رب الحكمة والقمر ورب طبقة المثقفين من الكتاب المهرة رب كل متعلم ومثقف المعبود الوحيد الذي يجيد القراءة والكتابة.

وعلى الرغم من كل هذا فقد كان من الصفوف الثانية فى الأهمية بالنسبة للإلهة، بالرغم من أهميته في عالم الموتى وفى قصص التخاصم بين المعبودات كما سيأتي الذكر لاحقا ، إلا انه لم يشتهر مثل رع وآمون مثلا بل ظل طول المملكة المصرية في الصف الثاني، وأيضا في حديث الكتاب وعلماء الآثار حديثا عن المعبودات يظل ذكر تحوت – على الرغم من أهميته – قليلة جدا لا تتعدى بعض الصفحات في كتب ومؤلفات كبيرة وكثيرة جدا..

وفى بحثنا هذا تناولت بعض النقاط الهامة من حياة المعبود تحوت مثل مناطق عبادته ومن أين كان خروجه الأول ن وكذلك معنى اسم تحوت والألقاب والأسماء التى أطلقت عليه، ومدينته الرئيسية ومركز عبادته- الأشمونين – وكذلك علاقته بالقمر وعلاقته بالعالم الآخر عالم الموتى ودورة فى إنقاذ الميت ن وكذلك زوجته التى لم يتعرض لها كثيرا من علماء الآثار، وكذلك صفاته وإشكاله التى ظهر بها على المعابد والمقابر المصرية القديمة ، وكذلك علاقته بالكتاب والسحر وبيوت الحياة ، وكيف كانت نظرت الإغريق له وكيف قدسوه، كل هذا سنراه فى السطور القادمة التى أتمنى أن تنال رضاكم.

نشأة تحوت :
وضح من تسابيح "رع " فى كتاب الموتى ومن الأعمال الجنائزية الأخرى لقدماء المصريين أن الإلهين تحوت وماعت كان يقفان على جانبى الإله العظيم فى قاربه، وان المصريين كانوا يعتقدون – بجلاء - أن لهما دورا هاماً فى توجيه مسار هذا القارب.(1)
المعبود تحوت يحمل إناء فخار يحاول أن يشرب

هذان الإلهان كانا مع رع عندما انبثق من أعماق نون وبالتالي فنشأتهما لابد وأن تكون قد تزامنت مع وجوده الشخصي .(2)

ومع هذا ، فقد ذهب التصور إلي أن تحوت كان في البداية غريبا عن هرموبوليس ،التي كانت تعبد في القدم إلها يدعي "حجور" وكان حيوانه المقدس قردا، إن هذا ليس إلا مجرد افتراض ، ولقد كانت تعرف آلهة قديمة اتخذت أماكنها فى الجهات المجاورة وليس بالحري فى هرمو بوليس عينها ، وعلى الأخص إلهة – أرنبة أو ثعبان هى "اونوت" ، ومن الناحية التاريخية فقد ساد تحوت في الأشمونين من أقدم عهد فى طاقتنا أن نراجع إليه حتى لو أن موطنة الأصلي كان غرب الدلتا ، وقد أوقفت عليه كثرا من الحيوانات مثل أبو منجل "أبيس" والقرد.(3)

ويقول الدكتور سليم حسن فى موسوعته مصر القديمة الجزء الأول ص194:
هناك آلهة كثيرة يرجع منشؤها إلى بلاد الدلتا ، وقد لعبت دورا هاما فى تاريخ ديانة القوم فمنها الإله تحوت "هرمس" وكان مقر عبادته بلد هرمو بوليس "بحدت" عاصمة المقاطعة الثالثة وهى دمنهور حاليا 
ويرى الأستاذ "إدورد مير" أن هناك مقاطعتين باسم هرموبوليس ن واحده منهما فى الشمال الغربي والثانية فى الشمال الشرقي من الدلتا. 
ويعتبر الأستاذ "زيته" أن الأولي هي المقاطعة الخامسة عشرة أم الثانية فهى المقاطعة الثالثة ومقرها" بحدت "دمنهور حاليا.

ومن الواضح أن تحوت إله القمر وراعى العلوم كان يعبد منذ الأسرة الأولى، فقد وجد قرد "جينوسيفاليوس "وهو احد حيواناته المقدسة إلى جانب طائر أبيس على اثرين من عهد "أوديمو"كما يظهر لواؤه أيضا على لوحات العصر السابق للأسرات ، وعثر على هيكل له يرجع ولا شك إلى عصر الملك نعرمر.(4)

مركز وأماكن عبادته :
حصل هذا المعبود "تحوت" على لقب" سيد خيمنو " نسبة إلى الأشمونين الحديثة والتى أصبحت منذئذ وحتى العصر المتأخر فى التاريخ المصري أعظم مراكز عقيدته أهمية.(5) 
وقد وصل إلينا نص من العصر المتأخر ذكر فيه المعبود تحوت ومكان عبادته وبعضا من أوصافه وسماته فنجد مكتوبا فيه :

"إله خيمنو خالق نفسه الإله الذي لم يهبه ميلاده أحد " 
وأنه 
"هو الذي يحسب فى السماء والذي يعد النجوم والذي يقيس الأرض ويحصى كل ما عليها "وأن" قلب رع قد انبثق من الإله تحوت "

فمركز عبادة المعبود تحوت يرجع إلى مدينة خيمنو تلك المدينة التى يسميها اليونانيين هيرموبوليس والعرب أشمون.(6)
ومدينة خيمنو أو هرموبوليس المقر لعبادته مدينة مشهورة فى الأساطير المصرية على أساس أنها المدينة التي بها "الأرض المرتفعة " وتحوت هو رئيس مجمع آلهتها الذى يتكون من ثمانية آلهة هى "نو ونوت" و"حيحو وحيحت" و"كيك وكيكيت" و"كيره وكيرهيت "أو" ناو ونايت "بمعنى أربعة أزواج من الآلهة كل زوج منها يتكون من إله وربة.(7)
كما انتشرت عبادته فى كلا من :
ألقابه وأسماؤه :
قبل الدخول فى أسماء وألقاب تحوت لابد لنا ان نعرف معنى كلمة تحوت فى المصرية القديمة وما يرمز له الاسم.

معنى اسم تحوت :
اسم تحوت يبدو أنه أخذ من الاسم القديم المفترض لأبى قردان فى مصر أي "تيحو" بعد إضافة "تي" لع على أساس أنه ملك يدعى تيحوتى "تحوت" امتلك خصائص وقدرات أبو قردان.(8)

وهناك اشتقاق آخر للاسم يبدو أنه كان المفضل لدى المصريين يربطه بكلمة "تخ" بمعنى وزن وجدناه فى جملة اقتبسها "لانزون" حيث كان يدعى الإله فيها "تخ" والعلامة المناظرة لتيخ "وزن" هى القلب.

كذلك تعانى الكلمة طائرا وهو معنى قريب جدا من أبي قردان الطائر المقدس الممثل لتحوت والذي في رأي بعض الكتاب القدامى أن يرتبط بالقلب،" فهو " أبوللو" يقول أن المصريين عندما كانوا يرغبون فى كتابة قلب كانوا يرسمون أبو قردان لان الطائر يعبر عن هيرميز أي تحوت رب المعلومات والفهم.(9)

وفيما يخص الشكل الأخر لتحوت "القرد"على ما يبدو أن القراءة لاسم القرد المقدس غير مؤكدة ، وان كان اسمه بعد ذلك " هدج –ور" بمعنى "الأبيض العظيم " أو "انصع العظماء بياضا".(10)

أسماؤه:
تعددت السماء والألقاب التى أطلقت على المعبود تحوت منها ما يرتبط بالمدن ومنها ما يرتبط بصفاته وقدراته الخاصة التى كان يتميز بها عن باقى المعبودات المصرية القديمة وهى كالتالي :

- تحوت او "توت"
- من الأسماء التى أطلقت على تحوت رب كل من خنمو و واستين وخينتى ومحي.(11)
- رب العدالة ماعت
- رب خنمو 
- قاضى الإلهين المتحاربين حورس وست 
- جحوتى 
- العظيم مرتين
- العظيم ثلاث 
صورة مزدوجة لتحوت فى شكل الطائر والشكل الحيوانى "تحوت وجحوتى"

- أطلق علي تحوت "سيد السماء "والغامض و"المجلل بالأسرار" والصامت و"رمز الحكمة والوقار" كما نعت "جمال الليل".

- أحد الألقاب الهامة التى أطلقت على تحوت هى قاضى" الريحيحيو" صانع السلام بين الآلهة الذى يسكن أننو "هيرموبوليس" الإله العظيم فى معبد ابتيتى.(12)

- أطلق عليه أيضا" المهيب العظيم " فى العصور الأكثر تأخرا.

- ومن ألقاب تحوت العارف والمتمرس فى المعرفة تعكس جوهره كمطلع على عالم السحر وقواه الغامضة فهو سيد السحر والعظيم فى السحر وأيضا مخترع الكتابة وواضع القوانين والناموس التقليدي الذي تنطوي عليه الكتب المقدسة.(13)

- أطلق عليه فى العصر الروماني طائفة من الصور التي لا يمكن بينها فقالوا عنه : قلب رع ولسان تاتنن وحنجرة ذاك الذي اسمه الخفي وهو يعنى انه تصور العالم كما تصوره رع واستدعاه للوجود بالكلمة كما استدعاه بتاح وبالنظام المحدد كآمون وقد اخذ بتعاون بوصفة الحاسب الدقيق مع ماعت لجعل العالم يؤدى مهمته في دقة مع الحفاظ على العلاقات التي تقوم بين الأشياء.(14)

- وقد شملت معارف تحوت لغات الشعوب الأخرى وربما لهذا السبب حمل لقب " سيد البلاد الأجنبية " منذ الدولة القديمة.(15)

زوجة تحوت :
وكان لتحوت زوجة ولما كانت تحمل اسم لاهوتيا هو " نحمت تاوى" 
حامية الأرضيين "جاكيه" فقد عدوها إبداعا متأخرا ،ومع هذا فقد كانت تعبد فى عهد الأسرة 18 فى المقاطعة مع معبودات أخرى إلى جانب "نحب كاو" والتي لا يقل اسمها زيغا عن اسمها هى والذي يقرؤه مكتوبا فى نصوص الأهرام ،وقد كان من اللازم تشبيهها بحتحور فقد كانوا يضعون لها غطاء رأس يطابق "صرح " المصلصلة "سشات"الذي يبرز منه فى بعض الأحيان سيقان نبات البردي ن ونجد فى قبر "جا نيني "فى طيبة أحيانا فى حضرت تحوت كمضيفة فى الأشمونين وأحيانا أخر قريبة من "شبس" إله نفس المدينة ولعلها كانت قد أصبحت رفيقة تحوت.(16)

كما ذكر الدكتور سليم حسن فى موسوعة مصر القديمة الجزء الأول ص 231 :
وكذلك كان يعرف "تحوت" انه وزير الإله رع وزوج الإلهة "ماعت" العدل
تمثال لتحوت"جحوتى" مع زوجته ماعت

صفاته :
صفات تحوت كانت نتاجاً لأفكار راقية وهى ربما تكون أكثر الأفكار سموا عن صفات الآلهة إلى انتهجتها قريحة المصريين والتى كما رأينا كانت شيئا ما قابلا للتطبيق على الجانب المادي من الموضوع الإلهي . 

وتحوت لذلك بتجسيده الكامل لعقل الإله وكحاكم ودير لقوى السماء والأرض يمثل أحد أكثر ملامح الديانة المصرية رقيا جنبا إلى جنب مع الاعتقاد فى بعث الموتى فى أجساد روحانية ونظام خلود الحياة.(17) 

ومن المعلومات السابقة نرى أن تحوت كان يعتبر إلها خالقا لنفسه منتجا لنفسه وانه كان الواحد الذى قام بعمل حسابات إنشاء السموات والنجوم والأرض وأنه كان قلب رع وأنه كان رب القانون فى كل من حالتيه المادية والمعنوية وأنه كان يعرف "الحديث الرباني " و"القادر على الحديث" بمعنى أن كلماته ذات تأثير كما نسب إليه تأليف العديد من الكتب الجنائزية التى يستطيع المتوفى بواسطتها أن يكتسب خلود الحياة.(18)
متحف ملوى

وهكذا بقيت صفة أخرى من صفات تحوت يجب ذكرها بمعنى هذه التى عرفناها من فصول الموتى حيث نجد المتوفى يقول :
" أنا ذلك الذى نشر الرعب فى قوى المصر والرعد .....لقد شرعت سكيني وسكين تحوت التي بيده في قوى المطر والرعد " 
هذه الجملة القصيرة وجدت فى فصل عنوانه " فصل الاقتراب من تحوت".(19) 

أشكاله :
من الأشكال التى ظهر بها تحوت في المخطوطات كان يرسم عادة على هيئة بشر له رأس أبو قردان.(20) 

وعلى هيئة ابو قردان أيضا عندما يكون فى الهيئة البشرية نجده يمسك الصولجان وعلامة العنخ الحياة" كما ترسم جميع الآلهة ولكن غطاء الرأس يتغير طبقا للوظيفة الإلهية التى يرغب الفنان فى تقديمه عليها ، فإذا كان الإله الذى يحصى الوقت والمواسم نجد أن على رأسه هلالاً وقرص الشمس.(21)
تحوت على رأسه القمر وقرص الشمس

فقد كان إله القمر يرسم على هيئة جسم بشرى له رأس أبو قردان وكان هذا الإله يستبدل التيجان التى يلبسها فوق رأسه بحسب المناسبات أو المواسم التى يحضرها ن وبمعنى أخر كان التاج يتغير بحسب الوظيفة الإلهية التى يرغب الفنان المصرى القديم تقديمه بها فإذا كانت المناسبة متعلقة بالحصاد والوقت فيظهر التاج الذى يلبسه فوق راسه مكونا من الهلال وقرص الشمس، وفى بعض الأحيان يلبس تاج "الإتف"، وفى بعض الأحيان يرتدى التاج الموحد للقطرين المسمى بالتاج المزدوج.(22)
تحوت يرتدى تاج الإتف

أما إذا كان على هيئة الإله "شو" أو "ان-حير" فهو يرتدى غطاء رأس هذين الإلهين.

وفى كتاب الموتى يظهر على هيئة " ناسخ العدالة فى مجمع الآلهة " حيث يمسك بيديه ريشة الكتابة وورق النسخ ويمثل أحيانا ارتباطه "برع" وشروقه الأول فى زمن البداية بواسطة "ياتشيت" بمعنى القدرة أو القوة الخاصة بعين رع والتى نراه يحملها بين يديه.(23)
تحوت يمسك بالقلم

كذلك كان احد إشكال تحوت الشائعة القرد ذو رأس الكلب "عنعن " الذى كان له مكاناً متميزاً فى فصل المحاكمة بكتاب الموتى ، حيث نراه جالسا على قمة قائم ذراع الميزان الذى يوزن به قلب الميت ليراقب المؤشر ويحدد لتحوت ذي رأس أبي قردان الزمن الذى تستوي فيه كفتاه.(24) 
هذا إلى جانب شلة الحيوانى على هيئة قرد البابون وكان يسمى فى تلك الحالة جحوتى.
جحوتى قرد البابون

دور تحوت فى الصراعات بين المعبودات :
وفيما يلى سوف نستعرض بعض الأدوار التى قام تحوت فيها بالمساعدة للمعبودات الأخرى.

فتحوت كان المحكم فى كل المعارك الذى كان من واجبه أن يمنع حصول أحد الإلهين على نصر حاسم أو تدمير الأخر أي انه فى الحقيقة كان عليه أن يحافظ على اتزان القوى المتصارعة أي اتزان النور والظلمات أو النهار والليل أو الخير والشر وذلك حسب الزمن والهدف الذى كُتبت من أجله الأسطورة وما يود تأكيده ناسخها بكتابتها(25).

دور تحوت فى مساعدة المعبود رع :
فى كل المعارك كان لتحوت دور رئيسى فعندما كانت عين رع أي الشمس تقاتل ست الذى يحاول أن يسوق السحاب ليغطيها كان تحوت يقوم بأبعاد هذا السحاب و" يعيد العين حية كاملة بدون أحداث أي ضرر لسيدها " (كتاب الموتى) ويبدو أنه كان يقوم بنفس الدور أيضا لرع بعد صراعه مع أبيب(26).

دور تحوت فى مساعدة إيزيس :
كذلك عندما كان حورس ابن ايزيس يقاتل ست أخذا بالثأر لمقتل أبيه تواجد تحوت ومنح أمه ايزيس رأس بقرة بدلا من رأسها التى قطعها حورس عندما تدخلت فى العراك فى اللحظة التى كاد أن ينتصر فيها .(27) 

وأيضا فقد بارك ايزيس فى تعويذة تقي من لدغة العقرب، ويظهر تضامن تحوت مع ايزيس عندما كانت حاملا فيقول لها :
أقبلي أيتها الإلهة ايزيس ما أحسن أن ينصت الإنسان بهدى غيره ، أختبئ مع أبنك ذلك الطفل الذى يقبل إلينا عندما يكبر جسده ، وتكتمل قوته فسوف نجعله يستولى على عرشه وتحفظين له بذلك وظيفته.(28)

دور تحوت فى الصراع بين حورس وست :
طبقا لأسطورة قديمة فقد عمد تحوت بحكمته إلى تهدئة النزاع بين الإلهين المتقاتلين حورس وست وبسحرة أمكن شفاء عين حورس التي جرحت أثناء القتال وأصبحت مرة أخرى بارئة من أي سوء.(29) 

حيث نجد أن ايزيس بسبب إصابة حورس تصرخ صرخة قوية كما جاء فى الأسطورة فتستوقف مركب الشمس فأرسل الإله رع رسوله تحوت ليستطلع الأمر وجاء تحوت وعرف ما حصل لحورس فبدأ بقراءة تعاويذ سحرية عدد فيها أوصاف حور ويقارنها بأوصاف الآلهة :

" حور تحيطه العناية حور مثله كثل ذلك الذي قرص الشمس الذي يضئ الأرضيين بنور عينيه، إي حور، استيقظ إن حصانتك مؤكدة ، استيقظ وادخل الفرح إلى قلب أمك ايزة ،إن كلمات حور سوف تربط القلوب ، إن حور سوف ينشر السلام على أولئك الذين يرغبون فى السلام ، أنا تحوت بن رع البكر، إن اتوم وأصحابه أصدروا أمرهم لى بان اشفي حور لتقر عين أمه ولأشفى كل مصاب بنفس العلة، سيحيا حور من اجل أمه وسيحيا كذلك كل من كان مصابا بنفس الداء " 
بعدها يشفى حورس فيفرح الآلهة وتفرح ايزيس.(30) 

قدراته وفضله :
من بين الآلهة الهامة إلهان لم يتعاظما يوما ًما إلى منزل رفيع مطلق وبقيا دائما الهين فى الصف الثانى، برغم أنهما عُبدا فى كل أنحاء مصر وهما تحوت وأنوبيس، وحسب منطق المجتمع البشرى كانت صلتهما بالإله الأكبر تشبه مركز الوزير بالنسبة للملك، ففى عالم الأحياء كان تحوت يرتبط مع الإله الأكبر "رع" بينما أنوبيس يعمل فى عالم إله الموتى "اوزيريس"(31).

تحوت هو الذى نطق بالكلمات التى نتج عنها خلق السموات والأرض ، وهو علم ايزيس الكلمات التى ساعدتها على إعادة الحياة لجسد ايزوريس الميت بشكل يسمح له بمنحها طفلا وهو الذى أعطاها التعاويذ التى أعادت ابنها حورس الحياة بعد أن كان معرضا للموت من لدغة عقرب ن وهو الذى استطاع بواسطة قدرته على الحساب على قياس السموات وتخطيط الأرض وكل ما تحتويه.
وبإرادته حافظ على اتزان القوى فى السماء والأرض ومهارته العظمى فى الرياضيات السماوية يسرت له الاستخدام الأمثل لقوانين "ماعت" التى استقرت على أساسها الكون وتمت بواسطتها المحافظة عليه، وهو الذى حرك الأجرام السماوية وحدد أزمنتها وفصولها وبدون كلماته لم يكن فى استطاعته الآلهة التى تعتمد فى وجودها عليها (أي كلماته) أن تحافظ على أماكنها بين تابعى رع.

وهو أيضا ناسخ الآلهة الذى يمتلك نفوذا غير محدودة فى العالم السفلى، والإله اوزيريس يعتمد عليه اعتمادا كليا فى أحوال عديدة نتيجة إدارته الحسنة ، والإحياء يعتقدون فى كلمته ومساعدته الجادة.(32) 
فقد كانت تتوقف عليه القوانين والعدالة والملك والرائب وكذلك سير العالم مكان الآلهة المحددة داخل الكون المنتظم.(33)

وهو أيضا الذى يقوم بنقش أعوام الملك حلال الأعياد الملكية المهيبة على ساق نخلة انتزعت غصونها، وأفضل من هذا، انه يكتب على فاكهة شجرة اللبخ "البرساء" المقدسة اسم الملك الذى يجب أن يصبح وفقا لهذا يانع الخضرة إلى الأبد، ولقد أخترع الكتابة أيضا، ويذهب الظن أنه كان يقرأ قصة حورس وست بما انه كان الوحيد بين الآلهة الذي يعرف الكتابة، وكان المرء يجد للبحث عنه لقراءة رسالة او لختم مرسوم للإله رع أنه "كاتب التاسوع الإلهي ذو الأنامل الماهرة"(34).

دور تحوت فى العالم الاخر :
فى العقيدة الشمسية يذهب المتوفى إلى زورق الشمس، ويجلس فى مقدمتها المسيطرون على الدفة، وقد يكون احد هؤلاء، ويعينه تحوت فى الليل الذى هو الصورة الليلية لرع، وهكذا لم تنشأ فى ذلك الزمن بعد أفكار الهبوط بالشمس إلي تحت الأرض بعد الغروب، أي أن الميت كان نهارا يرافق رع وليلا يرافق تحوت "إله القمر والحكمة ".(35)

وفى رسم المحاكمة بكتاب الموتي نجد أن تحوت بمثل دور الملاك المسجل وقراره مقبول لدى الآلهة التى تصدق عليه وتتقدم به لأوزيريس فهو إذا قال ان روح المتوفى قد وُزنت وأن الحقيقة قد عُرفت بمحاكمتها على الميزان الكبير وانه لا يوجد بها شر من أي نوع فلا يمكن للآلهة إلا أن تقول: 
" نطق تحوت بالصدق والمتوقي من الأبرار المقدسين"(36).

وتتكون المحكمة من بهو كبير زين سقفه بلهب النيران وعلامات الحق وتبدأ المحاكمة بوزن قلب الميت حيث يوع فى الكفة الأيسر من ميزان العدالة وريشة ماعت فى الكفة اليمنى ويقوم أنوبيس الذي له رأس ابن أوى بعملية الوزن ويسجل تحوت النتيجة(37).
تحوت ومشهد الميزان فى العالم الآخر

وكتاب الموتي بكاملة يُفترض أنه من تأليف تحوت وبع فصوله يقال أنه كتبها "بأصابعه الشخصية" وفى عمل متأخر يطلق عليه كتاب الأنفاس قيل ان "تحوت الإله الأكثر قدرة رب خيمنو حر لك وكتب من أجلك كتاب الأنفاس بأصابعه الشخصية وهكذا فروحك ستتنفس للأبد للأبد وصورتك سوف تنعم بالحياة على الأرض وتصبح إلها مع أرواح الآلهة وستصبح قلب رع وأعضائك ستصبح أعضاء الإله العظيم".(38) 

علاقة تحوت بالقمر :
كما كان تحوت إله القمر كان إله للحكمة والمعرفة، ويمكن تفسير العلاقة بالقمر بما أثاره هذا الكوكب فى نفوس المصريين القدامى من توفير بالأشكال التى كان يتجلى بها على مدار الشهر تقريبا، ولذلك أطلق علي تحوت سيد السماء والغامض والمجلل بالأسرار والصامت ورمز الحكمة والوقار كما نعت "جمال الليل " وهكذا.

ولقد كان الاحتفال بتحوت فى الشهر الأول من التقويم المصري، ومن الدولة الحديثة وصاعدا أُطلق على ذلك الشهر اسم تحوت أو توت فى اللغة القبطية.(39)

ويبدو انه كان على اتصال بالقمر من البداية وتقدمه احد صفحات مغامراته الأسطورية وهو يقوم بالبحث عن عين القمر التى توارت ، وقد عثر عليها فى مكان بعيد واحضرها، وفى المظهر الكوني بين حورس وست نجده "يملأ" عين حورس التى جرحا إله الشر ويشفيها بلعابه.

أن المناظر الفلكية المتأخرة تربطه بوجود القمر، ولعله يدين بصفته كحاسب للمواقيت لارتباطه بذلك الكوكب (40). 
وقد كان القمر البديل الليلي للشمس ، هو الذى حدا إلى أن يعد تحوت ملحقا ،على وجه ما،لرع . لقد رفع إلى رتبة الخالق ،وإذا صدقنا القول فانه كان فى هرموبوليس منذ زمن مديد لفيف بتالف من ثمانية آلهة ربما كانت مستقلة عن تحوت فى الأصل قام فى مولد العالم بدور جوهرى، وبما أن تحوت لم يكن يظهر فيه إلا قليلا فقد ظن ان هذه الآلهة كانت سابقة له لقد كانت -فضلا عن هذا- شخصيات لاهوتية ولم تكن آلهة محلية بتاتا.(41)

وبشكل عام كان تحوت كإله قمرى يمثل القمر خلال الشهر بأكمله فى نفس الوقت نجد ان" الياتشيت" تحوت ترمز إلى القمر الكامل التمام كما ترمز" الياتشيت" رع للشمس فى منتصف النهار .(42) 

علاقة تحوت بالكاتب :
هو نفسه بصفته كاتبا فلذا كان إلها حاميا لطبقة الكتاب المصريين ، وفى الدولة الحديثة صور فى شكل تمثال كاتب جالس يمارس العديد من المهام لأنه واهب المناصب لأولئك الين يحبهم ، خالعا العظمة على من يثبت مهارته منهم فى وظيفة لأنه فى المنزل الأسمى فى هذه المهنة المبجلة فهو كاتب أو كاتب رسائل الآلهة ومسجل حسابات إله الشمس.(43) 

وبصفته كاتبا كان تحوت مصباحا لإله الشمس فى العالم السفلى ، مدونا له على لوحته الكتابية نتائج وزن قلوب الموتى فى ميزان العدالة، وهو يؤدى عمله هذا بصدق وإخلاص وإتقان لأنه 
"كان محبا للحقيقة مبغضا للزيف "(44) 
وفى عصر الإمبراطورية الحدية كان يطيب للقوم أن يمثلوا الكتاب الملهمين بقرد وضع الخلف منهم فوق أكتافهم.(45)

علاقة تحوت بالسحر :
يرجع السحر بمصر بأصوله إلى العبادات المصرية القديمة ن وكان المحور الذى تدور حوله برديات السحر هو الإله هيرميس – كما أطلق عليه اليونان- تحوت اله الحكم ن وأطلق على كتاب السحر اسم هيرماتيك ووجدت نسخ منها فى أرشيف اكسيرنخوس.(46) 

وتتمن البرديات ذكر ايزيس ربة الحكمة وذكر لهيرميس (تحوت) وللبحث عن اوزوريس، واضيفت آلهة يونانية كافروديت وآلهة اليهود ،كيهوا وموسى .(47) 

اما عن صيغتها فاشتملت على ألفاظ وتعبيرات غريبة ،الى جانب اسماء الآلهة.(48) 
أن تلك المعرفة بالكتابة تضفي عليه قدرات رهيبة ، انه ساحر، وكان يعتبر فى عهد متأخر أنه وضع صيغا تمنح أولئك الذين يتلونها بصوت مرتفع قدرات خارقة للعادة.

وأن قصة "ستون خامواس" بإجمالها تدور حول حيازة كتاب كان تحوت هو الذى كتبه بيده :
"الصيغتان المكتوبتان فيه ، إذا تلوت الأولي فانك ستسحر السماء والأرض وعالم الجبال ، انك ستفهم ما تقول أطيار السماء والزواحف ،كلها كائنة ما كانت ، وإذا قرأت الصيغة الثانية،لو انك كنت فى القبر فانك تستعيد الشكل الذى كان لك على الأرض وكذلك سترى الشمس تطلع فى السماء مع لفيف ألهتها والقمر فى الشكل الذى كان له عندما ظهر"(49)(ترجمة ماسبيرو).

أهمية مدينة الأشمونين التى اكتسبتها من تقديسها لتحوت :
الأشمونين سميت هرموبوليس عن اليونان ،أما اسمها المصري القديم خنمو وهى عاصمة الإقليم الخامس عشر من أقاليم الصعيد وقد عرف بإقليم الأرنب الذى رمز له به، وأما تسمية هرموبوليس فتعنى هرمس التى تشير إلى إنها أصبحت مدينة الإله تحوت إله الحكمة.(50) 

ومن هنا نصل إلى مدينة خنمو " الأشمونين" موطن تحوت عريضة الشهرة ومعنى اسمها بالمصري القديم جماعة الثمانية أشارة إلى جماعة الثمانية، وقد أضاف إليها العظمى لتميزها عن المدينة التى تحمل نفس الاسم فى الدلتا.

وبما أنها كانت تقع فى منطقة تكون فيها الأرض القابلة للزراعة أعظم اتساعا من أي رقعة أخرى فى الوادي فإن المدينة كانت عظيمة الثراء والأهمية.(51)

من هنا اكتسبت الأشمونين شهرتها بسبب الثامون المقدس للمدينة وهو عقيدة ثابتة فى خلق الأرض عند المصرى القديم وبسبب تحوت والذى جعل من المدينة المقدسة قبلة لكل طالب علم أو لكل من يبحث عن السحر وعلومه وهذا بسبب قدرة تحوت وكهنته السحرية والطبية كما ذكرنا واتساع الرقعة الزراعية بها مما جعلها مدينة ثرية قائمة على الزراعة والتى بالتبعية نتجت عنها الصناعة.

تحوت وبيوت الحياة :
كان تحوت يرأس "بيت الحياة " المركز الذى نعرفه حق المعرفة فى الإمبراطورية الحديثة والذى كانت تصنف فيه وتدرس وتنسخ جميع الأعمال الأزمة للحفاظ على الحياة ومضاعفتها : وهى الطب بالنسبة للرجال والعبادة بالنسبة للآلهة . ثم هى بالنسبة لهؤلاء وأولئك صنع التماثيل التى تكون بديلة عن أجسامهم وفقا للنسب وللمناهج التى حددها تحوت نفسه فى جميع الحقب العتيقة ، وكان هو أيضا خالق اللغات التى تعبر بها الشعوب الأخرى عن ذوات نفوسها وفن إجادة الوصف وإجادة الكتابة وهو الفن الضروري للإقناع.(52) 

من نصوص واناشيد تحوت:
يا تحوت ضعني فى هرموبوليس
مدينتك التى يحلو فيها العيش
اعطنى ما يلزمني من الخبز والجعة
وأحفظ فمى من الألفاظ
هل يمكن أن يكون تحوت خلفي فى الصباح
احضري أيتها الكلمة الإلهية
عندما ادخل أمام الإله سيدي
حتى أكون صادق القول (....)
أنت يا من تجذب الماء الى المكان القاصي
أقدم وأنقذني أنا الصامت
يا تحوت أيها النبع العذب للإنسان الذى إصابة العطش فى الصحراء
انه مغلق لذاك ألفاظه
ولكنه مفتوح للصامت
عند حضور الصامت يجد النبع (.....)

ولقد قدم وزير لامنوفيس (امن حتب) الثالث فى ذروة عهد الإمبراطورية الدعاء له فى هذه العبارات :

التحية لك
سيد الألفاظ الإلهية
يا من ترأس الشعائر المحجوبة
وتستقر فى السماء وعلى الأرض
الإله العظيم منذ الأزل
ذو الأصالة
مخترع اللفظ والكتابة
يا من تعمل على تزايد الدور
وتؤسس المساكن
يا من تحيط الآلهة علما بدورها
وكل فن بقواعده
والأقطار بحدودها
وكذلك الحقول

تحوت والإغريق :
كان تحوت يوازي عند الإغريق إلههم "هرمز" وقد ترجموا له وصفا مصريا يعنى "على الدوام عظيم جدا وسموه "تربسمجستر" "ثلاث مرات عظيم جدا " ولقد وصلت إلينا باسمه مجموعة كاملة من البحوث الفلسفية يطلق عليها الهرمزية مكتوبة بالإغريقية ومصطبغة بصبغة من الأفلاطونية الحديثة . وان تضمنت قدرا هاما من الآراء المصرية القديمة ، إلي حد دفع البعض أن يروا فيها ترجمة خالصة بسيطة لكتب فلسفية مصرية تحدث عنها كليمنت الاسكندري خلال حديثة عن المعارف التى يجب أن يلم بها الكاهن.(53) 
وهذا الإله هو أصل هرمس اليونانى الذى لقب بـ (هرمس مثلث العظمة) واعتبر رسول الآلهة.(54)

وفى النهاية تستطيع عزيزنا القارئ سؤال الباحث الأثرى عن مراجع الهوامش فى التعليقات بذكر رقم الهامش ليرد عليك ويعطيك المرجع الخاص بالرقم المذكور، وشكراً لإهتمامك، ونتمنى أن تكون قد إستفدت من تلك الدراسة.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016