حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

مخازن سيدنا يوسف فى إدفو بين الخرافة والحقيقة التاريخية

بقلم الآثارى النخيلى محمود رفاعى ـ مدير عام التوثيق الأثرى بأسوان 
حينما نستقل السيارة على الطريق العام متجهين شمالا وعلى بعد حوالى 20كم شمال مدينة ادفو بمحافظة أسوان على يسار الراكب نرى سورا ضخما من الطوب اللبن، نرى عليه بصمات الزمن، ونشم منه رائحة التاريخ وعبق الأيام الغابرة فى منظر يأخذ المشاعر نحو القديم والحنين إلى الماضى، ويطلق العنان للخيال ليحلق باحثاً عما يكتنف هذا المكان من غموض وأسرار. وقد اعتاد العامة والمتعلمون بل وعدد من المثقفين أن يطلقوا على هذا المكان اسم "مخازن سيدنا يوسف" ويزعمون أن سيدنا يوسف عليه السلام كان يخزن القمح والغلال فى هذا المكان.

ولكن هل هذه التسمية صحيحة أم خاطئة وما حقيقة هذا المكان ؟؟ فى الواقع إن هذا السور العملاق ليس إلا السور الأثرى الذى يحيط بمدينة الكاب الأثرية. وكلمة الكاب كانت فى العصور القديمة "نخب" أو "نخاب "والذى حرفه العرب إلى "إنكاب" والذى أصبح الآن "الكاب"، وقد سماها الإغريق "إليثياسبوليس" بمعنى مدينة الإلهة إيلثيا. وقد عبد أهل الكاب معبودة نسبوها إلى بلدهم "نخب"وسموها "نخبت" أو"نخابت"أى النخابية أو الكابية، وصوروها فى صورة طائر"الرخمة" واعتبروها حامية لهم، ولما أصبحت الكاب العاصمة الدينية لمصرالعليا فى عصور ما قبل الأسرات اعتبروا الإلهة نخبت حامية لمملكة الصعيد وصوروها تحلق فوق الملك تمنحه الحماية، كما صورت على هيئة امرأة بثديين يرضع الملك منها. وظلت الإلهة نخبت طوال العصور الفرعونية وما تلاها راعيتهم وحاميتهم. وقد كانت مدينة الكاب التى ـ تقع شرق النيل ـ فى عصور ما قبل التاريخ قبل توحيد القطرين مقرا لمملكة الصعيد هى وشقيقتها مدينة (نخن العاصمة السياسية = الكوم الأحمر بالبصيلية غرب النيل)، وبذلك تكون الكاب (نخب) والكوم الأحمر (نخن) من أقدم المدن والعواصم المصرية والعالمية، حيث تعودان إلى العصر الحجرى الحديث وعصر حضارة البدارى منتصف الألف الخامس قبل الميلاد أى إلى أكثر من سبعة آلاف عام مضت. وكان ملكها يرتدى التاج الأبيض وفى المقابل فإن أصحاب مملكة الوجه البحرى كانت عاصمتهم مدينة "بوتو"وهى تل الفراعين الآن قرب دسوق حيث اتخذ أصحابها الإلهة "واجيت" على شكل حية الكوبرا وجعلوها حامية لهم، وارتدى ملكهم التاج الأحمر.

وقد انتهت المصادمات بين المملكتين بتوحيد القطرين "الوجهين البحرى والقبلى" على يد الملك مينا (نعرمر)، الذى خرج من تلك البقعة الجنوبية. وظلت النقوش طوال عصورالحضارة المصرية حتى العصور الرومانية محتفظة بهذه الذكرى تصور هاتين الإلهتين وهما تقومان بتتويج الملك بالتاج المزدوج كذكرى لتوحيد مصر فى مملكة موحدة.وقد لعبت مدينة الكاب دورا هاما فى مختلف عصور الحضارة المصرية،ففى بداية التاريخ لعبت دورا هاما فى ملاحم توحيد مصر فى مملكة واحدة لتصبح مصر أول مملكة أو أول دولة لها كيان سياسى واحد على مستوى العالم. وبرغم أن ملوك التوحيد قد نقلوا العاصمة من الكاب إلى مدينة " ثنى "(وهى أبيدوس ـ العرابة المدفونة حاليا بجرجا محافظة سوهاج) بعد توحيدهم لمصر إلا أن الكاب احتفظت بمكانتها العظيمة كمدينة وعاصمة دينية.

وفى عصر الدولة الوسطى برزت الأهمية الكبرى لمدينة الكاب نظرًا لما تتمتع به من موقع ممتاز كمحطة لطريق القوافل القادمة من المناطق الغنية بالنحاس والذهب بالصحراء الشرقية فتمتعت بدرجة عالية من الرخاء والرقى وأصبحت عاصمة للإقليم بفضل الفراعنة الأقوياء. على أن أهم ما يلفت النظر من الآثار الباقية من هذه المدينة هو ذلك السور العظيم الذى نراه الآن والمشيد من الطوب اللبن والذى شيده فراعنة الدولة الوسطى لحماية مدينة الكاب من الطامعين والذى استمر يشرف على هذه المنطقة بعظمته وقوة بنائه حوالى أربعة آلاف سنة.ويضم هذا السور داخله آثارا أقدم منه،ويبلغ طول ضلعه الواحد حوالى 528مترا وسمكه حوالى 12متر، ويبلغ ارتفاعه حوالى16مترا، كما تبلغ المساحة التى يحيط بها حوالى 80 فدان.كما أن للسور ثلاث بوابات موزعة على جوانبه الشمالى والشرقى والجنوبى. والبوابة التى على الجانب الشرقى هى البوابة الرئيسية،كما توجد منحدرات عريضة توصل إلى أعلى السور. ويوجد فى الناحية الغربية على النيل بقايا الميناء الخاص بمدينة الكاب. وهناك فى الركن الجنوبى الشرقى من داخل السور يقع المعبد القديم والذى يعود إلى عصرالأسرات المبكرحيث عثر على إحدى القطع الجرانيتية التى تحمل اسم الملك خع سخموى آخر ملوك الأسرة الثانية. كما توجد بقايا سور قديم صغير داخل السور الأثرى الخارجى لعله بقايا أول سور لمدينة الكاب من عصر بداية التاريخ. وقد عثر داخل سور الكاب فى المدينة على بقايا قرى أثرية وبقايا معابد ودفنات من مختلف العصور.

ومع اندلاع حرب التحرير المباركة ضد الهكسوس الغزاة برزت أهمية مدينة الكاب مرة أخرى لا بفضل مركزها وموقعها وإنما بسبب اشتراك اثنين من أبنائها كقواد فى جيوش الملك أحمس والملك تحتمس الأول اللذين حررا مصر نهائيا من الهكسوس؛ وهما القائد (أحمس بن نخبت) و(أحمس بن إيبانا) واللذان أصبحا من كبار قواد الجيش واللذان أبليا بلاء حسنا فى حرب التحرير مما أضفى على مدينة الكاب شهرة عظيمة. وقد سجل هذان القائدان ما قاما به من جليل الأعمال فى هذه الحرب على جدران مقبرتيهما بجبانة الكاب التى تقع شمال مدينة الكاب بحوالى خمسمائة مترعلى يمين المتجه شمالا؛ حيث ذكرا بسالتهما وجهادهما وقتالهما للأعداء والإنتصارعلي الهكسوس،وأنهما كوفئا بالإنعامات الملكية والإقطاعيات والأنواط العسكرية. وقد كانت مدينة الكاب فى تلك الفترة على جانب كبير من الثراء وذلك نشاهده من مناظر الاحتفالات الجنائزية.

وهناك لوحة فى المتحف المصرى بالقاهرة عثر عليها بالكرنك للملك"سواج إن رع"من الأسرة الثالثة عشرة تحتوى على عقد مسجل يبيع بمقتضاه المدعو"كبسى"وظيفته كأمير للكاب والتى ورثها عن أبيه الوزير "آى مرو" لرجل يدعى "سبك نخت" مقابل 60 دبنًا من الذهب. ومازالت توجد مقبرة سوبك نخت بجبانة الكاب وهى من المقابر المنقوشة الملونة الجميلة والهامة أيضا والتى شَرُفت عام 2003 بالعمل فيها مرافقا للبعثة الأمريكية التى عملت فى تلك المقبرة برئاسة عالم الآثار فيفيان ديفيز. وقد ظل أمراء الكاب يمثلون الإمارة الوحيدة فى الصعيد التى نشأت فيها إبان ذلك العهد عائلة إقطاعية لها نفوذ كبير. وقد ظلت مدينة الكاب محتفظة برخائها طوال عصر الإمبراطورية (الدولة الحديثة)؛ فقد قام الملك أمنحتب الثانى ببناء معبد فى الكاب وجدده رمسيس الثانى ،كما شيد الملك تحتمس الثالث معبدا تم تجديده فى العصر الصاوى وفى عصر الأسرة الثلاثين. وتروى مخطوطات الملك رمسيس الثانى المنقوشة على الجدران أن البنائين كانوا يعملون بنشاط كبير فى الكاب بمعرفته هو شخصيا وأنه بنى صرحا كمعبد لأمه الإلهة نخبت تقديسا لها وصنع لها برجا من الحجر الرملى الأبيض الناعم طوله15 ذراعا وصنع بابه من خشب الأرز المصفح بالنحاس. كما توجد بالمكان بحيرة مقدسة كانت ملحقة بالمعابد التى شيدت فى الكاب.

وفى ظل حكم البطالمة كانت الكاب عاصمة المقاطعة الثالثة من مقاطعات الصعيد،حيث أقام البطالمة معبدًا فى هذه المدينة. ومن الجدير بالذكر أن جبانة الكاب ـ السالف ذكرها ـ تقع شمالى مدينة الكاب بحوالى خمسمائة مترعلى يمين المتجه شمالا وتحتوى على مئات المقابر الصخرية من مختلف العصور منقورة فى صخر الجبل والتى تبدو من بعيد مثل الكهوف. وأهم هذه المقابر هى مقابر حكام الكاب وكذلك مقابر كبار قواد الجيش الذين اشتركوا فى حرب التحرير ضد الهكسوس كما سبق الإشارة إليه.

من كل ماسبق شرحه يتضح لنا أنه لا توجد علاقة نهائيا بين سور الكاب الذى يحيط بمدينة الكاب وبين مخازن سيدنا يوسف عليه السلام، وأن الإعتقاد فى أن هذا المكان هو مخازن سيدنا يوسف هو اعتقاد باطل وخرافة ليس لها سند تاريخى أو أثرى، وذلك ببساطة لأن مدينة الكاب بآثارها أسبق من عهد سيدنا يوسف بآلاف السنين واستمرت بعده كذلك بآلاف السنين، وأنها مدينة متكاملة وليست مخازن كما سبق توضيحه. كذلك فإن الشواهد تشير إلى أن سيدنا يوسف عاش فى المنطقة مابين الفيوم والشرقية فى عصر الهكسوس ولم يعش فى الجنوب وبالتالى فإن كانت له مخازن فهى فى الشمال. لذا ندعوكم إلى قراءة تاريخنا المجيد.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016