حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

(بحث كامل) إنتقال العرش من الأسرة 21 إلى الأسرة 22 فى مصر القديمة

إعداد الآثارى محمد ثروت شاكر 
1- مقدمة:
كانت السياسة الخارجية للأسرة الحادية والعشرين ضعيفة كسياسة الأسرة العشرين والظاهر أن مصر قد حافظت علي نفوذها في النوبة. أما في سوريا فكانت علاقتها تنطبق تماما علي الوصف الوارد في قصة وين آمون التعس عند مقابلته لحاكم بيبلوس. ولم يكن لمصر سيادة علي فلسطين إلا بالأسم.

ويلاحظ إنه في الفترة التي إنحط فيها نفوذ مصر بفلسطين أخذت قبائل بني إسرائيل تجمع كلمتها وتبسط نفوذها علي البلاد المجاورة لها فكونت لها وطنا بفلسطين تحت إدارة شاول وداود. وللآن لم نتأكد إذا كان هذا الأمر تم بمساعدة المصريين بقصد إخضاع أعدائهم المستوطنين بشواطئ تلك البلاد، والسبب في هذا الجهل قلة ما لدينا من الأخبار التاريخية المنبئة بعلاقة مصر السياسية بآسيا وقتئذ. أما أخبار شعوب البحر المتوسط فقد أنعدم ذكرها علي الأثار المصرية فلم نسمع عنهم شيئا. وأما الليبيون فقد بسطوا نفوذهم بسهولة علي الوجه البحري بطريق المهاجرة السلمية. ومما ساعد علي ذلك زيادة الجنود الليبية المأجورة بالجيش المصري بأطراد.

ولما كان جزء الجيش المعسكر بالدلتا لحفظ النظام تحت إدارة رئيس كهنة آمون وتحت قيادة ضباط مشواشيين قابضين علي قلاع تلك الجهة فقد قوي نفوذ المشواشيين هناك. وحصل في عهد الأسرة الحادية والعشرين هناك إن أحد الليبيين (التحنو) المدعو بيواوا إستوطن مدينة إهناس فرزق ولد يدعي موسن عين في وظيفتي معبد إهناسيا وقائد حرس تلك المدينة. بعد ذلك صارت تلك الوظيفتين وراثيتين مقصورتين علي أفراد تلك الأسرة ثم رزق موسن هذا بأبن يدعي شيشنق.لقب برئيس المشواش العظيم. وكان قويا ثريا حتي إنه لما توفي ابنه المعو ناملوت دفنه بالعرابة باحتفال عظيم ووقف له خيرات كثيرة من أراض وحدائق وعبيد وخدم وقرابين يومية.بعد ذلك إتضح له حدوث تلاعب من الرؤساء الموكول إليهم تنفيذ هذه الخيرات فتوسط لدي ملك (لانزال نجها إسمه) من ملوك الأسرة الحادية والعشرين ليعاقب المهملين وليصدر بذلك أمرا من آمون بطيبة. ويرجح كثيرا أن يكون القواد الليبيون بالدلتا جروا علي هذا المثال حتي أصبح لهم نفوذ يجاري نفوذ شيشنق المذكور او بعبارة أخري حتي أستأثروا بالسلطة في إيديهم تدريجيا. وإستمرت الأسرة الحادية والعشرون في الضعف المطرد مدة حكمها البالغة مائة وخمسين سنة تقريبا كانت في أثنائها ذرية بيواوا في إهناسيا تظهر وتعظم فتمكن أحد أفرادها شيشنق حفيد شيشنق السالف من قيادة الأسرة الليبية ونشر نفوذها (علي الارجح) علي الأراضي المجاورة لقسم منف شمالا وقسم اسيوط جنوبا. وفي عام 945 قبل الميلاد تمكن رئيس هذه الأسرة من الأستيلاء علي عرش مصر والتربع فيه بمدينة تل بسطة شرقي الدلتا. ويعتبر هذا التغير الملكي إما نتيجة ضعف آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين وإنقراض ذريته.

وأعتبر مانيتون أن شيشنق هذا مؤسس الأسرة الثانية والعشرين، ومن الواضح إن الليبيين تمكنوا هذه المرة من التربع علي العرش المصري بلا تعب بعد مضي حوالي مائتي سنة تقريبا من وفاة رمسيس الثالث الذي سحقهم سحقا لما علم بنواياهم الخبيثة إتجاهه، والبديهي إن إنتقال العرش من إيدي الفراعنة إلي أيدي ضباط أجانب صحبه أيضا إنتقال تدريجي في إدارة الحكومة إلي أيدي الكهنة.لكن حكم الأخرين تقوض بسرعة أما حكم الضباط الأجانب فدام مدة أطول، بالرغم أن نفوذ هاتين الطائفتين كان موطدا في البلاد بدرجة متعادلة تقريبا منذ أيام الأسرة الثامنة العشرة.

وبمجرد جلوس شيشنق علي عرش مصر حصر ها الشرف الرفيع في أفراد أسرته وتوصل إلي ذلك بانه زوج نجله بكريمة آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرون بسيب خنو الثاني التانيسي. وبذلك أعطي لأبنه حقا شرعيا بتولي عرش البلاد ون بعده عن طريق زوجته.والمعروف عن شيشنق إنه كان حاكما قويا شجاعا نهض بمصر وعزم علي إسترجاع عزها القديم وتاريخها المجيد.ولما كانت البلاد في حالة سيئة كان مجهود هذا الملك أشبه بمن يبني عمارة عظيمة بأنقاض عتيقة. زد علي ذلك إن القطر كان تحت نفوذ حكام المشواش المثيرين للفتن والقلاقل. ومما حسن الحالة نوعا إن هؤلاء كانوا يهابون شيشنق ويعرفون أصله وكيفية توصله للملك، ولكنهم أيضا كانوا علي يقين من إنهم لو إتبعوا خطة شيشنق هذا ربما توصلوا إلي العرش أيضا.ولم نهتد للآن إلي معرفة الأقاليم التي كانت التي كانت تحت حكم المشواش، إنما يظن إنها معظمها بالوجه البحري وإن علاقتهم بفرعون مصر وقتئذ كانت أشبه بعلاقة المماليك بسلاطين مصر المسلمين. أما الوجه القبلي مكان منقسم إلي إمارتين: الأولي إمارة إهناس الواصلة إلي أسيوط جنوبا، وإمارة طيبة الممتدة من أسيوط شمالا إلي الشلال الأول جنوبا ويرجح إنها كانت تشمل النوبة أيضا.

ومن ذلك إتضح إن القطر المصري إنقسم إلي ثلاث إمارات وقتئذ أشبه بما حصل في عهد البطالمة والرومان. أما نفوذ شيشنق فكان مبسوطا علي قسم إهناس ولكنه كان علي وفاق ووداد مع رؤساء كهنة بتاح بمنف. وقبل إنتهاء السنة الخامسة من حكمه إنضمت طيبة تحت لوائه لكنها كانت أشبه بمستقلة قادرة علي مقاومة الأسرة الحاكمة بالوجه البحري.وأراد شيشنق أن يستفيد بمساعدة هذه المدينة فعين إبنه كبيرا لكهنة آمون هناك. والمعروف أن طيبة كانت معفاة من الضرائب كما إن موظفي مالية حكومة الدلتا الأداريين لم يزوروا تلك المدينة رسميا.وأخذ شيشنق الأول يفرد نفوذ مصر علي فلسطين حتي جعل سيادته هناك فعلية بعد إن كانت أسميه.والظاهر إن سليمان الحكيم كان وقتئذ واليا تحت النفوذ المصري هناك ويرجح إنه تزوج بكريمة فرعون الذي أوسع له الأقاليم تحت إشرافه بضم مدينة جازر المهمة إليه، وقد ألمعنا سابقا لما تكلمنا عن الملك منفتاح قبل العصر الذي نحن بصدده بحوالي ثلاثمائة سنة. في ذلك الوقت عجز بنو إسرائيل عن إخضاع هذه المدينة، لكن لما شق أميرها الكنعاني عصا الطاعة علي شيشنق الأول إستولي جلالته عليها عنوة وأحرقها ثم أهداها إلي سليمان الذي شيدها من جديد.وبديهي إن مثل هذا العمل لا يمكن نسبته إلي ملوك الأسرة الحادية والعشرين الضعفاء، بل المرجح كثيرا أن الذي إستولي علي مدن عظيمة بفلسطين مثل جازر هو ملك قوي وشجاع لم يتصف بذلك في تلك العصور إلا شيشنق الأول.[1]

2-الأجواء العامة لمصر في ظل حكم ملوك الأسرة الحادية والعشرون:-
في عهد آخر ملوك الاسرة العشرين كان كبير كهنة آمون هو حريحور وكان يسيطر تماما علي أخر فراعنة هذه الاسرة، وهو رمسيس الثاني عشر، ومع ذلك فقد أدي به جشعه ورغبته في الوصول إلي التاج إلي خلع مليكه، واصبح هو الفرعون المؤسس للأسرة الحادية والعشرين حوالي سنة 1090 ق م وآل الحكم إلي كبار الكهنة للمرة الأولي.ولكنهم لم يتمكنوا من الأحتفاظ بوحدة البلاد، فقد طرأت خلافات بين أمراء مصر العليا ومصر السفلي، فقامت دولة أخري في الدلتا عاصمتها تانيس(صان الحجر) حاليا في أقصي الشمال الشرقي للدلتا حيث يحكم الملك سمنديس وخلفاؤه وعاش أمراء تانيس مع أمراء طيبة علي أسس من التراضي بين الطرفين ولكن علي حساب البلاد.

فقد بدأت الدول الأسيوية الخاضعة تشب عن الطوق، فلا تسدد الجزية لمصر وتهدد بفسخ المعاهدات، وحاول امراء الشمال إيقاف أو تأخير محاولات غزو هذه البلاد لمصر. فالأسرة الحادية والعشرين نصفها من تانيس والأخر من طيبة، وقد حكموا في وقت واحد، وقد حاول ملوك طيبة الأستعانة بأهل الجنوب من أثيوبيا لتدعيم حكمهم وكان لذلك أثره كما سيظهر.[2]

فنجد إن تتقابل فترة حكم سمندس في الشمال مع حكد حريحور في الجنوب وكان حريحور في سن الشيخوخة عندما تولي السلطة في الجنوب، ولم يكن حريحور من عائلة كهنوتية ولكنه إكتسب وظيفة كبير الكهنة عن طريق إنخراطه في السلك العسكري، وكانت توليته للعرش نتيجة وفاة رمسيس الحادي عشر أو إنه عزل الملك عن العرش وتولي السلطة بدلا منه. علي الاقل في الجنوب وإذا كان لحريحور النية في ضم الشمال تحت سلطانه فإنه لايملك الوقت الكافي لتحقيق أهدافه، وعقب وفاته ظلت السلطة مقسمة بين سلطة فعلية في مصر العليا علي رأسها بعنخي كبير كهنة آمون وملك شرعي في الشمال وهو سمندس ونظرا لتلك الظروف سوف نجد إن سمندس هو المؤسس للأسرة الحادية والعشرين التي ستتخذ عاصمتها في تانيس فس شرق الدلتا.

كان سمندس من بلدة مندس وتزوج من وتزوج من تانوت آمون التي كان لها الحق في إرتقاء العرش ونحن لا نعلم أصله تماما، إذ ربما كان وزيرا في البداية .وفي الواقع نجد إن كلا من سمندس وحريحور قد توفيا دون أن يغيرا شيئا من الوضع السياسي في مصر، ويبدوا إنه كان هناك نوعا من التفاهم بينهما علي إقتسام المملكة بين الملكين ولذلك لم تحدث خلافات بينهم تذكر.

وأعتمد مانيتون في تاريخه علي أسرة تانيس ولذلك يبدأ الأسرة الحادية والعشرين بالملك سمندس ويتجاهل حريحور علي الرغم من ان الوثائق والنصوص تبين لنا بوضوح إن مصر العليا قد قبلت بعين الرضا حريحور ملكا شرعيا لها ومنحته بهذه الصفة كل الألقاب الملكية المعروفة، وعند إعتلائه العرش إتخذ الأسم الاضافي (سا آمون) ابن مون، وكان يستخدم ايضا لقب كبير كهنة آمون كجزء من اسمه الفعلي وجعله يظهر في الخانة الملكية التي تعبر عن الأسم الملكي.

وفي أثناء ذلك كان حريحور رجلا مسنا وأنجب من زوجاته العديدات ثمانية عشر ولدا ووتسع عشرة بنتا، وسجل أسمائهم جميعا علي جدران معبد المعبود خونسو في الكرنك ذلك المعبد الذي بدأ في تشييده الملك رمسيس الثالث والذي إنتهي منه في ذلك العصر. وقد تولي من بعده ابنه بعنخي وظيفة كبير كهنة آمون مما يدل علي أنه في تلك الفترة لم يستطع ان يمارس أعماله ككبير لكهنة آمون منذ أن أصبح ملكا.

ولم يعثر حتي الآن علي مقبرة حريحور ولا علي مومياؤه ولكن علي العكس عثر علي مومياء زوجته الملكة نجمت حيث توجد الأن في المتحف المصري وقد توفي ابنهما بعنخي بعد وفاة حريحور مباشرة وتولي من بعده وظيفة كبير الكهنة ابنه باي نجم الذي يعد في الوقت نفسه حفيد حريحور وعن قريب سوف يختفي حريحور بدوره.

وأستمر سمندس يحكم في مصر السفلي، ويبدو إنه قبيل نهاية حكم حريحور إستولي علي السلطة في كل البلاد اي في الدلتا وفي مصر العليا ايضا، لاننا نراه في نهاية حياته يقوم بعمل ترميميات في معبد الكرنك، وعثر له علي عمود في قرية الديابية إتجاه جبلين تقص علينا نقوشه إنه كان يعيش في منف وكان يذهب إلي طيبة من حين إلي آخر، وبينما هو في قصره في منف إذ أخذ يفكر في بعض الاعمال الدينية، فبلغه إن احد منشآت تحوتمس الثالث في معبد الأقصر غمرتها مياه الفيضان فأرسل بعثة من ثلاث الأف رجل لقطع الاحجار الرملية اللازمة للترميم من منطقة جبلين .وقد أشار ابنه بسوسينس إنه حكم البلاد كلها. وكان يسمي في هذه الفترة (بحدج خبر رع) بمعني معبود الشمس صانع التاج الأبيض (وهذا دليل علي سيطرته علي الجنوب)[3].

3- عاصمة الأسرة الحادية والعشرين (تانيس) أو صان الحجر:-
تقع تلال تانيس القديمة zoan التورانية، عند فم الفرع الشرقي لدلتا النيل في مصر عند القرية الحديثة المعروفة بأسم صان الحجر.وكانت المدينة الأصلية للأقليم الرابع عشر من مصر السفلي وواحدة من اهم المدن المصرية من عصر الأسرة التاسعة عشرة حوالي (1300 ق.م). ورغم من إنه عثر بها علي بقايا أحجار منقوشة تحمل اسماء ملوك من الدولة القديمة والمتوسطة إلا إنه بيس من المؤكد ما إذا كانت هذه الأحجار قد جائت من مباني معاصرة في تانيس أو نقلت من مكان آخر لأعادة إستعمالها في أعمال البناء الضخمة في الأسرة التاسعة عشرة. والمعبد الكبير الذي شيده رمسيس الثاني كان من أعظم المعابد في مصر كما يظهر من حجم مجموعة المباني، وإن كان لم تبقي منه إلا أجزاء بسيطة من البناء الأصلي فيما عدا الأعمدة الجرانيتية الواقعة علي الأرض وأجزاء معمارية متناثرة، وأجزاء من تماثيل، وقام ماريت بالتنقيب بنجاح في الموقع في 1860 ثم بتري في 1884 وبيير مونتييه في مواسم متعددة إبتداء من 1929.

وقد إحتفظت المدينة بأهميتها بالرغم من زوال الأمبراطورية المصرية والقوة البحرية عند نهاية الأسرة العشرين. وقد كانت ميناء مصر الاول لتجارتها مع سوريا، وكانت بيوت التجار الساميين قائمة في تانيس كما كانت عاصمة مصر في الأسرة الحادية والعشرين.

ورغم أن بوباستيس قد نافست تانيس في الأهمية آبان الأسرة الثانية والعشرين، إلا أن بعض ملوك تلك الأسرة قد دفنوا في تانيس أسفل مقاصيير المقابر التي شيدت داخل مجموعة المعبد الضخم. ورغم أنها حقيرة في حجمها وصنعتها إذ ما قورنت بالمقابر الملكية الضخمة في طيبة إلا أنه قد ثبت أن مقابر تانيس التي كشف عنها مونتيه، علي عكس ما كان متوقعا، غنية بأشكال المعادن التي نذكر منها بصفة خاصة القناع اذهبي لبسوسنس حوالي 1000 ق.م والتابوت الخارجي الفضي للملك شاشنق ومجموعة أواني من الفضة والذهب والبرونز .وقد يدل شغل المعادن الممتاز هنا علي قيام إتصال بين مصر وسوريا آبان القرنين العاشر والحادي عشر قبل الميلاد قبل تدهور المدينة الذي بدأمع إزدهار مدينة سايس[4].

4- آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين (بسوسينس الثاني) 984-950 ق.م:-
تولي من بعد سا آمون ويبدو إن كبير كهنة طيبة قد قرر في أثناء هذا الحكم، نزع ممياوات الملوك من مقابرها المسروقة وإعادة دفنها في مكان سري، تفاديا لأستمرار اللصوص في عملية سلب مقابر وادي الملوك علي امل ان يعثروا علي بعض الأشياء الثمينة.

وأختير لهذا المشروع جبانة قديمة تقع في جبانة طيبة إلي الجنوب من معبدالدير البحري، وكان من السهل غخفاء معالمها والوصول إليها عن طريق أسفل الوادي حيث يوجد المدخل في نهاية بئر عمقه حوالي إثنا عشر مترا، وفي نهايته نجد سردابا طويلا يبلغ ستين مترا ويؤدي إلي حجرة الدفن، وفي تلك الفترة كان معبد الدير البحري لا يزال مستخدما وكان يوجد في تلك المنطقة العديد من الكهنة والحراس لحماية الممياوات الملكية.وكانوا بلا شك علي علم بما حدث لأغلب الممياوات[5].

ونجد إنه لم يتأكد وجود روابط عائلية تجمع بين سي آمون وآمن إم أوبة وأوسركون القديم، أو تجمع بينه وبين خليفته بسوسينس الثانيالذي خلف بي نجم الثاني هما شخص واحد أم لا . وفي هذه الحالة لا مفر من الأقرار بأن سي آمون قد توفي دون أن يترك وريثا يخلفه.ومن المرجح أن بسوسينس الثاني قد أرتبط برابط الزواج من العائلة الملكية، ليختم قائمة ملوك الأسرة الحادية والعشرين التي إنطفأت في تانيس في عوز وضيق نسبي. وعند وفاته آلت السلطة إلي سلالة كبار زعماء (الماشواش) كان حكم شاشنق الكبير مبشرا بصعود نجمهم . هكذا بدأت السيطرة الليبية[6].

ويري بعض المؤرخين مثل (GAUTHIER) ان هناك بسوسينس ثالث ولكن الذي أختتم هذه الاسرة بالفعل هو بسوسينس الثاني كما يذكر د.رمضان عبده في كتابه معالم تاريخ مصر القديم.

5- ما ذكره مانيتون عن عدد ملوك الأسرة الثانية والعشرين وما تركته لنا الأثار:-
وقد ذكر مانيتون أن ملوك الأسرة الثانية والعشرين كانوا تسعة ملوك من بوباستة وأمدتنا الأثار بأسماء ما لايقل عن خمسة ملوك يحملون اسم شاشنق زأربعة باسم أوسركون، وثلاثة باسم تاكيلوت[7].

6- عاصمة الأسرة الثانية والعشرين (بوباسطة):-
توجد خارج مدينة الزقازيق (تأسست الزقازيق فى القرن الـ19 وتقع على بعد 80 كم شمال-شرق القاهرة) أطلال مدينة "بوباستيس" Bubastis وهى واحدة من أكبر المدن القديمة فى مصر وتُعرف الآن باسم "تل بسطا" Tell Basta. والمعبودة العظيمة لتلك المدينة القديمة "بوباستيس" كانت القطة الرشيقة الإلهة "باستيت" Bastet إلهة الحب والخصوبة. ويقال أن المهرجانات التى أقيمت على شرفها قد جذبت أكثر من 700، 000 من المحتفلين فى العصور القديمة، كانوا يفدون إلى "بوباستيس" ويغنون ويرقصون ويحتفلون بهذه الإلهة، ويستهلكون كميات كبيرة من النبيذ ويقدمون قرابين للإلهة. وقد صارت "بوباستيس" عاصمة للبلاد حوالى عام 945 ق.م فى عهد الملك "شيشونك الأول" Sheshonk I مؤسس الأسرة الـ22، ثم خُربت المدينة بعد ذلك على يد الفرس حوالى عام 350 ق.م.

وكان معبد "باستيت" هو جوهرة "بوباستيس" المعمارية، وكان يقع بين قناتين، تحيط به الأشجار وتطوقه المدينة التى كانت مبنية على مستوى أعلى من مستوى المعبد، مما كان يسمح برؤية المعبد بوضوح منها (لأنه يقع أسفلها على مستوى أقل ارتفاعاً). بدأ تشييد المعبد فى عهد "خوفو" و"خفرع" من الأسرة الرابعة، ثم قام الملوك الفراعنة من بعدهما من الأسر الـ12 والـ18 والـ19 والـ22 بوضع لمساتهم وإضافاتهم على المعبد على مدى حوالى 1700 سنة.

وقد كتب "هيرودوت" Herodotus: بالرغم من وجود معابد أخرى أكبر وأعظم شأناً وأعلى تكلفة، فإنه لا يوجد واحد من هذه المعابد يسر الناظر برؤياه أكثر من معبد "باستيت" فى مدينة "بوباستيس". وقد أصبح المعبد الآن كومة من الأنقاض. أما أكثر المواقع التى تستحق الزيارة فى "بوباستيس" اليوم فهو مقبرة أو جبانة القطط، حيث تم العثور على العديد من التماثيل البرونزية لقطط وذلك فى سلسلة من القاعات اُكتشفت تحت الأرض[8].

7- اصل ملوك الاسرة 22 (الأسرة الليبية)950-730ق.م:-
ترجع هذه الأسرة إلي أصل ليبي وتمثل إلي حد ما الديكتاتورية العسكرية وإذا كان العنصر العسكري قد تداخل فيها بنسبة قليلة، إلا إننا نجد المرتزقة الليبيين والماشواش قد نجحوا في أن تكون معظم وحدات الجيش قاصرة عليهم وحدهم.وكان رؤسائهم يتمتعون بنفوذ كبير نظرا لأن البلاد كانت في حالو إنهيار سياسي وعسكرس وإقتصادي وهي منقسمة إلي عدة ممالك. واصبحوا يمثلون القوة العسكرية واستغلوا هذا التفوق لكي يسلبوا عرش البلاد .

وكنا نتوقع إن وحدة البلاد السياسية سوف تتحقق في ظل حكمهم كما هو الحال عندما تستولي أقلية عسكرية علي السلطة ولكن لم يحدث شئ ما من هذا القبيل.فقد كانت الأسرة الثانية والعشرين مفككة ايضا وضعيفة مثل الأسرة التي سبقتها.ويضاف إلي ذلك إن المرتزقة الليبيين أستقروا في مصر منذ بداية الأسرة العشرين، وفي خلال القرون السابقة حاولوا أن يتمصروا ففقدوا بذلك وحدتهم وخصائصهم السلالية التي تعد جزء من قوتهم وذلك عن طريق زواجهم المتكرر من المصريات.وإلي جانب هذا نجد إنهم كانوا في الواقع أقل تطورا من المصريين لذلك إعتنقوا حضارة البلاد ولم يصبح لهم أي تقاليد شخصية خاصة بهم، تلك الخصائص والتقاليد التي كانت تميزهم، او بمعني آخر تعزلهم عن المصريين، وهي التي سمحت لهم بسهولة أن يسيطروا علي المصريين فقد أصبحوا مصريين من أصل أجنبي وليسوا غرباء علي الأطلاق وأعتنقوا الديانة والعادات المصرية وتكلموا اللغة المصرية.وهذا أيضا حال فئات من شعوب البحر من أمثال الماشواش، الذين نزلوا سواحل ليبيا منذ أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد وعجزوا عن دخول مصر بالقوة أكثر من مرة فأكتفوا بالتسلل إليها مرتزقة حينا ومدنيين رعاة وتجارا ورقيقا حينا آخر. ثم مالبثوا أن تمصروا عن أختيار ودانوا بدين المصريين وعبدوا معبوداتهم.

وهكذا كانت عهودهم أقرب في بعض مجالاتها إلي عهود الملوك المتمصرين، فلم يعهدهم التاريخ أجانب بقدر ما عدهم مغتصبين كمالم يستطيعوا أن يؤثروا في روح الحضارة المصرية بقدر ما تأثروا بها. واخيرا نجد أن الأنفصال المتوقع من الشمال والجنوب، كان يمثل فجوة هامة في التكامل السياسي، وعدم التوافق بين الجنوب والشمال كان له آثار أكثر عمقا.ففي مصر الوسطي في هيراقليوبوليس نجد أن تلك الأسرة التي من أصل ليبي قد إستولت علي السلطة المحلية وحلت محل ملوك تانيس وأسست الأسرة الثانية والعشرين فيما بعد[9].

8- صفات الليبيين ووصفهم من النقوش المصرية:-
إستقر الليبيون في شمال الصحراء الغربية، وكانوا يعيشون علي الرعي، ويعتقد بعض العلماء أنهم كانت لهم بعض الصفات الجنسية للمصريين القدماء الذين عاشوا في الدلتا في العصر الحجري الحديث.

وقد أطلق المصريون علي الليبيون اسم (التحنو) في الدولة القديمة وظهر إبتداء من الأسرة السادسة أقوام آخرون عرفوا باسم (تمحو) وكان يقصد بهم الجنود الليبيون وبعض سكان شمال الصحراء الغربية، وقد تميزوا بعيونهم الزرقاء وبشرتهم البيضاء وشعرهم المائل للحمرة. وكان المحاربون منهم يضعون ريشتين في شعر رؤسهم.كما كانت لهم لحي مدببة الطرف، وفي نهاية الاسرة الثامنة عشرة ظهرت قبيلة أخري عرفت باسم الماشواش وفي عهد مرنبتاح إتحدت القبائل تحت زعامة قائدهم (مري) زعيم قبيلة ليبو (وهو الاسم الذ إشتقت منه اسم ليبيا الحالي) وتجمعوا بالقرب من حدود مصر الغربية ولهذا أضطر مرنبتاح للقيام بحملة لحماية حدوده الغربية وهزمهم شر هزيمة وقد إستمرت الحروب معهم لرمسيس الثالث[10].

9-أين استقر الليبيين الأوائل؟ وبماذا سموا أنفسهم؟
إنتهت الأسرة الحادية والعشرون بوفاة بسوسينس الثاني عام950 قبل الميلاد، ونشأت سلالة ملكية جديدةمن عائلة ليبية قوية كانت تقيم في إقليم هيراقليوبوليس .وعندما توفي باي نجم الثاني تولي وظيفة كبير الكهنة من بعده ولده باسبا خع ام نيوت.

في نهاية الاسرة إستقر أحد الرؤساء الليبيين ويسمي (ماواسن )بن بوي واوا في مدينة هيراقليوبوليس –علي حدود الصحلراء الغربية إلي الجنوب من منف.وأصبح ذا قوة ونفوذ وكذلك ابنه نب نحسي وحفيده باتوت الذين لعبوا دورا هاما في تلك المنطقة من مصر، ويبدوا إن هذا الأخير قد تزوج من الوريثة الشرعية للأسرة، حيث جائت من مدينة سوس إلي الشرق من العراق، لأن ابنهما كان يحمل اسم (شوشنق) الذي أطلق عليه المصريين اسم شنشنق (رجل شاشان أو سوس) ومن الآن سوف تغلب الأسماء ذات الطابع الشرقي علي أسماء العائلة مثل سرجون وتاكلوت.

وكان ششنق هذا أقوي رجال المملكة وكان من الحكام الأوائل لهؤلاء الذين لقبوا أنفسهم بلقب (رؤساء المشواش) وهو إختصار للقب (رؤساء الما) أي رؤساء الأجانب[11].

10- طريقة التمصير التي تعرض لها الليبيون في مصر:-
تمثل عائلة ششنق الأول التي ينتمي إليها ملوك هذه الأس، المثل الحي لطريقة التمصير التي تعرض لها الليبيون في مصر .فنعلم إنهم قد إستقروا في منطقة هيراقليوبوليس، منطقة الحدود الليبية، وفي تانيس.وكانت عائلة ششنق الأول من أصل ليبي نقي، ومن ناحية أخري نعلم أن اسم ششنق ليس من أصل مصري. ونراهم أيضا قبل أن يستولوا علي السلطة في هيراقليوبوليس قد أصبحوا مصرين بالفعل، وبعد ان كانوا رؤساء عسكريين فقطاصبحوا كهنة للمعبود حري شف، وبهذا اللقب أصبح لهم الحق في أن يدفنوا في أبيدوس مثل المصريين. وسوف تزداد سلطة العائلة فيما بعد ومن هيراقليوبوليس سوف يبسطون سلطتهم حتي بوباسطة في وسط شرق الدلتا .

إستقرت هذه المجموعات في تل بسطة وكان رئيسهم يحمل اللقب الاجنبي (ما) أو الملك كبير الما-وهو إختصار لمشواش، وأمتد سلطانهم إلي اسيوط في الجنوب، وعقب وفاة بسوسينس الثاني، إتخذ ششنق الألقاب الملكية ولكي يعطي الحق الشرعي لأسرته زوج ابنه أوسركون إلي ابنة بسوسينس الثاني، ويمكن القول بأن الديكتاتورية العسكرية الليبية قد أثارت الأضرابات في البلاد، ولا نعرف إلي مدي إمتدت الثورة ضدهم[12].

11- اللوحة الاثرية التي توضح اصل ملوك الاسرة 22:-
جاء ذكر هذه تاريخ ملوك هذه الأسرة علي لوحة كشف عنها فيالسرابيوم لأحد-هيراقليوبوليس الذي كان يدعي (حربسون) وهي مؤرخة بالعام السابع والثلاثين من حكم ششنق الخامس .ويذكر علي اللوحة إن أصل سلالة أسرته يرجع إلي ستة عشر جيلا وهي من سلالة كان رئيسها ليبي يسمي بويو واوا ويذكر أيضا إن سلالته عاشرت ششنق الأول حتي أوسركون الثاني.

إن إستيلاء الليبيين علي السلطة لم يغير شيئا ما في التقسيم الأداري الظاهري لمصر التي بقيت مقسمة إلي جزئين أو إلي مملكتين .وفي نهاية الأسرة الثانية والعشرين، نري طيبة تثور مرتين بطريقة علنية ضد ملوك الشمال مما يجعلنا نعتقد إنه كان في الوسط الليبي سلطة مستقلة متزايدة ضد الملكية في الشمال[13].

12- علاقة مصر بالليبيين منذ بداية الأسرات حتي صعود زعيم منهم لعرش مصر:
إستقر الليبيون في شمال الصحراء الغربية، وكانوا يعيشون علي الرعي، ويعتقد بعض العلماء أنه كانت لهم بعض الصفات الجنسية للمصريين القدماء الذين عاشوا في الدلتا في العصر الحجري الحديث، وتؤكد الأثار المصرية إن علاقة مصر بالليبيين، لم تخلوا من المصادامات منذالأسرة الأولي الفرعونية علي الأقل، ولعل السبب في ذلك هو فقر بلادهم الذي دفعهم إلي محاولة التسلل إلي وادي النيل لسهولة الحياة فيها نسبيا .

ولقد حارب الملك (حور عحا) الليبيين في شمال غري الدلتا وتبعه الملك (جد) من ملوك الأسرة الأولي أيضا. وتوضح المناظر التي علي جدران معبد ساحو رع من الأسرة الخامسة إنتصاره عليهم، وقد تكررت هذه المناظر علي جدران المعبد الجنازي للملك (بيبي الثاني) من الأسرة السادسة.

وفي الدولة الوسطي يقص علينا سنوهي أن الملك أمنمحات إلي أرض التمحو (أي ارض الليبيين) وكان بقيادة إبنه الأله الطيب سنوسرت (الذي عاد ومعه أسري تحنو (أسم آخر لليبيين) وجميع أنواع الماشية التي لا تحصي).

وفي الدولة الحديثة نشاهد مناظر ردع الليبيين في معابد الكرنك يقوم بها سيتي الأول، ونراها في بيت الوالي وأبي سنبل ويقوم بها رمسيس الثاني.

وتتحدث النصوص المتأخرة عن الآلهن نيت الليبية في سايس وعن الآله حورس الليبي علي الحافة الغربية للدلتا، والسبب في ذلك هو إستيطان بعض القبائل الليبية في هذه المنطقة، وكان من عادتهم هو عمل وشم علي أذرعتهم، يمثل رمز الآلهة نيت تيمنا بها.(14)[14]

فنجد أن لهم تاريخ طويل بعلاقتهم بمصر أي منذ القدم وإليكم بعض حروبهم الشهيرة مع ملوك مصر :-
1- عهد سيتي الأول:

رغم أن الحدود الغربية لمصر إمتازت بالهدوء من أيام الدولة القديمة، إلا أنها فجاءة أصبحت تمثل خطرا كبيرا، فنجد ان قبائل آرية إنتشت في كل أوروبا الجنوبية، ونجحت في عبور البحر المتوسط، وجائت لكي تستقر في ليبيا. وبدأت هذه القبائل في محاولة للتسلل إلي مصر بحثا عن أماكن إستقرار لها في أرض مصر الخصبة، وخاصة إن أراضي الواحات في الصحراء الغربية كانت نعروفة منذ القدم بوفر مراعيها وأنعامها . ويبدو أنه كان من ضمن هذه الجماعات قبائل التحنو والمشواش .ونجح سيتي الأول في محاصرتها بسهولة كبيرة دون أية مقاومة ولكنه لم يقضي علي الخطر كلية، وبقيت جذوره-وسوف يسبب هذا الخطر الكثير من المتاعب لخلفائه. ويرجح إن هذه الحملة كانت في العام الثاني من حكمه، وقد جاء ذكرها في نقوش معبد الكرنك[15].

2- في عهد مرنبتاح:
لعل الحدث الأكثر أهمية في عهد هذا الملك هو حملته ضد الليبيين وشعوب البحر وإنتصاره عليهم. وقد ترك لنا الملك عشر مصادر تحدثنا عن إنتصاراته المختلفة وهي:
1- لوحة عمدا.
2- عمود المطرية.
3- جزء من عمود بالمتحف المصري.
4- نص الجدار الشرقي لفناء الخبيئة في الكرنك.
5- منظر الواجهة الداخلية للجدار الشرقي لفناء الخبيئة في الكرنك.
6- لوحة المتحف المصري رقم31418 CGC 34025 JE.
7- لوحة المتحف المصري رقم JE 50568.
8- نقش علي جدران معبد العمارة بالقرب من عمدا.
9- بردية إنستاسي رقم2.
10- بردية إنستاسي رقم3.

فنجد مثلا مذكور علي الأثر رقم 1 إن هناك إعتداء ليبي بالتعاون مع شعوب البحر وعناصر أخري، فنجد إن هذا الإعتداء قد حدث في العام الرابع، الشهر الثاني، اليوم الأول.وعلي الأثريين رقم 3، 2 نجد العام الخامس الشهر الثاني.أما بقية المصادر فهي تعطينا العام الخامس، الشهر الثالث من فصل الصيف. وهذا يعني أن الأعتداء الليبي بدأ بمناوشات علي الحدود في العام الرابع وحدث تسرب بعض العناصر الليبية عبر الحدود الجنوبية من الصحراء الغربية (الأثر 1) وفي العام الخامس، الشهر الثاني نجح مروي الزعيم الليبي في التقدم نحو الشمال إلي حدود الدلتاالغربية ونجح في الدخول عبر أقاليم الدلتا بر –ايرو بعد إن إجتاز حصون الحدود الغربية، ولكنه لم يجتاز حدود الفرع الكانوبي للنيل، ووصل بعدها إلي مرتفعات الواحات قاطعا منطقة أراضي الفرافرة.

ويبدوا أنهم بقوا هناك لعدة أيام وشهور، ويبدوا إنهم كانوا هناك مئات الالاف، أكثرهم عددا الليبيون وعدد من سكان وقبائل الصحراء الغربية من التحنو، التمحو، المشواش، والكهك، وعدد أيضا من شعوب البحر الأيكاواشا-التورشا-الروكو-الشاردنا-الشكروشا، وقد جائت هذه الشعوب الخمسةقد جائت أساسا من جزر اليونان وإيطاليا وآسيا الصغري. وكانت هذه الشعوب والقبائل والأجناس تحت قيادة مروي بن ديد الذي اصطحب معه زوجته وأولاده، وجاءوا ليبحثوا عن خيرات مصر ليملأوا بها أفواههم، لأنهم كانوا يتقاتلون في بلادهم من أجل الحصول علي اقل زاد.وكان الغرض من هجومهم هو الأستمرار في مصر أيضا، الذين يعيشون علي الأعشاب مثل الماشية.

وبعد الهجوم إجتمع الملك برجال بلاطه وأخبرهم بنبأ العدوان الليبي، بعدها أعطي الملك تعليماته ألي جيشه فخرج إليهم وحدثت المواجهة في اليوم الرابع عشر.ومن المحتمل إن الملك لم يشترك بنفسه في الحرب حيث كان مسنا.وترك هذه المهمة لقواته الشابة، وكان قائد الرماة في مقدمة الجيش، وبقي هو في العاصمة يراقب الامور ويدير دفة البلاد من العاصمة ولا شك أن الملك خطط مع قواده للقضاء علي العدو ولاسيما إن مرنبتاح كان إبنا لرمسيس الثاني المقاتل الشجاع.وجرج الجيش للعدو وكان المعبود نوبتي يمد إليهم يد العون، والمعبود آمون بمثابة درعهم.

ورأي الملك المعبود بتاح في رؤيا وهو يحثه علي الدفاع عن البلاد ووعده بالنصر وكانت ست ساعات للقتال فقط كافية لرماة جيش جلالته للقضاء علي العدو .وكان من نتيجة القتال هو فرار الزعيم الليبي في الظلام بعد غن قتل الالاف منهم وأخذت ممتلكاته ومعداته وذهبه وفضته واوانيه من البرونز.

وصور لنا الأثر 4 كيف حالته وقت القتال. وكيف هرب مارا بالحصون علي الحدود الغربية وكيف أصبح عدوا لجيشه وعين آخر بدلا منه، وتذكر لنا النصوص عدد الأسري من أبناء الزعماء ومن شعوب البحر ومن الليبيين ومن الكهك والمشواش. وأخذ الأسري إلي العاصمة طيبة في موكب مارا تحت شرفة القصر الملكي وفي الصالة الكبري للقصر الملكي ظهر الملك أمام رجال بلاطه سعيدا بما رآه وسعيد بما حققه جيشه. وتصور لنا الأثار 7، 6، 4 مدي السرور والسعادة التي عمت في البلاد وحالة الأمن التي سادت في داخل وخارج الحدود بعد هذا الأنتصار الكبير[16].

3- في عهد رمسيس الثالث:
نجد إن الليبيين قد قاموا بثورة في السنة الخامسة من حكم رمسيس الثالث بسبب تعيين حاكم جديد عليهم وكانوا قبائل متعددة منهم المشواش، وقد نجح رمسيس الثالث في حملته الأولي في الحد من تقدم تلك القبائل التي جائت من ليبيا ونجحت في دخول حدود مصر، ومن هناك بدأو يهددون منف وبعد نجاحه في هذا الاختبار الاول وقتل منهم إثنا عشر ألفا وأسر منهم العديد من الرجال كان عليه ان يواجه خطر الهندو اوروبيين.

ويبدوا إن الانتصار الأول لرمسيس الثالث علي الليبيين وحلفائهم كان غير حاسم، فبعد ست سنوات من الغزوة الاولي، وفي العام الحادي عشر من حكمه تعرضت البلاد لخطر الليبيين من جديد، فأتحدت قبائلهم من جديد تحت أمرة رئيس واحد وهو كابر الذ ي بدأ بإخضاع بقايا الشعوب الليبية الأصلية وحقق السيطرة الكاملة للهندو أوروبيين علي الليبيين. وعندما تحقق له ذلك دفع كابر بقبائله لغزو مصر، وتقابل مع الجيش المصري بالقرب من منف ايضا، وكان إنتصار رمسيس في هذه المرة حاسما، فقد أسر رمسيس كابر وولده، وأخذا كأسري حرب، وقضي علي أكثر من ألفي رجل وعاشت القبائل الهندو أوروبية بعد ذلك بطريقة غير منظمة.

ولم تحاول غزو مصر بالقوة مرة أخري ولكنها كانت دائما تجذبهم إليها دائما وبدلا من أن يدخلوها كغزاة، بدأو يتسللوا من الأن فصاعدا بالطرق السلمية ففي أغلب الاحيان كان يستعان ببعض الليبيين كمرتزقة بواسطة الأسر المحلية القوية أو بواسطة الملوك الذين بحثوا عن حل لمعالجة النقص في عدد رجالهم. وهكذا نجحوا في أن يكونوا قودة داخل الدولة ونجحوا في النهاية في الأستيلاء علي العرش وسوف يرتقي أحد أحفاد هؤلاء المحاربين المرتزقة يوما ما عرش مصر كما سوف نري. ونجت مصر من هذا الغزو بفضل الأنتصار البري الكبير. وهكذا أضطر رمسيس الثالث أن يحارب الليبيين ويهزمهم. وقد جاء ذكر هذه الحملة الاخيرة في بردية هاريس. وفي معبد مدينة هابو هناك نصان يقص علينا أحداث هذه المعركة وصورا لغنائم الحرب من الأسري وما تعرض له بعض هؤلاء الأعداء من تعزيب[17].

13- كيفية إرتقاء ششنق الاول عرش مصر.(انتقال العرش من 21 الي 22):-
نجد أن الليبيين بدأوا يدخلون مصر في هجرات فردية أو كجنود مرتزقة، وبدأ عددهم يزداد وأخذوا يفسحون الطريق لأبناء بلدتهم للعمل في مصر. وبذلك نالوا بالسلم مالم ينالوه بالحرب.وقد تمكن المشواش في أن يصبحوا قادة في الجيش أو من كبار الكهنة، وقد إستطاع زعيمهم شاشانق الذي كان يحمل لقب رئيس ما الكبير أي رئيس الماشواش الكبير من أن يخطط للأستيلاء علي عرش مصر بدون سفك الدماء. فتمكن من أن يزوج أبنه الأمير أوسركون إلي الأميرة ماعت كارع إبنة بسوسينس الثاني آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين وبهذا وطد شاشانق علاقته بالبيت المالك. وتولي عرش مصر بعد وفاته وأسس الأسرة الثانية والعشرين .

ولم يعتبر المصريون أن هذا الحاكم الجديد يمثل سيطرة أجنبية، فقد تمصر الليبيين وأستقرت جاليتهم في إهناسيا والفيوم وتمركز العض منهم في تل بسطة (الزقازيق) الذي إتخذها ثاني ملوك الأسرة عاصمة له، ولعل هو هذا السبب الذي جعل مانيتون يطلق علي ملوك هذه الأسرة ملوك بوباسطة.

تمصر الليبيون وأعتنقوا العادات والتقاليد المصرية وإعتنقوا الديانة المصرية، وآمنوا بها وبالغوا فيها أحيانا. فنجد أن شاشانق قبل ولايته لعرش مصر يطلب من بسوسينس الثاني أن يسمح له بدفن والده (نمرود) في الجبانة المقدسة بأبيدوس طبقا للطقوس المصرية فيحقق له الملك هذه الرغبة ثم يشيد شاشنق مقصورة جنائزية لوالده ويأمر بوقف أراضي زراعية للصرف عليها وتعيين حراس لحمايتها. أما طيبة الدولة الكهنوتية فترددت بالتسليم بسلطان شاشانق ولهذا أضطر الملك الجديد أن يعين إبنه (إيوبوت) في منصب كبير كهنة الألهة أمون، وبهذا أصبحت مصر كلها تحت رايته[18].

14--الملك ششنق الأول مؤسس الاسرة الثانية والعشرين 950 ق م 929 ق م:
التعريف بالملك:-

زعيم لقبيلة ماشواش (ليبية) تسللت إلي مصر وإستقرت في تل بسطة (بوباسطة) في شرق الدلتا .زوج إبنه أوسركون من إبنة بسوسينس الثاني آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين .ولما توفي هذا الأخير إستطاع شاشانق من الأستيلاء علي العرش سلميا مؤسسا بذلك الأسرة الثانية والعشرين عين إبنه أبوبوت كاهنا أكبر للأله آمون في طيبة فغدت مصر كلها تحت حكمه .قاد حملة عسكرية في فلسطين ونجح في إخضاع مملكتي إسرائيل ويهوذا، وكان هدفه هو تأكيد نفوذ مصر التجاري والسياسي وليس التوسع العسكري .شيد مدخلا لمعبد الكرنك غربي الصرح الثاني، يعرف بأسم بوابة بوباسطة وسجل علي واجهتها الجنوبية أنباء حملته في فلسطين[19].

ونجد إنه عندما إرتقي شاشانق الأول عرش البلاد كان قد أصبح بالفعل رجلها القوي صاحب اليد العليا في شئونها، فهو القائد العام للقوات المسلحة ومستشار الملك وصهره، بعد ان تزوج إبنته ماعت كارع. ويعتبر حكمه فاتح عصر جديد لمصر، إستعاد فيه الزعماء الليبيون لأجيال عديدة قادمة قوة البلاد التليدة بعد إن وقعت في طي النسيان منذ نهاية عصر رمسيس الثالث. وسوف تندثر هذه القوة وتضيع في خضم الصراعات الداخلية التي مزقت البلاد إبتداء من عهد شاشانق الثالث.

وقد إنتسب شاشانق علي الفور إلي الأسرة الملكية السابقة متبعا في هذا الصدد الخطة التقليدية الشائعة. حيث إتخذ لنفسه ألقابا نقلها عن سمندس الأول .أما أصوله هو شخصيا فترجع إلي مستوطنة الليبيين الذين إستقروا في بوباستس. وتركز حوليلت كبار كهنة طيبة علي هذه النقطة، وتصر علي الأشارة إليه بأسم: كبير زعماء الماشواش إبرازا لرفضها القاطع الأعتراف بسلطانه. وسار شاشانق الأول علي النهج الذي إتبعه (بينجم) من قبل فأسند إلي إبنه ابوبوت مناصب كبير الكهنة لآمون والقائد العام للقوات المسلحة وحاكم الوجه القبلي في آن واحد[20].

15- محاولة الملك ششنق الحد من نفوذ كهنة آمون:-
ونجد أن شاشانق الأول أتبع سياسة أسلافه في الحد من نفوذ كهنة آمون ولهذا وضع أحد أبنائه علي رأس كهنة المعبود آمون. وحاول خلفائه أن يقلدوه، ولكن كما حدث سابقا لكل ملوك الأسرة الحادية والعشرين، نجد ان كل مجهوداتهم قد بائت بالفشل لأن الابناء الذين عينوا علي رأس كهنة آمون في طيبة، كانوا دائما يسعون بأن يقيموا في الجنوب أسرات مشابهة للبيت الحاكم في الوجه الشمالي، وللقضاء علي ذلك حاول الملوك أن يحدوا من نفوذ كهنة آمون وذلك بأنشاء وظيفة دينية جديدة وهي (الزوجة المقدسة-او العابدة المقدسة-أو الحرم المقدس لآمون). وكانت هذه العابدة المقدسة من العائلة الملكية.وكان من نتيجة هذا إن هؤلاء العابدات قد إنتزعن سلطة كبار الكهنة دون ان يكن مخلصن للسلطة المركزية علي الأطلاق مثل كبار الكهنة[21].

فسياسة شاشانق الأول سار علي النهج الذي أتبعه بينجم من قبل فأسند إبنه إيبوبوت منصب كبير كهنة آمونوالقائد العام للقوات المسلحة وحاكم الوجه القبلي في آن واحد.وضمن بفضل الربط بين هذه المناصب الثلاثة السلطة الزمنية والسلطة الروحية.وعين جد بتاح يواف عنخ أحد أبنائه (؟) مساعدا له في منصب كاهن آمون الثالث، كما عين نيسي وهوزعيم إحدي القبائل المتحالفة، في منصب كاهن آمون الرابع .وواصل شاشانق الأول سياسة عقد التحالفات القائمة علي المصاهرة، فعقد قران إبنته علي جد جحوتي يواف عنخ وهو من خلفاء جد بتاح يواف عنخ ووطد هذا الزواج وغيره من المصاهرات أواصر الصلة بين السلطتين.ولكن ذلك لن يثني شاشانق الأول من إقامة سلطة مضادة في مصر الوسطي بدافع من الحذر والفطنة .فأسند قيادة هيلراكليوبوليس العسكرية إلي نمرود أحد أبنائه وأصبحت هذه المدينة نقطة إستراتيجية تتحكم في التبادل التجاري بين المملكتين[22].

16- غزو ششنق لسوريا العليا وفلسطين:-
ومن أهم أحداث حكم شاشانق الأول غزو سوريا العليا وفلسطين وقد جاء ذكر هذه الحملة في الكتاب المقدس، فنجد في سفر الملوك الأول، الفصل الرابع عشر، والجزء الثاني من التأريخ،  الفصل الثالث عشر أنه (في السنة الخامسة من حكم مر بعام جاء ششاق (هكذا كان يسمي ششنق في الكتاب المقدس) ملك مصر ليهاجم القدس بألف ومأتي مركبة حربية وستين ألف فارس وخرج من مصر ومعه شعب لا يمكن حصره من الليبيين والسوقيين والأثيوبيين، وأستولي علي المدن المحصنة التي كانت ملكا ليهوذا ووصل حتي القدس، وأستولي علي خزائن بيت الأبدية وخزائن بيت الملك وأخذ كل شئ وأخذ كل الدروع من الذهب التي صنعها سليمان).

وتتطابق السنة الخامسة من حكم يربعام-ملك إسرائيل الذي خلف سليمان في العام 929ق.م مع السنة الحادية والعشرين من حكم ششنق وكان الجيش المصري يضم في تلك الفترة قوات مرتزقة من الليبيين والسوقيتين الذين ربما قد يكونون قبائل من شرق الدلتا، أما الأثيوبيين فهم قبائل الزنوج من بلاد النوبة السفلي الذين أطلق عليهم من قبل أسم الكوشيين والذين أمدوا في كل الأوقات الجيش المصري بأفضل وأقوي عناصره المقاتلة. ولا يجب فهم كلمة فارس التي جائت في الكتاب المقدس علي إنه خيال، لأن المصريين لم يكن لديهم فرسان، ومن المحتمل أن هؤلاء الستين ألف رجل كانوا من مشاة الجيش العاديين.

ويمكن أن نقص بالتفصيل اخبار حملة ششنق علي فلسطين وسوريا العليا، حيث نجد أنه قد تدهورت العلاقات مع مملكة أورشليم، وأشتد التنافس بين الدولتين، بينما إهتزت شرعية سلطة سليمان في أعقاب ثورة يربعام الذي وعده النبي (أخيا) بالتربع علي عرش إسرائيل. وأستضاف شاشانق الأول يربعام طوال حياة الملك سليمان.(الملوك الأول، الأصحاح :14 .الأية 25) .

فلما مات عام 930 إنضم يربعام إلي أنصاره وأسس مملكة إسرائيل التي إنفصلت عن مملكة يهوذا التي كان علي رأسها (رحبعام) خليفة سليمان. فأنقسم العبرانيون وتوزعت قواهم بين السامرة وأورشليم. وتذرع شاشانق الأول بقيام البدو بالأغارة علي منطقة البحيرات المرة وقرر الزحف علي أورشليم فأنطلق من غزة متوغلا في أعماق صحراء النقب وسقطت بين يديه النقاط المحصنة في يهوذا. وعسكر أمام أورشليم التي خضعت له وسلمت كنوز سليمان (ماعدا التابوت). ثم توجه إلي إسرائيل فأضطر يربعام إلي الفرار عبر الأردن بعد أن أدرك الهدف من سياسة شاشانق عندما ظلله بحمايته، ولكن بعد فوات الآوان .

ولحقت به قوة عسكرية ثم واصلت تقدمها حتي بيت شان (بيسان) .وتوقف زحف المصريين عند مجدو حيث أقام شاشانق الاول لوحا تذكاريا .ثم عبر جبل الكرمل متجها إلي الجنوب، وعاد أدراجه إلي غزة عن طريق عسقلان .وهكذا عادت مصر تفرض سيادتها لفترة من الزمن علي مناطق سوريا وفلسطين .وبالفعل فقد جرد قائد كوشي يدعي (زارح) حملة ضد ملكة يهوذا في العام الثامن والعشرين من حكم أوسركون الأول (أخبار الأيام الثاني .الأصحاح :4.الأيات :8-15). وقد توصلنا إلي تاريخ العام الثامن والعشرين هذا (897)، علي إعتباره المقابل للعام الرابع عشر من حكم الملك (آسا) الذي ألحق الهزيمة بالغزاة وطاردهم[23].

17- تسجيل أخبار حملته وإنتصاراته في سوريا وفلسطين بمعبد الكرنك:-
وتنقصنا التفاصيل العديدة لهذه الحملة، وعندما عاد ششنق منتصرا إلي مصر سجل بالنقوش قصة إنتصاره علي الجدران الجنوبية الخارجية لبهو الأعمدة الكبير في معبد الكرنك، ويظهر في منظر فوق رؤوس الأسري، الذين يمثلون أهال مائة وست وخمسين مدينة في فلسطين والتي تقع علي الحدود الجنوبية لأرض يهوذا وشمال الجليل، ومن بينها نجد أسماء عديدة معروفة في الكتاب المقدس من بين هذه الأسماء (حقل إبراهيم) الذي لم يتعرف عليه ولكنه يمثل أول ذكر تاريخي لسيدنا إبراهيم.

ولكي يصبح من السهل الأقتراب من هذه النقوش علي الجدران شيد الملك بوابة رئيسية بالكرنك تقع بين الصرح الثاني ومعبد رمسيس الثالث، أطلق عليها حاليا أسم بوابة بوباستت، التي يمر من أسفلها طريق مرصوف يؤدي إلي هذه النقوش ويمكن ملاحظة قوائم مناطق أدوم ويهوذا، ويقوم الملك في هذه المناظر بتقديم الأسري إلي آمون، وتحمل أعمدة هذه البوابة حتي اليوم، آثار ثقوب المسامير التي كانت تستخدم لتثبيت صفائح الذهب أو الفضة في الأحجار، ولقد فكر في بناء فناء ولكنه لم ينجزه.

وفي محاجر جبال السلسة التي أخذت منها أحجار البناء، نجد نقشا مؤرخا بنهاية العام الواحد والعشرين من الحكم .ويبدو إن الحملة نفسها قد حدثت بالفعل في خريف هذا العام نفسه .وكان من نتيجة هذه الحملة تزويد المعابد المصرية بالغنائم العديدة. وعلي أي حال كان من الصعب إنجاز كل مشروعات البناء التي ذكرتها هذه النقوش، وربما كانت المحاولة التي قام بها ششنق هي عبارة عن إحياء للنفوذ والسيطرة المصرية علي تلك المناطق.

ولا نعلم هل قام ششنق بعد ذلك بحملة أخري في شمال فلسطين أو لا ؟
ويبلغ ششنق في ذلك الوقت سن السبعين، وتوفي في العام التالي، ومازلنا نجهل حتي الآن المكان الذي دفن فيه، وأين حفرت مقبرته؟(24)[24]

فمن لوحة حجرية تم العثور عليها في الواحة الداخلة نعرف بأن ششنق قد أرسل في العام الخامس من حكمه حملة إلي فلسطين وأخضع حملة إسرائيل وبهذا إستعادت مصر جانبا من نفوذها السياسي والتجاري القديم . هذا بجانب ما أشارت إليه نقوشه في معبد الكرنك[25].

18- خاتمة :-
رأينا في مناقشة هذا البحث كيف إنتقل العرش من الأسرة الحادية والعشرون إلي الأسرة الثانية والعشرين، وإنه إنتقل بصورة سلمية عن طريق زواج ابن الملك شاشانق الأول من ابنة بسوسينس الثاني .ورأينا إن البلاد كانت مقسمة إلي مملكتين شمالية وجنوبية في عهد ملوك الأسرة الحادية والعشرين، وكذلك في عهد الأسرة الثانية والعشرين.

فنجد إنه جاء بعد العائلة الملوكية الحادية والعشرون العائلة الثانية والعشرين، وكانت عاصمتهم تل بسطة بالشرقية، والظاهر أن هذه العائلة لم يكن من ملوكها كثيرا ممن يعد من زمرة الملوك الغزاة والفراعنة أهل الفتوحات وأول ملوكها المسمي في التوراة شيشاق وأسمه علي الآثار المصرية القديمة سيسونك، وقد ذكر عنه أنه غزا بجنوده مملكة فلسطين وحاصر مدينة بيت المقدس وسلب الأمتعة النفيسة الموجودة بهيكلها، ومن نظر إلي أسماء هذه العائلة الملوكية المنسوبيت لهذه العائلة إستغرب حيث يجد أسماء الملوك أكثرهم كأسماء الملوك في العراق وكردستان كنمرود وأسركون وتجلات، وما هو من هذا القبيل وأغرب من ذلك ما يشاهد من أن فرقة العساكر الموسومة بالمحافظة الخصوصية عن ذات الملوك من هذه العائلة الملوكية لم يكونوا من أهالي المصريين بل من الطائفة المدعوة الماسواس من جملة الطوائف الليبية التي كان قد طردها عن ثغور الأقاليم البحرية الملك رمسيس الثالث غير مرة كما سلف ذكره وما ظفرنا به من الفوائد المذكورة سابقا بطريق الأستكشاف في ضمن الحفر الذي حصل في الهيكل المسمس بالسيرابيسية (معبد سيرابيس) كان هو مفتاح تاريخ الديار المصرية في عصر العائلة الملوكية الثانية والعشرين وما بعدها.

والذي إتضح لنا من ذلك عن هذا الصدد هو أن مصر بقدر ماكانت ترغب في المدد السابقة للخروج عن أصل مادتها وللتوسيع في محيط دائرتها صارت الآن لا ميل إلا للتدخل في ذاتها والتقلص في نفسها وبقدر ما كانت تسعي أولا في تكليف الدول المجاورين بقوانينها والملل المثاقبين بشرائعها أصبحت تزعن لتحكمات الملل الأجانب عليها وتطيع لمجرد إشارتهم إليها وأندوست بالكلية من الآن فصاعدا العائلات الطيبية والمنفسية وكأن الديار المصرية بأنجذابها إلي جهة بلاد آسيا صارت من الآن فصاعدالا تتخذ تخوت مملكتها وحمل دسوت دولتها إلا ببعض المدائن من الأقاليم البحرية علي أن الديار المصرية من أبتداء عهد الملوكية الثانية والعشرين صارت لا تمتلك حريتها وبيان ذلك هو أن مصر كانت في أيام العائلات الطيبية العظيمة الشأن قد فتحت أبوابها لبعض القبائل الأغراب مثل بني إسرائيل كما تقدم ذكره آنفا وأقطعتهم بعض الأطيان ليقيموا فيها علي سبيل الضيافة والأحسان ولم تخشي حينئذ من صولتهم لتحققها من سهولة طاعتهم وضبط عصبتهم بمجرد ما كان لما من مظهر العظمة ومظنة السطوة.

وأما في عهد المدة التي نحن بصددها الأن فأنه قد إنقلب الموضوع وغلب المخفوض علي المرفوع وصارت قبائل الأغراب المذكورين هم الذين يقومون عليها ويتعدون حدودهم لديها وأكبر مصيبة من ذلك أن ما كان قد أعطي لهم من الأراضي بوجه العرية والأستنفاع تطلعت آمالهم لأستملاكه والأستيلاء عليه بالغصبب بوجه كومهم هم الأسياد المالكين والأرباب المتصرفين وجري لمصر في ذلك العصر ماتحكمت به عليها يد الأقدار وحكمت عليها فيه بالدوام والأستمرار من أنه قد أستولي عليها إحدي هذه القبائل الغير مصرية المذكورة التي كان حين ذاك بالثغور الشرقية منها جماعات كثيرة وملوكها في الحقيقة هم الذين عبرنا عنهم بالعائلة الملوكية الثانية والعشرين[26].

فمؤسس هذه الأسرة هو الملك شاشانق الأول وهو مصري بنسبة مائه في المائه ولكن جذوره ليبية. وقد توفي ششنق الاول وهو في سن الحادية والسبعين ولم يتم العثور حتي الان علي مومياؤه ولا مقبرته. وقد تولي من بعده ابنه اوسركون الاول وباقي ملوك الاسرة وهم بالترتيب تاكيلوت الاول – ششنق الثاني - اوسركون التاني - ايزه - تاكيلوت التاني - ششنق التالت - بامي – ششنق الخامس.

ونلاحظ ان خلفاء ششنق الاول اتبعوا سياسة اشراك اولادهم في الحكم كما هي عادة ملوك الدولة الحديثة، وكنا نعتقد ان وحدة البلاد ستكون في عهدهم ولكن للاسف ظلت مصر مقسمة كما هو الحال من قبل الي ملك فعلي في الشمال وحاكم للجنوب كما كان الحال في عصر الاسرة 21 وسوف تقوم اسرة ملكية جديدة في بوباستت ومن فحص بعض اسماء ملوك 23 نجد انهم تربطهم بالاسرة 22 صلة قرابة.

المراجع والمصادر والهوامش
[1] جيمس هنري برستيد، تاريخ مصر منذ أقدم العصور وحتي الفتح الفارسي، ترجمة دكتور حسن كمال، 1996، القاهرة، الطبعة الثانية، ص 356، 357، 358.
[2] ناصر الأنصاري، المجمل في تاريخ مصر، 1993، القاهرة، الطبعة الاولي، ص 44، 45.
[3] رمضان عبده، تاريخ مصر القديم، ج2، ص219، 220، 221.
[4] تأليف نخبة من العلماء، الموسوعة الأثرية العالمية، 1997، الطبعة الثانية، ص 190، 191.
[5] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 225، 226.
[6] نيقولا جريمال، تاريخ مصر القديمة، 1993، القاهرة، الطبعة الثانية، ص416، 417.
[7] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 232.
[8] موسوعة الحضارة المصرية القديمة، النت.الحضارة المصرية القديمة، النت.
[9] رمضان عبده،  المرجع السابق، 231، 232.
[10] سمير أديب، تاريخ وحضارة مصر القديمة، 1997، الاسكندرية، ص229، 230.
[11] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 229، 228.
[12] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 233.232.
[13] رمضان عبده، المرجع السابق، ص239، 238.
[14] سمير أديب، تاريخ وحضارة مصر القديمة، 1997، الاسكندرية، ص 230، 229.
[15] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 139، 138.
[16] رمضان عبده، المرجع السابق، ص165، 164، 163.
[17] رمضان عبده، المرجع السابق، ص 196، 195، 194.
[18] سمير أديب، تاريخ وحضارة مصر القديمة، ص 231، 230.
[19] سمير أديب، موسوعة الحضارة المصرية، 2000، القاهرة، الطبعة الأولي، ص 536.
[20] نيقولا جريمال، المرجع السابق، ص417.
[21] رمضان عبده، المرجع السابق، ص235.
[22] نيقولا جريمال، المرجع السابق، ص 418، 417.
[23] نيقولا جريمال، المرجع السابق، ص 419.
[24] رمضان عبده، نفس المرجع السابق، ص 235، 234.
[25] سمير أديب، تاريخ وحضارة مصر القديمة، ص 232، 231.
[26] أغوسطس ماريت، خلاصة تاريخ القدماء المصريين، 1281، القاهرة، الطبعة الأولي، ص98، 88، 87.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016