حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

الزراعة فى مصر الفرعونية بحث كامل بالصور

الزراعة فى مصر الفرعونية

بقلم الآثارى الفصيح 
محمود مندراوى 
مفتش آثار المنيا الشمالية
مقدمة
وهب الله مصر مظاهر طبيعية ساعدت على قيام الحضارة فيها، فلقد وهب الله مصر موقعاً عظيماً بين ممالك العالم القديمة مما جعلها فى قلب العالم القديم فسهل عليها عمليات التجارة الخارجية والاتصال بتلك الممالك ، وأيضا وهب الله مصر نيلاً عظيما من أنهار الجنة فى الأرض، وهذا النيل وهب مصر التربة الخصبة التى كان يحملها الفيضان عاما بعد عام مما أدى إلى ظهور الوادي وتكون الدلتا، وتلك التربة الخصبة هى صاحبة الفضل فى قيام الحضارة على ضفاف وادي النيل وخاصتا فى مصر، فبسبب الزراعة استقر الإنسان وانتقل من حياة الترحال إلى عالم الاستقرار وأصبح بعد أن كان مستهلاك سار منتجاً، وبطبيعة الحال جني الثروة من الفائض له من المزروعات عن طريق التبادل والتصدير لممالك العالم القديم ، فمصر كانت تعتبر سلة غلال العالم القديم، وذلك بسبب توفر الغلال بصورة كبيرة كانت تكفى العالم القديم أجمع أذا ما وزعت عليه، وهذا ما جعل ممالك العالم القديم تطمع فى مصر وتحتلها.

وقد أشرنا فى بحثنا هذا عن عدة نقاط للزراعة أهمها النيل العظيم وكيف ربط شعب مصر وأرضها، وكيف نشأة الزراعة وحال الفلاح المصري القديم ودور السيدات والأولاد فى الزراعة وعملية حصد وجمع المحصول، وكيف عرف التقويم الزراعي وكيف قسم السنة إلى أشهر لتساعده فى عملية الزراعة، والأشهر المصرية القديمة وعلاقتها بالفلاح فى الوقت الحالى، وتحدثنا عن الأدوات المساعدة للفلاح فى الحقل وكيفية الزراعة من إعداد الأرض وحرثها وجني المحصول وغيرة من تلك المراحل المختلفة أثناء الزراعة، وعرضنا أيضا الآلات التى كان يستخدمها فى الري والحيوانات التى ساعده الفلاح فى الحقل، والمنتجات التي كانت يزرعها الفلاح من قمح وشعير وبقول وفاكهة وغيرة من المنتجات الزراعية، وكذلك تحدثنا عن الدور الحكومي فى تطور الزراعة وزيادة المحصول، وتحدثنا عن الطفرة التى حدثت فى عصر الدولة الوسطى نتجا عنها زيادة رقع الأراضي المزروعة وزيادة الإنتاج.

النيل
قبل أن نتحدث عن الزراعة فى مصر القديمة لابد لنا أن نتحدث عن العنصر الهام الذى تقوم عليه الزراعة ألا وهو نهر النيل العظيم، حيث أن الله وهب مصر وشعبها نهراً من أنهار الجنة كما أخبرنا الحبيب محمد صل الله عليه وسلم:" النيل والفرات نهرين من انهار الجنة".

ولابد أن نوضح أثر النيل وفيضانه فى تكون تربة مصر الخصبة السمراء، وأيضا نوضح الأثر الذى خلفه نهر النيل فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية فى مصر القديمة، وكيف كان لهذا النهر العظيم فى ربط الشمال بالجنوب حيث انه كان من وسائل المواصلات وقتها هو ركوب النهر صعوداً ونزولاً، موضحين بعض أسماؤه وفضله على الشعب المصري القديم والحديث أيضا.
رسم مجرى النيل حسب خريطة بطليموس والمحفوظة بدير جبل اوتوس
رسم مجرى النيل حسب خريطة بطليموس والمحفوظة بدير جبل اوتوس

النيل والمجتمع المصرى القديم
كان قدماء المصريين يجعلون للنيل احترماً إعتقادياً، لكونه السبب الفعال فى صيانة أرواحهم من مهالك القحط والجدب، وانتشار الفاقة واستحكام الضيق، إذ كان عوام الناس وخاصتهم مقبلين على الزراعة والاعتناء بها أكثر من كل شئ.(1)

كان لنهر النيل أثرة الكبير فى الحضارة المصرية إذا ليس هناك أمة تدين بوجودها أو بخصبها كما تدين تربة مصر بوجودها وخصبها للنيل، بل ليس هناك نهر لعب فى توحيد واديه وتشابك مصالح سكانه مثل ذلك الدور الذى لعبه نهر النيل فى مختلف العصور التاريخية.(2)

والواقع أن النيل بنظامه الخاص فى الفيضان قد فرض على المجتمع الزراعي القائم على ضفافه صفتين هامتين هما الوحدة والنظام، اذ لم تكن فائدة النهر قاصر على تغذية الأرض بالمياه والغرين الذي يجدد الخصب باستمرار وإنما واجه الناس أمرين هما الخطر المشترك والفائدة المشتركة، أولهما ذلك الخطر الداهم الذي يهدد السكان جميعا وقت الفيضان، فإذا لم تضافر الجهود من اجل صد ذلك الخطر بتقوية الجسور وحراستها أهلكت ماء الفيضان النسل والحرث.

أما ثانيهما فهو فائدة المشتركة التى يمكن أن تصيب الناس إذا ما نظموا الإفادة من ماء النهر، فالزراعة فى مصر لم تكن من النوع الفطري الذى يعتمد على المطر وإنما كانت تستلزم توحيد الجهود وتنظيمها وذلك بحفر الترع وشق القنوات، وتنظيم جريان ماء النيل وتوزيعها وإقامة الجسور بين الحياض، ومثل هذه الجهود أنما يقوم بها سكان كل وحدة منظمة ولذلك تعلق السكان بأرضهم من قديم الأزل.(3)

والطريف هنا بالذكر أن تلك المشاهد التى نراهما من إقامة الجسور لصد مياه الفيضان كانت موجودة حتى بناء السد العالى، فقد ذكر لى احد أهالي قريتنا بالصعيد وهو رجل قد بلغ عمره عتياً من الزمان قارب المائة عام أو يزيد، بان أثناء الفيضان كان أهل قريتنا يقومون بتنظيم ورديات حراسة على الجسور بعد إقامتها لوقف ماء الفيضان فى الزحف على القرية، فإذا زاد الفيضان وقارب على هدم الجسر كان يقوم القائمين على الحراسة بتنبيه الناس، وذلك التنبيه كانت تقوم به إحدى سيدات القرية وهى اجهر النساء صوتا فى العويل والنواح(الزعاق او الصويت) فينتبه أهل البلد جميعا ويقوموا عن بكرة أبيهم لتقوية الجسور بالتراب والأحجار، وهذا ما كان يقوم به الأجداد وتوارثوه جيلاً بعد جيل من الفراعنة.

وأيضا هنا الجدير بالذكر أيضا أن الشرطة قد أقيمت خصيصا فى عهد الملك مينا لتوزيع ماء النيل بالتساوي على الأهالي، والمرور على السدود والجسور. وعلى الرغم من أن النيل هو شريان الحياة فى مصر إلا أن:" مصر هبة المصريين" فمصر أرض شكلتها الطبيعة، وشكلها الإنسان شيئا له ذاتيه وأهميته، وهى وطن مجتمع من بني الإنسان تربط بعضهم ببعض روابط مادية وأدبية، أنها وطن مجتمع مغاير لمجتمعات بشرية أخرى.(4)، فالنيل يجتاز آلاف الأميال بداية من خط الاستواء فى الجنوب وحتى مصبه فى البحر المتوسط شمالاً.(5) فمصر هبه النيل فالمصري وحده يستطيع جعل تلك الهبه نعمة وليس نقمة(6).

النيل والعقيدة
أما فى العقيدة المصرية القديمة والتي كان المصري القديم متمسك بها بطريقة أبهرت الممالك القديمة كلها، فقد ذكر هيرودوت والذى زار مصر فى القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح جمالة مفادها:"لم أرى شعب متدين يحب إلهه كالمصريين "

وذكر "بوزانياس" المؤرخ اليوناني الجغرافي المولود فى القرن الثاني قبل الميلاد أن المصريين اعتبروا النيل فى بدء فيضانه مجموعة من دموع المعبودة ايزيس التى تبكى زوجها أوزوريس، وقال" رينوف" يحتمل أن يكون هذا تقليداً قديماً، لأن إيزيس وأختها نفتيس تسميان فى كتاب الموتي بالنادبتين، وجاء فى نصوص أخرى كثيرة أن مجرى النيل منسوب لإيزيس أو لمعبود آخر مثل سوتيس الشبيه بإيزيس.(7) وذكري فى كتاب الموتى" أن النيل مولود من رع" أي من الشمس التى هى أكبر الآلهة عند المصريين القدماء، ويقترب من هذا المعنى أنه وجد مكتوب على ورقة بردى(من ضمن أوراق كتب التحنيط) نص بالمعني الآتي:" أنك أيها الراحل فى لحد الخلود، سيفيض عليك النيل فى مضجعك الأخير أثراً من بركاته، لأن ماءه آت من مدينة" أبو"(أسوان حاليا) وهذا النيل ينفجر من هُوتِهِ، هذا" نون" الخارج من ينبوع صخري كأن الفيضان يفور من خزانته والمياه تتدفق من ينبوعها"(8).

أسماء النيل
كان المصريين القدماء يطلقون على النيل أسماء كثيرة، جعلوا منها اسماً مقدساً له وهو"حعبي" ونقش على حجر كانوب المحفوظ الآن فى المتحف المصري، وتحته العبارة الآتية:" إن النيل حعبي نقص نقصاً عظيما فى عهد الملك بطليموس"(9).

والعامة كانوا يطلقون عليه أسم" آيور"، وقال بروكش باشا فى قاموسه الجغرافي أن كلمة" آيور" هذه مشتقة من كلمة" اور" المنقوشة علي مسلة اسكندر ذى القرنين، وجاءت في القبطية باللفظ ذاته" يور" أي نهر وترجمت التوراة في عهد أحد الملوك البطالسة وذكر في سفر الخروج اسم النيل بلفظ"ايور" الذي يشبه في النطق المصري القديم، وقد ورد اسم نيل الوجه البحري بلفظ" وعر".(10) أما كلمة نيل الحالية فهى مأخوذة من الكلمة اليونانية ذاتها بمعنى نهر.

الفيضان ومقاييس النيل
لقد كانت مناسيب مياه النيل تختلف فى جهات الوادي المختلفة، وفى ذلك يقول بلوتارك: كانت مياه النيل عند جزيرة الفنتين تصل إلى 28 ذراعاً على حين أنها كانت أمام منف تصل إلى 14 ذراعاً، كما كانت تصل قبل مصب أحد أفرع النيل فى البحر المتوسط بقليل نحو 6 أذرع فقط.
مقياس النيل فى اسوان
مقياس النيل فى اسوان

ويقول المؤرخ بلينى:" أن الفيضان أذا بلغ عند منف 12 ذراعاً فقط حدث جدب مروع، أما أذا بلغ 13 ذراعاً أمنت البلاد شر الجدب، وإذا بلغ 14 ذراعاً كان الفيضان متوسطا، وإذا بلغ 15 ذراعاً كفى متطلبات الزراعة، فإذا بلغ 16 ذراعاً كان بهجة للنفوس.

وقد حدث أعلى فيضان فى التاريخ فى عهد الإمبراطور كلوديوس أ إذا بلغ 18 ذراعاً، أما أقل فيضان سجله التاريخ فقد حدث فى عام 48 ق.م اذ بلغ 5 أذرع فقط، وقد ذكر أسترابون أن ماء فيضان النيل انخفضت انخفاضاً شديداً عام 40 ق.م، ولكنه لم يذكر مقدارها.(11)
مقياس النيل فى كوم امبو وعليه علامات التدريج

ولتقدير ارتفاع مياه النيل أقيمت مقاييس فى أماكن عده، أشهرها فى جزيرة الفنتين وطيبة ومنف، ويرجع بعض المؤرخين أن هذه المقاييس أقيمت فى أوائل عصر الأسرة الأولي، كما يدل على ذلك تسجيلات ارتفاعات مياه الفيضان فى حوليات الملوك، وهذه الارتفاعات مسجلة بدقة تصل إلى1|16من البوصة، ولابد أن فيضان النيل فى ذلك الزمن كان أقل تذبذبا بدليل أنه لم يتجاوز الفرق بين النهايات الصغرى والنهايات الكبرى فى مدى 49 عام سبعة أذرع على حين وصل هذا الفرق إلى13 ذراعا فى العصر الروماني، كما يظهر الاختلاف عن المعدل السنوي أكثر من ذراع واحد وكف واحد على قدمين أثنين.(12)

الاهتمام بمشاريع الري
ولقد أدرك المصريون منذ فجر التاريخ، أن النهر العظيم هو عماد الحياة، فهذبوا مجراه، وشقوا القنوات والمصارف وأقاموا الجسور، ودأبوا على رعايتها وتطهيرها، حتى يمكن الاستفادة من مائه والسيطرة عليه ، فكثيرا ما كانت قصور النيل، كما كانت فيضاناته العالية، سببا فى قصور الأقوات، مما أدى أحيانا إلي حدوث مجاعات خطيرة.(13)

نشأة الزراعة
ظهرت الزراعة منذ بداية العصر الحجري الحديث فكانت كشفاً جديداً فى حياة الإنسان وحضارته، بعد أن كان مجال الحياة منحصر أمامه فى جمع النبات والتقاط الثمار البرية أو الصيد أو القنص بدأ يزرع الحب ويجني الحصاد وأصبح يعيش بطريقة إنتاجية بعد ان كان يعيش على قوت يومه تحت رحمة الطبيعة وما تجود به عليه.

فبعد أن قل سقوط المطر فى شمال أفريقية وقلت موارد مياه النيل انحسر الماء عن مسطحات غرينية تصلح للزراعة، وقد قل عدد الحيوانات فوق الهضاب، وقد أغار على مصر وقتئذ أقوام من الغرب أدخلوا حرفة الزراعة فى البلاد، وقد نسب المصريون هذه التغيرات إلى المعبود أوزير وأتباعه من الآلهة.(14) وقد انفردت مصر بميزة خاصة وهى أن النيل كان يمدها بالطمي والماء كما كان شريانا للمواصلات والترابط بين سكانها. وقد عرفت فنون الزراعة فى مرمدة بني سلامة والفيوم، فكانوا أول زراع في التاريخ، ويبدو أن القمح والشعير كانوا أول الحبوب المزروعة في وادي النيل.(15)

وكان للكتان والكروم والزيتون شأن يذكر فى تاريخ المدينة والحضارة، وكانت الدلتا من أوائل المناطق التى غرس فيها الإنسان فيها الكروم والزيتون كما عرف التين والنخيل والجميز والسنط وبعض الخضر والبقول، كما سيأتي ذكر المنتجات الزراعية لاحقا. وخلاصة القول فإن وادي النيل كانوا يجددون ثرواتهم النباتية ويضيفون إليها باستمرار ما يزيد من أنتاجهم وينوع من محاصيلهم.

وقد سارت حضارة البدارى نحو تقدم ملحوظ وأدراك أوسع للحياة الزراعية، فقد اضطر أهل تلك البلدة إلى تجفيف المستنقعات ليكسبوا بعض الأراضي الزراعية حتي يسهل ريها بدلا من الاعتماد على الأمطار التى أدركوا أنها لا تكفى لري الأراضي الصالحة للزراعة. وهكذا وضعت أسس الزراعة وترعرعت منذ فجر التاريخ حيث تحولت القبائل من الصيد إلى الزراعة وأعانتهم على ذلك الطبيعة الميسرة والبيئة الصالحة، وقد احتلت الزراعة المكان الأول فى حياتهم وأضحت سبيلهم إلى العيش.(16) وأننا نعرف الكثير عن الجزء الأخير من عصر ما قبل الأسرات الذى استطاعت الحفائر الحديثة أن تكشف عن بقايا متعددة منه، وقد كان المصريون فى ذلك الوقت يسكنون فى أكواخ مبنية من سعف النخيل والطمي ويعيشون على الزراعة والصيد(17).

أثر الزراعة فى استقرار البلاد وتطور العلوم
للزراعة فضل كبير فى ابتكار العلوم، فالكتابة الهيروغليفية مكونة من عدة رسوم لأشخاص وحيوانات ونباتات وأدوات زراعية وصناعية وحربية وعلمية ومنزلية وغير ذلك. وقد كانت الزراعة كشفاً جديداً في حياة الإنسان وترتب على ذلك انقلاب كبير في طريقة معيشته فأصبح منتجاً ومدخراً بعد أن كان مستهلكا فحسب، وهكذا انقلبت الزراعة من حالة البداوة إلى الاستقرار الحياة في مصر، إذ عاش الناس في دور ثابتة يجاور بعضها البعض، وقامت بذلك القرى والمدن فوق التلال المرتفعة بعيداً عن فيضان النيل، واختلط الناس بعضهم ببعض، وظهرت الحاجة إلى تنظيم ذلك الاختلاط ومعرفة واجبات الفرد وحقوقه، وخطا القوم أول خطوة في سبيل قيام الحكومة بسن القوانين والخضوع لسلطة مركزية تعمل للصالح العام، وكذلك استلزمت الحياة الزراعية خيرات الأرض وجود وحدة متماسكة لتنظيم ماء النيل للإفادة منها واستغلال خيرات الأرض، فانتظم المصريين في جماعات صغيرة في أول الآمر ثم في إمارات فيما بعد ما لبث حتى التأم شملها فكونت الحكومات المتحدة.(18)

وقد أدي اكتشاف الزراعة إلى ازدياد ثروة البلاد وحصول المصريين على محاصيل وفيرة، فبدأ الناس يكونون ثروات منقولة من الحبوب التي تدفقت بها الحقول. فالإنتاج المنتظم للغذاء عن طريق الزراعة قد أمد الزراع في مصر بمقادير وفيرة من الحبوب مكنتهم من اختزان ما زاد عن حاجتهم منها، وهذا الفائض المدخر من الغلال أمدهم برأس مال زودهم بأسباب القوة التي كانت من عوامل التمهيد لظهور حكومات مدنية" وحدة البلاد".(19)

الفلاح المصرى
عندما نتحدث عن الزراعة لابد لنا أن نتحدث عن الفلاح وهو العامل الأول في عملية الإنتاج الزراعي، وهنا لا أقصد كلمة الفلاح بالمعنى المذكر لها أي الرجال، بل أنا أقصد هنا الفلاح والفلاحة في مصر كلا بسواء سواء.
صورة تظهر السيدات ودورهن فى الحقل

فالفلاحة المصرية لها نفس دور الفلاح فهي ما تساعد في أعمال الحقل من زرع وحصد ودرس وإطعام ماشية كما سيأتي دورها في تلك المراحل الزراعية المختلفة لاحقا، وتصور لنا النقوش والمناظر الواردة لنا من العصر الفرعوني على جدران المقابر أن السيدة المصرية الفلاحة كانت جنبا إلى جنب مع زوجها الفلاح فى الحقل، بل وكان للصغار أيضا دور فى الحقل فهم من كانوا يطعمون الماشية ويقدمون الشراب له.

وهذا الدور الفعال للأسرة المصرية القديمة المكونة من الفلاح وزوجته الفلاحة وأولادهم، مازال حتى الآن فى مصر وخاصتنا عندنا فى الصعيد أو فى أرياف الدلتا. وهكذا الفلاح المصري "الآن" وكأنما يعيش كما كان يعيش أجداده فى عصر بناة الأهرام، وتبدو كذلك أسس الرخاء والحكومة الصالحة واحدة فى الماضي، وفى الحاضر، وترددت على الأفواه عبارات التوراة، فالوزير الماهر هو"يوسف" آخر، والإمعان فى الاستئثار بما فى أيدي المصريين لم يفتر منذ أيام"فرعون".(20)

والفلاح المصري القديم وإلى الآن هو من أمهر الفلاحين فى العالم أجمع، وذلك نتيجة لتراكم الخبرات لدية، فهو فلاح أبن فلاح أبن فلاح أبن فلاح.... توارث الفِلاحة وزراعة الأرض من أجداده السابقين، مما جعله ماهرا فى عمله، يعرف الحلول أذا ما صدفته مشكلة ويعرف كيف يحلها.

وقد ساعد الله الفلاح المصري حيث وهبة أرض خصبة مباركة تفيض بالخيرات الكثيرة إذا ما رعيت جيدا، وكذلك النيل العظيم كما قلنا سابقا والذى يساعده فى الري فى أي وقت يريده، وهو نهر من أنهار الجنة كما ذكرا لنا نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام في قوله" النيل والفرات نهرين من أنهار الجنة" وأيضا الجو الممتاز التى تتمتع به مصر، وكذلك الاستقرار والأمان والعدل الذى كان يسود مصر من قديم الأزل إلى أن تقوم الساعة كما فى قولة تعالى فى القرآن الكريم:" أدخلوها بسلام أمنين" 

كل تلك العوامل أثرت على الفلاح المصرى بالإيجاب وأعطته خبرات واسعة، أستطاع من خلالها أن يكون ماهرا حذقا فى مهنته، والتى عملت الحكومات الفرعونية القديمة على تطويرها بدون شك، من أنتاج سماد وشق ترع وإقامة جسور واستصلاح أراضى جديدة. من خلال كل ذلك حول الفلاح المصرى القديم مصر إلى أنها أصبحت أكبر دولة فى العالم أنتاجا للمزروعات والتى جعلت اقتصادها بطبيعة الحال قوى، مما عاد على الشعب بالرخاء والثراء والذى ظهر واضحا جليا فى مقابرهم والكنوز التى وجدت بها، وحياة الطرف التى عاشوها وصوروها على جدران المقابر وفى البرديات. ولا ننسى هنا عبقرية الفلاح المصرى أيضا فى الأدب والشعر والخطابة، ورسائل الفلاح الفصيح خير دليل على مدى ما وصل إليه الفلاح المصري القديم من رقى أخلاقى وفكر وذكاء.

ولكن هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال ملح وهو ما دور الفلاح المصرى فى نظام السخرة؟

أستوجب الصالح العام تسخير العمال للمحافظة على منشآت الري والجسور وزد على ذلك فإن هناك فترة فى أوائل الصيف بعد جني المحاصيل من الأرض حوالي شهر ابريل، وهذه الفترة التي تصل إلى ثلاثة أشهر(مايو ويونيه ويوليو) قبل حلول الفيضان لا يجد العمال الزراعيون فى أثنائها أي عمل فى معظم الحقول الزراعية.(21) وخلال تلك الفترة تجف الترع والقنوات ولذلك يسخر العمال فى هذه الفترة أيضا لتطهير الترع وتعميقها، إذا فقد كانت الأعمال الرئيسية الخاصة بشئون الري فى البلاد تتطلب العمل فيها فى وقت لا يقوم خلاله الفلاح بأي عمل، وذلك أصبح تشغيل الفلاحين فى الخدمة الإجبارية أمر طبيعي.(22) وقد كان العمل فى الخدمة الإجبارية مرتين فقط فى عمر الفلاح كله، تقوم خلالها الدولة بتوفير الطعام والشراب والدواء للفلاح أثناء سير عملية العمل فى المشاريع العامة.

حالة الفلاح المصري القديم
لا يزال الفلاح المصر الذى نراه الآن فى الأسواق وفى المزارع حافظا لعوائد آبائه منذ آلاف السنين، فما نراه اليوم من قوة عزيمة ومثابرة على العمل وقوة إيمانه بالله وتجنه للشر ليست بنت اليوم بل هى موروثة عن آبائه وأجداده.

فبعد انقضاء أشهر الصيف وانحصار ماء النيل فى مجراه الأصلي تنكشف الأراضي وحينئذ تبتدئ حياة الفلاح العملية فيأخذ أبقاره وآلاته ومعه أولاده إن كان له أولاد ويذهب إلى حقله، فيبتدئ بعزق الأرض التي لم تيم جفافها بعد عزقاً خفيفاً بفأسه، أما الأرض إلى تم جفافها فيشقها بالمحراث كما نشاهد ذلك فى عصرنا الحالي، وفى أثناء ذلك يسلى نفسه بالغناء وهى عبارة عن جملتين أو ثلاث جمل وجيزة ذات نغمة موزونة، يتبعها ضرب ما يتأخر من الثورين، ثم يأتي رجل يبذر الحبوب فى الخط خلف المحراث وتحثه الرعاة على المسير وتزعجه بصليل سوط أو بأغانى يلحنها بصوت ضخم كمرثية أو مدحه دينية أو كوصف حال الفلاح المسكين أو كوصف العمل فيقول معناه:" الفلاح مع السمك فى الماء يتكلم مع الشلبة(نوع من السمك النيلي) ويتبادل التحية مع العبيدى، أيها المغرب فلاحك هو فلاح المغرب".(23)

ولكن السؤال هنا كيف كان الفلاح يمضى وقته؟

عندما كان يبتدئ الفلاح بحصد القمح يخرج الزراع وبأيديهم مقاطع صغيرة يقطعون بها سنابل القمح قبضة فقبضة ، وبينما هم يجدون فى العمل صفاً واحدا ً يكون الزامر بالناي مشغولاً بتسليتهم بأدوار منظومة مطربة للقلب منعشة للروح ، ويغنى معه رجل أخر بصوت رخيم مصفقاً بيديه لإظهار النغمات وتوقيع الحركات ويستنهض هممهم بعبارات تدل على تفوقه عليهم فى الأعمال .(24)
مجموعة من الفلاحين فى الحقل

وقد كان المصريون يقيمون عيداً عند قطع جسور الترع وعيداً عند شق الترع وأخر عند ضم الزرع أو عند دخول المحصول فى المخازن، فإن حصدوا وخزنوا الغلال قبل إقامة العيد واستدرار البركة من المعبودات عدو هذا المحصول محصولاً أبتراً لا بركة فيه.(25)

الملكية الزراعية
للأسف الشديد فالمقولة الشعبية أو الأغنية الفلكلورية التى تقول:"محلها عيشة الفلاح" فلا تنطبق على الفلاح المصرى سواء كان قديماً في العهد الفرعوني ولا حتى حديثا فى أيامنا تلك، فكثيرا ما وصل إلينا حال الفلاح فى البرديات والتى وصلت إلينا، والتى تصف حال الفلاح وما وصل إليه من بؤس وفقر، ناتج من فرض الضرائب، وأن الملكية الزراعية فى مصر القديمة لم تكن للفلاح، بل كانت للملوك يهبون من يشاءون ويمنعون آخرون، وطبعا كان الذين ينالهم العطاء هم صفوة القوم، من الأمراء والأثرياء والكهنة وغيرهم من علية القوم.

أما الفلاح البسيط فان يزرع فى الأرض مقابل حق انتفاع يقوم بتسديدة منتجات زراعية عند نهاية الدورات الزراعية ، وغالبا ما كانت تلك الضرائب من الغلال ، التى يقوم بجمعها الموظفين وحكام القرى والأقاليم فى مختلف أرجاء مصر بعد انتهاء موسم الحصاد 

وكما توضح لنا رسائل الفلاح الفصيح مدى ما وصل إليه الفلاح المصرى القديم من رقى أخلاقي، وأدب اجتماعي، إلا أنها أيضا توضح لنا ما كان يفعل بالفلاحين من علية القوم والسادة الحكام، فللأسف هذا حال الفلاح قديما، والتى يبدوا لى أن الفلاحين يرثون الفقر مع المهنة من الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل.

التقويم الزراعي
كان المصريون يعتمدون على ظهور نجم(سبدت) لحساب تقويمهم شأنهم فى ذلك شأن الأمم التى عاصرتهم وهو نفس النجم(سيريوس) المعروف عند العرب باسم(نجم الشعري اليمانية ) ولما كان الشهر العربي تارة29 وأخرى ثلاثون فكان يصعب تقسيمه أقساماً متساوية لذا فقد عدلوا عن اتخاذ القمر أساسا لتقويمهم. وكانوا كهان مدينة أون(هليوبوليس) أول من عنوا برصد النجوم في مصر وقد اشتهرت هذه المدينة–عين شمس الحالية- بنفوذها الديني والعلمي وتعتبر اقضم جامعة عرفها التاريخ(26).
التقويم المصرى القديم

كيف قسم المصرى القديم فصول السنة
كانت فصول السنة فى مصر أساسا لتنظيم أعمال سكانها، ولا تقتصر أثر هذه الظاهرة الطبيعية على شئون الزراعة فقط ولكنها كانت تشمل المظاهر المختلفة للنشاط البشرى، ويرجع ذلك إلى أنه كان يوجد آنذاك فترة جفاف شديدة وجدب يشمل البلاد من أقصها إلى أقصاها، تتبعها فترة يفيض فيها ماء النيل ،يعقبها نماء ومحاصيل كثيرة، ولقد عرف المصري القديم من تجارية الطويلة تلك المواعيد.(27)

فقد كان المصري القديم يقسم السنة الزراعية إلى ثلاث أقسام متساوية، تقابل ثلاث مراحل مختلفة في زراعة الأرض، فالفصل الأول الشتاء ويبدأ من أوسط أكتوبر إلى أول فبراير، وكانت تبذر فيه الحبوب فى الأرض بعد انسلاخ ماء الفيضان، وكان يسمى
(برت)
أي الخروج أي ظهور الأرض من تحت ماء الفيضان

والفصل الثاني يبدأ من أول شهر فبراير حتى إلى يونيه وهو فصل الحصاد وكان يسمى
(شمو)
أي أنسلاب المياه من على الأرض

والفصل الثالث فصل الفيضان وكان يسمى
(أخت)
من منتصف يونيو إلى منتصف أكتوبر، وكان كل شهر أربع شهور، وكل شهر ثلاثون يوماً، وتتم السنة بإضافة خمسة أيام النسئ، ولم يكن المصريون يسمون الشهور بأسماء خاصة بل كانوا يطلقون عليها عدا مضافا إلى فصلها.(28) فيقولون مثلا الشهر الأول من فصل الحصاد، والشهر الثالث من فضل الفيضان وهكذا، ولم تسمى بأسمائها المعروفة لنا إلا في القرن السادس، وهى أسماء معبودات مصرية.(29)

أسماء أشهر السنة الزراعية
لا تزال الأشهر المصرية القديمة تستعمل إلى الآن فى صعيد وأرياف مصر، أرتبط كلا منها بطقس معين أو ظاهرة معينة، صاغها المصري فى شكل مثل سهل يوضح طبيعة الشهر والظواهر الخاصة به والمميزات، وفيما يلى عرض بسيط ومختصر لشهور الزراعة المصرية.

هاتور: ويبدأ من 10 نوفمبر إلى 9 ديسمبر، ومعناه"حتحور" إلهة الخصب والجمال، ويقول المثل العامي:"هاتور أبو الدهب المنتور" كناية عن زراعة القمح الذي يشبه حبوبه الذهب.

كيهك: ويبدأ من 10 ديسمبر حتى 8 يناير، ومعناه" كا ها كا" أي اجتماع الأرواح وهو أحد الأعياد الدينية، ويقول المثل العامي:"كيهك صباحك مساك شيل ايدك من غداك وحطها فى عشاك" إشارة الى قصر النهار وطول الليل وقد اعتاد الفلاح أن ياكل فيه وجبتين من الطعام. وقد قيل أيضا فى المثل الشعبى عندنا فى الصعيد:"كيهك برد فوق وبرد تحت" دليل على شدة البرودة فى هذا الشهر.

طوبة: ويبدأ من 9يناير حتى7 فبراير، ومعناه الأعلى أو الأسمى وهو عيد القمح. ويقول المثل العامي:"طوبة نزيد فيه الشمس طوبة" أشارة إلى طول النهار بمقدار طوبة وأيضا من الأمثال الدارجة عندنا في الصعيد:"طوبة أبو البرد والعقوبة" كناية عن شدة البرد.

أمشير: ويبدأ من 8 فبراير إلى 9 مارس، ومعناه " مشير " اله الريح والعواصف وأظن انه المعبود شو ويقول المثل العامي:"أمشير أبو الزوابع الكتير، ياخد العجوزة ويطير" أشارة إلي كثرة الزوابع وأيضا يقال فى الصعيد أيضا"أمشير أبو البرد والزعابير" إشارة إلى استمرار البرد وشدة الرياح.

برمهات: ويبدأ من 10 مارس إلى 8 ابريل وينسب إلى الفرعون أمنحتب. ويقول المثل العامي"برمهات روح الغيط وهات" كناية عما يجمعه الفلاح من المحاصيل الزراعية التي تنضج في هذا الشهر وأيضا يقال فى الصعيد"برمهات فرك وهات من كل الحاجات" كناية على ظهور ونضوج معظم المحاصيل فى هذا الشهر.

برمودة: ويبدأ من 9 أبريل حتى 8 مايو، ومعناه"رنودة" أو" نوتة" إله الحصاد عند المصريين ويقول المثل الشعبي"برمودة دق بالمعمودة" كناية عن دق سنابل القمح والشعير بعد نضوجها، وفصل القمح عن السنابل بالعصا الغليظة.

بشنس: ويبدأ من 9 مايو إلى 7 يونيو، ومعناه إله"خنسو" إله القمر عند المصريين. ويقول المثل العامي"بسني يكنس الغيط كنس" أشارة إلى خلو الأرض من المحاصيل بعد حصادها.

بؤونة: ويبدأ من 8 يونيو إلى 7 يوليو، ومعناه شهر"با أونى" وهو وادي الحجارة بطيبة أي عيد جبانة وادي الملوك. ويقول المثل العامي"بؤونة نقل القمح وتخزينه للمؤونة" إشارة إلى درس القمح فى هذا الشهر ونقله وتخزين المقدار المخصص للمئونة كما يقال"بؤونة الحجر ينشف الميه فى الشجر" وكانت ليلة11 بؤونة17 يونيو توافق نزول النقطة فتميل مياه النيل إلى الخضرة وتكون بشيراً ببدء الفيضان.

أبيب: ويبدأ من 8 يوليو إلى 6 أغسطس وهو عيد الإله"ابيبى"، ومعناه فرح السماء فقد كان المصريين القدماء يعتقدون ان الإله حورس انتقم لأبيه أوزيريس الذي يمثل الخير من عدوة ست إله الشر الذي بمثل الأرض الجرداء اى انتصار الخير على الشر أو الفيضان ضد التحاريق ويقول المثل العامي"أبيب فية العنب يطيب" و"أبيب ماء النيل يدب فيه دبيب" أي يزداد فيه ماء الفيضان المتدفق بصوته ورنينه.

مسرى: ويبدأ من 7 أغسطس حتى 5 سبتمبر أصله"مس رع" ومعناه ابن رع(سا رع) إله الشمس ويقول المثل العامي"مسرى تجرى فيه كل ترعة عسرة" وأيضا يقال فى الصعيد"إن فاتك مسرى ما تلقاش ولا كسرة"(الكسرة) هى قطعة الخبز باللهجة الصعيدية(30).

الفلاح والأرض
يترك ماء الفيضان بعد انسلاخه عن الأرض طبقة من الغرين المخصب عليها، وعندما تأخذ تلك الأراضي فى الجفاف وتتحمل ثقل الإنسان، يخرج كل فلاح إلى أرضه، ويبذر فيها الحب، ويغطيه بآلة ابتدعها يطلق عليها أهل الصعيد الآن اللوح، ولا يمضي أكثر من أسبوعين حتى تبدو الأرض مخضرة الجنبات، وكانت تلك الظاهرة تعتبر التباشير للفصل الأول من فصول السنة، وهو فصل النماء والإنبات.(31) وفى أثنائه يخرج الزراع من قراهم بمواشيهم، ويقيمون فى حقولهم أكواخ من عيدان البوص(32).
صورة توضح الأب والابن فى الحقل

وبخاصة فى حقول البرسيم، وكانوا يربطون ماشيتهم فى أثناء النهار بحبال طويلة متصلة بأوتاد لتأكل من نبات البرسيم، من غير أن تطأه بأقدامها فتهلكه.(33) 

وكما هو الشأن اليوم فى غضون شهر ابريل يتم الحصاد، وعندئذ بصبح الأرض جرداء لا نبات فيها ولا ماء، ذات تربة طينية سوداء صلبة تتخللها شقوق عميقة، وعند ذلك الزراع لا يجدون عملا يعملونه غير رعى الماشية، وقد دفع ذلك الفراغ بعضهم القيام بزراعة مساحات محدودة من الأرض العالية التى تحف الترع والقنوات، ويرفعون الماء لها بالشادوف، وفى الوقت الذى تبلغ فيه الحرارة ذروتها، وينخفض ماء النيل إلى أقصى حد له، يبدأ ماؤه فى الزيادة فتبدأ تباشير حياة جديدة.(34) 

الأدوات التى استخدمت فى الزراعة
قبل أن يظهر الحديد والمعادن في مصر كان يستخدم المصري القديم كل ما هو موجود حوله في الطبيعة ويعيد تشكيل البعض كأدوات تساعده في عملية استصلاح الأرض وزراعتها، فصنع من الظران والحجر الفؤوس وغيرة من الأدوات الزراعية، وتدل لنا الحفائر التى أقيمت فى مناطق ما قبل التاريخ مصل مرمدة بني سلامة والبدارى والفيوم والمعادى، كل تلك الحفائر خرج منها أدوات مصنوعة من الظران والحجر أستخدم في الزراعة قبل اكتشاف المعادن والثورة الصناعية المترتبة على تلك المعادن المستخرجة.

وبعد أن عرف الإنسان المعادن قام الفلاح المصري القديم باستبدال أدواته القديمة المصنوعة من الحجر والظران إلى الحديد والنحاس وغيرة من المعدن، بعد أن قام بتطويعها وتشكيلها على حسب الغرض المستعملة من أجله تلك الأدوات، فصنع من الحديد مثلا سلاح المحاريث، وكذلك الفؤوس وأدوات الحصيد مثل المنجل وغيرة. وفيما يلي سوف نستعرض بعض تلك الأدوات المستخدمة في الزراعة، موضحين الغرض منها وبعض المميزات والعيوب بها.

الفأس
يعتبر الفأس أول أداة ابتكرها المصريون القدماء فهي أقدم آلات الزراعة، وكانت وما تزال عدة الفلاح المصري، وقد استعان بها على عزق الأرض منذ عصر ما قبل التاريخ، وحلت محل اليد عندما أراد حفر الأرض لزراعتها. وقد شاع استعمالها منذ عهد الأسرة الأولي في أعمال الحقول والبناء، وكان الحرث بالفأس عملاً مضنياً وبطيئاً مما جعل مساحة الأرض المزروعة محدودة(35).
صورة تبين شكل الفأس

المحراث
كان المصريون القدماء يسمون المحراث"سكا"، ولقد أدركوا أنهم أذا أطالوا يد الفأس طولا كافيا فأنه يمكنهم أن يربطوا طرفها إلى قائم يثبتونه بين رأسي ثورين. وكان الحارث يعنى بالقائمين لتوجيه المحراث حينما يشاء، وكان يثبتان بحيث يلتقي المحراث بسن المحراث الذي حل محل سن الفأس، ولم يكن لأقدم المحاريث غير قائم واحد، ولم يمضى وقتا طويلا حتى يعرفوا أن وجود قائمين أفضل.(36)
مشهد لحرث الأرض
مشهد لحرث الأرض

المنجل
ابتكر المصريون القدماء المنجل على غرار فك الثور وهو يأكل الحشائش، فأسنانه هي أسنان الحيوان وقد استعاضوا عن العظم بالخشب وعن الأسنان بالظران. وكان المنجل فى بادئ الأمر يتكون من قطعة من الخشب مصقولة ومقوسة، ثصبت فى جانبها المعد للقطع شظايا من الظران رفيعة ومشرشرة.(37)

المذارة
تتكون المذراة من قطعة من الخشب فى هيئة الكف يذرى بها الحصيد فينفصل عن الحب، وتبين أصابعها أن الإنسان قد أخذ شكلها من يده عندما كان فى بادئ الأمر يستخدمها لهذا الغرض اقتصاداً فى الوقت والجهد.(38)
 مشهد لشكل المذارة
مشهد لشكل المذارة

البلطة
كانت البلطة تستخدم منذ العصر الحجري القديم لتنظيف الأرض من الحشائش التى تضر الزرع، وقد صنعت فى بادئ الأمر من الظران ثم من النحاس في عصر الدولة القديمة، كما يشاهد ذلك على آثار ميدوم.(39)

السكين أو المدية
كانت السكين تصنع من الظران ويهذب سلاحها حتى يصير قاطعاً، أما اليد فكانت تصنع من الخشب، وقد وجدت السكين بين النقوش الهيروغليفية وعثر على نماذج لها من الأسرة الخامسة.(40) 

النورج
لم يستخدم المصريون القدماء النورج لدرس الغلال وقد استعاضوا عنه بأظلاف الماشية، كما هو الحال فى بعض بلاد مصر والنوبة والسودان، وقد بدءوا فى استخدام النورج فى العصر اليوناني الروماني. وقد استخدم المصريون إلى جانب ما ذكرناه آلات وأدوات أخرى كالمجارف والحبال لمسح الأرض والمكاييل الخشبية والمضارب التى استعملوها لفصل الحب عن أغلفته(41).

أساليب الزراعة
لكي تصبح الأرض جاهزة للزراعة أن هناك خطوات يأخذها الفلاح قبل زراعته، مثل تمهيد الأرض وتسويتها والاهتمام بالترع وتطهيرها وغيرة من الأشياء الأخرى التي تعتمد عليها الزراعة، وفيما يلي الخطوات التي كان يأخذها الفلاح قبل وأثناء وبعد الزراعة.

تمهيد الأرض وأعداده للزراعة
عقب انخفاض ماء الفيضان كان الفلاح يشرع في تمهيد الأرض وإعدادها للزراعة وكان ذلك يتطلب شق الترع والقنوات تتخللها والسهر على سلامتها.

الحرث
كان الفلاح يقوم بعد ذلك بحرث الأرض وتفتيت ما عليها من كتل الطمي الكبيرة، وقد استخدم الثيران والأبقار لهذا الغرض. ونشاهد على جدران قبور"بنى حسن" من عصر الدولة الوسطى صورة تمثل حرث الأرض وعزقها بينما العمال يتبادلون الحديث مع بعضهم أثناء العمل كخلفهم المصريين الحاليين. وهناك صور أخري على أحد جدران قبر"نخت" فى طيبة.

التسميد
كان القوم يستخدمون روث البهائم فى صناعة السماد البلدي الذي يفيد في نمو النباتات ومده بالعناصر الغذائية ويساعد على وفرة محصول الأرض. ويعتبر زرق الحمام(الزبل) أجود أنواع السماد بسبب غناه ووفرته وحرارته فهو يفيد الأرض الضعيفة وساعدها على نمو ثمرها، ويمكن القول أن روث جميع الحيوانات مفيد للأرض(42). ويذكر" بلينى" أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون سمادا ازوتيا خاصا سذرونه فى الأرض المراد تسميدها فتزداد خصباً وأن استعماله كان قاصراً على بعض الخضرة.

العزق
ويقوم الفلاح بعزق الأرض بالفأس وإذا بقيت مياه الفيضان مدة طويلة ولم تجف الأرض تماماً فيكتفي فى هذه الحالة بعزق الأرض عزقاً خفيفاً.

البذر
ثم تبدأ عملية البذر ويقوم عمال يحملون جعب البذور في أيديهم أو يعلقونها على أكتافهم وينثرون الحب ثم يطلقون الأغنام التي تدوسها بأقدمها فتدعها في ثنايا الأرض.(43)

مسح الأرض
كان المصريين يستخدمون الحبال ذا العقد لمعرفة مساحة الأرض التى كانت تعتبر أساسا فى تقدير الثروة الزراعية فى مصر توطئة لجباية الضرائب عليها من جهة وللتأكد من عدم التلاعب فى الحدود من جهة أخري. ونشاهد فى أحدى الصور فلاحاً فى حقله وقد نقش بجواره القسم التالي:"أقسم بالله العظيم رب السموات أن الحدود الصحيحة فى مكانها" ونشاهد فى مقبرة"منا " بطيبة من عصر الدولة الحديثة عملية مسح الأرض يجريها المساحين بحبال ذات عقد(44).
غرس البذور والجمع

الحصاد وجمع المحصول
يوجد على مناظر مقبرة تى فى سقارة مناظر للحصد وجمع الغلال حيث كان النبات بعد أن يتم حصده يربط حزما ويعبأ، ويبدو ذلك واضحا أيضا فى الصورة التى عثر عليها على أحد مقابر الشيخ سعيد من عصر الدولة القديمة، أما باقي النباتات كان يقتلع بالأيدي ويربط حزما ويقدم علفا للماشية.

مراحل مختلفة من عمليات الزراعة
ثم تحمل الأحزمة على الحمير وتنقل إلى الجرن، فإذا ما وصلت الحمير إلى الجرن تلقى على الأرض ثم تضاف إلى الكومة العالية من الحصاد بأن يقذف بكل ربطة فتستقر فى أعلاها ويقوم أحد العمال الساقطة من السنابل.

الدراس
ظهر فى أحد المشاهد على المقابر منظرا لجمع الغلال يبدأ بنقل المحصول فكان العمال يسوقون قطيعا من الحمير المحملة فى طريقها إلى الجرن، وإذا ما اقتربوا من مكان الحصاد نشاهد حمارا وقد جمح، فيسرع العامل من شده من ساقه قائلا له"اجر قدر استطاعتك" وكان للجرن مكاناً فسيحاً مستديراً عُبدت أرضه حيث تُنشر فيه سيقان القمح، وكان العمال يسيقون الحمير لتدوس السنابل ليخلص الحب من سنابله، ويعتبر الحمار غالبا هو الحيوان المستخدم لهذا الغرض في عصر الدولة القديمة، كما استخدم البقر أو الثور أحياناً ونشاهد ذلك في صور من أحدى قبور طيبة، وابتداء من الأسرة السادسة كان العمل قاصرا على استخدام الأبقار أو الثيران فحسب بسبب ثقل أجسامها وتركيب أظلافها.(45) إلى جانب ذلك استخدمت قطعان الغنم فى تلك المهمة كما سيأتي ذكرها عندما نتعرض لذكر الحيوانات المساعدة للفلاح فى الحقل بالتفصيل.

وقد عثر على أغنية على أحد مقابر جدران قبر"باحري" بالكاب تقول:" أدرسي أيتها الثيران فإن التبن سيكون علفا لك، والحب من نصيب أسيادك، فليطمئن قلبك ان الوقت صحو جميل" وكانت عملية الدريس يلزمها عشرة حمير او ما بين ثلاثة ثيران أو أربعة تساق وتدور فى شكل دائري فوق الجرن.
الثيران تدوس على الغلال لفصلها من سنبلها

وإذا ما انتهت عملية الدراس جمع التبن فى كومة عالية بمذارة من الخشب ذات أسنان ثلاث- تشبه الشكوة التى تستخدم فى الطعام حاليا وحجمها مثل حجم الفأس– ويصعد عاملان على الكومة ليزيدا من حبكتها.(46)

التذرية
ثم تبدأ عملية تذرية الحبوب من التبن وما علق بها من قاذورات، وقد عهد إلى النساء القيام لتلك المهمة فعلى الرغم من سهولتها إلا أنها تحتاج إلى صير ومثابرة، فنشاهدهن يقمن بها وقد عقدت على رءوسهن عصائب من كتان تقيهم حرارة الشمس وتحميهما من الغبار، ويستخدمن لذلك مذاري من الخشب قليلة التقوس تشبه راحة اليد"الكف" يملن بها على المدروس ثم يعتدلن رافعات أذرعهن إلى أعلي فبتساقط القمح مع التبن الذي تذروه الرياح فى حين تحمل الرياح التبن والمواد الأخرى بعيدة عن الحب.(47)

الغربلة والكيل و تسجيل المحصول
تقوم النساء بعد ذلك بتكويم القمح وغربلته بغرابيل مربعة حتى يتم تنقيته من التبن، ثم يكال القمح ويسجل"كاتب حسابات الغلال" الذى يقبع على قمة الكومة مقدر المحصول فى لفائف من ورق ى البردي.(48)

أدوات الري
كان الري فى مصر القديمة كله معتمد فى الأساس على ماء النيل والترع والقنوات المشتقة منه، إلى جانب بعض الأراضي القليلة التى كانت تعتمد فى ريها على ماء الأمطار. وأستخدم المصري طرق عدة للري منها:
الري عن طريق مياه النيل مباشرتا وهذا للأرض التي تقع على مستوى واحد من النيل، ويسمى ري الحياض.
أستخدم الشادوف لري المناطق المرتفعة على النيل.
أستخدم السواقي ولكن في مرحلة متأخرة من التاريخ الفرعوني ومبكرة من التاريخ اليوناني الروماني.

وفيما يلي سوف نستعرض كيف كان الري عند الفراعنة، والأدوات التي استخدمت في الري وشكلها:

الشادوف
توصل المصريين القدماء إلى اختراع الشادوف الذى يعتبر أقدم آله للري فى مصر، ولا يزال يستخدم حتى الآن وخاصتا فى المناطق المرتفعة عن النيل والترع والقنوات، والأراضي ذات المساحات الصغيرة التى يصعب وصول الآلة الحديث إليها، وبخاصة على ضفاف المنافع العامة كالطرق السريعة وخط السكك الحديدية. ويتكون من قائم فى نهايته كتلة كبيرة من الطين لتثقله وإيجاد التوازن، ويتدلى منه دلو مصنوع من الجلد كما يوجد قائم آخر لتثبيت الشادوف، ويقوم الرجل برفع المياه ليضعها فى حوض صغير من الطين أعلى منه تسير المياه فى القنوات المتفرعة فى أرجاء الحقل.(49)
الشادوف

الجرار
استخدمت الجرار منذ عصر الدولة القديمة، ونشاهد على أحد جدران قبر"مرروكا" بسقارة من الأسرة السادسة صورة تمثل عمالاً يقومون بزراعة الخص في أحواض وريه بالجرار، كما نشاهد في صورة أخري على كفن ملون عثر عليه في سقارة من العصر الروماني تمثل عاملا يحمل على كتفة جرتان فيهما ماء لري الحدائق والبساتين.(50)

الطنبور
أخترع الطنبور العالم الروماني أرشميدس الذي عاش في الفترة من عام(287-212ق.م) ويعرف باسم بريمة أرشميدس أو"لولب أرشميدس" واستخدم لري الأراضي المرتفعة في العصر البطلمي، ولم يعثر على رسم له على جدران القبور ولا يزال يستخدم في مصر حتى الآن.
صورة حديثة للطنبور

الساقية
لم يعثر على رسم للساقية في القبور ويظن العالم"دارسي" أنه شاهد ساقية عندما كان ينظف بئرا في الدير البحري بطيبة من عصر الدولة الحديثة. وأقدم ساقية مصرية معروفة تلك التى كشف عنها الدكتور سامي جبرة فى حفائر تونة الجبل عام1931م من العصر الروماني ولا تزال باقية هناك إلى الآن.
الساقية الرومانية بتونة الجبل

التخزين وصوامع الغلال
كان العمال يعبئون القمح فى غرائز ويحملونه إلى صوامع الغلال، وكانت مصر تعتبر مخزنا لتموين الشرق القديم تلجأ إليه الأقطار المجاورة لإمدادها بما تحتاج إليه من القمح، ويبدو ذلك جليا فى قصة السنوات السبع العجاف التى جاء ذكرها فى الكتاب المقدس خلال سيرة سيدنا يوسف عليه السلام– كما جاء ذكرها في القرآن فى سورة يوسف عليه السلام. وقد عرف المصريون القدماء تحميص الحبوب قبل تخزينها وذلك بوضعها فى أونى من الفخار تقام على أفران تحمى بالوقود لدرجة خاصة لتطهيرها من الحشرات وتخليصها من الرطوبة، ومعنى ذلك أنهم قد فطنوا إلى تأثير الحرارة فى تطهير الحبوب المخزنة.(51)
تخزين الغلال

أنواع المخازن
حظائر مخروطية الشكل مبنية من الطوب، وكانت تستخدم لتخزين السنابل.
حجرات سقفها على هيئة قباب، وكانت تستخدم لخزن الحبوب.
ولقد كانت تلك المخازن تغطي أرضها بطبقة سميكة من فتات الحجر منعا من تسرب الفئران إليها.

أنواع المحاصيل فى مصر القديمة
اشتهرت مصر بتنوع المحاصيل الزراعية سواء كانت المحاصيل حبوب أو بقول أو فواكه أو خضروات، فقد كان الفلاح المصري القديم يجلب كل ما هو جديد من الزراعات في البلاد المجاورة، والتي يشبه جوها وطقسها جو وطقس مصر. وفيما يلي بعض الحبوب والبقول والخضروات والفاكهة التي كان يزرها المصري القديم، وظهرت على مشاهد القبو،سواء فى مناظر للحياة اليومية، أو كقربان على مائدة القرابين التي رسمت أنواع الطعام الذي سيقدم قربان للمتوفى بعد وفاته، وبالطبع كان يشملها الحبوب والخضروات والفاكهة والبقول.
تنوع المحاصيل الزراعية

القمح
القمح من أهم المحاصيل التي زرعها المصري القديم لسد حاجته من الغذاء، بل وقد غطى حاجته وصدر لدول العالم القديم أجمع، فكانت مصر تعتبر سلة غلال العالم القديم. وكان للقمح أهمية حيث كان الطعام اليومي الرئيسي للمصري القديم هو خبز القمح أو الشعير مع الجعة، إلى جانب أي نوع أخر من الطعام ولكن فى الأساس الخبز أساسي فى أي مائدة، ولا تزال المائدة المصرية إلى الآن لا تخلوا من خبز القمح.

وللقمح أسماء عده منها : 
بوتت: كما ظهر فى نقوش من الأسرة الخامسة.
برت: والذى أشتقت منه الكلمة العربية "بُر" بمعنى قمح.
قمحو: وقد ذكرت فى بعض المتون ، وقد أخذت منها العربية كلمة قمح الحالية.
بدت أو بتت.
سوت: وتحورت الكلمة فى القبطية أي"سوو".

الشعير
كان الشعير ذا أهمية كبيرة فى مصر القديمة، فمن الشعير صنع المصري القديم خبز الشعير والذي كان معروف جدا وقتها، ومن الشعير أيضا صنعوا الجعة(البيرة) والتي كما قلنا أنها كانت من أساسيات المائدة عند المصري القديم، وكانت تقدم كقرابين للمعابد وفى المقابر.

وقد عرف الشعير بعدت أسماء منها :
جت: كما جاء فى نقوش من عصر الأسرة السادسة.
ايت: كما ذكر فى المتون القديمة . 
جت أو جوت كما أطلق عليه بالقبطية . 

البقول
اشتهرت مصر بزراعة البقول من عصر ما قبل الأسرات وكانت تسمي"بكن" ولعل الاسم الحالي"بقل" مشتق منها، وقد زاغ صيتها فى العالم القديم حتى ان قوم موسى عليه السلام قد اشتاقوا إليها بعد خروجهم من مصر كما ورد في الآية الكريمة:" وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فأدع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها"(52).

الفول
غذاء المصري من قديم الأزل إلى الآن، حيث عرف الفول من العصور الفرعونية الأولى، فقد كان يقدم كقاربين للمتوفى. وذكر في البرديات الطبية مثل بردية ايبرس وكاهون وهاريس بأسماء مختلفة مثل"أوريت" و"أور" و"أورى" و"فور" ولعلى الاسم الحالي فول مشتق منها بعد أن قلبت الراء لاما ، كما ورد في القبطية باسم"أورو" و"أور" و"فاباو". وقد ورد في المتون القديمة أن رمسيس الثالث وزع كثيراً منه على مخازن معابد الإله آمون بطيبة.

ولكن ما هي حكاية الطعمية الفرعونية ؟
مما يلفت النظر ما نشاهده من صنع أربع فطائر من هذا الفول، وقد مزجت عجينتها بالماء في حوض، ويذكر المتن ما يأتي:"خبز أرغفة يوميا للإله آمون والآلهة التابعين له".

ويلاحظ أن هذه العجينة قد أخذت من الحوض وقطعت إلى أجزاء في هيئة أقماع، وذلك بدحرجتها على لوح ثم أعطائها الشكل النهائي باليد، ولابد أن هذه الفطائر كانت تسوى على النار والدليل الوحيد على ذلك هو وجود فرن لم يوقد بعد، ومن المرجح أن هذه الأرغفة هي"الطعمية" التي تعمل من الفول في الوقت الحالي.(53) 

طرفة
ومن الطريف أن الفول أيضا كانت تصنع منه"البصارة" المستخدمة في مصر اليوم واسمها بالقبطية"بسى- أورو" أي فول مطبوخ كما يعمل الفول النابت والفول المدمس.

العدس
وقد ذكر العدس في الأوراق البردية من عصر الدولة الحديثة باسم "عرشا" و"عرشانا" وعرف في القبطية باسم "أرش" و"أرشان" ووجدت رسومه لأول مرة على أحدي جدران معابد الأسرة التاسعة عشر.

الحمص
ذكر الحمص في الأوراق البردية وبخاصة بردية"ايبرس" الطبية من عصر الدولة الحديثة باسم"حنبت"، وعثر على اسم آخر له هو"حر-بيك" مما يدل على دقة المصري القديم فى الملاحظة لان "حر" معناها رأس و"بيك" معناها صقر أي"رأس الصقر" التي تشبه بذرت الحمص، وقد عرف فى القبطية باسم"حوف".

الفاكهة والخضروات
عرف المصري القديم أنواع كثيرة من الفاكهة ورسم معظمها على موائد القرابين في مقابره ومعابده، فقد عرف المصري القديم التين والعنب والذي كان يزرع في الدلتا بشكل كبير، وأيضا عرف فاكهة الجميز والتي أكل ثمرها وأستخدم خشبها وفى النهاية سارت شجرة مقدسة قدسها المصري القديم ومثل عليها المعبودة"حتحور" واقفة فوقها، لذلك أرتبط الجميز بالمعبودة حتحور على مر التاريخ الفرعوني القديم.

وأيضا من الفواكه التي عرفها المصري القديم وذكرها في بردياته الطبية الرومان والذي ذكر أنه يعالج أمراض المعدة واضطرابات المعدة والقولون، وعرف أيضا البلح"التمر" والذي زرع بكثافة في الواحات المصرية، وعرف النبق وذكر فوائدة كمطهر معوي في البرديات السالف ذكرها.

أما الخضروات فقد عرف المصري القديم معظم الخضروات التى لا نزال نزرعها إلى الآن فى مصر مثل الخص والذي كان يقدم للمعبود"مين" المعبود الرسمي لمدينة فقط وأخميم فى الصعيد، وقد ذكر في البرديات أن الخص يقوى الخصوبة لذلك نسب للمعبود"مين" معبود الخصوبة عند المصريين القدماء.

وعرف أيضا المصري القديم البطيخ ورسمه بكثرة على موائد القرابين فى المقابر كما فى مقبرة"خنوم حتب" ببني حسن بالمنيا ، وأيضا زرعوا الكرات والفجل والذي ذكرت فوائدة فى بردية "ايبرس" كما عرفوا الملوخية وزرعوها إلا أنهم لم يأكلوها إلا بعد دخول الهكسوس مصر، وذلك ظنا منهم أن الملوخية نبات سام. وأيضا عرفوا البصل والثوم والتي ذكرت أيضا فوائدهما في البرديات الطبية، وكذلك عرفوا الكوسة، هذا إلى جانب النباتات التي زرعت لتسمين الماشية مثل البرسيم الحجازي وغيره. وتوضح لنا الآية القرآنية من سورة البقرة والتي تقول:"وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد بأدع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها".

على تنوع المحاصيل الزراعية فى مصر القديمة، وثراء أرضها بتلك المنتجات التي كان معظم الممالك فى العالم القديم تفتقر إليها وتستوردها من مصر، بل وجعلت بعض تلك الممالك تطمع فى احتلال مصر، وذلك لوفرة المنتجات الغذائية التى تجود بها الأرض المصرية الكريمة، والتى ستوفر بطبيعة الحال الغذاء لشعوب وجيوش تلك الممالك القديمة، ولكن هيهات هيهات فمصر"مقبرة الغزاة" كما يقال، وكم أثبت لنا التاريخ. وأيضا من الخضروات التي عرفت فى العصور الفرعونية المختلفة وزرعها الفلاح المصري القديم الباذنجان والجلة والسلق والخيار والكرنب والقتا واللفت والبسلة بأنوعها(54).

الزهور
ومن الزهور المعروفة عند المصري القديم: حصا اللبان– الورد بأنوعة– الريحان– غصن ألبان- النرجس– عباد الشمس– التمر حنة– الآس(55) هذا الى جانب زهرة اللوتس رمز الملكية المصرية عبر جميع عصورها القديمة.

القطن
كان شجر القطن يورع فى الأراضي المصرية وقد ذكر العلامة"بولوكس" فى صحيفة 75 و76 من المجلد السابع لكتابة أن شجرة القطن كانت تسمى عندهم بشجرة الصوف، وان المصريين كانوا يزرعونها فى مصر(56).

الكتان
هذا إلى جانب الكتان الذي كان يصنع منه الملابس البيضاء الجميلة، والتي تتميز برقتها ونعومتها ومقاومتها للشمس والبرد فى نفس الوقت، وبالكتان وصناعته ساد المصري القديم دول العالم وممالكه القديمة، إلى جانب أوراق البردي المستخدمة فى الكتابة والتى كان لا يعرفها ولا يصنعها فى العالم القديم إلا المصريين.

وقد ذكر عالم المصريات"شونفورت" أن القطن المصري كان من النوع المسمى"لينوم هيمبلة" الجاري زراعته فى مصر الى وقتنا هذا، وقد وجد فلندرس بثرى بذورا من الكتان فى مقبرة بهوارة بالفيوم، وكذلك فى مقابر كاهون من عصر الأسرة الثانية عشر(57).

قصب السكر
ذكر عالم المصريات"شونفورت" أن جميع الأقلام التي وجدت فى التوابيت المصرية كانت مأخوذة من عيدان قصب السكر، وقد عثر عالم المصريات الشهير"فلندرس بترى" على بقايا من هذا الصنف فى الحفائر التى كان يقوم بها(58).

الحيوانات المساعدة فى الحقول
أستخدم المصري القديم الحيوانات الأليفة فى الحقل، وذلك لتساعده فى العمل وتعمل على سرعة انجازه فهو محكوم بقوت قليل للزراعة، وهى الأشهر التى ينحصر فيها النيل وفيضانه، مما جعل المصري القديم يفكر فى ترويض الحيوانات واستغلالها فى أعمال الحقل، فمعظم تلك الحيوانات كانت فى العصور الحجرية متوحشة غير أليفة، بل كان عدوها الأول هو الإنسان، وسوف نتعرض بعض الحيوانات المساعدة فى الحقل على سبيل المثال ذاكرين الغرض التى كانت تستخدم فيه تلك الحيوانات.

الثيران
كانت الثيران فى مصر القديمة نوعين: الزيبو الأفريقي وله قرون طويلة، والنوع الثانى ذو قرون قصيرة، ولم يكن النوع الأفريقي ذو القرون الطويلة قوى البنية متيناً، ولذلك تعرض للانقراض سنة 1863م. وكانت تستخدم الثيران فى جر المحاريث التى تعد الأرض للزراعة وتعمل على تهويتها وتقليبها(59).

الأغنام والماعز
المعروف أن المصري القديم قد قدس الأغنام، فقد كانت تمثل المعبود آمون فى شكله الحيواني، كما استخدمها فى اللغة المصرية القديمة كمخصص لكلمة محترم، من هنا جاء احترام المصري لتلك الفصيلة من الحيوانات، وعمل على تربيتها وإكرامها أيضا. وكانت هناك سلالة من الأغنام ذات قرون أفقية متلوية، وكانت أكثر انتشارا فى عصر الدولة الوسطى، ولكنها لم تلبث أن انقرضت، وكانت في مصر سلالة أخرى من الأغنام ذات قرون مقوسة، وهو النوع الذى نشاهده في تمثال جوبتر آمون، ولا تزال تلك السلالة موجودة فى مصر المعاصرة(60).

أما الماعز فقد كان منتشرا فى عصور مصر المختلفة منذ قديم الأزل، ونرى الماعز على رسوم المقابر متسلقا الجبال والشجر، ويظهر هذا واضحا جليا فى مقبرة باكت في بنى حسن ومقبرة خنوم حتب أيضا ببني حسن.

وقد استخدمت الأغنام فى عمليات درس الغلال، فقد كانت تنشر السنابل على الأرض، ومن بعدها يمر عليها الغنم فى جماعات بشكل منتظم ذهبا وعودة على الجرن المراد درسه، فيعمل على تفكك الحبة من السنابل إلى الأرض، ومن بعدها يقوم الفلاح بجمعها بعد تذريتها.

الحمير
لقد كان الخنزير موجوداً فى مصر فى عصورها المختلفة، ولكن المصريون كانوا يعزفون عن اقتنائه فكانت تقوم بتربته إحدى قبائل البدو على حافة الصحراء ، ولعل سبب عزوفهم عن اقتنائه أنهم كانوا يعدونه مكرسا لخدمة الإله ست الشرير ، أما الحمار فعلى الرغم من أن المصريين كانوا يعتقدون أن الإله ست يتقمصه ،فكان لذلك مكروها ، فإن حاجتهم إليه لحمل أثقالهم حالت دون نبذه والتقليل من شأنه ، ويبدو أنه جئ به من ليبيا اذ كان موجودا فيها من قبل عصر الأسرات الأولى ، وما لبث أن عم استخدامه .(61) 

الجمل
أما الجمل فكان عدة البدو الذين كانوا يقيمون فى الجهات التي تحف مصر، ولقد عم استخدامه في حمل المحاصيل والبضائع وزاد المسافر وبخاصة فى عهد الأسرة الأولي والأسرة التاسعة عشرة والأسرة الخامسة والعشرون، وكذلك فى العهد الروماني(62).

الخيل
هناك مقولة خاطئة تقول أن مصر لم تعرف الخيل على وجه الإطلاق إلا بعد دخول الهكسوس إلى مصر، ولكن ثبت عكس ذلك حيث عثر فى مقبرة بالنوبة تعود لعصر الدولة القديمة على جسد حصانين محنطين، ولكن المعروف أن المصريين لم يستخدموا  إلا بعد دخول الهكسوس إلى مصر، وذلك لان من المعروف تاريخيا أن أول من روض الخيل هو إيساف بن سيدنا إسماعيل بن خليل الله إبراهيم"عليهما السلام"، وكان ذلك في الجزيرة العربية فى زمن الدولة الوسطى فى مصر تقريبا. وبدأ ظهورها فى مصر على جدران المقابر من بداية الأسرة الثامنة عشر. وقد استخدمت آنذاك فى جر العربات الحربية ، ويبدو أنها كانت ضئيلة الجسم غير صالة للركوب عندما جئ بها أول مرة.

الكلاب
كانت الكلاب مصر ولا زالت حتى اليوم سلالات كثيرة من الكلاب، مما يدل على أنه جئ بها من مناطق وبيئات جغرافية مختلفة اختلافاً يبنا فى طرق المعيشة، وكان النوع ذو الحجم الكبير يستخدم فى الصيد والقنص، وكان النوع المتوسط منبوذاً يعيش على فضلات الطعام، أما الأنواع الصغيرة فقد كانت يحتفظ بها فى المنازل ليأنس بها أصحابها ويدللوها(63). وقد أستخدم الفلاح المصري أيضا الكلاب فى أمور عديده، مثل الرعي للحفاظ على الغنم من خطر الذئاب، وأيضا فى الحقل وذلك لحراسة الماشية من السرقة، والتى كانت تظل فى الحقل أيام الزراعة وحتى الفيضان كما ذكرنا سابقا.

والكلب الآرمنتى (الكلب الفرعوني) هو من أشهر الكلاب فى العالم، وهو ما ظهر على نقوش المقابر مع الملوك والأمراء فى رحلات صيدهم، والجدير هنا بالذكر أن هذا الكلب كان موجود فى مصر حتى دخول الانجليز مصر، وكعادة الاحتلال البغيض عملوا على ترحيل جزء كبير من تلك الكلب لبريطانيا ، مع التخلص من الجزء الباقي فى مصر عن طريق القتل أو التهجين، والطريف أيضا أن تلك الكلاب لا يملكها إلا الأسرة الملكية فى بريطانيا، يستخدمونها فى الصيد، وقد بلغ ثمن الكلب من تلك الفصيلة لآن أكثر من مليون دولار!!!

الطيور
بسبب موسم الفيضان الطويل عمد الفلاح المصري القديم إلى تخزين الغلال، وإلى جانب ذلك كان عليه أن يوفر البروتين الذي يساعده على العيش فى أشهر الفيضان الطويلة، فقام بتربية الطيور وبخاصتا الطيور الداجنة، ومن أشهر تلك الطيور الإوز والذى زين المقابر المصرية بأشكاله البديعة، هذا الى جانب البط والدجاج وغيرة من الطيور الأخرى والتى كان يذبحها الفلاح المصري فى الأعياد والمناسبات وأيضا يستفيد من بيضها.

ولقد كان التفريخ الصناعى للبيض من مبتدعات المصريين، وكان غير معروف فى الأقطار الأخرى، ولقد كان المصريين يعدون للأفراخ حظائر مصنوعة من الفخار ذات أبواب لوقايته من البرد والثعالب ليلا(64).

الإدارات الحكومية الخاصة بالزراعة
كان يوجد فى عهد القدماء المصريين إدارة خاصة يديرها رئيس تسمى(إدارة الشونة) كانت تشرف على خزن الغلال وتملك شوناً كثيرة ،تنشأ فى مختلف المقاطعات كل واحدة منهم تحت إدارة خاصة يساعدها بعض الكتبة والعمال، كما يشاهد ذلك فى نقوش قبر العظيم"متن" من عصر الدولة القديمة. وكانت توجد أيضا إدارة هامة تسمي"إدارة التموين" للمحافظة على المحاصيل القابلة للتلف، يرأسها مدير لها فروع تدير المخازن المحلية يسمى رئيس كل منها"مدير إدارة التموين".

وكانت هناك مخازن فسيحة فى عاصمة كل إقليم، تجمع فيها المحاصيل، ويرسل معظمها إلى العاصمة، حيث كانت تخزن فى مخازن بنيت بجوار قصر الفرعون خصيصا، وذلك لتوينه هو وجيشه مما جعل منه مدينة قائمة بذاتها تشمل كل ما يحتاج إليه من طعام وشراب، وتصرف منها أجور العمال، ويدخر ما تخلف بعد ذلك لاستخدامه وقت الحاجة(65).

الإصلاحات الزراعية فى عصر الدولة الوسطى
كانت الزراعة وخاصة فى الصعيد، المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لغالبية السكان، وقد أولي حكام الدولة الوسطى، وخاصتا فى عهد الأسرة 12، الزراعة عناية بالغة، شملت طرق الزراعة، وأدوات الإنتاج الزراعي، وفن إدارة المزارع، والرقابة على العمليات الزراعية، وتجميع وحفظ الإنتاج الزراعي، اذ كانت الدولة وخاصتا فى عهد تلك الأسرة توزع الأراضي الزراعية على الأسر بالتساوي وتراقب عملية استغلالها، وكانت تستعيد الأراضي من الأسرة التي تهمل زراعتها ،كما كان الإنتاج الزراعي يخضع إلى حصر وإحصاء دقيق حفظا لم تم إنتاجه من حاصلات(66).

وقد سار ملوك الدولة الوسطى على درب أسلافهم فى الاهتمام بالنيل والزراعة واهتموا اهتماما بالغا بمشروعات الري، بهدف الاستفادة من ماء النيل والسيطرة عليه، فحرصوا على تسجيل منسوب مياه النيل، كما اشتهروا بمشروعات الري العظمى ،خاصة فى إقليم الفيوم، ففي عهد الملك"سنوسرت الثاني"بدأ الاهتمام بمشروعات الري في الفيوم، وفى عهد"أمنمحات الثالث" أقيم سد عند مدخل الفيوم بالقرب من قرية الأهون، لمنع الفيضان من إغراق أراضي هذا الإقليم، وتخزين المياه للاستفادة منها عندما تدعوا الحاجة إليها، وقد اقترن هذا المشروع العظيم بشق الكثير من القنوات والمصارف والجسور فى إقليم الفيوم، وقد مكن هذا المشروع من استصلاح أكثر من 27 ألف فدان، ولكن يبدو أن الاهتمام بمشروعات الري لم يقتصر على هذا الإقليم فقط بدل امتد إلى جميع البلاد كلها(67).

وقد ظل سد اللأهون قائما على اقل التقدير إلى عام 24 ق.م كذلك عمد ملوك الدولة الوسطى على توفير المياه النقية لبعض المناطق النائية، والمثال على ذلك مخازن المياه والآبار التى أقامها"منتوحتب الثاني" فى الطريق الموصل للبحر الأحمر ماراً بالحمامات، وذلك لتوفير المياه للقوافل التجارية، التى كانت تذهب إلى بلاد"بونت" عن طريق البحر الأحمر(68).

ملحوظة لمعرفة الهوامش الخاصة بالدراسة إكتب أرقام الهوامش التى تريدها فى تعليق على المقال وسيكتبها لك الآثارى صاحب البحث/ محمود مندراوى.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016