حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

تاريخ مصر الخرافى والمغلوط - للدكتور سام حواس


بقلم د/ سام حواس - جامعة أمستردام 

تاريخ مصر الخرافى هو تاريخ مصر الفرعونى كما كان معروفاً فى الماضى قبل تمكن العلامة الفرنسى شامبليون من فك شفرة الهيروغليفية المصرية، وقبل أن يهتم العلماء والباحثون باكتشاف تاريخ مصر الفعلى عن طريق البحث العلمى والاكتشافات الأثرية. تاريخ مصر الخرافى ذاك نجده فى مؤلفات القرون الوسطى وإلى اليوم حتى فى عقول بعض الناس. فقبل شامبليون(1790-1832) كانت الهيروغليفية المصرية ذاتها تفسر بنحو خرافى، وكان السائد أن الرسومات الهيروغليفية ليست حروفاً ولكن رموزاً لأشياء. ومن ذاك المفهوم الخاطىء كانت تلك الرسومات تترجم وتفسر بطريقة خرافية عن طريق المنجمين والسحرة ورجال الدين والجهال فى الشرق والغرب. 

قبل الاكتشافات و البحوث العلمية التى فتح بابها شمبليون، كان كل المعروف من تاريخ مصر الفرعونى هو ماذكر فى الكتب الدينية، كقصتى موسى وفرعون وسيدنا يوسف، مضافاً إليها كم كبير من القصص والتفسيرات الخرافية. هذا رغم أنه قد كانت هناك كتباً لرحالة ومؤرخين يونانيين ورومان من أمثال هيرودوت وديودورس الصقلى واسترابون وبلوتارك وغيرهم ممن زاروا مصروكتبوا عنها وعن ثقافتها وتاريخها بموضوعية. وهذا يوضح أن كتاب مصر ومؤرخيها فى العصور الوسطى فى الأغلب لم يطلعوا على تلك المؤلفات. وهى ملحوظة أشار إليها المستشرق فان هومر فى كتابه عن تاريخ الدولة العثمانية بقوله:"ان أغلب الأتراك والفرس والعرب لايروا عجائب مصر على النحو الذى يراه الأوروبيون وكما رأه اليونايون والرومان... وأنه بينما مصر تعتبر عند الأوروبيين المنبع الأول للعلوم و الفنون ومهد للهندسة والبناء والزراعة والكتابة والملاحة، ويجلونها هى وعقائدها، ويعجبون بآثارها ومعابدها وأهرامها ومسلاتها وتماثيلها، نجد أن الشرقيين لايروا فى المعابد والتماثيل وأبو الهول سوى مخابىء سحرية لكنوز مدفونة تقوم على حراستها التماثيل والرسومات، ولا يعتبرون الهيروغليفية إلا طلاسم تخفى عن الناس طرق استخراج الذهب... إنهم لا يعرفون من الفراعنة سوى فرعون يوسف وفرعون موسى الذى بلعه البحر".

بطبيعة الحال، المستشرق هومر كان يتحدث عن فترة كان العلم فيها منعدماً أو شبه منعدم فى بلاد الشرق ، ولم يكن قد ظهر فى مصر بعد متعلمون يهتمون بتاريخ بلدهم وأثارها. المفكر المصرى سلامة موسى(1887-1058) حكى أنه حينما سافر إلى أوروبا فى سنة1908 لفت انتباهه إهتمام الأوروبيين بتاريخ وآثار مصر وكانوا دائماً يسألونه، بوصفه مصرياُ، عن تاريخ مصر وآثارها، لكنه لم يكن قادراً على الإجابة، مما جعله يسافر إلى الصعيد بعد عودته مباشرة من أوروبا، ليتعرف على تاريخ مصر الذى يهتم به الأوربيون بينما المصريون لا يدرون عنه شيئاَ.

المصريون وتاريخ مصر
بعد دخول المسيحية مصر اختفى تاريخ مصر الفرعونى من ذاكرة المصريين، وعجزوا عن قرأة الحروف المصرية القديمة (الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية)، وتم تدمير وتخريب العديد من المعابد المصرية. فالمسيحيين المصريين فى ذاك الزمن لم يهتموا بأبعد من تاريخ مصر منذ أن دخلتها المسيحية، بل ظهرت فى مصر حركات تعادى تاريخ مصر الفرعونى وآثارها. المؤرخون المسلمون من جهتهم لم يهتموا بما كتبه المؤرخون اليونانيون والرومان عن تاريخ مصر، فكانت كتبهم تبدأ بقصص خيالية تروى تاريخ مصر الخرافى. مثلاً المقريزى (1365-1441) يبدأ كلامه عن تاريخ مصر بقوله:"ويقال كان اسمها فى الدهر الأول فبل الطوفان"جزلة" ثم سميت مصر، وقد اختلف أهل العلم فى المعنى الذى سميت من أجله مصر".

ابن تغرى بردى (1410-1470) إتفق مع المقريزى فى أصل الإسم لكنه اختلف معه فى اسم "جزلة" حيث كتبه "زجلة" وشرح أنه اسم مشتق من "المزاجلة". ابن اياس(1448-1523) من جهته ذكر كلام مشابه، وحكى قصة سام وحام ويافث وأرفخشد أولاد نوح، وأن نوحاً دعا لمصريم بن تيصر بن حام أن يسكن فى الأرض المباركة، والتى هى أم البلاد وغوث العباد. كل الكتاب العرب تناولوا تاريخ مصر على هذا النحو. حتى ابن العبرى(1226-1286) رغم أنه كتب عن تاريخ العالم من أيام سيدنا أدم، مرورا بفارس واليونان والمغول، ولم يترك شيئاً إلا وكتب عنه، لم يذكر عن تاريخ مصر الفرعونى سوى أن هرميس هو إدريس العرب.

المؤرخون المصريون لم يخترعوا تلك القصص، وكانوا عادة مايخلون مسئوليتهم فى بداية القصة بكتابتهم لكلمة " يقال"، وكانوا أحياناً يشرحون أن هذا هو ماسمعوه أو قرأوه وأن الحقيقة لا يعلمها إلا الله. لكن القصص التى دونوها، وهم نقلوها عن الكتاب العرب، بطبيعة الحال، توضح الأفكار التى كتنت سائدة فى مصر عند مصريين القرون الوسطى بخصوص تاريخ مصر الفرعونى. لكن الغريب هو أن المؤرخون المصريون لم يلتفتوا إلى ماكتبه المؤرخون اليونانيون والرومان.

حكام مصر الخرافيون
فى التاريخ الخرافى يتم تقسيم تاريخ مصر فيه إلى فترتين، فترة ماقبل الطوفان، وفترة مابعد الطوفان. يحكى تاريخ الخرافى أن مصر قبل الطوفان اشتق اسمها من اسم "مصرايم بن مراكيل بن داويل بن عرياق ابن أدم (مصر الأول)، الذى استقر فى مصر مع ابنه" نقراوش بن مصرايم" وسبعين من نسل"عرياق"، وكلهم كانوا"جبابرة". مصرايم هذا شق الترع والقنوات، وشيد أبراجاً كتبت على جدرانها أسرار الحكمة. وتروى القصة أنه قبل وفاته قام بتقسيم أرض مصرعلى ابناءه، فمنح نقراوش غرب مصر، و منح سوريد شرقها. أما ابنه الذى كان يدعى أيضاً "مصرايم" (مصرايم بن نقراوش الجبار، وهو مصر التانى) فقد وهبه مدينة اسمها "يربيان" . ولما مات الأب مصرايم، بعد أن بلغ من العمر180 سنة، قام الأبناء بتحنيط جثمانه ووضعوه فى تابوت من الذهب، ووضعوا فى قبره كنوز وتماثيل من الذهب ومعها طلاسم سحرية لحماية المقبرة من الزواحف واللصوص.

فى التاريخ الخرافى أول من صنع مقياساً للنيل كان رجلاً يدعى "خصليم"، وبعد أن صنع المقياس وضع جواره تمثالين لنسرين، ذكر وأنثى. وكانت عادته أن يذهب إلى المقياس وقت الفيضان وفى صحبته الكهنة الذين كانوا يظلون يتلون التعاويذ إلى أن يقوم أحد نسر من النسرين التصفير، فإذا صفرتمثال النسر الذكر كان ذلك يعنى أن الفيضان فى تلك السنة على مايرام، وأن مياه النيل سترتفع وسيعم الرخاء أرض مصر فينعم قاطنيها. أما إذا صفر تمتال الأنثى فذلك كان يعنى سؤ الفيضان وأن القحط سيعم البلاد.

وعن بناء الأهرامات هناك قصتين فى تاريخ مصر الخرافى. تروى القصة الأولى أن الذى بناها كان رجلاً يدعى "شداد بن عاد" بمساعدة العماليق. وتروى القصة الثانية أن الملك "سوريد بن سلهوق بن سرياق بن ترميل دون بن قدرشان بن هوصال"، وهو من ملوك ماقبل الطوفان الذين كانوا يعيشون فى مدينة الأشمونين، هو الذى بناها لكى يلجأ إليها عند حدوث الطوفان الذى كان قد حلم به قبل وقوعه بثلثمائة سنة. وفى رواية أخرى قيل أن الذى تنبأ بحدوث الفيضان لم يكن سوريد ولكن حكيماً كان يدعى" فيلون". وأنه بعد الإنتهاء من بناء الأهرامات وضع سوريد بن سلهوق بداخلها تاريخ الملوك وأحداث مستقبل مصر إلى آخر الزمان كما هو مدون فى لوح القدر. كما وضع فيها كل العلوم وطلاسم وأموال وجثامين للملوك وصور للكواكب وعقاقير وسموم وغير ذلك من أشباء. و تضيف القصة أن سوريد بن سلهوق هذا هو أيضاً الذى بنى البرابى والآثار الموجودة فى قفط وإخميم، ونقش على جدرانها وعمدانها أسرار العلوم وأسامى النجوم وخواص النباتات وطرق عمل الطلاسم . أما المؤرخ المصرى ابن تغرى بردى فقد نقلل عن المسعودى وغيره من الكتاب العرب أن هرميس، الذى اسمه عند العبرانيين "خنوخ" وعند المسلمين "ادريس"، هو الذى تنبأ بالطوفان عن طريق متابعته لحركات النجوم، فأمر ببناء الأهرامات، وخبأ فيها الأموال وكتب العلوم وكل ماخشى على فقدانه وقت الطوفان.

ملوك مصر بعد الطوفان
أما عن ملوك مصر بعد الطوفان فالتاريخ الخرافى يحكى أن "مصرايم بن بيسر بن حام بن نوح"(مصر الثالث) كان أولهم، وهو الذى من بنى السفن فى مصر. تزوج مصرايم ذاك من ابنة الحكيم فيلمون وأنجب منها "قبطيم"، وتعلم من الحكيم فيلمون قرأة الكتابات التى كانت موجودة على جدران البرابى، وبنى مدينة رقودة على البحر المالح. توفى مصرايم بعد وقوع الطوفان بسبعمائة سنة وخلفه ابنه قبطيم ملكاً على مصر، وتزوج فبطيم وهو لايزال فى التسعين من عمره، فأنجب قفطاريم وأشمون وأتريب وصا الذين بنوا مدينة "مافا"(منف) ودله جده الحكيم فيلمون عن أماكن الكنوز التى خبئت قبل الطوفان.

بعد قبطيم تربع قفطاريم على عرش مصر لمدة 400 سنة، وفى عهده عثر الشيطان على غالبية الأوثان التى أغرقها الطوفان وأعادها إلى المعابد لكى يكيد للناس. حكم قفطاريم مصر 400 سنة ثم مات ودفن بين كنوزه وهو جالس على كرسى فى الجبل الغربى عند مدينة"إرم ذات العماد"، و لحماية مقبرته وضعا صنمين نحاسيين يمسك كل منها بسيف فى يد متحركة للفتك بكل من يحاول دخول المقبرة.

وبعد قفطاريم حكم " البودشير" مصر لمدة 400 سنة، وهو الذى شيد أهرامات دهشور. وتقول القصة أنه كان رجلاً تقياً، برع فى السحر والكهانة وعمل الطلاسم، وكانت له قدرات على فعل العجائب. ومن ضمن عجائبه أنه صنع شجرة من النحاس، إن مر أمامها حيوان أو طائر يتسمر فى مكانه، فيأخذه الناس ويأكلونه. وعلى هذا النحو، بفضل تلك الشجرة، عم الخير مصر وشبع المصريون من أكل اللحوم. ومن الشخصيات التى عاصرت عهد البودشير كان هرميس الذى كلفه قفطاريم بالعثورعلى منبع النيل لوضع طلاسم هناك. إلا أن البودشير إختفى ذات يوم فجاءة بسبب صعوده إلى السماء حيث سكن فى السحاب. ظل البودشير مختفياً إلى أن أطل ذات يوم على جنوده وأمرهم بتنصيب ابنه "عديم" ملكاً على مصر بدلاً منه.

ويحكى التاريخ الخرافى عن عديم أنه كان ملكاً جائراً طغى فى مصر لمدة140 سنة، إلى أن مات بعد أن بلغ من العمر930  سنة، وخلفه"شداد" وهو غير"شداد بن عاد". شداد ذاك بنى معبد أرمنت واستئنس ذئاب وحولها إلى الكلاب السلوقية كى يستخدمها فى الصيد. حكم شداد مصر90 سنة ومات بعد أن بلغ من العمر440 سنه وخلفه"منقاوس" الذى قسم خراج مصر على أربعة، ربع لنفسه، وربع لجيشه، وربع لإستصلاح الأراضى وبناء القناطر وحفر الترع، وربع فى الخزانة كإحتياطى لأوقات الشدة. وبعده حكم ابنه "متاوس" وكان أول من عبد العجل فى مصر.

ويروى التاريخ الخرافى أن "أشمون بن قطيم" كان من أعظم ملوك مصر وحكمها لمدة 800 سنة، وهو الذى بنى مدينة البهنسا. وفى عهده استولى قوم عاد على مصر، لكنه تمكن من استردادها منهم بعد أن احتلوها لمدة 90 سنة. وبعده حكم ابنه"مناقيوس"، وهو الذى اخترع الميزان. ثم حكم " مرفورة " الذى استأنس الوحوش وروض السباع ليركبها، وبعد موته جلس على العرش ابنه " بلاطس ". لكن لأن بلاطس كان طفلاً سيرت أمه " مرهبة " الأمور فى مصر بحكمة، واستمر حكم مصرعلى ذاك الحال إلى أن سيطر عمه " أتريب " على الحكم.

فى التاريخ الخرافى أول فرعون حكم مصر كان " طوطيس "، وهو الفرعون الذى راود سارة زوجة النبى ابراهيم عن نفسها، لكن بعد توبته أهدى سارة لإبنته "حورية، التى قامت بدورها بإهدائها إلى هاجر التى تزوجها ابراهيم وانجب منها جد العرب اسماعيل. ولما توفى طوطيس حكمت ابنته حورية، وفى عهدها أرسل ملك سوريا العملاق جيش لغزو مصر بقيادة جيرون. لكن الخرافة تشير أيضاً إلى أن العملاق " الوليد بن دومع " هو الذى قام بغزو مصر.

العماليق فى مصر
تروى القصة أنه بغزو الوليد بن دومع لمصر بدأ حكم العماليق فيها. وخلفه فى الحكم جميل الهيئة وفارع الطول وداهية فى عمل الطلاسم. و فوق ذلك كان ملكاً عادلاً، أمن بالله على يد النبى يعقوب عندما ذهب إلى مصر، لكنه أخفى ايمانه عن الناس، وهو الذى شيد قصر الشمع (حصن بابليون)، وفى عهده بنى النبى يوسف مدينة الفيوم، والتى سميت بهذا الإسم لأنه بناها فى ألف يوم. لكن الريان رغم ايمانه حلت به ذات يوم روح شريرة فصار رجلاً فاسدا،ً وترك تسيير أمور البلاد لرجل يدعى " قطفير " وهو الرجل الذى عرف باسم " العزيز ". ولما مات الريان تربع يوسف على عرش مصر.

ثالث الفراعين فى تاريخ مصر الخرافى كان " داروم "، وبعده تفرعن " دريموس " الذى كان فرعوناً يصنع العجائب، وكان عنده فرن يشوى اللحم بدون نار ( مثل الماجنتون )، وسكين يذبح البهائم من تلقاء نفسه ( مثل المذبح الآلى ). ثم استبد بالحكم بعده ابنه " ميطلاطيس الذى غرق فى النيل. 

الوليد بن مصعب الذى كان المصريون يطلقون عليه اسم " طلما بن قوميس " كان سادس الفراعين. وهو فرعون موسى. وتقول الخرافة أنه فى الأصل كان عطارا فى مدينة بلخ أو حوران، وكان قصير القامة وأعور وأعرج وذا لحية طولها سبعة أشبار، ولكن عندما تراكمت عليه الديون رحل إلى مصر. حكم الوليد بن مصعب ذاك مصر لمدة 300 أو 400 سنة، وكان الناس يموتون من حوله وهو على قيد الحياة فطغى واستكبر وقال للمصريين أنه ربهم الأعلى، إلى أن غرق فى البحر مع قومه أثناء مطاردته للنبى موسى. وتحصى الخرافة أنه فى عهد الفرعون الوليد بن مصعب كان فى مصر نحو 240.000 سحاراً.

انقراض الفراعنة الخرافى
يحكى تاريخ مصر الخرافى إنه بعدما غرق الوليد بن مصعب وقومه فى البحر لم يتبق فى مصر سوى العبيد والخدم و النساء. فصارت النساء تتزوجن من الخدم والعبيد بعد عتقهم. وذات يوم اتفقن النساء على تنصيب ملكة على مصر، فأختارن امرأة كان اسمها " دلوكة ". وكانت دلوكة تلك امرأة عاقلة وحكيمة عمرها نحو 180 سنة. وقامت دلوكة ببناء حائط يمتد من أسوان جنوباً إلى العريش فى سيناء، ووضعت على الحائط أجراس من النحاس ومراقبين كانت مهمتهم دق تلك الأجراس عند حدوث هجوم خارجى على حدود مصر إلى أن يصل رنينها بالتالى إلى داخل مصر فيتيح ذلك وقت كافى لتأهب الجيش واستعداده للتصدى للجي الغازى. تقول الخرافة أن هذا الحائط بقى منه جزء فى الصعيد يعرف باسم " حائط العجوز".

من جهة ثانية، كلفت دلوكة ساحرة تدعى " تدورة " ببناء برابى فى منف لها بوابات فى جوانبها الأربعة. ورسمت الساحرة تدورة داخل تلك البرابى صوراً لرجال وبغال و خيول ومراكب، فاذا ما دخل عدو البلاد ولم تتمكن الملكة دلوكة وجيشها من التصدى له، كان القائمون على تلك البرابى إلا أن يقطعون رؤوس صور الرجال والبغال فيحدث ذلك لرجال وبغال الجيش الغازى. وعلى هذا النحو لم يتمكن أى جيش من غزو مصر طوال فترة حكم دلوكة، وهى فترة امتدت إلى 130 سنة. وبعد وفاتها لم يتمكن أحد من اصلاح الصور الموجودة فى البرابى.

بعد موت دلوكة نصب العسكر "دركون بن نكوطس" ملكاً على مصر، وكان رجلاً من أشراف القبط. ثم حكم من بعده رجلاً اسمه " مرنوش "، فى عهده غزا بختنصر مصر وخربها وقتل رجالها وسبى نسائها ودمر جميع الطلاسم والبرابى. وبقت مصر خراب وخالية من السكان لمدة أربعين عاماً. ثم هاجرت اليها اعداد من البشر من كل صوب و اختلطت فيها الأعراق والأمم ، وظل ملوك القبط يحكمون واحد تلو الأخر إلى ان حكم المقوقس الذى فتح العرب مصر فى عهده.

مصر فى الوجدان العربى
قدم مصر وتاريخها الطويل واستمراريته وتجدد ثقافتها الدائم وتفوقها الحضارى على محيطها كان على مر العصور ميزة تختص بها مصر. المعرف من تاريخ مصر الفعلى يعد ضئيلاًاً جداً بالمقارنة بما هو غير معروف. يقول المصرولوجى الكبير مارييت:" مصر لاتشرق لبعض الوقت ثم تختفى فى ليل طويل كما حدث لبلاد عديدة. على عكس ذلك، فإن تاريخها تاريخ متواصل على امتداد سبعين قرناً من عمر الزمان".

فى العصور الوسطى أعداد من الرحالة والحجاج توقفوا فى مصر وانبهروا وتعجبوا مما رأوه فيها. لم تستوعب عقولهم ثقافة مصر ورقيها الحضارى. الأهرامات والآثارات التى رأوها كانت بالنسبة لهم ألغازاً غير مفهومة. الرحالة المغربى ابن بطوطة (1204-1377) الذى زار مصر فى العصر المملوكى، فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وصف القاهرة بقوله : " ثم وصلت إلى مدينة مصر، وهى أم البلاد، وقرار فرعون ذى الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة، المتناهية فى كثرة العمارة، المتناهية بالحسن والنضارة، ومجمع الوارد والصادر، ومحط الضعيف والقادر". ثم تكلم عن الأهرامات التى رأها واصفاً إياها بأنها: " من العجائب المذكورة على مر الدهوز وللناس فيها كلام كثير وخوض فى أنها، وأولوية بنائها ". وبعد أن روى القصص الخيالية المتواجدة فى تاريخ مصر الخرافى، حكى أن الخليفة المأمون أراد هدم الهرم الأكبر، لكن شيوخ مصر نصحوه بعدم فعل ذلك، لكنه لم يلتفت إلى نصحهم ونقب فى الجانب الشرقى للهرم مستخدماً الخل والنار، وبعدما فتحه وجد أموالاً لما وزنها وجد أنها تعادل تماماً الأموال التى صرفها على نقب الهرم. ووصف ابن بطوطة مدينة أخميم بقوله:" وهى مدينة عظيمة، أصيلة البنيان، عجيبة الشأن، فيها البربى المعروف باسمها. وهو مبنى بالحجارة، فى داخله نقوش وكتابة للأوائل لا تفهم فى هذا العهد".

ابن جبير (1145-1217) زار مصر قبل ابن بطوطة، فى عهد السلطان صلاح الدين الأيوبى، وهو الأخر انبهر بما شاهده فى مصر، وعبر عن حيرته مما شاهده، ووصف الأهرام بقوله: " الاهرام القديمة، المعجزة البناء، الغريبة المنظر... لو رام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك". وعن تاريخها استكمل قائلاً: " للناس فى أمرها اختلاغ: فمنهم من يجعلها قبوراً لعاد وبنيه، ومنهم من يزعم غير ذلك"، وختم بقوله:" وبالجملة فلا يعلم شأنها الا الله عز وجل". وعن معبد شاهده فى إخميم كتب:" سبحان الموجد للعجائب"، وعن التماثيل والرسومات التى رأها فى المعبد كتب: " يحار الوهم فيها، ويصل العقل فى الفكرة فى تطليعها ووضعها".

مصر كانت فى الوجدان العربى شىء ضخم ملىء بالأسرار والألغاز التى يصعب فهما واستيعابها. ومن جهة ثانية، فى التراث العربى الدينى كان لمصر مكانة مميزة حيث ذكرت فى القرآن والأحاديث النبوية وغيرهما، كما جاء فى قول عمرو بن العاص: " ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة"، وفى قول عبد الله بن عمرو بن العاص:"أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب، وبقريش خاصة".، وفى قول ابن يونس:"من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر اذا أذدهرت". وفى قول أبى نضرة الغفارى:" سلطان مصر سلطان الأرض كلها ". وفىعشرات الأقوال الأخرى التى تعكس مدى ضخامة مصر وتميزها فى الذهن العربى. لكن بسبب ضياع المعلومات الخاصة بتاريخها القديم بطريقة غامضة بعد دخول المسيحية فيها، والتى فرض انتشارها فى مصر استعمال الحروف اليونانية فى الكتابة، اقتصر ماهو معروف عن تاريخها الطويل على فرعون موسى وفرعون يوسف وعلى بعض الخرافات المرتبطة بالسحر والطلاسم. يقول الدكتور حسين فوزى عن ضياع تاريخ مصر: " فص ملح وداب بين أيدى المسلمين والأقباط". 

ظل تاريخ مصر الفعلى ضائعاً لسنين طويلة إلى أن استطاع النابغة الفرنسى شمبليون فك شفرة الهيروغليفية، فاتحاً بذلك بوابة التاريخ الحقيقى لمصر الفرعونية.

((( توضيح هام للقارئ السريع ))) 
هذا التاريخ المغلوط والخرافى المذكور فى تلك الدراسة كان يتم تداوله قديماً من قبل الرحالة والمؤرخون فى العصور الوسطى، وذلك قبل أن يتمكن العالم الفرنسي الشهير شامبليون من فك رموز حجر رشيد وتعريف البشرية بأجمعها بتاريخ مصر الحقيقي - ويأسف الدكتور سام حواس أن بعض الباحثين مازالوا يعتمدون على ذلك التاريخ المغلوط .. ويريد أن يوضح للجميع ما هو هذا التاريخ الخرافى فى مصر حتى يبتعدوا عنه .. وقد وضحه للجميع من قبل فى مقاله على ويكيبيديا عام 2011 باللهجة العامية المصرية.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016