حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

النخلة العجوز قصة قصيرة للكاتب ناصر سالم الجاسم


بقلم القاص والأديب ناصر الجاسم - السعودية 

السعفات الرمادية اليابسة انحنت ميتة على جذع النخلة العجوز . . الهواء الخفيف يمنحها فرصاً قليلة لتقبل بعضها البعض . . الريح تفرق بينها بإسقاط من تختار منها . . القارض الشره يقرض في طلعها المكتسي بصفرة الموت . . الشلولو و العقنقر ينخران في الجذع و الفئران تتسابق فيما بينها للانفراد بغرفة من الغرف المحفورة أسفل الجذع . . سعفات يابسة و أوراق متقوسة و حشائش ميتة و أشجار عارية جمعت و طمت بالثرى و أشعلت فيها النار فتصاعد الدخان الرمادي برائحته المحببة إلى أنوف القرويين . . الحشرات و الأعواد تصرقع في بطن النار و حميان يذر عليها الثرى بأصابعه حتى يطمئن إليها . . و ضحى علقت عباءتها اللاصقة بها تمرة مهروسة و الممسوح فيها مخاط جففته الشمس على سعفة خضراء من سعف نخلة قزمة مثلها و راحت تقطف أوراق النعناع التي غرس حميان أشجارها من أجلها ، تقطف الأوراق و تجمعها في ملفعها و هي تبتسم في صمت و تتذكر جملة حميان :

(( أحب رائحة فمك عندما تشربين الشاي المنعنع )) .. كانت منشرحة الصدر لأن حماتها ستقوم بالطبخ عنها و بودها لو أنها استطاعت أن تنتقي لها شيئاً من أعواد الريحان إلا أن أنانيتها و غيرتها تدفقت في تلك اللحظة ، فحميان لا يحب رائحة الريحان في مخدعه و لا يطيق رؤية عناقيده في جديلتيها الطويلتين . .إنه يزرعه ليبيعه في أعراس القرية . .فياض ألقى بكتابه على أعواد البرسيم فكسرها . . حلت فراشة ملونة وفرشت جناحيها على الكتاب . . ركب فياض المرجيحة المربوط حبليها في جذعي نخلتين متوازيتين . . و جعل يتأرجح و يسترجع بصوت عال ما حفظه غير عابئ بصياح أمه و إصرارها على خلعه الثوب كي لا يتسخ . . توحيد الألوهية هو أن . . . وتوحيد الربوبية هو أن . . . . ، غرف حميان بكفيه ماءاً اصطبغ بالاخضرار من برميل ثقبه الصدأ و نضح به وجهه المغبر ومسح براحتيه على عضديه ليرطبهما من آثار الأعواد اليابسة و جروحها التي أبانت الدم ولم تنزفه ، و ألقى نظرة تحسر على النخلة العجوز الوقف الأكبر منه عمراً و تنهد لعجزه عن بعث الحياة فيها من جديد . . . رأى ( الكر) معلقاً على مسمار طويل مدقوق في جذعها و اتخذ قراراً رده جيرانه من الفلاحين عنه .. أراد أن يقوي عزيمته و يزيد من أمله في بعث الحياة إلى النخلة بتنظيف أسفلها من أعدائه المحتمين بداخلها فقام بنقل جذوة من النيران التي أشعلها و قربها من فتحات الغرف المحفورة فيها فخرج من خرج ثم أمسك بآلة حادة و بدأ في انتزاع الفاسد من الجذع حتى أتى عليه .. شد (الكر) حول ظهره و رقى نصف النخلة و تنحنح لينبه النسوة المزروعات في الحقول المجاورة لحقله ليتغطين و يسدلن عباءاتهن على رؤوسهن و ظهورهن فلا يكشفهن و هن يجنين الرطب و يقطفن الريحان و يستعدن للاستماع له والعمل على أنغام صوته وهو ينهم ، و لربما ظنت إحداهن أنها المقصودة بالغزل و النهم بما فيهن وضحى زوجته .. وقد يسمعه أحد جيرانه من الفلاحين فيصعد إلى إحدى نخلاته دون حاجة فيها سوى أن يأنس بجيرته و يستشيره أو يستفتيه في أمور الري و الإعمار و الغرس و مواسم الإنبات و الصرام . . هلل حميان حينما أمسك بطرف واحدة من السعفات اليابسة و صار يشدها لتسقط و هو مطمئن إلى قوة الكر الملفوف حول ظهره . . و بدأ القلق يغزو قلب وضحى بينما واصل فياض التأرجح بانبساط جعله يطيل بشد ساعديه من طيرانه في الهواء . . حميان ينهم والسعفات تتساقط أسفل النخلة و هو يدور بكره على جذعها ليتتبعها :

عليل و نومة افراشك دوا لي كيف تنعت لي دوا و أنت دوا لي ويواصل:

يا صاحبي زل الشتا و اقبل الصيف غديت مثل العذج بين بي اللون، ولم يتوقف عن النهم حتى رأى جاره (منحول) يحيه من وسط حقله فوق نخلته المحبوبة (الرزيزية)

رافعاً له منجله . . فرد عليه تحيته ببيت من الشعر يحب سماعه بصوته :
أعد الليالي و الليالي تعد ني عمري تنحل و الليالي مكانها

ـــــ هل جننت يا بو فياض لترقى هذه النخلة الطويلة ؟
ــــ الحج والمرض أبعداني عنها . . فذبحها القارض و الشلولو و العقنقر.
ــــ الله يستر و يسلم قلبي بدأ يرتجف.
ــــ أوصيتك عليها من قبل الحج و في المرض لكنك أهملتها.
ــــ أنت تعرف .. الطويلة ما أقدر أرقاها.

استعصت سعفة من السعفات على حميان فشدها بعنف و انقطع (الكر) فهوى على ظهره . . انطبعت مؤخرته وقدماه في الثرى .. نط فياض من أرجوحته وهو طائر فانكفأ على وجهه و قام مسرعاً إلى أبيه . . شهقت وضحى فانتثر النعناع من ملفعها و ركضت إلى زوجها . . سمت باسم الله و تفلت مكان وقوعه و أسرعت نحو برميل الماء وغرفت منه بكفيها و رشت على رأس زوجها و مكان وقوعه ، ثم وسدت زوجها حجرها و أنشأت تصفق و تصيح و حميان يتنفس نفخاً وابنه فياض واضع رأسه بين قدميه وواضع راحتي يديه على ركبتيه و يبكي . . تعاون الفلاحون على حمل حميان إلى بيته . . توقفت وضحى عن الإنجاب و لم يتوقف حميان عن زيارة حقله و نخلته . . فهو يقول دائما عند لومه على الزيارة : ما دمت أشوفها ما أقدر على فراقها !

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016