حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

مصلحة الآثار الليبية بين المد والجزر

مصلحة الآثار الليبية بين المد والجزر

بقلم أ.د/ خالد محمد الهدار 
الرئيس الاسبق لقسم الاثار بجامعة قاريونس في ليبيا 
ورئيس تحرير صحيفة افاق اثرية 

تعد مصلحة الآثار في ليبيا من الهيئات الإدارية التي أنشاؤها الايطاليون عام 1913 أي في وقت مبكر من احتلالهم لليبيا، بعد أن لاحظوا كثرة المواقع الأثرية والاكتشافات الأثرية بحيث سارعوا في إنشاء إدارة تهتم بالآثار قسمت جغرافيا إلى قسمين إحداهما مقره في طرابلس مشرفا على آثار المنطقة الغربية ، والآخر في بنغازي مشرفا على آثار المنطقة الشرقية، واستطاعت دائرة الآثار من السيطرة على الآثار في ليبيا والقيام بالحفريات وترميم المباني وإقامة المتاحف ونشر الدراسات المتنوعة عنها. واستمر الحال هكذا حتى سيطر الانجليز على شؤون البلاد منذ عام 1943 حيث ساروا على نهج الايطاليين في العناية بشؤون الآثار وإدارتها واستعانوا بالخبراء الايطاليين لاستكمال الأعمال التي بدأوها. وعندما استقلت ليبيا عام 1951 استمر الانجليز والايطاليين في تسيير إدارة الآثار مع دخول عناصر ليبية استفادت من عملها مع الخبراء الأجانب، و الاستعانة بخبراء عرب في الستينيات لتعريب مصلحة الآثار وأدارتها المختلفة، ونتج عن الاهتمام بالآثار في الجنوب الليبي ان ظهرت إدارة جديدة تهتم بآثار الجنوب ، بحيث أصبحت إدارة الآثار مقسمة إلى ثلاثة أجزاء : إدارة الآثار في المحافظات الشرقية (برقة) ومقرها في شحات ، وإدارة الآثار في المحافظات الغربية (طرابلس)، وإدارة الآثار في المحافظات الجنوبية (فزان)، وكان هذا التقسيم متماشيا مع نظام الولايات الثلاث الذي عدل بنظام المحافظات.

واستمر هذا النظام في عهد الجمهورية مع وجود مكاتب تابعة لكل إدارة ، ثم تغير هذا النظام او التقسيم إلى نظام مصلحة الآثار المقسمة إلى مراقبات تتبعها مكاتب او ملاحظات، كانت 5 مراقبات (شحات ، بنغازي، لبدة ،صبراتة،سبها) تتبعها عدة مكاتب لسهولة السيطرة على المواقع الأثرية في ليبيا، وحاليا أصبحت 6 مراقبات ، مع وجود إدارة لمصلحة الآثار في طرابلس داخل السراي الحمراء يديرها رئيس المصلحة ومقسمة إلى إدارات متنوعة تهيمن وتدير بشكل مركزي جميع مراقبات الآثار ومكاتبها والباحثين والعاملين ضمن إطارها. وهذا النظام الإداري المعتمد على المركزية لا يبدو انه كان ناجحا في تسيير دفة شؤون الآثار حيث تفاقمت المشاكل ولم تنجح المصلحة في إدارة شؤونها ـ إسوة بإدارات الدولة الأخرى ـ هذا ما لاحظناه عندما كنا نعمل بها او كنا مراقبين لها من الخارج وبشهادة العاملين بها، وعندما حاولت الدولة تكوين لجنة لإدارة المصلحة تتكون من أربعة متخصصين من خارج المصلحة إضافة إلى رئيس المصلحة حلا للمركزية او الرأي الفردي في إدارة هذا القطاع الثقافي وغيرها من القطاعات الأخرى، لكن هذا النظام لم ينجح في حل المشاكل التي يعاني منها قطاع الآثار، وإن كان جعل رئيس المصلحة يستفيد من أراء الخبراء الذين شاركوه في إدارة المصلحة.

وعلى الرغم من هذا فقد تفاقمت مشاكل مصلحة الآثار التي يمكن إيجازها في الآتي: عدم تداول السلطة في رئاسة المصلحة وطول فترة مكوث البعض أكثر من عقد رئيسا للمصلحة، وكان بعضهم غير مناسب للمنصب الذي اوصله إليه انتمائه السياسي، كما لوحظ عدم انفتاح المصلحة على خبراء الآثار في الجامعات الليبية والاستفادة من خبرتهم، وفي المقابل أصبحت للبعثات الأجنبية اليد الطولى في التنقيب عن الآثار، وهذا ادى إلى تهميش الخبرات المحلية من باحثين وخبراء يعملون داخل المصلحة، بل ان الكثير منهم فضّل ان يتجه إلى الجامعات تاركا المصلحة بسبب التهميش وقلة الرواتب في هذا القطاع وبهذا حرمت المصلحة من خبراتهم، والواقع ان بعضهم دفعوا دفعا لمغادرتها، كما عانت مصلحة الآثار من قلة الإمكانات المادية التي تسهم في تطوير العمل الأثري وحماية الآثار مما جعل الباحثين يركنون إلى الدعة مما انعكس على تنمية قدراتهم التي لم تعرها المصلحة الاهتمام الكبير، ولم تعمل المصلحة على تعيين كوادر جديدة وظلت تسبح في كادرها القديم او تعيين أشخاص ليسوا في حاجة لهم، وهذا كله ادى إلى تدمير (قد يكون مبرمج) للخبرات الفنية والكيان الفني للمصلحة، واستتبع هذا تدمير لكيانها الإداري و المالي، إضافة إلى إن قلة حراس الآثار وعدم فاعلية الجهات الأمنية أدى إلى العبث بالمواقع الأثرية وسرقة متاحف ومخازن الآثار وتهريبها إلى الخارج.

والواقع انه قد جرت محاولات إصلاحية منذ سنوات لكن الأمر توقف أثناء ثورة 17 فبراير وما تبعها من تداعيات سلبية اعترت المواقع الأثرية والمتاحف وأضعفت مصلحة الآثار أكثر من خلال التنازع على كرسي رئاسة المصلحة وختم هذا بخطف رئيس مصلحة الآثار الحالي من قبل عصابات مسلحة ثم تخليصه منهم، إن عدم الاستقرار الذي تشهده رئاسة المصلحة وما تبعه من عدم استقرار العمل الأثري في مراقبات الآثار يدفع إلى إعادة النظر في هيكلية مصلحة الآثار و النظام الحالي لها الذي لا ينسجم مع روح التطوير ورفع من كفاءة العمل الأثري وحماية المواقع الأثرية التي باتت مهددة وأصاب بعضها أخطار جمة.

ويمكن طرح تصور يتلخص في إلغاء المركزية في مصلحة الآثار، وان تتحول مراقبات الآثار وأفضل هنا تسميتها مراكز البحوث والاستكشافات الأثرية إلى كيانات منفصلة تدير شؤونها لوحدها من الناحية المالية والإدارية والفنية وان تكون من الناحيتين الإدارية والمالية تابعة إلى النطاق الجغرافي الواقعة فيه مثل نظام المحافظات او البلديات، ومن الناحية الفنية فإن كل مركز ينفرد بإدارة الشؤون الفنية والمتاحف في نطاقه الجغرافي فهو من يقوم بإجراء الحفريات وتسجيل المواقع الأثرية وإقامة المتاحف والإشراف عليها ،ويتعاقد مع البعثات الأجنبية ويضع الخطط لتنمية قدرات باحثيه وكوادره الفنية، وجميع هذه المراكز تكون من الناحية الفنية واقعة تحت إشراف مجلس الأوصياء الذي يتكون من 10 متخصصين من كافة أنحاء ليبيا ومن تخصصات أثرية متنوعة تكون مهمته من خلال جلساته الشهرية مراقبة العمل الفني في مراكز البحوث والاستكشافات الأثرية للتأكد من إنها تسير وفقا للمعايير الدولية والوطنية للعمل الأثري التي يجب أن يضعها هذا المجلس بالاتفاق مع الخبراء في مجال الآثار محليا ودوليا، بحيث تكون تلك المعايير ميثاق شرف العمل الأثري في ليبيا.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016