حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

البحرية المصرية القديمة والبحاريين والملاحة الجزء الثانى للبحث - الآثارى محمود مندراوى


بقلم الآثارى محمود  محمد مندراوى 
مفتش آثار المنيا الشمالية مصرى 

الجزء الثانى من بحث 
البحرية المصرية منذ ما قبل التاريخ وحتى العهد الحديث 
متابعة الجزء الثالث بنهاية هذا الجزء 


البحار المصري والملاحة فى عهد الدولة الوسطى:
استمرت الرحلات البحرية فى الدولة الوسطى  بنفس نشاط وأداء الدولة القديمة ،بعد أن أصاب البلاد نوعاً من الخمول والكساد، نتيجة ثورة قام بها العامة فى أواخر الأسرة السادسة نتج عنها كساد اقتصادي وتجارى وسياسي شديد، وتدهورت فيه أحوال البلاد لدرجة أن القطر المصري قد قسم إلى مملكتين، مملكة في الشمال ومملكة في الجنوب، وقد عرفت تلك الفترة باسم عصر الانتقال الأول او عصر الاضمحلال الأول والمسمى الثانى هو الأصدق نتيجة ما ألت إليه البلاد فى تلك الفترة، حتى ظهور الدولة الوسطى والتى عادت فيها البلاد إلى سابق عهدها.

وتواصلت الرحلات على مدى الدولة الوسطى بحيث ترامت الأنباء عن جالية كبيرة فى جبيل كان حاكمها يستعين بكثرة بالمصريين حتى شاعت اللغة المصرية فيها.
 فقام الملوك بإنشاء المشروعات وشق الترع والقنوات وإرسال البعثات البحرية فى أفريقيا والشام مرة أخرى ،كما كان فى الدولة القديمة وبطبيعة الحال ساد نوع من الازدهار التجاري فى البلاد المصرية من جديد .

أعمال الملك سنوسرت الثالث البحرية والقنوات
كان لهذا الملك العظيم سنوسرت الثالث فضلا ًعظيماً فى تطور الملاحة البحرية والنيلية فى مصر، حيث قام ربط النيل من عند الدلتا بكلا من البحر الأبيض المتوسط والبحر الاحمر، إلى جانب انه قام بشق قناة اخرى فى الجندل الأول جنوباً تصل النيل بالبحر الأحمر، إلى جانب الاهتمام بشق الترع والمصارف واستصلاح الأراضي الزراعية الناتج عن شق تلك القنوات والترع، مما جعل مصر فى حالة رخاء كبير، وقوة اقتصادية كان يخشاها العالم القديم أجمع، وفيما يلى أهم مشاريع الملك فى تطوير الملاحة وشق القنوات.

قناة سنوسرت الثالث(قناة السويس حالياً):
هى أول فكرة من أفكار أنشاء قناة السويس بشكلها الحالى، وهذا الملك يعتبر من الملوك الأوائل الذين شقوا قناة تصل من البحر الأبيض المتوسط  إلى البحر الأحمر وقناة سنوسرت هى نفس فكرة قناة السويس حاليا، فقد كانت السفن القادمة من البحر الأبيض تسير في الفرع البيلوزي من النيل حتى"بوباستس" (الزقازيق حاليا) ثم تتجه شرقاً إلى "تيخاو" (أبو صوير) ومنها عبر البحيرات المرة التي كانت خليجاً متصلاً بخليج السويس ومنها إلى البحر الأحمر. ومازالت آثار هذه القناة واضحة المعالم حتى الآن بمحاذاة المجرى الحالي لقناة السويس بالقرب من (جنيفة)، إلا أن هذه القناة كثيراً ما ردمت وتجددت في عصور الفراعنة والرومان.

قناة سنوسرت الثالث فى الجندل الأول جنوباً:
 كما قام الملك (سنوسرت الثالث) بشق قناة أخرى - أثناء حكمه (1978-1842 ق.م) حيث شق القناة فى صخور الجندل الأول، إلى البحر الأحمر، فكانت هذه القناة إلى جانب قيمتها التجارية طريقا لسفنه الحربية، واستعملته أساطيل الفراعنة لمئات السنين أثناء حروبهم المنقطعة مع كوش ويمكن اعتبار ذلك من أكبر الأعمال التى قام بها هذا الملك العظيم.

وتذكر لنا بردية الملاح الغريق مدى الاهتمام بالإبحار فى تلك الفترة والتى سنعرضها عليكم كما ترجمت، وقد عثر على تلك البردية فى الدير الإمبراطوري فى بتروجراد فى عام 1880 م عن طريق عالم المصريات الروسى جولينشيف وترجمها إلى الفرنسية وكان لها دوى فى العالم كله حين عرضت فى ذلك الوقت، ويعتبر بطل هذه القصة من أشهر الملاحين فى عصر الدولة الوسطى.

قصة الملاح الغريق
أو ملاح السفينة المكسورة قال الخادم الماهر:
ليطلب قلبك يا رئيسى ،فقد وصلنا إلى الوطن وأخذ الرجال المطرقة، ودقوا الوتد، وجعلوا مؤخرة السفينة حيال الشاطئ ، وهتفوا ، وصلوا للآلهة وأخذوا يتعاقفون ..... وقد عاد بحارتنا فى صحة جيدة، ولم ينقص منا جندى واحد. ولقد وصلنا فى رحلتنا إلى أخر بلاد (واوات) ومرونا (بسانمويت) قرب الشلال الأول وعدنا الآن في سلام الى بلادنا.

ألقى سمعك ياثيسى، فلست رجل حيلة، أغسل جسمك ،وصب الماء على أصابعك، وصل ثم أفض بما فى قلبك للملك، وأحرص على رابطة جأشك حينما تتكلم، فإنه أن كان لسان الرجل منقذه فقد يكون كلامه قاضيا عليه بأن يغطى وجهه أفعل أن يرشد إليه قلبك، وليكن ما تقوله أداة سلام لك.

سأقص عيك بالحق ما وقع لى أنا نفسى، كنت قاصدا إلى مناجم الملك فركبت البحر فى سفينة طولها 150 ذراعا ومعى 150من نخبة البحارة فى مصر. وكان هؤلاء البحارة قد عرفوا السماء ،وعرفوا الأرض ،وكان فى قلوبهم من البأس قبل هبوبها وبالإعصار قبل ثورته وبينما نحن فى البحر هبت علينا عاصفة فجأة ،وكنا قريبين من الأرض فدفعت بنا الريح نحوها، وأثارت أمواجا كانت ترتفع إلى ثمانية أذرع ،ورأيت على مقربة منى قطعة من الخشب فألقيت بنفسي عليها وركبتها ،ومات كل الذين بقوا فى السفينة ولم ينج منهم أحد . 

وقذفت بى الموجة إلى جزيرة، فقضيت فيها ثلاثة أيام لا رفيق لى فيها غير قلبى ،ونمت فى غابة تشبه المخبأ فوجدت تيناً وعنباً ،وكل أنواع الكراث الجميلة ،وبذوراً وشماماً من كافة الأنواع ووجدت أسماكاً وطيوراً وبالأجمال لم يكن شلال وهو فوق ذلك المكان ، فأكلت حتى شبعت، ثم وضعت على الأرض بعض ما كانت يداي تمتلئان به ، ثم حفرت حفرة وأشعلت ناراً ،وجعلت ألقى فى النار مما هنالك، فرباناً يصل بواسطتها إلى الآلهة.

ولم أشعر بعد ذلك ألا وقد سمعت دوياً كدوى العد ، فكشفت عن وجهي ، فرأيت ثعباناً هائلاً  يتقدم نحوى، طوله 30 ذراعاً، ولحيته يزيد طولها على ذراعين، وجسمه مرصع بالذهب ، ولونه كلون اللازورد، ثم وقف هذا الثعبان أمامي، وفتح  فمه فى وجهي، بينما قد أنطرحت على بطني ثم تكلم فقال: ((من أتي بك ؟من أتى بك؟ أيها الصغير من أتى بك ؟ أن كنت تأخرت عن أن تقول لى من أتى بك إلى هذه الجزيرة فسأعرفك من أنت فإما أن ألقيك فى النار فتختفى فيها ، وأن تقول لى ما لم أسمعه ولم أعرفه قبل رؤيتك)).

ثم حملني فى فمه، ونقلني إلى المكان الذى يقيم فيه، من غير أن يصيبني أذى، وكذلك انتقلت سليما معافى لم بنقص منى شئ . 
ثم قال لى مرة أخرى:
((من أتى بك؟من أتى بك؟ من أتى بك؟أيها الصغير من أتى بك إلى هذه الجزيرة التى تغوص شواطئها فى الأمواج)).
وكنت إذ ذاك منبطحاً على بطني ويداي مرسلتان أمامه فأجبته قائلا:
أردت إلى المناجم بأمر من الملك فركبت سفينة طولها مائة وخمسون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا، ومعى مائة وخمسون من  نخبة البحارة فى مصر وكان هؤلاء البحارة قد عرفوا الأرض، وكان قلوبهم البأس أكثر من قلوب الأسود ،ثم كانوا إلى جانب ذلك ينبئون بالعاصفة قبل هبوبها وبالإعصار قبل ثورته، وكان كل واحد منهم أقوى من أخيه قلبا وذراعا، ولم يكن بينهم جبان، وبينما نحن فى البحر هبت علينا عاصفة فجأة ، وكنا قريبين من الأرض فدفعت بنا الرياح نحوها أثارت أمواجا كانت ترتفع إلى ثمانية أذرع، ورأيت على مقربة منى قطعة من الخشب فألقيت بنفسى عليها وركبتها، مات كل الذين بقوا فى السفينة ولم ينج أحد ، وقد انقضت على ثلاثة أيام ،والآن هانذا قريب منك ، وأنا الذى دفعنى موجة إلى هذه الجزيرة)).

فقال الثعبان :
لا تخاف شيئا، لا تخف شيئا أيها الصغير ولا تدع الحزن ينتشر على وجهك، لقد وصلت إلى لأنه قد كتب لك أن تصل إلى هذه الجزيرة السعيدة التى كل فيها  شئ والتى هى مملؤه بالأشياء الطيبة، ستقيم هنا شهرا بعد شهر إلى أن تمضى أربعة أشهر،ثم تأتى سفينة فيها بحارة عرفتهم وستسافر معهم وستموت فى مدينتك أن مما يوجب أرتيحاي أن اطلع رجلا ً عانى الألم مثلك على ما هنا فسأخبرك أذن بما فى هذه الجزيرة بما فى هذه الجزيرة لا انقص من ولا أزيد.

((اننى أعيش فى هذه الجزيرة بين أخوتي وأبنائي وعددنا خمسة وسبعون ثعبانا، وعد ذلك توجد فتاة جاءتني من طريق السحر، وذلك أن نجمة سقطت، فخرج منها الذى كانوا فى نارها، وظهرت الفتاة من غير أن أكون مع الكائنات التى رجت من النار أو بينها ،وإلا فلو أنني كنت مع هذه الكائنات أو بينها لمت ، وقد وجدت الفتاة بعد ذلك ميتة وحدها وبعد فأقول لك انك أن كنت شجاعا ، وكان قلبك قويا فتضم إلى صدرك أولادك ،وستعانق امرأتك، وسترى دارك وهذا خير من كل شئ، ستصل إلى بلادك وستكون فيها بين أخوتك)).

وحينئذ انبطحت أرضا على بطنى وقلت :
دونك الآن ما أريد أن أفضى به إليك ، سأصف أرواحك لفرعون، وسأخبره بمجدك، وسأجلب لك زيوتا مقدسة ودهاناً وصندوقاً لذخائرك المقدسة، وبخورا للمعبد مما تعجب كل إله ، وسأقص على فرعون كل ما أتيح لى أن أراه هنا ، وسيعبدك الناس فى مدينتك بمحضر أعيان الأرض جميعا، وسأذبح لك ثيرانا ثم أحرقها فى النار، وسأخنق لك الطيور ،وسأحضر لك كنوزا محملة على سفن من مصر، كما يفعل الناس لإله محب لهم فى بلاد بعيدة لا يعرفونها.


فضحك منى ومن كلامى ثم قال لى: 
((ليس عندك من كثير، وكل لديك بخور، أما أنا فأنى ملك بلاد بونت وعندى مر، والشئ القليل وحده فى هذه الجزيرة هو الزيت المقدس، على أنك متى فارقت هذه الجزيرة فلن تراها لأنها ستتحول إلى أمواج)).

فلما جاء السفينة كما كان الثعبان قد أخبرني ، وصعدت فوق شجرة عالية وجعلت أراقب الذين فيها ، ثم ذهبت إلى الثعبان وأبلغته الخبر فوجدنه يعرفه وحينئذ قال لى: ((صحة جيدة أيها الصغير حتى تصل إلى دارك سترى أولادك وليكن اسمك مذكورا بالخير فى مدينتك تلك هى أماني لك)).

فانبطحت على بطنى أمامه وأرسلت يدي فأعطاني من الهدايا مراً، وزيتاً مقدساً ودهاناً وصندوقاً وفلفلاً ومسحوقاً وكحلاً وسرواً، وبخوراً وذيول حيتان، وآنياب فيلة، وكلاباً سلوقية وقروداً وغير ذلك من كل ما هو ثمين فحملت هذه الهدايا إلى السفينة تم انبطحت على بطنى وعبدت الثعبان.
فقال لى: 
ستصل الى بلادك بعد شهرين وستضم أولادك إلى صدرك، وبعد ذلك تمضى إلى قبرك لتجدد شبابك.

فسرت  إلى  الشاطئ حيث السفينة، ودعوت الجنود الذين فيها وصليت على الشاطئ لسيد الجزيرة وللذين يقيمون فيها ،ولما عدنا إلى مدينة الملك جنحت السفينة وأرتطم مقدمها بالساحل ووصلنا إلى قصر الملك فى الشهر الثاني كما ذكر الثعبان قد تنبأ ، فمثلت أمام الملك وقدمت له الهدايا التي جلبتها من الجزيرة ، فشكرني أمام أعيان الأرض جميعا ، ثم دخلت خدمة الملك وصرت متصلاً بكبار حاشيته.

والآن فخفض نظرك لى، فقد عدت إلى ارض مصر، بعد ما رأيت أشياء كثيرة ومرت بى محن كثيرة، أصغ إلى فإن الإصغاء نافع لقد قال لى فرعون ((كن خادما بصيراً فطناً يا صديقى)) فمن هو الذى يسقى الطير فى بكور اليوم الذى ينوى أن يذبحه فيه. انتهت القصة من بدايتها إلى نهايتها كما وجدت مكتوبة والذى كتبها الكاتب (امونى اماناوو) ذو الأصبع الماهرة اله الحياة والصحة والقوة.
البحار المصرى والملاحة فى عهد الدولة الحديثة:
وكما سبق واشرنا أن مقبرة الملك أحمس فى مدينة الكاب عليها مناظر للأساطيل التى أستخدمها الملك أحمس فى طرد الهكسوس، والذى ما تم له النصر إلى وتوجهه بتلك الأساطيل الى الجنوب الى بلاد بونت ويبدو أنه كان يقود أسطولاً مصرياً فى حربة من قناة سنوسرت الثالث فى طريقة إلى بلاد بونت، ويروى لنا أحمس كيف جلالته أبحر شمالاً مسرور القلب فى نشوة الانتصار واستمرت الرحلات البحرية فى خلفاء الملك أحمس فجاء من بعده أبنه الملك (أمنحتب الأول) 1545 ق.م، والذى وصف القائد أحمس أحدى الغزوات الكبرى للبحرية المصرية فى عهد ذلك الملك.

ومن بعده جاء خليفته أبنه (تحوتمس الأول) 1508-1525 ق.م والذى سجل على لوحة فى تومبوس حنوب الجندل الثالث أنه توغل فى وديان (بأسطوله) لم يعرفها أجداده الملكيون ولم يرها الذين  يلبسون التيجان المزدوجة ،والحقيقة أن هناك أدلة قوية على وصول الجيش المصرى الى تلك المنطقة الجنوبية.

رحلات بلاد بونت والبحار (نيبسى):
وتحدثنا أيضا الوثائق عن العديد من الرحلات عند قدماء المصريين شمالاً إلى بلاد الشام أو إلى الجنوب بواسطة السفن، ففى عام 1941 قبل الميلاد أرسلت الملكة حتشبسوت بنت الملك تحوتمس الأول بعثة بحرية مكونة من عدة سفن أقلعت بمائتين وخمسين بحاراً إلى بلاد بونت وعادت منها محملة باثنين وثلاثين شجرة من الأشجار النادرة غرست بمعبد الدير البحري الذي شيد بجهة طيبة (الأقصر) وسجلت على جدرانه هذه الرحلة.


وتخبرنا الملكة حتشبسوت: أنها فى يوم من الأيام وحين كانت تصلى فى معبد آمون شعرت بوحى ينزل عليها من الآله يأمرها بأن ترسل حملة الى تلك الأرض المنسية ((سمع أمر الإله فى المعبد بأن الطريق المؤدية لـ بونت ينبغي استكشافها وأن الطريق الموصل لأشجار البخور يجب أن يمهد للسير)) وطاعة لهذا الأمر جهزت الملكة أسطولاً صغيراً، وملأته بنخبة من الملاحين وكان منهم مندوب لها، وأبحرت السفن فى البحر الأحمر للبحث عن الأرض المقدسة، وقد حملوا السفن بالبضائع المصرية على أمل أن يبادلوها بكنوز بونت.
 
ونحن نجهل الزمن الذى استغرقه الأسطول فى الوصول إلى الأرض المجهولة وقد كان البحر فى تلك الأزمان محفوفا بالمخاطر والأهوال، ولكنا نعلم أن السفن قد وصلت أمنه. وأول ما رأوه أمامهم مباني بلاد بونت وكانت مبنية على تلال حتى  انه لا يستطيع الوصول إليها إلا بواسطة السلالم وكانت ضيقة وملتصقة كخلايا النحل. ولم يكن سواد السكان زنوجاً ولو انه وجد ذلك العنصر بينهم، وكانوا على العموم يشبهون المصريين فى شكلهم.

وقد نزل الملاح نبيسى  نائب الملكة إلى البر وصاحبة ضابط وثمانية جنود، ولكى يظهر أنه آت فى رحلة سلمية قدم إلى رئيس بونت بعض الهدايا كالحراب والسيوف والخناجر الذهبية، ومثل هذه الهدايا  يقدما المستكشف الأوربى الآن إلى رئيس القبيلة الأفريقية.

وقد قدم الأهالي فى دهشة ليشاهدوا الغرباء وسفنهم وهداياهم فملكتهم الدهشة وسألوا المصريين: ((كيف وصلتم إلى هذه الأرض وهى مجهولة من جميع الناس ، هل جئتم عن طريق السماء أم عن طريق البحر المقدس)) وقد تقدم إلى المصريين زوجة الحاكم واسمه( باريهو) وزوجته (آتى) وابنتهما وكانت الزوجة راكبه حماراً فنزلت عن ظهره لتتأمل الأغراب، ولا شك فى أن الحمار حمد الإله على ذلك لأن المرأة كانت فى غاية السمن والضخامة، وكذلك ابنتهما على صغر سنها، كما صورتها الرسومات فى معبد حتشبسوت بالأقصر، والذى يوضح مدى ضخامة السيدة وأصابتها بداء الفيل فى ساقها.

رسم هزلى يوضح لنا ضخامة ملكة النوبة من معبد حتشبسوت بالأقصر
رسم هزلى يوضح لنا ضخامة ملكة النوبة من معبد حتشبسوت بالأقصر

وتبادلوا مع رسول الملكة السلام، وابتدأ المصريون فى العمل، فضربوا خيمة كبيرة ليعرضوا  فيها بضاعتهم وقد وقفت جانبها بعض الجنود ليدفعوا من يفكر فى السلب والنهب ،وفتح السوق جملة أيام والأهالي تبادل كنوز بلادها ببضائع مصرية ففرغت السفن المصرية، ثم ملئت ثانيتا بكنوز بونت وهى الذهب والأبنوس والقرود وجلود النمر والأسد وأخشاب البخور والصمغ، وعاد مع المصريين على سفنهم كثير من نبلاء بونت ليشاهدوا البلاد التى لم يسمعوا عنها.

ولم يكن الرجوع سهلا خاصتا وأن السفن كانت مثقلة بالكنوز والرجال ، ووصل الأسطول إلى طيبة عن طريق قناة توصل البحر الأحمر بالنيل، وقد سر الجميع بنجاح الحملة فكان يوم وصولها إلى طيبة يوم احتفال عظيم اشترك فيه جميع المصريين على اختلاف طبقاتهم، وخرج الأهالي فى صفوف منظمة يستقبلون الجنود المستكشفين، وقاد الأسطول المستكشف أسطول ملكى إلى رصيف المعبد حيث رست السفن كلها.

واستطاع الطيبيون أن يروا الكنوز التى أتى بها المستكشفون وكانت دهشتهم عظيمة عندما وقعت إبصارهم على البونتيين ، ولفت أنظارهم خاصة زرافة احضرها المصريون معهم. وقد وضعوا البخور فى المعبد بعد أن وزنته الملكة بنفسها بميزان مصوغ بالذهب والفضة وهكذا انتهت الرحلة بالنجاح والفوز.

نقش من عصر الدولة الحديثة
نقش من عصر الدولة الحديثة

وفى عهد تحتمس الثالث، إذ بالسواحل المصرية تشهد نشاط ما لم تشهده من قبل، وذلك بحكم ما كان ينطلق عاما بعد عام من حملات على بلاد سوريا، وما لم يكن عنه غناء من نقل الجنود بحراً إلى مواقع الجهاد، إذ توجهت حملته السادسة عام حكمه الثلاثين للقضاء على قادش، وربما هى أول عمليه بحرية كبرى فى التاريخ، وقد كان ذكر من قبل عن حملته السادسة حيث كان ما أسر من سفن نواة أنشاء عليها بعد ذلك الأسطول المصري، وكان تحتمس الثالث كما سجل فى حولياته حريصا فى كل حملاته كلما هبط إلى سوريا على أعداد كافة المواني بكل ما تحتاج إليه من مؤن وسفن من طراز شتى ذكرت منها السفن الكريتية (كفتيو) والجبيلية (كبنت) وحاملات الجنود (سكو) التعبئة وحاملات الماشية والخيل (سكت أهو) و (أهو مرو) ، وذلك فضلا عن أخشاب الأرز التى لم يعد لمصر غني عنها، وذلك من أجل صيانة الأسطول وتدعيمه، ولا شك أنه أهتم بالموانئ أو المرافئ المصرية للإقلاع والعودة وضمانا للإمداد.

مركب من الدولة الحديثة
مركب من الدولة الحديثة

قناة سيتى الأول عام 1310 ق.م:
وهذه القناة  أيضا هي أحدى مراحل تطور قناة السويس إلى أن وصلت بشكلها الحالي ومما ينسب إلى(سيتى الأول) ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشرة وخليفة رمسيس الأول ،مؤسس الأسرة التاسعة عشر، والذي تولى الملك من سنة 1313 إلى سنة 1292 ق .م من الأعمال العظيمة التى ارتفعت بها البحرية والملاحة أنه بدأ يحفر خليج يوصل البحرين الأبيض والأحمر مستمدا من فرع النيل الشرقى، وقد اختلف المؤرخون في دوره في حفر القناة، ولكن الأرجح أنه أعاد حفر القناة في عهده من عام 1319 ـ 1300 ق.م.

ولنا أن نتخيل ما كانت عليه الموانئ المصرية فى عصر الدولة الحديثة وما شهدته البحرية المصرية والملاحة والملاحين من تطور، حيث خرجت السفن إلى معظم أرجاء الأرض فقد كان هناك أتصل وسفن تبحر إلى جبيل واليونان وتكريت ولبنان وبلاد بونت وغيرها من ممالك العالم القديم حينذاك  ،وذلك للتجارة والتبادل الذى كان يحدث فى العواصم القديمة، هذا إلى جانب سفن نقل الجنود والعاملين والركاب، مما جعل حال الملاحة والملاحين والبحارين فى مصر فى وضع ممتاز حرفياً ومادياً واجتماعياً.

رسم يوضح تاديب رمسيس الثالث لشعوب البحر المتوسط
رسم يوضح تاديب رمسيس الثالث لشعوب البحر المتوسط

البحار المصري والملاحة  فى العصر الفرعونى المتأخر:
 كما نعرف من التاريخ المصرى القديم أن   فترة العصر المتأخر من الحضارة المصرية القديمة قد ساءت فيه أحول البلاد المصرية لدرجة أنها تعرضت إلى الغزو من ممالك مجاورة أكثر من مرة فى تلك الحقبة التاريخية، مما يدل على ضعف الأسطول المصري القديم وتدهور أحواله. ولكن فى بعض الفترات الزمنية المتقطعة كانت تظهر لنا أهمية الأسطول والبحرية المصرية القديمة، فنجد فى عهد الملك  (نخاو)  ثانى ملوك الأسرة السادسة والعشرون، طاف الأسطول المصرى بقيادة قواد فينيقيين حول القارة الأفريقية عام 616 ق.م ، وقبل رحلة البرتغالي الشهير (فاسكود  جاما) بنحو 21 قرن  من الزمان.

وقد ذكر هيرودوت عن تلك   الرحلة أن الملك نخاو أرسلها لارتياد سواحل أفريقيا المعروفة وقتئذ باسم لوبيا وكان اعتقاد المصريين أن الأرض تحيط بها المياه من كل الاتجاهات. وقد استغرقت تلك الرحلة ثلاث سنوات كاملة من تاريخ إقلاعها من الميناء الذى قامت مدينة السويس على أنقاضه، إلى أن عادت عن طريق جبل طارق إلى ساحل القطر المصري الشمالي.

قناة نخاو عام 610 ق.م:
الملك نخاو هو أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، فكر في حفر قناة تصل بين النيل والبحر الأحمر، وذلك بعد هزيمته من ملك بابل وقتها (نابو بلاسر) والتى كانت الجيوش تحت قيادة أبنه نبوخذ نصر، على سواحل نهر الفرات فى معركة(قرقميش) عام 605 قبل الميلاد.

من هنا عرف الملك نخاو أهمية الحروب البحرية وخاصتا بعد تلك الهزيمة المنكرة فى البر على يد نبوخذ نصر، فعمد على أنشاء أسطول بحرى ضخم وقوى، جعل جزء منه فى البحر المتوسط للقتال ومقابلة العدو من الشمال، والجزء الأخر جعله للقتال  فى البحر الأحمر وملاقاة العدو من الشرق.

ولكي يربط الأسطولين ببعضهما فكر بإنشاء قناة تصل البحرين ببعض، فأمر الملك نخاو بتنظيف ورفع الرمال عن قناة ستى الأول والتى قد أهملت فى السنين السابقة لحكم الملك نخاو، ولا شك أن تلك الرغبة فى السيطرة على البحر، أدت الى تطور ونمو العلاقات التجارية عبر البحار، ومن أجل فتح منافذ أفريقیة أمام أسطوله الضخم ھذا، استعان بالبحارة الفینیقیین، لتكوين أول أسطول للطواف البحرى حول أفريقیا. وحول هذا الموضوع يقول "هيرودوت" (القرن الخامس ق.م): "أنجب أبسماتيك نبكوس (نخاو) الذي حكم مصر وهو أول من شرع في حفر القناة التي تؤدي إلى بحر أروتوري (البحر الأحمر)".

وأيضا ما ينسب إلى الملك نخاو أنه فى القرن السادس قبل الميلاد خرجت من مصر بعثة قام بها أسطول الملك نخاو، وذلك لتدور حول أفريقيا من الشرق إلى الغرب وتدخل البحر الأبيض المتوسط عن طريق أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق).

وهنا يحدثنا المؤرخ القديم هيرودوت 450 قبل الميلاد عن أنباء تلك الرحلة التى استغرقت ثلاث سنوات، وكيف أن الشمس كانت تشرق عن يمينهم، بعد ما داروا حول أفريقيا.

ومن بعد الملك نخاو حكم أبنه الملك (واح إيب رع) ومن بعده الملك (أمازيس) والذي قيل أنه فتح جزيرة قبرص. ومع تدفق الإغريق على مصر فى عهد أمازيس حتى ضاق بهم المصريون، رأى أن يقر تجار الإغريق فى مدينة جعلت لهم وخصهم بها وجاملهم باسمها الإغريقي نوكراتس أي سيدة البحار وجعل لها ميناء أو مرفأ يستقبل ما يُرد من اليونان من عروض هائلة أثروا منها ثراء  فاحشاً معجلاً ، وفى تلك العصور المتأخرة من تاريخ مصر نشأ ما قد نسميه الموانئ، فكان فضلا عن موانئ برونفر وتانيس وبايرامون وما عرف فيما بعد باسم الفرما(بلوز) ودمياط فى أكبر الظن وإن كانت موضع جدل ... ثو رع قدت التى قدر لها أن تكون أساس عروس البحر المتوسط الإسكندرية.

البحار  المصرى والملاحة فى عصر الفرس :
على الرغم من مساوئ الاحتلال إلى أن مصر قد استفادة ولو بالشئ القليل من الاحتلال الفارسي ومنها قناة دارا الأول .

قناة  دارا الأول
من أهم ما أقيم فى العصر الفارسى هو شق قناة دارا الأول عام 510 ق.م في عهد الاحتلال الفارسي لمصر، ظهرت أهمية برزخ السويس، حيث ازدهرت خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس عبر البحر الأحمـر، وإبان حكـم "دارا الأول" مـلك الفرس مـن عام 522 ـ 485 ق.م الذي أعاد الملاحة في القناة، وتوصيل النيل بالبحيرات المرة، وربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر.

البحار المصرى والملاحة فى عصر الإسكندر:
ليس هناك دليل قوى على اهتمام اليونانيين بالملاحة والمواني من أنهم أنشئوا مدينة الإسكندرية ،والذي كان يعتبر أكبر ميناء موجود على ساحل البحر الأبيض المتوسط بل وقام الإسكندر الذى أمر ببناء الإسكندرية بتغيير العاصمة وجعل الإسكندرية هى عاصمة مصر سنة 331 قبل الميلاد ،واستمرت إلى ما يقرب إلى 1000عام تقريبا هى عاصمة مصر حتى دخول الفتح الإسلامي وبناء مدينة الفسطاط بأمر من عمرو بن العاص حاكم مصر وقائد الجيوش الفاتحة لمصر فى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه.


الإسكندرية (رع - دقت):
بعد ذهاب الإسكندر الأكبر إلى ممفيس أمر مهندسة المعماري (دينوقريتس) أن يبنى حول (راكوتيس) مدينة يونانية رائعة ،لم تكن هذه  محض مثالية من جانبه، ولكنها كانت مثالية لها جانبها العملي فهو يحتاج إلى عاصمة لمملكته المصرية الجديدة، ولكي ترتبط هذه العاصمة بمقدونيا، كان يجب أن تكون على الساحل، وهنا كان المكان المناسب، ميناء رائع ومناخ ممتاز، ومياه متجددة، ومحاجر من الحجر الجيري ومدخل سهل للنيل.

وضمت المدينة المنظمة الشوارع المرصوفة بالأحجار،مكتبة ومسرح ومتحف ومنارة، إلى جانب الجامعة التى كان مقرها مكتبة الإسكندرية والتى سوف تكون منبرا من منابر العالم فى العالم القديم.

خريطة منارة الاسكندرية

وقد كان لاختيار الإسكندر مدينة الإسكندرية غرض وذلك لان مصر لم يكن لها ميناء ثابت على البحر الأبيض المتوسط  وهذا ما وصفة المؤرخ هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد، ولعل هذا هو السبب فى أن اليونانيين قاموا بتأسيس مدينة نقراطس على الفرع الكانوبى للنهر وذلك فى القرن السابع قبل الميلاد، وهذا ما دعى الإسكندر الأكبر إلى بناء مدينة جديدة تسمى باسمه، وأن تكون ميناء جديدا ايضا لمصر.
وسبب أختيار الإسكندرية :
1- الحماية من أثار الفيضان.
2- الحماية من التيار البحرى من الغرب إلى الشرق على طول الساحل.
3- الحماية من الرياح العكسية الجنوبية الغربية فى الشتاء ، والرياح التجارية الشمالية الشرقية صيفا.
4- إمكانية الاتصال بمقدونيا وتلقي المدد فى حالة نقص الموارد أو وجود العقبات أثناء فتح الإسكندر لمدن العالم القديم وممالكة.
5- إمكانية الاتصال المباشر بداخل مصر عن طريق احد فروع النيل.

من هنا كان موقع الإسكندرية والتى كانت تسمى فى العصور الفرعونية باسم (رع -دقت) والتى سمها العرب فيما بعد رقودة ،كان هذا الموقع هو أنسب المواقع لبناء المدينة الجديدة والتى كما قلنا ستظل لقرابة ألف عام عاصمة المملكة المصرية القديمة ،وقد أهتم الإسكندر الأكبر وخلفائه  بميناء الإسكندرية  وبالملاحة وبالملاحين المصريين.

هذا إلى جانب أن الإسكندر الأكبر قد قدم إلى مصر فى أسطول بحرى كبير جدا من مقدونيا، وبعد أن تم فتح مصر ترك جزءاً من الأسطول (حامية) فى مياه البحر المتوسط بالقرب من عاصمته الجديدة الإسكندرية، وقد قام بتدعيم أسطوله المرابط في مياه الإسكندرية بالبحارة المصريين المتميزين والذي ذيعا صيتهم في مصر في ذلك الزمان، مستعينا بخبراتهم في معرفة البحر الأبيض المتوسط وكذلك البحر الأحمر وكل المجارى المائية في مصر.

وقد دارت معارك بحرية كثيرة في السواحل المختلفة من آسيا وشمال أفريقيا في عصر الإسكندر الأكبر ظهرت فيها براعة الأسطول والذي بالطبع كان فيه بحارة وملاحين مصريين.

قناة الإسكندر الأكبر (335 ق.م):
من أهم المشروعات التى فكر بها الإسكندر الأكبر عندما فتح مصر عام 332ق.م أشرف على تخطيط مشروع القناة لنقل سفنه الحربية من ميناء الإسكندرية وميناء أبي قير بالبحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر الدلتا والبحيرات المرة، كما بدأ تنفيذ مشروع قناة الشمال، إلا أن المشروعين توقفا لوفاته.

متابعة وقراءة الجزء الثالث أضغط هنا (البحرية المصرية الجزء الثالث)
العودة للجزء السابق من هنا (البحرية فى عهد الفراعنة الجزء الأول)

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016