حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

(بحث كامل) البحرية المصرية وأشهرالملاحين في مصر منذ ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث


بقلم الآثارى محمود  محمد مندراوى 
مفتش آثار المنيا الشمالية مصرى 

الجزء الأول من البحث 
متابعة الجزء الثانى بنهاية هذا الجزء 


مقدمة:
أنعم الله على مصر بطبيعة جميلة تحيط بها المياه من جوانب كثيرة فنجد أن مصر يحيط بها البحر الأبيض المتوسط شمالاً والبحر الأحمر شرقاً ، إلى جانب النيل العظيم الذي كان يخترقها من الجنوب إلى الشمال راسماً على الوادى لوحة جميلة تتمثل فى الخضرة والمحاصيل التي تتغذى من مياه النيل ،أيضا حبي الله مصر مجموعة من البحيرات المالحة والبحيرات العذبة مثل بحيرة قارون في الفيوم وبحيرة البرلس وغيرها من البحيرات الكثيرة التي بمصر. هذا إلى جانب فيضان النيل والذي يجعل مصر في أيام فيضانه بحيرة كبيرة، حيث تغمر مياه الفيضان جميع ربوع الوادي والدلتا .

وهنا قال هيرودوت الرحالة الإغريقي عندما زار مصر فى القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام وصفاً مشهد فيضان النيل وغرق الوادي: ((عندما يفيض النيل على البلاد ، لا يظهر منها إلا المدن فقط من وسط الماء ويكون مثلها كمثل الجزر الصغيرة في بحر إيجة وباقي مصر يصير بحراً تسير في طول السهل وعرضه  فالمسافر من (نقراش) متجها إلي نحو ( منف ) يمر بالضبط بالقرب من الأهرام)).

ويقول(شارل جوتيه) فى كتابة الملاحة المصرية: ((أن الملاحة لعبت فى مصر فى كل عصور التاريخ دوراً هاماً جداً ، حتى أن عدداً عظيماً من المسائل السياسية والاجتماعية والدينية التى كانت تظهر كل لحظة حسن سير الإدارة فى هذه البلاد الغريبة التى خلقها نهر النيل ، كانت لابد بتوقف فلاحها من قرب أو من بعد على القارب والسفينة)).

المصري القديم مغرماً بالإبحار :
بسبب تلك المساحات الشاسعة  التى أنعم الله بها على مصر من المياه ، أصبح  المصري القديم مغرماً بالماء والبحار والنيل من حوله ، وتطلع إلى اكتشاف ما وراء تلك المياه فنجدة مثلاً قد تطلع لمعرفة من أين يبدأ النيل وتخرج منابعه الأولى حيث قام بذكر ذلك فى كتاب للموتى وجد مكتوبا فى ورقة بردية (من ضمن أوراق كتب التحنيط) نص بالمعنى الآتي (فى بطاقة عند مقبرة أحدى الموتى): ((انك أيها الرجل فى لحد الخلود، سيفيض عليك النيل فى مضجعك الأخير أثراً من بركاته ،لأن ماءه آت من مدينة أبو ( أي جزيرة أسوان )، وهذا النيل ينفجر من هويته، هذا (نو) الخارج من ينبوع صخري كأن الفيضان يفور من خزانته والمياه تتدفق من ينبوعها))

ويعبر النص المترجم عن مدى شغف البحار  المصري القديم بالكشف عن منابع النيل، ومعرف من أين تأتى المياه التي تهب الوادي الحياة، والتي شبهها بأحب المعبودات إليه وهو المعبود أوزير ،والذي أعتبره المصريين القدماء من آلهة النيل وواهب الفيضان والخير لمصر .

 أثر الملاحة في العقيدة المصرية:
 غرام المصري القديم بالملاحة وركوب البحر جعله يجعلها جزء من  عقائده ومذاهبه الدينية القديمة، فنجدة كثيرا ما يتغنى بالسفر والإبحار في أناشيده الدينية ،بل وادخلها في صلب العقيدة المصرية القديمة كما سنرى في الآتي :

1-مذهب الأشمونين
 والذي صور فيه المصري القديم أن العالم القديم  والأرض كانت على مياه تسمى المياه الأزلية، حيث كان التكوين الأول في الأساطير المصرية هو ظهور الثامون الإلهي الذي يدل على الهيولى، وذلك قبل خلق الكون والإله الشمسي الذى خلق الكون، وقد أتت هذه الأسطورة من خنمو (الأشمونين) بالقبطية، وهرموبوليس باليونانية) وتنص على أنه فى الأصل، كانت ثمانية آلهة أولية موجودة فوق تل ظهر فى (خنمو) من المحيط الأزلي وهى أربعة أزواج يتكون كل زوج منها من ذكر وأنثى، الذكور فيها على هيئة ضفادع التي ترمز إلى المحيط المائي والإناث على هيئة أفاعي والتي ترمز إلى الحياة المتجددة.

2-إبحار المعبود رع بمركب الشمس فى الليل والنهار ومراكب الشمس:
إلى جانب الاعتقاد برحلة المعبود رع في مركب الشمس ورحلتي الليل والنهار من هنا يتضح لنا مدى لوعة المصري القديم بالمياه وقيمتها وما ورائها فمنها بدأ الخلق ومنها يستمد الخلق أقواتهم ومنافعهم.

وفى هذا الشأن يقول الدكتور سليم حسن في موسوعته مصر القديمة الجزء الثاني ص222: ((وقد كان  للملاحة أثر عظيم فعال فى معتقدات القوم الدينية وفى شعائرهم، فكان فى نظرهم الإله (رع) يسير فى الفجر فى سفينة الصباح وعند الغروب يسبح فى سفينة الليل أما النجوم فكانت تسبح فى قواربها الخاصة)).

مركب الشمس بالهرم
مركب الشمس بالهرم

عقيدة الإبحار عند الموتى:
كان للموتى قوارب لخدمتهم وكانت توضع نماذج منها فى مقابرهم. من هنا ظهرت السفن التي وجدت فى مقابر المصري القديم وبالقرب من مقابرهم ،والتي عرفت فى علم المصريات بمراكب الشمس، والتي كان الغرض منها هو إبحار المتوفى بتلك المركب عالم الآخرة والوصول بها إي حقول النعيم سالماً غانماً ومراكب الشمس التي وجدت فى الأهرامات والتي قام بتجميعها المرمم العظيم أحمد يوسف والذي أستغرق 10 أعوام كاملة فى تجميع وتركيب مركب من المركبين،و الذى عثر عليهم فى الخمسينات من القرن الماضى ،فى أحدى الحفر بالقرب من هرم خوفو، وتلك المركب دليل قوى على حب وعشق المصرى القديم للإبحار ، وترى فى تلك  المركب مدى عظمتها وروعتها وجمالها.

مركب ينقل تابوت المتوفى
مركب ينقل تابوت المتوفى

ويقول جوتيه عن تلك المراكب: ((كانت تستعمل منذ الاحتفال بالجنائز ،لنقل رفات المتوفيين فى توابيتهم ،وكذلك لنقل تماثيلهم وأقاربهم وأصدقائهم وخدمهم والكهنة والبكائين . والطعام اللازم للولائم الجنائزية ، والصناديق التي تحتوى على الأثاث المأتمي الذي كان لابد منه لضمان بقاء المتوفى فى العالم الآخر ،ولحمل الموسيقيين والمغنين والرقاصين الذين كانت مهمتهم إدخال السرور على أقارب المتوفى ،الذين كانوا يشاركونه آخر وجبة)).

وتروى لنا نصوص الموت كيف كان يعترف الميت فى حياته الأخرى انه حافظ على النيل ولم يلوثه ، كنوع من أنواع المحافظة عليه ، لأنه يعلم تمام العلم مدى أهمية النيل للمصريين .

أسباب حب المصرى القديم للملاحة  والإبحار:
أراد البحار المصرى أن يعرف ما وراء تلك البحار العظيمة، التى تأتى بأمواجها كالجبل، فى زمان قل  فيه العلم والتكنولوجيا الحديثة ،التى تساعده على التغلب على تلك الجبال العالية من الأمواج، وذلك التطلع الرهيب لكسر وعبور تلك البحار العظيمة بمراكب بدائية،  تطلب من البحار الذى سيقودها أن يكون على حرفية كبيرة بعلوم كثيرة، مثل علم الفلك وعلم الحساب ومعرف فصول السنة ومتى يرتفع وينخفض المد والجذب.

وكان لعبور تلك البحار العظيمة غرض عند البحار المصري القديم يتلخص في الآتي:


1- حب المصري القديمة لمعرفة المجهول والمغامرة وما وراء تلك البحار .

2- تسويق المنتجات المصرية من بردى، ومنسوجات كتان ،وغيرة من المنتجات التى اشتهرت بها المملكة المصرية القديمة فى أسواق العلم القديم ،التى كانت منتشرة فى بلاد الشام وشرق آسيا وأوربا القديمة والعراق. 

3- جلب الأخشاب والبخور التى كانت تستخدم فى المعابد المصرية القديمة وفى الأغراض الجنائزية التى كان مهتم بها المصري القديم أكثر من دنياه ، ففي عقيدته انه بعد الموت سيبعث مره أخرى وينعم فى حقول النعيم، فوجب عليه أخضار الأخشاب الجيدة والتى لا تفنى مع الزمان، وكذلك البخور المستخدم فى الصلوات والتراتيل والطقوس الدينية ،هذا إلى جانب المنتجات الأخرى والتي كان يحتاج إليها المصري القديم في حياته اليومية .

4- توسيع المملكة المصرية بالفتوحات ومحاربة الأعداء .


5- عمليات الصيد وتلك المهنة احترفا المصرى القديم من عصر ما قبل التاريخ، وكانت هذه المهنة لا تخص الفقراء من الشعب المصرى فقط فقد كان يمارسها الملوك والأمراء كنوع من الرياضة والتسلية ، مثلها فى ذلك مثل لعبة الضامة والألعاب الأخرى ، وتشير لنا المقابر المصرية فى الرسوم الواردة عليها مدى اهتمام المصرى القديم سواء كان من العامة أو الخاصة بمدى حبة لتلك المهنة ،فقد ظهر فى مقابر بنى حسن على سبيل المثال مناظر للأمراء أثناء ممارستهم لتلك الرياضة أو المهنة ، مما يدل على تعلق المصرى بتلك الرياضة ويدل أيضا على حب المصرى القديم للإبحار وممارسة الرياضة فى النيل العظيم ، واهب الحياة لمصر أو كما قال هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد لما رأى كيف كان المصريين يحبون النيل ويحافظون عليه فقال: (مصر هبة النيل).


منظر للصيد فى مقبرة باكت ببنى حسن من الدولة الوسطى
منظر للصيد فى مقبرة باكت ببنى حسن من الدولة الوسطى

هذا بإيجاز فأن للسفر والإبحار سبع فوائد كما يقول لنا المثل القديم، من هنا تطلب لهذا الإبحار مراكب ذات كفائه خاصة تتحمل تلك الجبال من الأمواج، والظروف الجوية القاسية من أمطار ورياح وعواصف وغيرة مما ترتب عليه بالتبعية اختيار قائد أو ملاح ماهر يستطيع التغلب على كل تلك العقبات.

وقد كان للبحارة المصريين القدماء باعاً كبير فى عمليات الاكتشافات القديمة ،والوصول إلى مناطق بعيدة جدا من العالم القديم، ولما لا وقد عرف عن البحار المصري القديم البراعة والمهارة في الإبحار إلى جانب الشجاعة والأقدام على المجهول بدون خوف، ولهذا تغنت الأساطير المصرية القديمة بالبحار المصرى القديم ورسمت مدى شجاعته وبراعته وأيضا ذكائه كما سيأتي ذكره عند الحديث عنهم عبر التاريخ المصرى القديم من ما قبل التاريخ مرورا بالأسرات الفرعونية حتى دخول الفتح الإسلامي إلى مصر.

تطور السفن والإبحار عبر العصور المصرية القديمة 

كما وضحنا سابقا أن الله قد من على مصر بالكثير من المسطحات المائية التى يستطيع المصرى القديم أن يمارس الإبحار فيه بحرية كان الإبحار فى مصر على محورين المحور الأول يتمثل فى الإبحار فى النيل والترع الكبيرة والبحيرات الداخلية ،أما المحور الثانى فيتمثل فى إبحار البحار والمحيطات الكبيرة، حيث كان لكل نوع من الأنواع السابقة فى الإبحار أسلوب وسفن معينة فى الإبحار ،حيث أنة أيضا أختلف من زمان إلى زمان ، سنتحدث عنها فى إيجاز فى السطور القادمة.

وقد كانت المراكب فى مصر القديمة متنوعة ومختلفة كلا منها يستخدم فى غرض ما، وما ينطبق وتستعمل من أجله لا تستعمل الأخرى فيه ،وتنقسم إلى أربع مراكب لكلا منها غرض كما قلنا وهى كالتالي :


1- مراكب دينية :

وتلك المراكب استخدمتها المعبودات المصرية القديمة فى رحلات التزاور فيما بينهم، مثل زيارة حورس لمعبد حتحور فى دندرة ،وزيارة المعبود آمون للمعبودة أمونت زوجته وابنهما خنسو، من معبد الأقصر لمعبد الكرنك، وقد كان خروج أمون يعتبر عيدا عند قدماء المصريين .


فقد كان  العيد يبدأ من معبد آمون بالكرنك وينتهي بمعبد الأقصر، حيث يخرج تمثال آمون من قدس الأقداس بالكرنك فى مركبه، والذي يحمله ثلاثين كاهناً يتقدمهم الملك ومن حوله قوارب آخري محملة بالقرابين.

نقش بالكرنك يوضح لنا احتفالية أمون
نقش بالكرنك يوضح لنا احتفالية أمون


يتقدم مركب المعبود آمون  جندي ينفخ فى النفير، ويأتي من بعد مركب آمون مركب الملك والملكة، ثم قوارب القرابين، وسط الغناء والطبول وعزف الموسيقى، وعند وصول المراكب إلى النيل توضع فى المياه، وتبدأ رحلة الإله، وكان بعض العامة يجرون المركب عكس اتجاه الريح خدمه للإله.

أما الملك والملكة فيأخذوا مكانهم بوسط المركب فى رحله الإبحار وحولهم الرعية على شاطئ النيل يهللون ويحتفلون بالأغاني والمعازف ،إلى أن يصل إلى معبد الأقصر وحينها ينضم إليه مركب المعبودين (موت) زوجة المعبود آمون  وابنة  خنسو معبود  القمر.

2- المراكب الجنائزية :
وهذا النوع تحدثنا عنه سابقا ، بأنه ينقل تابوت الموتى إلى الجبانة أو المقبرة  التى سوف يدفن فيها. هذا إلى جانب أن تلك المراكب كانت تستخدم لنقل الملك لزيارة الأماكن المقدسة، كزيارة الملك المتوفى للأماكن المقدسة للمعبود أوزير فى أبيدوس جنوباً وبوتو شمالاً، بالإضافة إلى أن تلك المراكب كانت تنقل الملك من قصره ،والذى كان غالبا ما يقع على النيل أو يمتد إليه مجرى مائى يوصله بالنيل، ومنه يعبر تابوت المتوفى فى النيل إلى مقبرته او الهرم الذى سوف يوارى جسده الأخير.

3- المركب العادية أو الدنيوية  :
وهى تلك المراكب التى كان يستخدمها المصريين فى حياتهم اليومية، كمراكب الصيد، والسفن التى تنقل الأحجار والبضائع عبر النيل من الجنوب للشمال والعكس ، وكذلك مراكب السفر والركاب، وأيضا المراكب التى كانت ترسل إلى البلاد الأجنبية لجلب الأخشاب والبخور وغيرة من منتجات تنقص السوق المصري كما سيأتي ذكره عند الحديث عن البعثات إلى البلاد الأجنبية.

مركب صيد
مركب صيد

4- مراكب الشمس :
وهي أيضا مراكب رمزية‏,‏ واحدة لرحلة النهار-كما ذكرنا- أطلق عليها المصري القديم اسم معنجت وأخري لرحلة الليل أطلق عليها اسم مسكتت.
 وسوف نتحدث أولا عن التطور الذي لحق بالسفن والمراكب المصرية عبر العصور المختلفة وكيف كانت السفن فى كل عصر من العصور فى مصر وأوجه الاختلاف والإضافات التي أضيفت من عصر إلى عصر.

تطور المراكب والسفن  فى العصور المصرية المختلفة وأشكالها:
شيد النجارون خلال العصور المختلفة طرزا متنوعة من المراكب ومجاديفها وقد اتخذوا أوضاعا حركية مختلفة سواء كانوا بجوارها أو فوق هياكلها مستخدمين القادوم والبلطة لتشكيل الألواح والجوانب الخارجية فضلا عن المقدمة والمؤخرة وبعض المجاديف.

منذ عصر ما قبل التاريخ كان المصرى القديم يصنع زوارقه بطريقة ساذجة وذلك برابط حزم من سيقان البردي ببعضها ، وكان يصنع نماذج طين من هذه الزوارق فى المقابر حتى بتمكن المتوفى من أن يسبح بها فى عالم الآخر حسب اعتقاده ، كما كان يفعل مدة حياته فى مياه  المستنقعات.

وقد شيدوا نجارو عصر ما قبل الأسرات وبداية الأسرات قوارب  ومراكب من جذوع الأشجار التى ربطوها معا ربطا محكما بحبال من ألياف نباتية وبطنوا سطحها العلوي بسيقان من نبات البردي ،ثم ما لبسوا أن صنعوا بعضها من أشجار ضخمة وجوفوا أجزاءها الوسطى بالبلطة والقدوم، ثم ارتقوا بصناعة المراكب وصنعوها من ثلاث أجزاء القاع والجانبين، ونتيجة لفقرهم إلى الألواح الطويلة لجئوا إلى ثقب الألواح المتجاورة وربطوها معا لتشكل سطحا طويلا ،واستخدموا الألياف النباتية فى عملية الربط ،كما جهزوا بعض المراكب الصواري ذات ارتفاعات متفاوتة ومجاديف كثيرة استخدمت كثير كدفة.

مركب مرسوم على إناء فخاري من ما قبل الأسرات
مركب مرسوم على إناء فخاري من ما قبل الأسرات

والزوارق الخفيفة كانت شائعة الاستعمال فى عصر الدولة القديمة وقد كانت صغير الحجم لا تتسع إلى أكثر من شخصين، وقد عثر على أشكال زورق أخرى أدق صنعا يحمل الواحد منها ثوراً، وهذه الزوارق كانت تسير بالمدرة والمجداف، وكانت صالحة للنقل فى المياه الهادئة أذا كان يستعملها صيادو الطيور فى المستنقعات، وصيادو الأسماك ،وكذلك لنقل الأبقار يومياً.

 أما فى مياه النيل التى غالبا ما تكون سريعة وشديدة الأمواج فإن هذه الزوارق البردية كانت لا تستعمل إلا نادراً، وكذلك  لم يستعمل لنقل المسافرين أو الحيوان أو البضائع الثقيلة، إذ كان يلزم لذلك سفن من الخشب الصلب، ونحن نعلم أنه منذ عصر ما قبل الأسرات كانت تصنع فى مصر مثل هذه السفن، ولا أدل على ذلك من الرسوم التى وجدناها مع الأواني الفخارية التي يرجع عهدها إلي عصر نقادة على أننا نصادف أحيانا فى مقابر عهد الدولة القديمة مصانع للسفن تعمل بكل نشاط فنشاهد مثلا على الجدران عدداً لا بأس به من النجارين يشتغلون حول قفص السفينة الذى قد تم بناء جانبيه، وكذلك الألواح، ونشاهد الثقوب التى نقرت ليركب فيها المجاديف والسكان، والواقع أن ألواح قفص السفينة لم تكن مثبتة على هيكل بل كانت موضوعة بعضها فوق بعض كلبن ثم على هيئة عاشق ومعشوق.

وصنعوا نجارو عصر الدولة القديمة مراكب إما تسير بالمجاديف أو بالشراع بورش النجارة المحلية التي كانت منتشرة فى ربوع مصر كلها، وقد انتقل فيما يبدوا بعضهم إلى مناطق نموا الأخشاب الصالحة لتشييد المراكب خاصتاً الأمارات الجنوبية، والتي كان يكثر فيها أشجار  السنط على الحدود الجنوبية لمصر. وقد ابتكروا مراكب ذات مقدمة بشكل بهيمة برؤؤس حيوانية أو بهيئة نعل الحذاء أو على هيئة أحزمة البردي والنباتات.

وكان المركب له دفة واحدة لتحديد سير المركب أو السفينة ،والذى تطورت بطبيعة الحال فى العصور اللاحقة، فنجد أنها  ظهرن عليها الشراع المصنوع من الكتان أو البردى، والمثبت على الصارى المصنوع من خشب السنط ، والذى يساعد على عمليه الإبحار عن طريق الرياح الشمالية الجنوبية الخفيفة والتى تستمر فى مصر قرابة 300 يوم فى السنة ،وهذه الرياح كانت تسهل عملية الإبحار من الشمال إلى الجنوب، أما من الجنوب إلى الشمال فكان يتكفل بها نهر النيل العظيم ومياهه التي تنحدر من الجنوب في مصر العليا إلى الشمال فى مصر السفلى والدلتا.

هذا وقد ظهرت المجاديف بشكل كثير فى المراكب الكبيرة وقد صورت فى مشاهد المقابر وعددا كبيراً من الرجال الأقوياء يقومون بعملية التجديف، وتلك السفن كانت تحمل البضائع الثقيلة  والعدد الكبير من المسافرين فى بر مصر شمالاً وجنوباً.

حيث نشاهد فى مقبرة تى القارب الذى يصنع يسير على النيل فيرى الشراع منتشراً ومعلقاً فى عارضة السارية كأنه قب الميزان، ونشاهد كذلك جماعة المجدفين فى وضع منتظم، وكان لابد من ثلاثة رجال على الأقل فى مؤخرة السفينة للإدارة.

وقد تطورت صناعة السفن النيلية بشكل سريع جداً فى صر القديمة لدرجة أنهم صنعوا سفن عملاقة تحمل أشياء ثقيلة جدا ، فى غضون بضع أيام كما يذكر لنا الحاكم (ونى) وهو حاكم الوجه القبلي فى عهد الملك مرن رع( 2258:2420 ق.م) الأسرة السادسة عندما تحث فى مقبرته عن انجازاته  وتاريخه المشرف فى حكم الصعيد فيقول:((لقد أرسلني جلالته الى (حتنوب) لإحضار مائدة قربين من المرمر، وقد سرت فى النهر شمالا من أجل الملك لاستخراج هذه المائدة من محاجر (حتنوب) فى 17 يوما ،وسحت شمالا فى سفينة نقالة، والواقع انى بنيت نقالة لهذا الغرض فى 17 يوما خلال الشهر الثالث من فصل الصيف، ورغم ان ماء النهر كانت قريب الغور فإني وصلت سالما معافى إلى هرم (مرن رع) (خع نفر مرن رع) وقد أتممت كل العمل بنفسي حسب الأمر الذي أمرني به جلالة سيدي)).

وهذه الشواهد تدل رغم فقر مصر من الخشب، على أن المصريين لم يكونوا قط فى حاجى إلى الأخشاب من البلاد الأجنبية ليقوموا بأعمال الملاحة، وأيضا حين ذكر أن ماء النيل كانت ضحلة ورغم هذا وصلوا فى وقت سريع  فإنما إن دل فيدل على مدى براعة البحار المصرى القديم ومهارته فى قيادة تلك السفينة العملاقة، والتى كانت تبلغ 60 ذرعا فى 30 ذرعا فى ماء ضحلة صعبة الإبحار، وهنا تظهر لنا وتتبين واضحة مهارة البحار المصري القديم .

أما فى عهد الدولة الوسطى فقد صنع نجارو عصر الدولة الوسطى مراكب فى هيئات لا تختلف كثيرا عن اشكال مراكب العصور السابقة وقد تميز اغلبها بمقدمة مرتفعة نحيفة وطويلة بينما تفوقها المؤخرة ارتفاعا وتنحنى  قليلا من ناحية الداخل.

وقد استخدموا أخشاب جيدة وأخرى من أخشاب رديئة ،يبدوا أنها قد فككت من بعض المشغولات الخشبية الأخرى، وخير شاهد على ذلك قوارب دهشور وشق(سنوسرت الثالث) أثناء حكمه (1978-1842 ق.م) قناة فى صخور الجندل الأول، فكانت هذه القناة إلى جانب قيمتها التجارية طريقا لسفنه الحربية، واستعملته أساطيل الفراعنة لمئات السنين أثناء حروبهم المنقطعة مع(كوشويمكن اعتبار ذلك من أكبر الأعمال التى قام بها هذا الملك العظيم . وتعطينا لوحة على الصخور فى جزيرة صهيل عند الجندل الأول مقاييس الطريق المائي مما يؤكد اهتمام قدماء المصريين بالملاحة فى النيل – وهى 150 ذراعاً عرضاً (أي 34قدم) أما العمق فكان خمسة عشر ذراعاً (أى 25 قدما)، وترجع اللوحة إلى السنة الثامنة من حكم الملك(سنوسرت الثالث).

ومن آثار الأسرة الثانية عشرة والتى تم العثور عليها فى صيف سنة 1892 م بجبهة (مير) ومعروضة الآن فى المتحف المصري بالقاهرة سفن للأموات ،معدة بطوائفها من الملاحين ومجاديف صغيرة وسفينة بشراع صنعت من الخشب وسفن تمثل تشييع جنازة ونقل الميت من مدينته إلى قبره إلى الدار الآخرة.

أما فى عهد الدولة الحديثة فقد تطور صناعة السفن بشكل كبير جدا وأدخلت عليه تطويرات كثيرة وكان عدد العاملين على المركب الواحد يزيد بأضعاف العاملين عليها فى العصور السابقة ، وأصبح حجم السفينة أكبر وصنعت من أخشاب مستوردة كخشب الأرز الذى كان يؤتى به من لبنان.

فقد قام نجارو عصر الدولة الحديثة بتشييد مراكب من ألواح خشبية ذات مقاسات مختلفة عشقت مع بعضها البعض من جذوع أشجار الجميز والسنط واستخدموا ذات الوسائل والتراكيب الفنية التى أنتجها إسلافهم.

فشكلوا مراكب من ألواح خشبية ذات مقاسات مختلفة عشقت مع بعضها البعض فى هيئة الجدران المشيدة من الطوب اللبن، وقد صنعوا بعضها من جذوع أشجار ضخمة بمقدمة ومؤخرة مستديرة ونحتوا المقدمة والمؤخرة إما بهيئة رؤؤس أدمية أو حيوانية كالوعل والأسد والكبش والصقر.

وقد جهزوا بعض المراكب بصواري ذات ساق خشبية واحده تتفاوت فى طولها من مركب الأخر. اما الدفات فتم صنعها إما من قائم واحد  ومجداف توجيه أو من قائمين ومجدافين وثبتوا تلك القوائم بمؤخرة المركب.

وشيد نجارو عصر الدولة الحديثة مراكب تميزت مؤخرتها بشق مستطيل كانت مقدمتها متسعة وعريضة ومقطوعة وزودوا بعضها بكبائن أو كمرات مستطيلة وصواري ودفات، كما صنعوا نوعاً أخر من المراكب تميزت مقدمتها  ومؤخرتها بالنحافة وكبر طولها وبهياكلها ذات القاع المقوسة.

أما السفن فى العصر المتأخر فقد وصناعتها فقد أهملت فى بشكل واضح إلا على فترات متفاوتة كان يأتي الاهتمام بصناعة السفن نتيجة للاستعمال الحرب فى معظم الأحيان، ونجد ذلك واضحا فى عصر الملك(نخاو) والذى اهتم بالأسطول وصناعة السفن، ومن بعده تدهورت الأحوال فى مصر كلها وبدأت الدولة الفرعونية فى بداية النهاية والانتهاء، على كلا فان السفن والمراكب فى تلك الفترة لم تختلف عن السفن والمراكب فى العصور التى سبقتها اللهم فى بعض أصافات قليلة كوضع الكبائن  ومكانها.

أما السفن فى العصر اليوناني الرومانى  فقد شهد شهدت تطورا كبيرا جدا حيث أدخل على صناعتها خامات جديدة واستخدمت أخشاب أخر مما يتميز بها البلاد الأوربية والتى تنبت  على أرضيهم ، وأهم ما ادخل عليه أن مقدمة السفينة كانت تنحت أو يضاف عليها إلهة البحر عند اليونانيين بوسيدون  إله البحار والمحيطات  عند قدماء اليونانيين ،وقد بنيت معظم المراكب والسفن فى العصر اليونانى من خشب الأرز الذى كان يأتي من لبنان وقتها ،ومنها الأسطول والسفن التى قدم بها الإسكندر الأكبر إلى مصر وفتح معظم بلدان العالم القديم بها ،ويتميز خشب الأرز بقلة العيوب فيه ،وأيضا قلة العقد ،كما أنه مقاوم جيد للماء وخفيف الوزن له رائحة  طيبة.

وقد أستخدم اليونانيين فى صناعة سفنهم المسامير المصنوعة من النحاس وذلك لمقاومة النحاس للماء وانه لا يتأثر بسرعة مثل الحديد بالرطوبة والتى كانت تعمل على صدأ المسامير الحديدية ،و أيضا استخدموا الرصاص وصبوة على رؤؤس المسامير الحديد  حتى لا تصدأ.

وكان خشب الساج قد استخدم كذلك فى بناء هياكل السفن،ويتميز هذا الخشب بأنة خشب قوى ومتين ،مقاوم للماء أيضا وهو خشب مستورد لا يزرع فى مصر، مثله مثل خشب الأرز.

المعبود بوسيدون إله البحر عند اليونانيين
المعبود بوسيدون إله البحر عند اليونانيين


السفن فى العصر الإسلامي فقد كانت  تبنى على شكل الهراب أو سيف السفينة على الأرض، وتربط إليه ألواح أفقية على كلا الجانبين بخيوط من الليف، ولم تكن المسامير معروفة بل استخدم عيدان النخيل تقوم كدسر مكان المسامير.

وقد أستخدم ليف النخيل والذى كان ينسج أو يفتل لصناعة الحبال ،ولربط الألواح الخشبية بعضها فى بعض. 

ولم تستعمل المسامير إلا فى القرن الخامس عشر ،وقد كان لهذا السبب تفسيرين :



أولهما قصة جبل المغناطيس :
 وهذة القصة قد شاعت فى المحيط الهندي فى الزمان القديم  حيث يذكر أن كاتبا يدهى بهوجا قد كان أول من قال أن فى البحر صخوراً من المغناطيس، تجذب السفن التى تحتوى على الحديد اليها وتحطمها ،وقد شاعت تلك الأسطورة فى البحار الجنوبية لقربها من القطب.

وأيضا تلك القصة كانت لها قصة مشابهة لها فى الأساطير اليونانية إلا أن السفن اليونانية القديمة كانت تبحر وهى محملة بخام الحديد إلى مصر وغيرها من بلاد العالم القديم عن طريق البحر الأحمر ،وأيضا كانت تلك السفن يدخل في صناعتها المسامير المصنوعة من الحديد كما ذكرنا سابقا.

ثانيهما ذوبان الحديد فى مياة البحر الأحمر :
حيث  يري المسعودى أن مياه البحر الأحمر تواثر فى المسامير المصنوعة من الحديد وتذيبه سريعا مما دعى البحارين والملاحين فى تلك المنطقة من استعمال الألياف فى ربط الأخشاب يبعضها فهى لا تتأثر بماء البحر الأحمر ،وهذا السبب هو الأقرب الى الحقيقة،حيث أن الرطوبة التى يتميز بها البحر الأحمر سرعان ما تسبب صدأ للحديد وتضعفه وتعمل على تأكله، وسرعة تلفه.

من هنا كان اليونانيين القدماء يصبون على رؤوس  المسامير الرصاص حتى لا يتاثر بالصدأ، وأيضا صنعوا المسامير من النحاس من أجل ذلك الغرض كما ذكرنا، أما المصرى القديم والذى عرفة عنه عبقريته فى تفادى مثل تلك الأخطار فقد عرف نظام العاشق والمعشوق فى الخشب، او تبديلها وتثبيتها بالخوابير الخشبية، والتى تعمل عمل المسامير بل واقوي من المسامير في كثيرا من الأحيان.

ثالثهما الشعب المرجانية :
حيث من المعروف أن البحر الأحمر يتميز بكثرة الشعب المرجانية فى معظم أجزاءه، مما يعرض السفن للاصطدام بتلك الشعب، فالسفن المصنوعة بطريقة الحبال والليف فى شد أجزاءها أكثر متانة من السفن التي استخدمت المسامير فيها.

وقد كانت الدفة الجانبية هى السائدة إلى أن ظهرت الدفة المزدوجة ،أما السارى فكان يصنع من خشب السنط القوى فى مصر أو خشب النخيل، والشراع كان يصنع من البردي أو من الكتان أو القطن.

ثانيا الإبحار فى مياه النيل والبحار والمحيطات :
بسبب طبيعة فيضان النيل على مصر فى كل عام، والذى كان يحول البلاد جميعا إلى بحيرة كبيرة ،لدرجة أن هيرودوت قال أن التنقل فى ذلك الوقت بين الشارع والأخر كان يتم عن طريق المراكب الصغيرة ، من هنا أصبح المصري القديم على دراية تامة بالإبحار وأنكسر داخلة عامل الخوف من المياة والمجهول ،وبذلك أصبح الطريق سهل للإبحار فى البحر الأحمر والبحر المتوسط.

فنجد فى عصر الدولة القديمة أول أسطول بحري فى عهد الملك سنفرو، كما نجد النقوش فى المقابر الدالة على الإبحار فى البحر المتوسط -كما سيأتي ذكره - فيما بعد وكذلك البعثات التى تمت فى عصر الدولة الحديثة وإرسال البعثات والأساطيل الحربية من الملكة حتشبسوت ومن قبلها الملك أحمس والذى قضى على الهكسوس بأساطيله الحربية المتواجدة فى البحر وهذا واضح فى مقبرته ومرسوم في مدينة الكاب.

ولكن طبيعة الإبحار فى المياه المالحة المتمثلة فى البحار والمحيطات، تختلف كثيراً عن الإبحار فى المياه العذبة المتمثلة فى مياه الأنهار والبحيرات العذبة والترع والقنوات، فكل مياه لها طبيعتها الخاصة فى عملية الإبحار، وكذلك فى شكل السفن وتجهيزاتها، فمثلاً لا يمكن الإبحار فى البحار المالحة والتى تتميز بأمواجها العاتية الضخمة، وتقلب البحر وسوء الأحوال الجوية بداخلة بمركب صغير من مراكب الصيد، فتلك البحار تحتاج إلى مراكب وسفن مجهزة إلى جانب حاجتها إلى امهر البحارين والذين على دراية بعلم الفلك والبحر والإبحار والجغرافيا وأن يتميز البحار فيها بالذكاء وحسن التصرف والتدبر فمثل تلك الرحلات تأخذ شهور وأيام فى السفر داخل البحار،  فإن لم تكن السف مجهزة والقبطان رجلاً عاقلا خبيراً تعرضت الرحلة إلى الخطر، هذا إلى جانب العدد الذى يتطلبه العمل على السفن الكبيرة يكون أكثر بكثير  من المراكب التي تعمل  فى الأنهار والسفن  والمراكب الصغيرة التى فيها.
    
هذا مع العلم أن المصرى قام بحفر قناة  من النيل عند منفيس حتى البحيرات المرة بالقرب من الإسماعيلية حالياً، وذلك ليربط البحر الأحمر والبحر المتوسط   وكانت تعرف تلك القناة بقناة سيزو ستريس والتى شقت فى عصر الدولة الوسطى- كما سيأتي الذكر بالتفصيل لاحقاً.

إلى جانب بحيرة مريوط والتي كانت أكثر عمقاً هي عليه الآن، ومتصلة بالنيل بشكل مباشر، وبالتالي كانت بالغة الأهمية فهى طريق مائي مثلها مثل البحر. 
والجدير بالذكر أن السفن التي كانت توجد بالبحر الرومي كانت تختلف عن السفن التي تستعمل في المحيط الهندي من عدة وجود.


1-السفن فى البحر المتوسط
حيث يقول ابن جبير:
أن السفن ذات الدفتين لم تكن موجودة إلا فى البحر الأبيض المتوسط كما انه شاع فى هذه السفن الشراع المربع وهو الذي ابتكره المصريين القدماء .

ويعدد النويرى السكندرى من صنوف السفن التى كانت موجودة فى البحر الأبيض المتوسط : مثل القراقير والزوارق والطرايد والغربان والشوانى والعشاريات. ولكل منها مكانة فى البحر ونقل الجيوش والخيول والبضائع ومستلزمات الجند ،ومن هذه السفن ما كان من ثلاث طوابق ،ولها ثلاث قلاع ،أما الغربان فكانت تحمل الغزاة وسيرها بالقلع والمجاديف ومنها ماله 180 مجدافاً.

2-السفن فى البحر الأحمر
أما عن السفن فى البحر الأحمر فكانت تسعى بالشراع المثلث وتخاط بالليف أو بخيوط من قشر جوز الهند ولا يستعمل فيها المسامير ،ومنها ما أن كان عدانه من أعواد النخيل وكانت تطلى بالشحوم والنورة .
وقد ذكر( أبو السيرافى)  فى القرن العاشر الميلادى أن شحم الحوت كان يستخدم فى طلاء السفن ،كما كانت فقرات عظامه تستخدم كمقاعد للجلوس وضلوعه فى سقف المنازل.

وفى هذا يقول: ((وسمعت فى هذا فى قديم الأزمان إلى قرب سيراف من الحوت واحدة فقصدت النظر إليه، فرأيت قوما يصعدون على ظهره بسلم لطيف . والصيادون أذا ظفروا بها طرحوها فى الشمس ،وقطعوا لحمها وحفروا لها حفر يتجمع فيها الدوك (الدهن) ويعرف الودك من عينها بالحرارة إذا أذابتها الشمس فيجمع ويباع على أرباب المراكب ،ويسد بها حرزها ويسد بها أيضا ما يتفتق من حرزها)).

ويرى ابن جبير ان دهن القرش أفضل من دهن الحوت فى هذه العملية.

المواد المستخدمة فى صناعة السفن :
كان يستخدم فى صناعة السفن خشب محلى وخشب مستورد؛ حيث كان يتميز الخشب المستورد مثل الأرز بجودته وقلة العقد التي فيه ،أما الخشب المحلى فأهم ما يميزه هو مقاومته للماء مثل خشب السنط ونبات البردي.

وقد ذكر (حورنى) أن الخشب الذى كان تبنى به السفن فى السويس أو جنوبها يكاد يأتي من الهند أو جزرها ، فيما عدا أسطول (سنخريب) (والإسكندر) الأكبر أذا كانت تبنى بخشب الأرز القادم من لبنان.

واهم الأشجار التى بنيت بها السفن خشب جوز الهند وكانت تصنع منه الهياكل والصواري مع خيوط التغريز والحبال والشراع ،وكان خشب الساج المتين قد استخدم كذلك فى بناء هياكل السفن.

البحار المصرى والملاحة  البحرية  فى عصر ما قبل التاريخ:
عرف البحار المصرى القديم الإبحار من عصر ما قبل الأسرات، فقد أخترع مراكبه وسفنه البسيطة من الطبيعة التى تحيط به ،فأستخدم نبات البردى والذى يتميز بخفته فوق الماء ومقامته للماء أيضا فى بناء مركبة وقاربه البدائي.

وقد دلت  الآثار المصرية القديمة على أن المصريين أول من قام ببناء السفن وقادوها فى القنوات والأنهار ثم فى البحار. ومن أقدم السفن المصرية تلك التى وجدت صورتها منقوشة على أوان خزفية قيل أنها من أصل لوبى يرجع تاريخها إلى 7000،أو 8000 سنة قبل الميلاد.

وتدل الأواني الفخارية التى ترجع تاريخها إلى العصر الحجرى والرسوم التى عثر عليها على وجود قوارب بمجاديف تدل على إلمام المصريين فى تلك العصور الغابرة بركوب متن البحار على ظهر المراكب.

ويرجع أول صور لمركب شراعي مصري إلى سنة 6200 قبل الميلاد وفيها ركبت السارية على شكل مربع منحرف أو شبيه المنحرف واستخدمت الشراع المربعة التى تلاءم الملاحة فى النيل حيث تهب الرياح عادة من الشمال.

وبتلك الآثار وتلك التواريخ السابقة يتبين لنا أن البحار المصري القديم هو أول من أبحر فى العالم القديم ،وغالب الظن أن ذلك الإبحار قد جاء بعد غرق الأرض بالمياه فى طوفان نبى الله نــوح (علية السلام )مما دعى الإنسان والبحار المصرى القديم أن يحتاط، حتى لا يحدث له مثل قوم نوح، وهم وقتذاك ليس عليهم ببعيدين ، مما جعلهم يصنعون السفن ويتعلمون الإبحار، خوفاً أن يصيبهم ما أصاب السابقين قبلهم والذين نجوا بفضل  الله والسفينة التى صنعها نبى الله نــوح (عليه السلام).

ولكن للأسف الشديد لا تمدنا الآثار الواردة من العصور الحجرية فى مصر إلا بالقليل النادر عن المراكب وقتئذ، والتى كانت بسيطة الصنع كما قلنا ، والتى لم يصل لنا منها شئ وذلك بسبب سرعة فناء الخشب وتأكله مع الزمان ، وأيضا لا تمدنا بمعلومات وافرة عن البحار فى تلك الفترة الزمنية السحيقة والتى تأكدنا أن المصرى القديم عرف ركوب البحر فيها.

كان يوجد فى مصر موان زاهرة غنية على شاطئ الدلتا منذ عصر ما قبل الأسرات كمدينة متليس (فوة) التى ترمز لها بالخطاف والقارب على لوحة (نعرمر) وكانت أساطيل هذه المدن تقوم برحلات تجارية مع السواحل السورية.

البحار المصرى والملاحة  فى عصر الدولة القديمة:
بسبب نقص الأخشاب فى مصر فقد قام ملوك الدولة القديمة بإقامة علاقات ود بين مصر و(رمران) أى لبنان وميناء (كبن) أى جبيل، وذلك فضلا عما حملت من فنونها إلى جزيرة (كفتمو) أى كريت ، وجزر بحر ايجة، وحسبنا من دليل على اتصالها المنتظم  الدائم القديم ما عرف منذ الدولة القديمة من طراز من سفن سميت (الجبيلية كبنت)، وذلك بحكم انتظام الرحلات بين مصر وجبيل، وما أقامت عليه مذ ذاك على امتداد تاريخها.

 وقد  انتشرت العمليات البحرية وإرسال البعثات وبالسفن والبحارين  في عصر الدولة القديمة، فنرى النقوش والبردي الذي وصل إلينا من تلك الفترة يوضح لنا مدى كم هذه البعثات، ومدى اهتمام الملوك الفراعنة بالبعثات وإرسال السفن إلى البلاد الأجنبية، وقد دلت الآثار الواردة من تلك الفترة على أن المصري القديم قد أبحر مسافات طويلة جدا فى النيل وفى البحار والمحيطات.

ومن تلك الآثار التى عثر عليها فى بلاد النوبة تدل على أن المصريين وصلوا بمراكبهم الحربية إلى بلاد النوبى السفلى فى عهد ملوك الأسرة الأولى، ففى عصر (حور عا) أول ملوك الأسرة الأولى وجد دليل على أن الجيش المصرى دخل بسفنه حتى الجندل الثانى فهناك لوحة صخرية فى جبل الشيخ سليمان جنوبي بوهن ببلاد النوبة تسجل غزو الفرعون (جر) الذى عقب (حورعا) وتظهر اللوحة أسيراً جالساً ومربوطاً فى مقدمة السفينة التى هى من طراز عصر الأسرات فى مصر تختلف فى شكلها عن مراكب ما قبل الأسرات.

وتدل النقوش أيضا  حتى الآن على أن أول أسطول بحرى عرف فى تاريخ البشر يرجع إلى الملك (سنفرو) أول ملوك الأسرة الرابعة إذ يخبرنا حجر بلرم أنه فى عصر هذا الملك قد عاد من بلاد سوريا أربعون سفينة محملة بخشب (عش) الأرز وفى مدى عامين كما جاء على هذا الحجر نفسه قد صنعت عدة سفن يبلغ طول كل منها نحو100 ذراع من خشب الأرز ومن خشب (مر) الذى كان يجلب من لبنان هذا عدا 60 سفينة أقل حجما.

وهذه السفن التي كانت تجرى في البحر الأبيض المتوسط ، نراها ممثلة على جدران معبد(سحو رع) والملك (وناس) من عهد الاسرة الخامسة ،وقد كانت تلك السفن تشحن بالبحارة ومعهم فصيلة من الجنود لحماية البعثة من هجمات أهالي سورية، أو لتكون مظهرا من مظاهر سلطة الفرعون، وهذه السفن كانت تبنى على نموذج السفن النيلية غير أنها كانت أكبر حجماً وأقل وزناً، حتى يمكنها أن تقاوم هياج البحر من جهة وكذلك لتتحمل شحنة عظيمة من السلع من جهة أخرى.

وهنا يذكر لنا الدكتور سليم حسن بطلان نظرية أن الفينيقيين هم أول  قوم مخروا عباب البحار ،وأن المصريين لم يجرءوا على الملاحة إلا بعد الفينيقيين من بعيد جدا، وينسبون ذلك إلى موقع فينيقية الجغرافي من جهة والى ثروة بلادها فى الأخشاب الصالحة لبناء السفن من جهة أخرى مما جعلها سيدة التجارة على شواطئ البحر المتوسط . فتلك الرسومات والمناظر تدل بشكل قاطع  على أن البحار المصرى القديم سبق العالم أجمع فى الإبحار وبناء الأساطيل البحرية قبل اى حضارة من حضارات العالم القديم بمئات السنين.

البحار هيركوف
هذا الملاح العظيم يرجع إلى عصر الدولة القديمة فى عهد الملك (بيبى الأول) و(بيبي الثانى)، وهو من أشهر الملاحين الذين ذكرهم التاريخ المصرى، وقد قام هذا الملاح بعدة رحلات ومغامرات حازت معظمها على اهتمام الملوك والأمراء  وخاصتاً الملك الطفل   فى ذلك الوقت الملك بيبى الثانى (أونى).

ويمكن قراءة أخبار تلك الرحلات وهى أول مجهود أنساني بذل فى سبيل الاستكشافات على جدران مقابر عظماء المستكشفين القدماء وقد أخبرنا أحد هيركوف الملاح المصرى القديم عن أربع رحلات قام بها إلى السودان، وسوف نستعرض تلك الرحلات بإيجاز فيما يلى:

الرحلة الأولى:
كانت الرحلة الأولى مع أبية وقد غاب عن وطنه  ما يقرب من سبعة أشهر، وكان ولده أيضا ملاحاً معروفاً فى تلك الأزمان فكما هو معروف أن المهن والوظائف فى مصر كانت تورث من الآباء إلى الأبناء، وبطبيعة الحال ورث الشاب هيركوف المهارة فى قيادة السفن من والده، فكانت رحلته الأولى ليتعلم كيف يركب البحر ويتعلم كيف يقود السفينة العملاقة، ويتعلم كيف يكون قائد لعدد كبير من الرجال على السفينة كان يصل فى بعض الأحيان إلى أكثر من 150 بحار، هكذا كانت رحلت هيركوف الأولى فى عالم الملاحة والإبحار وقيادة السفن والمغامرات فى أدغال أفريقيا.

الرحلة الثانية:
بعد أن تعلم هيركوف فنون الملاحة وأساليب قيادة السفينة ومن قبلها قيادة البشر الذين على السفينة من ملاحين وعمال وعبيد، وعرف أيضا الطرق التى سوف يبحر بسفينته فيها وأي الطرق أأمن وأسهل ،سمح له والده من أن يقوم بالرحلة الثانية بنفسه ،وقد استمرت تلك الرحلة إلى ما يقرب من ثمانية أشهر، رجع فيها هيركوف محملا فيها بالهدايا والمنتجات التى كانت تجلب من بلاد بونت، إلى جانب أن الرحلة قد عادت بسلام دون التعرض إلى أي مخاطر تذكر ،وهذا هو الأهم بالنسبة لهيركوف فى بداية حياته الملاحية ،ولكي يثبت لوالده أنه ملاح ماهر يستطيع الملك أن يعتمد عليه خلافا لوالده فى الرحلات القادمة.

الرحلة الثالثة:
أصبح هيركوف بحار متمرساً وملاحاً يعتمد عليه لم أثبته من نجاح فى الرحلة السابقة، وفى تلك الرحلة توغل هيركوف فى الأدغال الأفريقية أكثر من ذى قبل، وقد جمع كميات كبيرة من العاج والذهب حتى أنه أقتضى حملها ثلاثمائة حمار حملوا جميعا بتلك المنتجات التى جلبها هيركوف من سواحل إفريقيا، ومن المعروف أن القبائل النوبية كانوا يقطعون الطرق على القوافل المصرية بسبب جشعهم وطمعهم وأيضا بسبب ما كانت تحمله تلك السفن من كنوز ومنتجات كثيرة، ومن هنا أراد هيركوف أن تصل قافلته بأمان وتستطيع المرور دون التعرض للنهب من تلك القبائل، فقد أتفق هيركوف مع أحد رؤساء القبائل على إرسال حملة معه لحمايته، وهكذا سارت القافلة فى مأمن من طمع رجال القبائل وكيدهم ،والذين لم يفكروا فى مهاجمتها بل أظهروا استعدادهم لمد يد العون للقائد والملاح المصرى هيركوف وتزويده بالقطعان والرجال ولما رجع هيركوف مصر محملا بالكنوز سر الملك بنجاحه حتى انه أرسل إليه رسولاً خاصاً فى قارب مملوء  بما لذ وطاب لأعجابه وتقديره له.

الرحلة الرابعة:
كانت الحملة الرابعة أكثر نجاحا من الحملات السابقة ،وكان الملك الذى تمت الرحلات الثلاث الأولى فى عهده قد مات، وتولى عرشه طفل يدعى(بيبى الثانى)، وكان فى السادسة من عمره ،وقد حكم تسعين عاماً ،وهو أطول عهد أمضاه ملك على عرشه.

الرحلة الخامسة:
فى العام الثانى لجلوس (بيبى الثانى) على العرش ،خرج الرحالة على رأس قافلته للمرة الخامسة على التوالي وقد أحضر معه شيئا آثره الملك أكثر على الذهب والعاج وكان من سن حظ هيركوف أنه فكر فى إحضار قزم يهديه للملك الصغير ليضمه إلى لعبة الخشبية ، ولما سمع الملك الطفل عن هذا القزم سر سروراً عظيماً وقد كان مجرد التفكير فيه يدخل لقلبه سروراً يصغر بجانبه سروره بالكنز العظيم آلات إليه مع القزم. وأمر بكتابة خطاب إلى هيركوف يظهر فيه سروره وإعجابه ويطلب منه أن يعتني بالقزم اعتناء عظيماً حتى لا يصيبه ضر أو سوء. والخطاب بما فيه من جمل غريبة لا يختلف عن أي خطاب يكتبه طفل ينظر إلى لعبة جديدة.

وقد كتب  الفرعون الصغير :
((ترغب جلالتي فى امتلاك هذا القزم أكثر من جزية بلاد بونت وإذا أحضرنه إلى القصر سليماً فسيجزيك جلالتي خيراً مما جزى الملك أسا مستشاره (بورديد)، وهذا المستشار هو الذى احضر القزم فى الأيام القديمة)) 
ثم أرسل الملك أناساً يوافونه بالأخبار عن القزم  بعد أن أمرهم بحراسته .

فكانوا يسهرون أمام الغرفة التى ينام فيها ، وينظرون إلى وجهه عشرة مرات ليتأكدوا من وجوده حياً سليماً، ولا شك فى أن القزم قد كابد آلاماً كثيرة من هذه المراقبة فكيف يتذوق الراحة مثلا إذا كانوا يوقظونه عشرة مرات ليلاً ليتأكدوا انه حى وانه سليم معافى لربما كان الخطر الذى يهدد حياته من شدة عنايتهم به أعظم مما ينجم لو ترك لنفسه وعلى كل حال فقد وصل هيركوف سليماً ومعه القزم ولا ريب أن القزم كان أحسن من جميع لعب الملك كما كان أحبها الى نفسه.

وقد أمر هيركوف افتخار بقصته ورحلاته الاستكشافية أن تنقش على مقبرته، بدون نسيان أي حرف من تفاصيلها، هذا إلى جانب مغامرته فى اكتشاف القارة السمراء أو القارة المظلمة فى تلك الأزمان السحيقة وفى عهد الملك بيبى الثانى أيضا أنه أنفذ لقمع الثوار من سكان الرمال فى حملات خمسة كان أخطرها موقعة (شرت تب جحس) بمعنى أنف رأس الغزال عند جبل الكرمل فيما يظن، أذ خرج فى حملة برية بحرية زحف فيها الجيش برا عبر رمال صحراء سيناء وهاجمت السفن الشمال من أرض الثور وذلك فى حصار محكم قضي فيه على الخوارج كافة. 
وقد طرب أونى لما أحرز من نصر فساق روايته الشعرية حيث قال:

وعاد الجيش هذا فى سلام          ودمر أرض سكان الرمال
وعاد الجيش هذا فى سلام          وسوى أرض سكان الرمال
وعاد الجيس هذا فى سلام          وقد دك القرى ذات الحصون
وعاد الجيش هذا فى سلام          بما حصده من كرم وتين
وعاد الجيش هذا فى سلام          وبالنار ابتلى كل القصور

متابعة وقراءة الجزء الثانى أضغط هنا (البحرية المصرية الجزء الثانى).

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016