حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

القبر وطريق الخلاص في الحضارة المصرية القديمة


بقلم المرشد السياحي أحمد فهيم

شكلت القبور وما صاحبها من طقوس جنائزية في الحضارة المصرية القديمة تراثا ضخما وعظيما ليس له نظير في حضارات العالم القديم. وقد لفتت هذه الظاهرة أنظار الرحالة الأجانب من بلاد الإغريق والرومان فعلى سبيل المثال كتب (هيكاتايوس فون أبديرا) الذي عاش في مدينة الإسكندرية لمدة 15عاما و تمكن من زيارة جميع المدن المصرية ما يلي : " لا يهتم المصريون بالوقت الذي يعيشون فيه ، لأنهم يضعون أكبر إهتمامهم على الوقت الذي يأتي بعد موتهم . فهم يحتفظون بالذكريات عن فضائلهم في أذهانهم حتى يتذكرها أحفادهم من بعدهم . أما عن قبورهم فيسمونها البيوت الأبدية و التي يقضون فيها الوقت الأبدي في العالم الآخر لذلك فهم لا يفكرون كثيرا بتأثيث بيوتهم الدنيوية ، بينما لا يضعون أي حدود على مصاريف قبورهم ". 

هنا نستشف : أنه بالرغم من أن هذا النص يعكس فكر المصري القديم في العصور المتأخرة ، إلا أنه يكشف عن معتقدات دينية راسخة في وجدان المصريين وموروثة منذ أزمان بعيدة . و لعل أصدق دليل على ذلك ، هو شهادة مصرية قديمة ترجع لعصر الدولة الحديثة وهو نص من المقبرة رقم 131 في طيبة جاء فيها ما يلي :

" لقد شيدت لنفسي قبرا فاضلا في مدينتي الأبدية وقمت بالتفتيش بكل عناية عن مكان مناسب لقبري الصخري في صحراء الأبدية .وليدوم إسمي فوقه وفي أفواه الأحياء لكي تبقى ذكراي عند الناس جيدة بعد السنين الطويلة التي سوف تأتي. فالحياة الدنيا ليست سوى النزر القليل . إنه إله مجيد ذلك الذي يعمل لصالح المستقبل والذي يفتش بقلبه ليبحث عن السلام فيدفن جسده و يحيا إسمه و هو الذي يفكر في الأبدية " .

يتبين لنا من هذا النص الأخير عدد من الملاحظات الهامة و هي :

1 – أن الإنسان في مصر هو من يبحث بنفسه عن مكان مناسب لعمل مقبرته وفقا لإمكاناته المادية و طبيعة منصبه في الدولة.

2 – أن المقبرة هي الوسيلة التي تجعل للإنسان ذكرى أبدية في عالم الأحياء، فأولى طرق الخلاص : أن يظل إسم الإنسان في أفواه البشر ، فالمقبرة هي مكان إستدامة ذكر الإنسان .

3 – يتحدث كاتب النص عن إمكانية تحول الإنسان إلى " إله مجيد " بمجرد دفنه في المقبرة ، و هنا ندرك أن العالم الآخر في مصر هو مكان تواجد الآلهة و أن الإنسان و بفضل الطقوس الجنائزية التي تقام له عند دفنه يكتسب طبيعة إلهية مجيدة تجعله يحيا للأبد.

4 – يعود سبب النفقات الضخمة على القبور في مصر إلى مفهوم هام : أن الحياة الدنيا هي قصيرة للغاية إذا ما قورنت مع الحياة الأبدية التي يقضيها الناس في مملكة الموتى.

و لعل هذا النص الأخير يتوافق مع ما جاء في تعاليم " خيتي الثالث لإبنه مري كا رع " حيث قال له : " قم بتجهيز بيتك في الغرب بكل ما هو جيد و اجعل مكانك الممتاز في مقبرة الموتى ". فالإنسان في عالم مصر مطالب بتجهيز بيته الأبدي بكل ما هو طيب . من الناحية الأنثروبولوجية يقهر الإنسان هنا مفهوم الخوف من الموت، فالموت ما هو إلا مرحلة إنتقالية و سيتحول بعدها الإنسان إلى طبيعة إلهية فيحيا مرتاح البال للأبد و يظل إسمه على الأرض دائما و أبدا.

إن المقبرة في الحضارة المصرية القديمة تمثل" الزمن المقدس " و الإنسان المصري عندما يقوم بتشييد مقبرته ، فهو يبني" الزمن المقدس " في " مادة الحجر " و يمكن القول بأن هذا الزمن المقدس يمتد لجميع المناظر والنقوش الخاصة بالمقبرة ، فالحجر المنقوش بسيرة المتوفى يتحدى عوامل الفناء و من هنا يقتنع المرء فعليا بأن الحياة الدنيا هي ذات قيمة ضئيلة جدا بل وتظهر له هذه الحياة وكأنها حلما خاطفا و لعلنا نتذكر الأنشودة الشهيرة للعازف على القيثار في المقبرة رقم 50 في طيبة حيث قال : "لماذا يساء إلى هذا البلد الخالد ؟ لماذا يتحدثون لرفع قيمة الحياة الدنيا ويقللون من قيمة العالم الآخر ؟ إن أسلافنا يرقدون هناك منذ أوائل الزمن القديم وسيظلون هناك إلى الأبد ، فالجميع سيرحل إلى هناك ( العالم الآخر ) و لن يبقى أحدهنا ( عالم الدنيا ) ، فالوقت الذي يمضي في الأرض ليس إلا حلما خاطفا و لكن مرحبافالراحة و البركة لمن يصل للغرب " .

يتضح لنا من هذا النص الشهير ما يلي :

1 – أن هناك تيار فكري في الحضارة المصرية القديمة كان يسعى للتشكيك في مدى و جدوى فائدة الإيمان بالعالم الآخر فهو يقول" لماذا يتحدثون لرفع قيمة الدنيا و التقليل من قيمة العالم الآخر " وقد عبر هذا التيار عن أفكاره في أناشيد تم تسجيلها على جدران بعض المقابر في الحضارة المصرية القديمة وهو ما يرجح وجود طائفة كانت لا تؤمن بمفهوم العالم الآخر وما يحدث فيه . 

2 – آمن المصري القديم بأن مصر هي أرض الخلود وأن كل من يدفن فيها يحوز على الخلود و لا يفنى ، فهو يقول : أسلافنا يرقدون هناك منذ أوائل الزمن القديم وسيظلون إلى منتهى السنين . و أنه لن يبقى أحد في هذا العالم الدنيوي .

و لكن هل كان القبر هو طريق الخلاص الوحيد للإنسان في مصر ؟

تتحدث بردية " شيستر بيتي " في عصر الرعامسة عن طريق آخر للخلاص فنقرأ في بعض فقراتها : " لم يشيدوا لأنفسهم أهراما ولم ينجبوا أطفالا لكي تبقى أسمائهم حية إلا أنهم كتبوا كتبا لكي يقرأها الآخرون ووضعوا بكرات الكتابة للكهنة المرتلين وجعلوا من لوحة الكتابة الإبن الحبيب فكل ما كتبوه هي أهرامهم وقد بنيت لهم مقاصير صغيرة إلا أنها تهدمت وتركهم كهانهم الميتون ونسيت قبورهم ومقاصيرهم و لكن أسمائهم سميت في كتاباتهم التي كتبوها و صاروا يذكرون للأبد " .

يتضح لنا من بردية شيستر بيتي و ما جاء فيها أمورا هامة و هي :

1 – يقارن الكتاب هنا بمفهوم القبر و مايرافقه من طقوس جنائزية ، فالكتاب وفقا لهذا السياق أفضل من المقبرة أو الهرم لصاحبه إذا ما أراد الخلود وإستدامة ذكره بين الناس فالمقبرة قد يتركها الكهنة المرتلين الذين يعملون طقوسا لصالح المتوفى يوما ما ولكن ما يكتبه الإنسان لاينمحي أبدا.

2 – هناك قاسم مشترك بين الكتاب و المقبرة (أو الهرم) فمن يسمي الكتاب هرما ، لابد أن يرى في الهرم شيئا كتابيا فالقاسم المشترك بينهما هو الخلود في أذهان الأجيال القادمة . فالقبر مثل الكتاب فهو يتجه نحو قراء الأجيال القادمة .

3 – يمكن القول بأن عددا لا بأس به من كتابات المقبرة كانت مادة مستوحاة من الأدب المصري القديم ، فالنداء المشهور الذي تم تسجيله على جدران القبور و هو : " نداء إلى زائري القبر " نجده في الكتابات الأدبية المصرية القديمة .

4 – يقوم هذا النص بتشجيع الإنسان المصري القديم على الكتابة و النبوغ في مجال الأدب إذا ما أراد لنفسه أفضل الطرق نحو الخلاص في العالم الآخر .

و نؤكد هنا أن هناك قاسم آخر يجمع بين الكتاب والقبر وهو : تأليف مواضيع وأنشطة المقبرة ، فصاحب القبر يظهر كمؤلف فعلي لكتابات و نقوش المقبرة ، فهو يظهر كمؤلف حقيقي لقبره وكتابة سيرة حياته في كل ركن من أركان مقبرته، فالمقبرة هنا تعادل مفهوم الكتاب .

يظهر القبر بالنسبة للمصريين بوصفه أهم شيء يمتلكونه في هذا العالم فهو يفصح عن " هوية الإنسان الذاتية " وهو" العمل الأعظم " الذي يعيشون من أجله و يصرفون على إنشائه و إكماله كلما ليهم من مال و فكر و إعتقاد ، و هو المكان الذي يمثل " فضائلهم "عندما كانوا أحياء على الأرض  ويبني وجهاء القوم قبورهم خلال حياتهم و يكتبون فيها عن أنفسهم فنقرأ في قبور عصر الدولة الوسطى صيغة كتابية ثابتة تقول :

" أنا الذي قام بتعمير هذه الأرض لكي أكون في مدينة الأبدية و أنفذ فيها أمنيتي و قد إستنفذت إهتماماتي عندما كنت حيا لأصل بعد ذلك إلى عمر متميز و بعدما قضيت وقتي بين الأحياء و في ظل مقام صاحب القبر عند الملك ".

كما نقرأ على جدار مقبرة أخرى في طيبة في عصر الدولة الوسطى النص التالي :
" لقد قضيت سنيني في الأرض و دخلت طريق مدينة الأبدية و بعدما أعددت كل الأمور المتعلقة بقبري و التي يجب أن تكون لصاحب القبر الوقور ".

كما نقرأ على جدران مقبرة " حقا إيب " في إلفنتين:
" لقد أكملت بناء هذا القبر و قمت بكتابة نقوشه شخصيا خلال أيام حياتي "

يتبين لنا من تلك النصوص السابقة بعض الملاحظات الهامة و هي :

1 – يتجه المصري القديم لتعيين الموقع الملائم لشكل مقبرته خلال حياته و ذلك لكي تكتمل بهجته وسعادته.

2 – يعتبر القبر في هذا السياق الحضاري المقر والنتيجة الذاتية لتحرياته فهو ينظر إلى مقبرته مثلما ينظر في المرآة إلى نفسه وبناءا على ذلك ينبغي أن تعكس المقبرة حالة مثالية يسعى لها صاحبها .

3 – بما أن المقبرة هي مكان يعكس حالة مثالية، فهي تعكس مفهوم " الماعت " – النظام و الحق والخير والعدل – و لا وجود " لإسفت " – الفوضى و الباطل و الشر و الظلم – ولذا فلا نتوقع حديث عن أزمات إلا في سياق إظهار صاحبها كما لو كان البطل الأوحد الذي تمكن من القضاء عليها، فإسفت هنا إذا تم ذكرها في المقبرة، فهي تذكر لكي يتم نفيها والقضاء عليها .

هنا يثور تساؤل هام : هل يمكن لنا أن نقول بأن القبور في هذا السياق تنتمي لعالم الأهرام والمسلات والمعابد و التماثيل و الأنصاب و اللوحات الجنائزية و كل ماشابه ذلك ؟ ..... نعم، فالمصري هنا يسعى نحو خلق موقع مقدس لإستدامة ذكره بين الأجيال اللاحقة وعلى خلق نقطة إتصال بين عالم السلف وعالم الخلف، فتلك الأماكن المقدسة تعتبر إستمرارية لذكرهم على الأرض ولهذا يسجلون لأنفسهم بمادة الكتابة. وهذه الكتابة تجعل للقبور وما شابهها " صوتا مقدسا " تجعل صاحبها حاضرا أمام الأحياء فهو يتكلم مع و للأجيال اللاحقة و يسمع لهم ومن هنا كان القبر يربط صاحبه بشبكة من الذاكرة الثقافية الإجتماعية إلى الأبد . 

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016