حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

وحدة مصر السياسية بين التاريخ والذاكرة



بقلم الباحث الآثرى والمرشد السياحى / أحمد فهيم

يتناول هذا المقال مفهوم تكون مملكة مصر من منظور أثاري أنثروبولوجي حضاري أو بمعنى أدق كيف قام المصريون القدماء بتكوين وتشكيل هذا الحدث عندما عاصروه وكيف نظرواإليه بعد حدوثه أي كيف قاموا بتكوين ذكرى تستند على الماضي لهذا الحدث . و قبل أن نخوض في غمار هذه الدراسة العلمية، يود الدارس أن يهدي هذا المقال للزميلة والأخت العزيزة الأستاذة "نورا إبراهيم ناصيف" الباحثة في الآثار المصرية والشغوفة بمعرفة كل جديد عنها.

لاريب أن وحدة مصر السياسية كانت هي الحدث الأبرز حضاريا وأنثروبولوجيا بالنسبة لجميع الأجيال التي عاصرت ذلك الحدث التاريخي كما أنه ظل في بؤرة الضوء بالنسبة للأجيال اللاحقة التي قامت بتشكيل ذكرى خاصة بهذه الواقعة التاريخية (تناول الدارس هذا الموضوع في أكثر من محاضرة في نقابة المرشدين فضلا عن كتابته لمقالات أخرى سابقة مرتبطة بتلك المسألة). وهنا ينبغي لنا أن نضع في الإعتبار أنه ليس بالضرورة أن تتطابق هذه الذكرى التي تشكلت في زمن لاحق مع الواقع التاريخي نفسه، فالواقعة هنا تم تسجيلها وفقا لرؤية ملوك الأسرة صفر (لم تكن وحدة مصر السياسية كحدث تاريخي من عمل ملك واحد أو في عصر واحد) و مدى نجاحهم في تحقيق ذلك الأمر. أما الذكرى المستقبلية الناشئة لدى الأجيال اللاحقة تناولت تلك الواقعة بشكل مختلف، فالذكرى لا تتفق دائما مع التاريخ.

مما لاريب فيه أن ظهور التصوير الفني خلال عصر نقادة الأولى (المرحلة الأولى لعصور ما قبل الأسرات و تبدأ من 3900 حتى 3600 ق.م) كان هو العامل الأبرز حضورا في رغبة الإنسان المصري القديم في تثبيت أهم الأحداث التي باشرها بنفسه خلال حياته، وهو ما ظهر لدينا بشكل واضح على فخار تلك الفترة، فجميع المناظر التي صورت على ذلك الفخار هي وسيلة لتسجيل " الحدث الأبرز لصاحبه" بل ومحاولة تثبيت هذا الحدث كمادة "للذكرى المستقبلية" .

و من جانب آخر يمكن القول أن هذه الحاجة لتثبيت و تسجيل أحداث الزمن الحاضر جاءت بشكل صريح و مباشر على أحد أشهر آثار تلك الفترة وهي مقبرة الزعيم في نخن والتي تنتمي لنهايات عصر نقادة الثانية - 3400 – 3300 ق.م - حيث ظهر و لأول مرة على جدران مقبرة مصرية مشهد " ضرب الأعداء بمقمعة الزعيم " و الذي تحول فيما بعد إلى مشهد تقليدي عند ملوك مصر وكان الغرض من تصويره هو : "الإعلان السياسي عن مفهوم الحاكم الذي يبطش بأعداء البلاد لأجل تثبيت شرعيته" و هو المشهد الذي تصدر الوجه الرئيسي لصلاية الملك نعرمر في نهاية الأسرة صفر الأمر الذي يرجح أنه مشهد ينتمي للموروثات الثقافية الملكية والتي كانت تعلن دائما عن أهم سياساتها وهي : إظهار مفهوم الملك حامي حمى البلد وقاهر الأعداء بغرض تثبيت شرعيته. فنحن هنا أمام وسيلة لإثبات الشرعية، ولتحقيق ذلك كان لابد من إستخدام العنف بل وتصويره كمشهد في الزمن الحاضر وكمادة للذكرى المستقبلية .

تميزت صلاية الملك نعرمر بظهور "المناظر الكبرى المعبرة عن أحداث تلك الفترة فضلا عن نشأة كلمات تصويرية ذات قيم صوتية تم تمثيلها بحجم صغير" . فظهور بعض الكلمات التي ترافق مثل هذه الصور الفنية الكبرى هو لاشك أحد أبرز إنجازات تلك الفترة، حيث سعة الملك هنا لإيجاد طريقة كتابية محددة وواضحة لتحديد أسماء المدنو أهم الموظفين والمعبودات فضلا عن إسمه. وهنا يجوز لنا أن نقول أن ما سبق هو تعبير عن "يقظة التاريخ" ، حيث أصبح للتاريخ وعيا، بالرغم من أن هذا الوعي لا ينطبق على الماضي وإنما على الحاضر (وهو زمن تسجيل الحدث عند وقوعه مباشرة) . فالغرض الرئيسي من هذا التصوير هو : تثبيت الحدث للأبد في ذكرى المصريين .

كشفت آثار الأسرة صفر عن ملمح ديني و سياسي يرتبط بالملكية المصرية وهو إرتباط الملك وتوحده بالمعبود "حورس" ربنخن (مع الوضع في الإعتبار أن هناك حكاما آخرين لم ينتسبوا في أسمائهم للمعبود حور رب نخن خلال عصر الأسرة صفر) مما جعل هذا الحدث يستمر في ذكرى الملكية اللاحقة وحتى العصرين البطلمي والروماني. وهو ذات المعبود الذي ظهر غالبا على صلاية الملك نعرمر (هذا إذا تجاوزنا عن الرأي القائل بعدم معرفة هوية الصقر المصور على الصلاية نظرا لعدم ذكر أي إسم مرافق له) ، فهناك من يرى بأن الأحداث التي صورت على صلاية الملك نعرمر هي أحداث وقعت بالفعل وليست مجرد مشاهد دينية رمزية أو دعائية كما يعتقد فريق آخر من الباحثين. و لذا ينبغي لنا أن نشير إلى بعض الملامح التالية :

1 – الرغبة في تدوين أحداث ذلك العصر نظرا لمدى أهمية الواقعة نفسها وهي واقعة إتحاد المملكة.

2 – و لكي تكون المادة المعروضة قابلة للرؤية والعرض و الفهم و الإستيعاب لابد من إيجاد طريقة كتابية أخرى تتمثل في تصويرعلامات صغرى تعبر عن قيم صوتية وتدل على معنى لا علاقة له بما تمثله في الطبيعة، وبمعنى آخر : وجود حاجة ماسة للكتابة التي تمكن الإنسان المصري القديم من خلالها من تسمية الأماكن والأشخاص و المعبودات بأسمائهم.

3 – ظهور مناظر جديدة وفريدة من نوعها على معظم مشاهد صلاية الملك نعرمر وهي تختلف تماما عن المناظر التي سبقتها من آثار الملوك الذين سبقوه، فالفن هنا يعكس مشاهد جديدة تعبر عن حوادث فريدة و كان الهدف من ذلك : ليس مجرد حفظها من النسيان بل وضعها في حيز العرض والرؤية ولذلك فمشاهد الصلاية تعبر عن : أثر يكشف عن "تاريخ" و يتحول إلى مادة "للعرض" في الزمن الحاضر بعد أن يعاد صياغته في شكل تمثيلي فني يتناسب مع "الأهداف الأيدولوجية للملكية المصرية" وتصبح ايضا رؤية نموذجية مستقبلية قابلة للقراءة دوما. 

هناك تساؤل هام : " هل صلاية الملك نعرمر كانت قابلة للرؤية من جانب الجماهير المصرية؟ ولاسيما وأنها كانت موضوعة في المعبد ؟ ".

لم يكن المستقبل (بضم الميم و كسر الباء) الرئيسي لهذه الأحداث هو الجانب البشري (مع عدم إغفال أهمية ذلك الجانب و تعريفه بطريقة أو بأخرى بطبيعة عمل و أهداف الملكية) ، بل كان المستقبل لها هو جانب الآلهة ذاتها نظرا لأن هذه الوقائع سجلت على أثر تم إكتشافه في معبد فالهدف الرئيسي هنا يتجه نحو إخبار و تعريف الآلهة بما حدث و من هنا تتثبت هذه الإنجازات في الزمن الحاضر كرسالة للمستقبل وذلك عندما يتحول هذا الحاضر "زمن وقوع الحدث" إلى ماضي و ذلك في إطار دائرة أبدية لا تزول ولا تفنى وبناءا عليه نقول :

"أن كتابة التاريخ تتم أولا في محيط عالم المعبودات لإكساب صاحبها في الزمن الحاضر شرعية سياسية ودينية أبدية بل و يتحول إلى نموذج مستقبلي يحتذى به ثم إخبار الجانب البشري أيضا في الأزمان اللاحقة بما وقع في الزمن الماضي بشكل أو بآخر ". إن المعنى السياسي هنا و إرتباطه بعالم الآلهة هو الذي أنتج رموزا كتابية جديدة على صلاية الملك نعرمر ولهذا السبب يرى فريق من الباحثين أن معظم مناظر الصلاية كانت مثالا واضحا عن "تدوين التاريخ القديم" بكل ما تحمله الكلمة من معنى وطبقا للمنظور الثقافي المصري القديم.

و مهما كان تفسيرنا لمناظر الصلاية (سيقوم كاتب المقال بعمل دراسة أخرى في المستقبل عن صلاية نعرمر بإذن الله مع التنويه بأنه تناولها في مقال سابق) فيمكن لنا أن نستشف الملامح التالية :

1 – ظهرت أربعة مناظر من الصلاية من أصل خمس مشاهد رئيسية مفهوم جبروت وبطش الملكية عند نشأة الوحدة المصرية، فالعنف والقتل والخضوع للملك هو الموضوع السائد في هذه المشاهد.

2 – أن توسع الملكية و محاولة ضم الجميع تحت راية و زعامة واحدة لم يكن توسعا سلميا بل هو مسألة تتصل بالعنف وإجبار الأطراف المناوئة على الخضوع لشخص الملك وهو ما يشكل حدث فريد في الزمان والمكان .

3 – يظهر من تمثيل الأعداء على صلاية الملك نعرمر أن الملك هنا لا يقاتل ضد قبائل و إنما ضد عدو مستقر يعيش في قلاع ومدن محصنة و هو ما يكسب مشاهد الصلاية وقائع تاريخية تعبر عن حدث في الزمن الحاضر المعاصر لمشاهد الصلاية .

4 – يتوافق شكل المدينة المحصنة المصورة على صلاية نعرمر مع ما كشفت عنه الآثار خلال عصر نقادة الثالثة أو الأسرة صفر حيث كانت المدن المصرية في تلك الفترة عبارة عن قلاع عسكرية محصنة، فطريقة ضرب العدو هنا تتمثل في تحطيم قلعة المدينة و ذلك حتى يتم إخضاع من فيها من السكان وقد أثببت التنقيبات و الحفائر عن وجود بقايا أسوار كبرى من الطوب اللبن تتكون من حصون وبوابات تحيط ببعض المدن المصرية خلال عصر نقادة الثالثة وهو ما يتوافق و ينسجم مع منظر حصن المدينة التي يقتحمها الملك في هيئة الثور على الصلاية.

5 – على هذا الضوء ، يمكن القول بوجود ممالك صغرى ذات سيادة إقليمية مستقلة تم إخضاعها بالقوة الأمر الذي أدى في النهاية لظهور دولة ذات سيادة مركزية و إقليمية كبرى هي الأولى من نوعها في تاريخ الحضارات البشرية و ذلك من خلال محاربة دول المدن المستقلة.

إن جميع آثار الأسرة صفر بما فيها صلايةالملك نعرمر هي : " رسالة فنية سياسية تعلن فيها عن ظهور مبدأ القوة الملكية كنوع من إكتساب الشرعية فضلا عن حرص ملوكها على الظهور أمام أهم معبودات ذلك الزمن لإظهارهم في شكل المؤيدين لأعمالهم السياسية ".

و لهذا فلا غرابة من ظهور أسماء تعكس مفهوم القوة و البطش مثل "العقرب" و "نعرمر" (حيث كانت الإلهة نعر ربة مقاتلة في آثار الأسرة صفر و العصر العتيق) و "حور عحا" (حورس المحارب) وغيرها من أسماء ملوك الأسرة الأولى والثانية وهو ما يكشف عن الثقافة الملكية المصرية منذ نشأتها الأولى المتمثلة في هيئة الملك الحاكم كشخصية حربية تقضي على الأعداء في الخارج و الداخل ، فهم الممثلين للفوضى ولذا فهي تحمي البلاد من خطرهم . فنحن هنا أمام " واقع تاريخي " في "الحاضر" يتم إستغلاله "كرسالة أيدولوجية" تنتقل إلى "المستقبل" حتى يتم الحفاظ على الملكية كضامن أوحد لإستقرار النظام في البلاد.

إن أقدم مادة معروفة لذكرى الوحدة المصرية هي طقسة "سما تاوي" بمعنى توحيد الأرضين ، وهي الطقسة التي وردت على حجر بالرمو حيث كان الملك حور عحا هو أول من يقيم هذه الطقسة وفقا لما تم ذكره على ذلك الأثر . فهذه الشعيرة تهدف لإحياء ذكرى توحيد مصر لأول مرة كحدث وقع في الزمن الماضي على يد الملك حور عحا (أول ملك في عصر الأسرة الأولى وفقا لحجر بالرمو) في الزمن الحاضر وفي زمن المستقبل إلا أن ما ورد هنا عن هذه الطقسة لا يذكر بالتحديد متى وقع هذا الحدث . و من ناحية أخرى يظهر لنا حجر بالرمو (الذي تم كتابته في عصرالأسرة الخامسة) أن هناك مجموعة من الملوك الذين يرتدون التاج الأحمر والتاج المزدوج قبل عصر الأسرة الأولى ! و هنا يتضح لنا ما يلي:

1 – كشفت الآثار عن مجموعة من الملوك والزعماء الذين إرتدوا التاج الأبيض و التاج الأحمر خلال عصر الأسرة صفر وهو ما يتوافق مع ما ظهر في حجر بالرمو أي أن الماضي هنا يتفق مع وثيقة بالرمو التي تمثل الزمن الحاضر (أي زمن كتابتها في عصر الأسرة الخامسة).

2 – كان كاتب حجر بالرمو متسقا مع نفسه عندما لم يذكر أي عمل فعلي لملوك الفترة التي سبقت عصر الأسرة الأولى فذاكرته عن هؤلاء الأشخاص لم تسعفه لكتابة أي حوليات عنهم مثلما كتب عن حوليات ملوك العصر التاريخي منذ عصر الأسرة الأول و حتى النصف الأول من عصر الأسرة الخامسة. (وهناك من الباحثين من يرى أن السبب في ذلك عدم وجود كتابة تصويرية صوتية متكاملة الأركان أي كتابة ناضجة خلال فترة ما قبل الأسرات و لذا فلم يسجل كاتب بالرمو عنهم شيئا)

3 – يتضح لنا إذن أن الذاكرة المستقبلية هناو من خلال هذا السياق قد لا تعرف من هو أو من هم الذين قاموا بتوحيد مصر لأول مرة؟ فهناك ملوك يرتدون التاج المزدوج في حجر بالرمو لا نعرف عنهم شيئا فضلا عن ظهور طقسة سما تاوي في عصر حور عحا لأول مرة و التي لا تكشف عن إسم الملك الذي قام فعليا بتوحيد البلاد . فهنا نجد حالة إنقطاع حضاري واضح بين ما تم في "الماضي" و ما ظهر في "الحاضر" و "الذاكرة المستقبلية" ، فليس من الضروري أن كل ما وقع في الماضي يظهر في الحاضر و المستقبل.

4 – نلاحظ هنا أن حجر بالرمو و هو أقدم وثيقة تاريخية معروفة لنا من عصر الدولة القديمة (هناك وثائق تاريخية أقدم من حجر بالرمو و تسجل أعمال الملوك على البطاقات العاجية و ترجع للعصر العتيق) لا يذكرإسم "مينا" على الإطلاق كمؤسس أول للوحدة المصرية و بمعنى آخر أن المصريين خلال عصر الدولة القديمة كانوا يجهلون هذا الإسم فهو لم يظهر إلا في الذكرى الثقافية المستقبلية لعصر الدولة الحديثة. كما لا تفوتنا من ناحية أخرى أن إسم الملك "مينا" لا يظهر على الإطلاق لا على آثار الأسرة صفر ولا على آثار العصر العتيق مما يعني أن وثيقة بالرمو تتفق مع آثار تلك الفترة الماضية فلا تذكر إسم ذلك الملك .

5 – لم يكن إسم "مينا" أو "مني" سوى نتاج لذكرى ثقافية أنثروبولوجية متأخرة وهنا نقول أن الجذر الأساسي لهذا الإسم هو : "من – بكسر الميم" و الذي يعني : يظل ثابتا أو يظل خالداً أو يؤسس . و نلاحظ من جانب آخر أن هذا الجذر يتفق مع جذر إسم المعبود "مين" رب الخصوبة و لذا فمن المرجح أن "منو" – و هو إسم المعبود مين و "مني" – و هو الإسم الأسطوري لأول ملك مصري يكشف عن علاقة ما بينهما و هي : أن الملك الأول الذي قام بتوحيد البلاد هو نفسه الخالق الأول – أنظر رسالة المرحوم دكتور محمد حسون عن الإله مين – فسلطة الملك هنا قديمة قدم العالم، والتي تولاها الخالق نفسه منذ البداية حيث إرتبط المعبود مين بمفهوم الثور الذي أنجب نفسه بنفسه من خلال تلقيحه لأمه البقرة البرية العظيمة.

(قارن بين هذه الفكرة ومشهد الملك نعرمر في صلايته وهو يمسك المقمعة التي تمتد أفقيا "بما يشبه شكل عضو الخصوبة" ومشابهة هذا الشكل بشكل المعبود مين ربالخصوبة فضلا عن تصوير البقرات بات الأربعة على نقبة نعرمر حيث يقوم بتخصيبها في أركان العالم الأربعة – وهو ما ظهر على بعض فقرات متون الأهرام أن الملك هو الثور مين الذي يخصب أمه البقرة البرية العظيمة من خلال نقبته الملكية - وهو ما يؤكد أن الملك هنا متمقمص هيئة الثورالمخصب لأمه أو بمعنى أدق هيئة الإله مين رب الخصوبة وهو ما يرجح توحد نعرمر مع شخصية "مني" الأسطورية في الذاكرة الثقافية التي ظهرت خلال عصر الدولة الحديثة بل وهيمنة ذلك الإسم "مني" على الذاكرة المصرية في مقابل الإختفاء التام لإسم الملك نعرمر). فالتركيز هنا يتم على الشخصية المؤسسة للملكية المصرية أكثر من المؤسس نفسه فضلا عن أن الذاكرة أحيانا قد لا تعي الوقائع التاريخية التي حدث في الماضي الأول و لذا تظهر الحاجة لخلق ماضي ثاني قد يتفق أولا يتفق مع الماضي الأول.

يتبين لنا مما تقدم أن الذاكرة الثقافية الأنثروبولوجية المرتبطة بمفهوم الوحدة المصرية (ويمكن تطبيق هذه الفكرة على أيحدث تاريخي) قد تعكس شيء من المصداقية التاريخية و لكنها لا تعكس التاريخ أوالماضي الأول بأكمله كما وقع ، بل هي تخلق ماضي ثاني يحل محل الماضي الأول وهذا الماضي الثاني يكشف عن رسالة هامة أو يعكس نقاط ثابته لا يمكن زحزحتها و هي : نشأة الملكية و قدمها قدم الخالق الأول نفسه الذي ما إن خلق الكون، قام بخلق الملكية ذاتها ولاريب أن ظهور مثل هذه الفكرة تعكس إلى حد كبير وجود إنقطاع حضاري نسبيبين الماضي الأول وزمن الحاضر و زمن المستقبل مما أدى لتكوين ذكرى ثقافية مرغوب فيها تحكي عن التاريخ لا كما وقع بحذافيره ولكن تعكس رسالة تؤدي إلى الهدف المطلوب. و لاريب أنه كلما إبتعد الحدث عن زمن وقوعه كلما زادت نسبة التغيير فيه في الأزمان اللاحقة وكلما إختلفت الذاكرة الحاملة له ومن هنا فإن التاريخ يختلف إلى حد كبير عن الذاكرة. 


عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016