حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

عاصمة مصر السياسية فى عصر الدولة القديمة وحتى عصر الانتقال الاول


بقلم الباحث/ أحمد محيي الدين - باحث فى الآثار والتاريخ
بحث عن عواصم مصر القديمة
الجزء الثانى


العاصمه الاولى لمصر الموحده 
نخن

هى اقدم العواصم الثلاثه ويطلق عليها ايضاً "نخن" 



وهى مدينه ترجم "زيته" اسمها بمعنى الحصن ، وترجم "كيس" بمعنى طفوله الرب (***)، وقامت على اطلالها مدينه الكوم الاحمر الحاليه شمالى ادفو ويحتمل انهم استمسكوا بها باعتبارها مسقط رأس كبارهم واحتفظوا بزعامتها الدينيه للمعبود حور الذى رمزوا اليه بالصقر (وكان فيما يعتقد كيس وجيكييه معبودا رئيسيا اصيلاً فــــــى مدينتهم (1)* ،وقد اصبحت نخن عاصمه دينيه فقط واقام فيها اوائل الحكام من الاسرة الاولى العديد من الاثار وذلك فى معبد معبودها حورس الذى اصبح معبوداً وحامياً للملكيه المصريه.(2)*

ونخن هو الاسم المصرى القديم لعاصمه مصر العليا "الصعيد" فيما قبل الوحده ،وعاصمه مصر مصر الموحده فى عصر التأسيس (الاسرة الاولى والثانيه) وعرفت عند الاغريق باسم "هيراكونبوليس" اى مدينه الصقر "مدينه الاله حور".

ويعرف الموقع الحالى بأسم الكوم الاحمر ونظرا لكثرة المناطق الاثريه فى مصر التى تعرف بهذا الاسم فيرى الدكتور محمد بيومى مهران تسميتها باسم البلد الذى تقع فيه والذى يطلق عاده على اسم المنطقه كلها – بما فيها الكوم الاحمر – وهـــــــــى " البصيليه " بمركز ادفو بمحافظه اسوان.(3)* واستمرت اهميه نخن خلال عصر بدايه الاسرات وحرص ملوك العصر على رعايه معبدها القديم ووجدت بعض اثارهم داخل اطلاله واهمها تمثالان للملك " خع سخم" واوانى ضخمه منقوشه واثار اخرى صغيرة من عهده ثم جدد الملك " خع سخموى" اخر ملوك العصر بعض اجزاء المعبد وشاد رجاله جزءاً من واجهته بالجرانيت لأول مرة فى تاريخ مدينه العمارة المصريه.(4)* اما تاريخ مدينه " نخن" فيرجع الى حوالى 5000 ق .م او الى عصر البدارى ويذهب راى بعض الباحثين الى انه منذ قيام اول مملكه مصريه موحده فى التاريخ ،ترك ملوك" نخن" مدينتهم واخذوا من " ثينى " وجبانتها " ابيدوس" عاصمه لهم ،الامر الذى لم يثبت حتى الان بل ان معظم وثائق عصر التأسيس انما قد وجدت فى " نخن" (5)*

وقد حافظت المدينه على حصانتها القديمه وتجدد سورها الخارجى فى اواخر عصر بدايه الاسرات وكان سورا ضخما بالنسبه لامكانيات عصره فقد تراوحت ابعاده بين 260 و 300 متر طولا وبين 190 و 220 متر عرضا وبلغ سمك جداره فى بعض الاوضاع 6 امتار ولكنه شيد باللبن واستعان اصحابه على تحقيق سمكه الكبير بان ملأ وا ما بين واجهتيه بالرديم والدبش ،ولم يكتف حكام "نخن" بحمايه مدينتهم عن طريق تسويرها وانما حموا ذمارها القريب بحصن اخر شادوه عند حافه الصحراء الغربيه وفتحوا ابوابه على الاراضى الزراعيه المحيطه بهم وجعلوا له سورين متتابعين من اللبن ،الداخلى منهم اكثر ارتفاعا ً وضخامة من الخارجى فبلغ ارتفاعه نحو عشرة امتار وتعاقبت على واجهته مشكاوات طويله وبلغ سمكه نحو 4.87 امتار وفصل بينه وبين السور الخارجى ممر ضيق بلغ عرضه 2.23 من الامتار فضلاً عن ذلك فانهم قد سوروا مدينه " نخب " او " انخاب" العاصمه الدينيه لهم بسوريين متتاعبعين من اللبن ايضاً بلغ عرض الممر الفاصل بينهما 4.88 من الامتار.

فضلاً عن هذا فقد قامت مدينتى " نخن" و" نخب" فى منطقه فقيره قليله الخصب ولم تتمتع احداهما بموقع متوسط يسمح لها بان تكون عاصمه مناسبه ،ولهذا فقد فسر الاهتمام بتسويرها قبيل عصر الاسرات وخلاله الا بامرين وهما :

- ان مدينه نخن كانت مسقط رأس ملوك الصعيد فيما قبل الاسرات فتعصبوا لها واهتماو بها على الرغم من موقعها غير الملائم.
- ان نخب كانت تقع عند نهايه وادى يؤدى الى بعض مناجم الذهب والفضه فى الصحراء الشرقيه وهو وادى " الكاب".

وفقدت نخن اهميتها شيئا فشيئاً ولكنهم ظلوا يحتفظون لها بسمعتها الدينيه وسمهتها التذكاريه واستمروا يشهدون بالقداسه لأرواح أجدادهم فيها وايامهم فيها،وقد لقب حكامها بالقابها مثل منهم لقب بـــ "ساو نخن" و " منيو نخن" بمعنى " راعى نخن" وربما بمعنى " راعى ارواح نخن" ايضاً (6)* 

واصبح هذا اللقب فى الدوله الوسطى بمعنى " امين تاج الصعيد " على اساس نسبه التاج الابيض الى مدينه نخن منذ زعامتها القديمه.(7)*



شكل(3) 
صلايه نعرمر


العاصمه الثانيه
ثينى

الاسم المصرى القديم: 


الاسم فى القبطيه: tin

انتقلت العاصمه بعد ذلك الى "ثينى او طينه"(8)*وقامت "ثينى"فى وسط اقليم قديم اطلق المصريون عليه "تا- ور" (9)* 


بمعنى (البلد الكبير او الارض القديمه او الوطن العظيم) وهو اقليم كان من المراكز الكبيرة للحضارة النقاديه القديمه، وامتازت مدينه "ثينى" بموقع يتوسط اراضى الصعيد ويمكن ان يسمح لحكامه بسهوله الاشراف عليها كلها ،وكان هذا التوسط فيما يبدو احد الاسباب الرئيسيه التى دعت حكام الصعيد الى الانتقال اليها من "نخن" قبيل قيامهم بتوحيد اليلاد مباشرة.

وقد زالت اثار" ثينى" تماما ويرجح(A.H.Gardiner) انها كانت تقع فى مكان قريه" نجع المشايخ" الحاليه جنوب شرقى مدينه "جرجا" واحتفظت "أبيدوس" 


"أبدو/أبجو ،وفى القبطيه (ebwt) جبانه "ثينى" ببقاياها وشهرتها منذ شاد ملوك الاسرة وبعض ملوك الاسرة الثانيه مقابرهم او اضرحتهم فيها واكتسبت نصيباً من القداسه (امام الغربين)*** على حافه الاراضى الزراعيه المؤديه اليها وعلى حافه الطريق المؤديه الى مقابر الملوك فيها وزادت قداستها بعد عصر بدايه الاسرات منذ ان اعتبرها اهل الدين مقراً لضريح معبودهم "اوزير" ومنذ ان نسب اليه قبر الملك " جر" ثانى ملوك الاسرة الاولى او ثالثهم ثم تضخمت قداستها بمرور الاجيال حتى اعتبرها اهل الدوله القديمه داراً للحج والزيارة . قامت فى ابيدوس عده مبانى كبيرة بقى منها مبنيان مسوّران بأسوار من اللبن شيدا خلال عصر الاسرة الثانيه على مقربه من الاراضى الزراعيه خلف معبد " خنتى امنتيو" رب ابيدوس القديم.

وسمى احدهم فى العصور المتأخرة باسم " شونت زبو هبو " 


اى شونه او مستودع قدور "طيور ابى منجل" ثم حرف الاهالى المحدثون هذا الاسم الى شونه الزبيب

واطلقوا على المبنى الاخر الذى لا نعرف اسمه القديم اسم " القلعه الوسطى" ،وذهبت الاراء فى تعليل الغرض الاصيل من المبنين مذاهب شتى وملخص هذه الاراء ثلاثه وهى:

1. انهما كانا حصنين للملك " بر- اب- سن" ثالث ملوك الاسرة الثانيه وانه شاد اولهما عن قصد قرب عاصمته خلال فترة الاضرابات التى سادت عهده.
2. كانا معبدين للملكين "بر- اب- سن" و" خع- سخم" تقدم كل منهما الطريق الى مقبرة صاحبه.
3. او كانا قصرين مؤقتين خصص كل منهما لصاحبه لينزل به حين يتردد على منطقه ابيدوس ليزور اربابها او ليشرف على سير العمل فى مقبرته.(10)*

ولكن الرأى الاقرب للصواب هو انهما كانا اما قصرين او حصنين اقرب من كونهما معبدين. 



شكل(4)
شونه الزبيب فى ابيدوس


العاصمه الثالثة
انب – حج


تأسيسها:

تولى الملك "مينا"شئون الدوله الموحده وأدارها ادارة حكيمه حازمه وظلت "تانيس" او " طينه" عاصمه الدوله الموحده، على انه اراد ان يقترب من الوجه البحرى ليكفل الاشراف عليه ويحسن ادارته فأنشأ مدينه " منف" او " منفيس" كما اسماها اليونانيون.

وبدأ باقامه قلعه اشتهرت باسم "القلعه البيضاء" التى صارت نواة للمدينه التاريخيه العظيمه التى عرفت باسم " منف" واتخذها مركزاً لادارة الدلتا وموقعاً حربياً هاماً.

وفى سبيل انشأها أقام جسوراً لتجفيف بعض المناطق التى كان يغمرها الفيضان شرقى موقعها وكان النيل يجرى لجهه الصحراء الغربيه وتخلف عن هذا العمل فضاء واسع انشأء به المدينه الجديده وأقام حولها جسراً هو المعروف الان بجسر "قشيشه"، وصارت مدينه منف عاصمه للبلاد فى عهد الاسرات "3 : 6" الذين تربعوا فى دست الحكم قرابه خمسه قرون من سنه "2980"ق.م : الى سنه "2475" ق.م تقريباً .(11)*

فقد كانت " انب – حج" ثالثه المدن الكبرى فى عصر بدايه الاسرات من حيث الزمن ولكنها ظلت أوفرها مجداً وأبقاها شهرة وتعددت الاحتمالات حول ترجمه اسمها فهو قد يعنى " الجدار الابيض " او " السور الابيض " او " الاسوار البيضاء" ويمكن التعبير عنه بألفاظ شعريه قال المصريون بمثلها فى عصورهم المتأخرة نوعاً مثل : "الحــــوراء" و "الحصن الابلق"

نشأت " انب- حج" قرب منطقه ذات تاريخ حضارى قديم قامت فيها حضارات (حلوان وطرة والمعادى )الى جنوب القاهرة الحاليه بنحو عشرين كيلو متراً ،وحيث خلفتها فى المكان والاسم مدينه " منف " وكانت تقع غربى النيل بحيث تصلها مياه فيضانه وربما قامت لها ميناء نهريه قرب محطه البدرشين الحاليه وان بعدت عنه اطلالها المتأخرة فى قريه ميت رهينه الحاليه بنحو ثلاث كيلو مترات

تحول نصيب كبير من النشاط الادارى الى مدينه " انب- حج" منذ اوائل عصر بدايه الاسرات ونمت عن هذا التحول ثلاث قرائن وهى :

1. احتفال ملوك العصر ببعض اعيادهم الرسميه واعياد اربابهم فيها ،وهى اعياد ذكرتها حوليات "بالرمو" عده مرات.
2. تأكيد نصوص المذهب المنفى التى الفت خلال عصر بدايه الاسرات أو بعده بقليل.
3. انها كانت مركزاً رئيسياً للفصل فى منازعات العرش والفصل فى قضايا الارباب انفسهم منذ الازل القديم.

بالاضافه الى وجود عدد كبير من المصاطب الضخمه لكبار موظفى عصر بدايه الاسرات فى جبانتها سقارة وامتازت من هذه المصاطب خمس مصاطب ذهب الظن الى احتمال نسبتها الى ثلاثه ملوك من الاسرة الاولى ، وملكين من الاسرة الثانيه.

وليس من شك فى ان العامل الرئيسى فى اختيار مدينه " انب- حج" مركزاً للنشاط الادارى هو وجودها لدى النهايه الشماليه للصعيد والنهايه الجنوبيه للدلتا ،وسهوله الاشراف منها على شئون الوجه البحرى خاصه.(12)*


شكل(5) 
هرم خوفو اهم اثار" انب حج" من الدوله القديمه 


الفصل الثالث
عاصمه مصر السياسيه فى عصر الدوله القديمه

منف


(Mn-Nfr) (13)* 

ما المقصود بالدوله القديمه؟
يعرف عصر الدوله القديمه عادة بتعريفين اصطلاحين وهما " العصور المنفيه" للدلاله على استقرار فراعنتها وحكوماتهم المركزيه فى مدينه منف التى عرفناها فى بدايه الاسرات باسم " انب- حج" ، وعصور "بناة الاهرام العظام " كنايه عن فخامه ما شاده اهلها من اهرام لا تزال مفخرة لعصورها وشاهدا على كفاءة من تكفلوا بانشائها .(14)* 

اهتمام ملوك الدوله القديمه بمنف:
كانت العاصمه منف والتى اختير موقعها بعنايه واضاف " مينا " الى جانب اهميه الموقع وتدعيماً لوظيفه المدينه الدفاعيه والتجاريه فكانت لها مركزيه طاغيه على مصر ، فلم تكن منطقه نفوذها تشمل الدلتا فقط كما كان الحال فى " بوتو" او معظم الوادى كما كان الحال فى " نخن" بل كان اختيار الموقع عند راس الدلتا دالا على الفهم العميق من قبل فراعنه مصر لمزايا الموضع هنا بالذات لتحقيق ربط الشمال بالجنوب ، وذلك الفهم الذى بدأ بعد ذلك حتى اثناء الفتح العربى ، ولم تتحرر عاصمه مصر من اسر وجاذبيه مزايا الموضع هنا حتى الأن، ويدل عليه تتابع عواصم مصر بعد الفتح العربى فى المنطقه المقابله لـ " منف" اى فقط الاختلاف ان تلك العواصم كانت فى شرق النيل ، بينما " منف" كانت فى غربه .(15)*

الملك زوسر ونقل العاصمه من "ثينى" الى " منف" : 
اسس الملك زوسر الاسرة الثالثه بعد انتهاء الاسرة الثانيه ونقل العاصمه من "ثينى " الى " منف" التى لعبت هذا الدور حتى نهايه الاسرة السادسه.(16)* 

أسس الملك زوسر الاسرة الثالثه بعد انتهاء الاسرة الثانيه ، وكانت ايامه مبدأ عظمة "منف" ، وفى عهده استمر استخراج معدن النحاس من شبه جزيرة سيناء ،وأخضع قبائل النوبه الشماليه المجاورة للجندل الاول .وقد ساعد زوسر على نجاحه العظيم وزيره المدعو " امّحتب " الذى كان على جانب عظيم من الحكمه وطول الباع فى فلسفه الدين والسحر والحكم والامثال والطب وفن البناء. 

و" زوسر" هو أول من شيد من الحجر مبانى عظيمه كثيرة العدد وأول من حسن صناعه القبور فبنى بجهه (بنى خلاف) بالقرب من " ابيدوس " مصطبه عظيمه من الطوب ثم شيد فى الصحراء بالقرب من " منف" تربه (مقبرة) من الحجر اعظم من هذه بل من اى تربه( مقبرة) بنيت قبلها وهى الهرم المدرج المعروف باسم " هرم سقارة المدرج" وبعد ان توفى " زوسر " بقيت البلاد آخذه فى اسباب التقدم الى ان تولى الملك سنفرو آخر ملوك الاسرة الثالثه عرش مصر.(17)* 


شكل(6) 
البوابه الرئيسيه للمجموعه الهرميه للملك زوسر بسقـارة


شكل(7) 
المجموعه الهـرميه للملك زوسر بسقارة 

وقد قرر زوسر بعد نهايه الاسرة الثانيه حيث كانت العاصمه " هليوبوليس" ونازعتها الاهميه احياناً "ثينى" فى الجنوب فقد قرر زوسر نقل العاصمه بصفه نهائيه الى الموضع الذى عرف باسم " منف" بعد ذلك، حتى يرضى أهل الجنوب الذين قيل أنهم كانوا غير راضيين عن موقع " هليوبوليس" وربما كان ذلك لوجود " هليوبوليس"فى شمال رأس الدلتا على الضفه الشرقيه للنيل ، بينما كان الثقل السكانى فى الوادى على الضفه الغربيه له ولذا كان اختيار موقع منف قريبا من راس الدلتا ولكن أقرب الى الجنوب من ناحيه ، وفى نفس الضفه التى بها المجتمعات السكانيه وهى الضفه الغربيه من ناحيه أخرى . 

وعرفت " منف" بهذا الاسم فى الاسرة السادسه حين شيد فيها المللك " بــيــبـى – من نفر" حياً اطلقوا عليه اسمه ، ومع مرور الزمن اصبح اسم الحى يطلق على اسم المدينه كلها وأنه أصبح اسمها اليونانى بعد ذلك (ممفيس) ،والعربى (منف).(18)* 

فقد كان " نثر – رخت" (زوسر- جسر) اكثر اهتماما ً بمدينه "انب- حج" أو "منف" واكثر استقراراً فيها من بقيه الملوك الذين سبقوه وشيد هرمه المدرج فى جبانتها .ففسر خلفاؤه المصريون ذلك برغبته فى اختيار أرضها مقراً لدنياه وأخرته واعتبروه رأساً لملوكها . 

وعبر " مانيتون" عن رأيهم بعد أن سمى (انب- حج) بأسمها الشائع فى عصره وهو "منف ".(19)* 

ولكن كان هناك بعض المشكلات فى الاسرة الثالثه وكان منها: تفرق عدد كبير من المقابر فى جهات عديده من الصعيد ومصر الوسطى ، ومن هذه المقابر هرم "الكولا" فى منطقه الكاب فى أقصى الصعيد ، وهرم " سيلا" فى الفيوم. 

واستنتج "ادوارد ماير" من تفرقها أن عاصمه الملك لم تستطيع أن تستقر خلال الاسرة الثالثه فى مكان واحد وأنه من المحتمل أن تكون وحدة البلاد قد تفككت فى أعقاب عهد زوسر.(20)* 

من اهم الاثار المنفيه:

حجر بالرمو:
وهو عبارة عن لوحه كبيرة من حجر الديوريت الاسود حطمت الى سبعه اجزاء والكتله الرئيسيه منها موجوده فى "بالرمو" بايطاليا منذ عام 1877 ،وهذه الكتله ذات حجم كبير بما فيه الكفايه

وهناك اربع قطع صغيرة من هذا الحجر موجوده بالمتحف المصرى .اما القطعه السادسه فهى موجوده الان فى متحف الجامعه بلندن ،اما القطعه السابعه فقد عثر عليها فى مخازن متحف اللوفر ،ويبدوا ان هذه اللوحه قد اقيمت فى معبد من معابد مدينه "منف" وكانت مقامه فى مكان ظاهر حتى يستطيع كل من يراها ان يقرأها من الامام والخلف حيث انها نقشتعلى كل وجهيها ويبدأ النص على الوجه الامامى ويستمر على الوجه الخلفى

ويرجع تاريخ هذه اللوحه الى الاسرة الخامسه عهد الملك " جد كا رع – اسيسى" وتحتوى على تلخيص لهم اعمال ملوك الاسرات الاولى ابتداء من عهد الملك "نعرمر" حتى حكم الملك" جد كا رع – اسيسى" فى نهايه الاسرة الخامسه.(21)* 






شكل(8) 
بعض قطع حجر بالرمو السبعه 


الفصل الرابع
عاصمه مصر السياسيه فى عصر الانتقال الاول


اهناسيا (22)*


"nni – nsw" 

مقدمه:

يعد العصر الذى تلا الاسرة السادسه الى ظهور الاسرة الحاديه عشر من أظلم العصور فى تاريخ مصر،وقد اختلف المؤرخون فى تقدير طول هذا العصر فقدره الاستاذ "فلندرز بترى " بنحو 344 سنه وذلك من بدايه الاسرة السابعه الى الاسرة الحاديه عشرة ،وقدره الاستاذ "برستد" بنحو 315 سنه من الاسرة السابعه الى الاسره العاشرة.(23)*

بعد موت (ببى الثانى) اعتلى عرش مصر ملوك ضعاف لا نعرف عنهم شيئاً الا اسماءهم ، فورد ذكر "مرنرع"و" نيتوكريس" ثم ذكر مانيتون اسماء سبعين ملكاً كل منهم حكم يوما واحداً واطلق عليهم ملوك الاسره السابعه، ولكن قائمه برديه "تورين" ذكرت سبعه اسماء لملوك حكم كل منهم سنه واحده

اما قائمه "ابيدوس" فقد اتبعت ملوك الاسرة السادسه بسبعه عشر اسماً لملوك نرى تشابهاً كبيراً بين أسماءهم وأسماء ملوك الاسره السادسه.(24)*

أما الاسرة الثامنه التى خرج ملوكها من قفط فرغم ورود أسماء ملوك لها فى قوائم الفراعنه فان تاريخها غامض غموضاً تاماً اللهم الا بعض حقائق عن بعضهم ضئيله ،ففى قائمه العرابه نجد اسماء سبعه عشر فرعوناً حكموا زمناً فى عهد هذه الاسرة ، وفى قائمه تورين نجد مذكوراً ثمانيه فراعنه فقط، اما "مانيتون" فأنه ذكر لنا ان عدد ملوكها ثمانيه عشر ملكاً دون أن يذكر أسماءهم ،على حين ان قائمه سقاره لم يرد فيها ذكر فرعون بعد "بيبى الثانى " الى اوائل الاسرة الحاديه عشر ،اى انها أهملت الاسرات من السابعه وحتى العاشرة ، هذا ما ورد فى القوائم اما الاثار فانها لم تذكر لنا ما يشفى غله ابداً

اما بالنسبه للاسرتين التاسعه والعاشرة، ففى عصر الانتقال الاول بدأوا حكام اهناسيا فى الظهور وتشجعوا على ان يتخذوا صفه الفراعنه واعتبروا انفسهم خلفاء لملوك منف ،وتعاقبت فيهم اسرتان حاكمتان تعرفان اصطلاحاً باسم الاسرتين التاسعه والعاشرة

وكان مقر فراعنتها مدينه "هيراكليوبوليس" وهى المعروفه الان باسم (اهناس المدينه) ، ويظن بعض المؤرخين ان ملوكها من اصل "لوبى" وانهم غزوا مصر عن طريق الفيوم حتى وصلوا الى مدينه اهناس واتخذوها عاصمه لملكهم .

مركز "اهناس " السياسى والاجتماعى والدينى :

كان لأهناسيا ماضى مجيد من الوجهه التاريخيه والمكانه الدينيه فضلاً عن انها كانت اعظم مدينه صادفتهم اثناء زحفهم على البلاد وأهم حاضرة فى وسط القطر(25)* تسمى "اهناسيا" احياناً باسم "اهناسيا المدينه" و"اهناسيا ام الكيمان" وهى بلده هامه فى محافظه بنى سويف على بحر يوسف قريباً من مدخل الفيوم وكانت عاصمه للاقليم الواحد والعشرين من اقاليم الوجه القبلى بها أطلال المدينه القديمه التى كانت تسمى " حت ـ حنن ـ نسو " ومعناها (بيت ابن الملك ) ،وردت فى النقوش الاشوريه تحت اسم " هيننسى" وكانت مقر عباده الاله " حريشف" *** الذى كان يلقب بالقوى ولهذا ساواه اليونانيون بالههم "هرقل" ولذلك سموا المدينه باسم " هراقليوبوليس" وكانت عاصمه لمصر ايام العصر الاهناسى "الاسرتين التاسعه والعاشرة" من (2242 ـ 2052 ق.م ) وكان يعيش فيها ملوك هاتين الاسرتين وشيدوا فيها المعابد والقصور ودور الحكومه

وتوجد بين خزائنها اطلال عدة معابد عثر فيها وفى المناطق المجاورة لها على كثير من اثار الدولتين الوسطى والحديثه والعصر المتأخر والعصر القبطى ، لم يعثر على جبانه لملوكها حتى الان اما جبانتها العامه فهى على حافه الصحراء وتمتد عده كيلو مترات بين قرى (ميانه وسد منت) ، وقد عثر فيها على مقابر كثيرة من الاسرتين التاسعه والعاشرة وكذلك مقابر بعض كبار الدوله الذين كانوا أصلاً من اهل هذه المدينه ووصلوا الى مناصب كبيرة فى الدوله الحديثه ، ومن العصر الصاوى والعصر الفارسى وما تلاه من عصور ،ومنة اهم تلك الشخصيات الوزير (رع ـ حوتب) وقد كان فى ايام الملك " رمسيس الثانى "(26)* 

نفوذ اهناسيا:
الواقع ان نفوذ سلطان فراعنه " اهناس" كان ضئيلاً بل منعدماً فيما خلف حدود مدينه طينه وبلده العرابه المدفونه ، وكذلك كان نفوذه فى شمال طيبه نفسها ضعيفاً ويرجع ذلك الى ان الامراء المحليين فى اسيوط وان كانوا يدينون بسلطان فراعنه "اهناس" الا انهم كانوا فى الواقع اعظم منهم قوة واعز نفراً وكانوا يعملون جهد طاقتهم على حفظ كيان الفرعون الذى اخذ فى التداعى والانهيار.(27)* 

ولكن يبدو ان نفوذ الاسرة القفطيه الحاكمه ازداد شيئاً فشيئاً حتى حكموا سبعه اقاليم من جنوب الصعيد لولا ان السلطه التى توفرت لهم لم تستمر أكثر من اربعين عاماً فيما يعتقد " كورت زيته " ثم تسربت زعامة الصعيد من بين ايديهم الى حكام طيبه فى الوقت نفسه الذى انتقلت فيه زعامه مصر الوسطى من بين ايدى ملوك منف الى حكام اهناسيا ، وهنا بدأ كاتب برديه تورين عصراً جديداً بعد ان جمع العصور التاريخيه السابقه له فى وحده واحده بلغ مداها عنده 955 عاماً

" وأخذ بهذا الرأى الكسندر شارف ولكنه جعل زعامة طيبه فى الصعيد تبدأ من 2160 ق.م أى مع نهايه الاسرة السادسه فيما يعتقد ،وجعل بدايه البيت الاهناسى 2120 ق.م (28)* 

الصراع بين طيبه واهناسيا:
كانت اعنف ادوار التنافس التى سجلتها اخبار هذا العصر هى ادوار النزاع بين حكام طيبه وحكام اهناسيا، فقد اسلفنا ان حكام طيبه حاولوا ان يرثوا زعامه الصعيد بعد ان ولت عنه زعامه قفط ، واشتهر اولئك الحكام اصطلاحاً باسم الاناتفه وذلك لتسمى اغلبهم باسم انتف او انيوتف . وكانوا على جانب كبير من الحذر فلم يدعوا لانفسهم فى بايه امرهم ملكاً صريحاً ولم يتلقبوا بالقاب الملوك وبلغ من حيطتهم ان هادنوا الاسره الحاكمه الاخرى التى ظهرت فى مدينه اهناسيا بمصر الوسطى وربما اعترفوا اعترافأ ضمنياً بسيادتها أو على الاقل لم ينازعوها سيادتها بعد ان تبينوا انها فاقتهم سلطاناً وانها استطاعت ان تمد سلطانها الى منطقه منف ذاتها ، فلقب زعيمهم " انتف الاول" نفسه فى بعض نصوصه بانه ( النبيل الحاكم ، والرئيس الاعلى لمنطقه طيبه ، الذى ملأ قلب الملك " ثقه" باعتباره مشرفاً على مدخل دروب الجنوب ،وكان عماداً رئيسياً لمن يحيى بلديه ، وكبير الكهنه المكرم لدى الاهل الاعظم رب السماء) وقد شجع هذا الوضع حكام اهناسيا على ان يتخذوا صفه الفراعنه واعتبروا انفسهم خلفاء لملوك منف ، وتعاقبت فيهم اسرتان حاكمتان تعرفان اصطلاحاً بانهما الاسرتين التاسعه والعاشرة(29)* 

وظل حكام مصر الوسطى وما حولها على حالهم من الاستقلال الداخلى فى ظل ملوك اهناسيا ، وظلوا على تفاخرهم بأعمالهم وأشبع فيهم أهل اقاليمهم رغبة التعالى ، وحاول ملوك اهناسيا أن يربطوا حكام الاقاليم بهم عن طريق السياسه قبل العنف ، حيث اتبعوا وسيله بعض ملوك الدوله القديمه فى تربيه ابناء كبار الحكام فى قصورهم بغيه ان يشبوا اوفياء لهم فأشارت أحدى نصوص اسيوط الى انه عندما توفى حاكمها بكى الملك نفسه وبكى اهل مصر الوسطى والدلتا وجتمع الملك والنبلاء حين دفنه

ويحتمل انه سمح لابنته بان تتولى شئون اسيوط فى طفوله ولدها وحفيده ، ثم ربى هذا الحفيد فى قصره ، وقال الحفيد وكان يدعى " خبتى" : (سمح الملك لى بأن أتولى الحكم ولم اكن قد تعديت الذراع طولاً ، ورفع منزلتى فى شبابى ، وسمح لى بأن أتعلم السباحه مع الامراء ، ولهذا اصبحت صادق الرأى براء مما يسىء الى مولاه الذى رباه طفلاً ، ونعمت اسيوط بحكمى واثنت على اهناسيا نفسها ، وقال عنى اهل مصر الوسطى والدلتا " تربيه ملك")

وانتقل النزاع بين طيبه واهناسيا من طوره السلبى الى طوره الايجابى واستمر نحو ثمانين عاماً ، وكانت سياسه اهناسيا ازاء حكام الاقاليم الموالين لها قد آتت ثمارها فنفعوها فى تنافسها ، ويبدو ان انصياع حكام الاقاليم لطاعه اهناسيا لم يكن هيناً دائماً فقد ذكر احدهم ويدعى " نحرى" انتصاره على مصريين ونوبين وبدو(مجاى ونحسبو وعامو) ويعتقد "فولنكر" انها كانت حرباً اهليه لم يكتفى "نحرى" فيها بمهاجمه المهاجرين وانما وقف فيها ضد الملك الاهناسى نفسه ، ولكنه ما لبث ان خضع له وتلقى عفوه وحاولت طيبه بدورها ان تجمع الاحلاف حولها وربما نجحت فى ذلك بعض الشىء ولكنها اعتمدت أكثر ما اعتمدت على حصانتها الطبيعيه وعلى صلابه رجالها " الصعايده" وعلى اذكاء روح الامل والطمع فيهم

وبدأ التنافس بين البيتين الطيبى والاهناسى على صورة خفيه ثم اتخذ صورة عدائيه مكشوفه وتخلله معارك متقطعه على البر وعلى متن النيل وظلت الحدود بين الطرفين بين مدً وجزر ، ليس من شك فى ان المنازعات بين البيت الاهناسى والبيت الطيبى لم تكن من مصلحه البلاد دائماً بعد ان اصبح بأس اهلها شديدأ بينهم

وقد بدأت اهناسيا تفقد استقرارها بعد ان توالى على حكم طيبه فرعونان طموحان وهما " منتو حتب ، سعنخ ـ اب ـ تاوى " ، و " منتو حتب ، نب ـ حبت ـ رع " ، وقد حاول كل منهم ان يخضع اهناسيا لنفوذه المباشر وتطلع الى اعاده وحده البلاد تحت رايته وقد نجح " منتو حتب ، نب ـ حبت ـ رع " فى ان حقق امله حوالى عام 2052ق.م وترتب على نجاحه فى توحيد مصر تحت سلطانه أن انتهى عصر اللامركزيه بعد ان استمر نحو قرن ونصف قرن وبعد أن مثل فترة أنتقال اضطراريه بين عصور الدوله القديمه وعصور الدوله الوسطى ، وبمعنى اوضح مثل فترة انتقال من وحده سياسيه قديمه غالباً ثم الى وحده اخرى جديده.(30)*


____________________________
*** وكذلك دكتور محمد بيومى مهران .
*(1) د/ عبد العزيز صالح : نفس المرجع السابق صــ210
*(2) د/ رمضان عبده على : نفس المرجع السابق صــ304
*(3) د/ محمد بيومى مهران : المدن الكبرى فى مصر والشرق الادنى – الجزء الاول (مصر) طبع فى دار المعارف الجامعيه (د.ت) صــ13
*(4) د/ عبد العزيز صالح نفس المرجع السابق صـــ280
*(5) د/ محمد بيومى مهران : نفس المرجع السابق صـــ14
*(6) د/ عبد العزيز صالح : نفس المرجع السابق صــ280
*(7) د/ محمد بيومى مهران : نفس المرجع السابق صـــ14
*(8) د/ رمضان عبده على : نفس المرجع السابق صــ14
*(9) د/ عبد الحليم نور الدين : نفس المرجع السابق صــ26
***"امام الغربين " : او " خنتى امنتى " بمعنى امام الغرب – والغرب هو عالم الموتى – وكان يرمز اليه بحيوان قابع من الفصيله الكلبيه او الذئبيه وتلون صورته احياناً باللون الاسود واستضافت ابيدوس الى جانب " خنتى امنتى" و " اوزير" عددا ً من الارباب منهم " انبو " و" حور مين " رب اخميم .
*(10) د/ عبد العزيز صالح :نفس المرجع السابق صــ282
*(11) عبد الرحمن الرافعى:تاريخ الحركه القوميه فى مصر القديمه (من فجر التاريخ الى الفتح العربى) دار المعارف للطباعه والنشر – الطبعه الثانيه – القاهرة 1989 صـــ26
*(12) د/ عبد العزيز صالح : نفس المرجع السابق صــ 283،282
*(13) د/ عبد الحليم نور الدين: نفس المرجع السابق صــ296
*(14) د/ عبد العزيـز صالــح : نفس المرجع السابق صــ299
*(15) د/محمد مدحت جابــــر: نفس المرجع السابق صــ126
*(16) د/ رمضان عبده علــى: نفس المرجع السابق صــ304
*(17) أ.ج. سفدج :تاريخ مصر الى الفتح العثمانى – ترجمه : عمر الاسكندرى – الناشر : مكتبه مدبولى – القاهرة – (د.ت) صـــ 16،15
*(18) د/محمد مدحت جابر:نفس المرجع السابق صــ126
*(19) د/عبد العزيز صالح: نفس المرجع السابق صـــ303
*(20) نفس المرجع السابق صـــ 320
*(21) د/ رمضان عبده على : تاريخ مصر القديم – الجزء الاول – الناشر : دار نهضه الشرق بجامعه القاهرة – ينايـر 2001 – صــ216
*(22) د/ عبد الحليم نور الدين : نفس المرجع السابق صـ 296
*(23) د/ سليم حسن :مصر القديمه (فى عصر ما قبل التاريخ الى نهايه العصر الاهناسى)- الجزء الاول- مطابع الهيئه المصريه العامه للكتاب 1993– صـــ 407
*(24) اعداد نخبه من الأساتذه :الموسوعه المصريه – تاريخ مصر القديمه واثارها – المجلد الاول – الجزء الاول – صـــ 33ـ
*(25) د/ سليم حسن نفس المرجع السابق صــ 408 ، 409
*** " حريشف " ومعناه (الذى فوق بحيرته) وكان الاله الرئيسى لاهناسيا ويرسم برأس كبش ،وكان معبده الرئيسى فى مدينته الاصليه كما اقيمت باسمه هياكل صغيرة فى غيرها من البلاد وكان لبحيرة هذا المعبد دور كبير فى عبادته.
*(26) نخبه من العلماء : نفس المرجع السابق صـــ 127 ، 128
*(27) د/ سليم حسن: نفس المرجع السابق صــ 417
*(28) د/ عبد العزيـز صالح : نفس المرجع السابق صــ500
*(29) نفس المرجع السابق صــ 501
*(30) د / عبد العزيز صالح : نفس المرجع السابق صــ 516 ، 517

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016