حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

متغيرات عصر اللامركزية الثالث بمصر الفرعونية القديمة الجزء الثانى




كتب أحمد فهيم - باحث أثرى ومرشد سياحى - وحاصل على دراسات عليا فى آثار ما قبل التاريخ (قبل الأسرات) والآثار المصرية بتقدير عام جيد جدا

المتغيرات الثقافية والدلالات الحضارية لعصر اللامركزية الثالث
الجزء الثانى

ندرك مما سبق تناوله أن الموقف السياسي خلال عصر اللامركزية الثالث إتسم بما يلي :

1 - دمج الوظائف الكهنوتية و العسكرية و المدنية في قبضة واحدة داخل كل مدينة 

2 - يمكن لنا أن نستشف إرهاصات تلك الفكرة عن طريق الإجراء الذي إتخذه الملك ( با سبا خع إم نيوت ) - خلال الأسرة 21 – في تانيس و المعاصر زمنيا لدولة الإله في طيبة حيث كان هو الآخر كبير كهنة آمون في الشمال و إستحوذ أيضا على لقبي الوزير و القائد الأعلى للجيش 

3 - أنه رغم وجود " الإتفاق البابوي " الذي أشرنا إليه سابقا بين تانيس في الشمال و طيبة في الجنوب و رغم وجود محاولات لخلق عائلة واحدة خلال الأسرة 21 من خلال سياسية الزواج الدبلوماسي بين العائلتين إلى أن ذلك لم يمنع على المستوى العملي من قيام " دولتين متشابهتين تماما من حيث التنظيم أو البناء السياسي " . 

4 - هيمنة النمط الثقافي السياسي لنموذج الحكم الذي إبتدعه حريحور بل و تنامي هذا النمط بشكل متسارع خلال الأسرات 22 و 23 و 24 ( لن تطرق هذه الدراسة لقضية مدى تصير الزعماء و الملوك و الحكام من ذوي الأصل المهجن حيث سبق و أن تناولها الدارس في مقال سابق و مستقل إلا أن ذلك لا يمنع من إعادة طرح هذه القضية مستقبليا مرة أخرى للمناقشة في ضوء المعطيات و الشواهد الأثرية الجديدة ) حيث تعدد دويلات المدن و التي إحتكر فيها حكامها جميع المناصب السابقة فانتحل كل حاكم لنفسه أعلى وأهم الألقاب داخل نطاق نفوذه وتحولت العلاقات السياسية بينهم من داخلية إلى خارجية مع الوضع في الإعتبار ظهور قانون و جيش خاص لكل مدينة .

وبدلا من إحتكار السلطات و المناصب الهامة من جانب الدولة ( السلطة المركزية ) ظهرت أنظمة سياسية و إجتماعية متعددة في مصر خلال النصف الثاني من عصر اللامركزية الثالث ( و تحديدا خلال الأسرات 22 و 23 و 24 ) كما زادت ظاهرة الزواج الدبلوماسي بين هؤلاء الحكام و الزعماء ( يمكن لنا هنا أن نتخذ من تنامي وزيادة تلك الظاهرة مؤشر ثقافي سياسي واضح على طبيعة العلاقة بين هؤلاء الحكام بأنها علاقة سياسة خارجية و ليست داخلية ) . إن هذا الشكل السياسي الجديد يمكن لنا أن نرجح وجوده بسبب عاملين و هما : 

1 - العامل الأول : و هو ما سبق و أن طرحناه و يتمثل في الإجراءات السياسية الجديدة التي إتخذها حريحور ( إذن نتحدث هنا عن عامل داخلي ) 

2 - العامل الثاني : أن هذا التقسيم السياسي للبلاد في شكل دويلات المدن و إحتكار كل حاكم مدينة لأعلى المناصب في مدينته و عمل الزواج الدبلوماسي بين الحكام و وجود جيش لكل مدينة فضلا عن وجود دستور خاص لكل منطقة و إحتكار كل حاكم الضرائب لنفسه بل والتعبير عن الرضاء التام عن هذه الأوضاع و عدم ظهور مفهوم الفوضى في النصوص الرسمية و ظهور ذلك العصر و كأنه زمن بطولي حتى العصر الذي جاء فيه هيرودوت لمصر يعكس نتيجة هامة و هي : أن تمصير هؤلاء الملوك و الزعماء و الأمراء من ذوي الأصل المهجن الذي يجمع بين " المشاشا " و " الليبو " و " السبد " و " التمحو " ( الذين حكموا خلال الأسرات 22 و 23 و 24 ) بشكل تام أو كامل هو أمر يحتاج لإعادة نظر نظرا لأن هذا النمط الثقافي يناسب أكثر العقلية الخاصة بهؤلاء القوم فلكي نتوخى الدقة ينبغي هنا أن نتحدث – طبقا لمعطيات الأنثروبولوجيا الثقافية - عن وجود متغيرات خارجية أثرت جزئيا على النمط العام للثقافة المصرية المحلية أو بمعنى أدق هناك تأثير ثقافي و حضاري متبادل بين الحضارة المصرية و حضارة الملوك من ذوي الأصل المهجن ( لعلنا هنا سنطرح قضية مدى و درجة التمصير لهؤلاء الملوك و الزعماء مرة أخرى للدراسة في الوقت المناسب بإذن الله وفقا لشواهد مادية وأثرية و لغوية جديدة ) مما يعني أننا هنا نتحدث عن عامل خارجي.

وقبل أن ننتقل للفقرة اللاحقة من هذا المقال ينبغي لنا هنا أن نؤكد على طرح علمي هام فيما يتعلق بمفهوم التبادل الحضاري و التأثير و التأثر ما بين حضارتين . لا يوجد حضارة ناقلة لأخرى . الحضارات كائنات حية ، لكل منها إستقلالها الذاتي و حياتها الخاصة وشخصيتها المتميزة . لكل منها جوهرها وبؤرتها ومحاورها وقيمها وتصورها للعالم ولذلك فإن علاقتها بالحضارات المجاورة تحكمه " قوانين إلتقاء الحضارات و منطقه " و الذي تم صياغته في علم " أنثروبولوجيا الثقافة " . و الواقع أن كل حضارة تتفاعل مع غيرها من الحضارات المجاورة وتأخذ منها طبقا لإحتياجها الخاص وتتمثل منها ما تريد و تعيد توظيفه من منظورها و طبقا لإحتياجاتها . لا يوجد نقل حرفي أو تقليد قردي من حضارة لأخرى . فهذا إفتراض نظري لا وجود له يدل على عقلية الرائي وأهدافه أكثر مما يكشف الموضوع المرئي و تكوينه . و من هنا يمكن القول أن مفهوم " التأثير والتأثر " هو أمر واقعي و منطقي و لكن له قوانينه التي تحكمه ولا يأتي بشكل عشوائي ولا يمكن فهمه على أنه نوع من فرض نمط ثقافي على نمط ثقافي آخر . كما أن ذلك لا يعني أيضا عدم أصالة الحضارة التي تقتبس ما يناسبها من معطيات حضارية من الثقافات المجاورة ومن جانب آخر لا يمكن تصور وجود حضارة مستكفية بذاتها فلا تقتبس من غيرها فذلك أيضا إفتراض نظري ليس له أي دليل علمي ، فالحضارات تأخذ وتقتبس من بعضها البعض ما يناسبها في زمان معين و في مكان محدد .

لقد أفضى إذن ظهور ذلك النظام السياسي الجديد إلى نتيجة أخرى خلال النصف الثاني لعصر اللامركزية الثالث وهي :

ظهور " المبدأ الأرستقراطي للنسب " في تعيين الأفراد في الوظائف الهامة بدلا من " مفهوم الكفاءة البيروقراطية الإجتماعية المصرية " ، فلا شك أن الجماعات البشرية من ذوي الأصل المهجن التي دخلت البلاد منذ عصر الرعامسة لم تندمج بشكل كامل في معطيات الثقافة المصرية المحلية فقد كان التعيين في الوظائف الهامة و فقا لمفاهيم القرابة والنسب عنصر أساسي من عناصر العقلية الثقافية والحضارية لهذه المجتمعات فقد كانت القرابة عاملا هاما من عوامل " التشابك الإجتماعي الأفقي " أي إقامة مجموعة من العلاقات والشبكات الإجتماعية على خط أفقي واحد بين مختلف الأسر و العائلات التي تربط مصالحها مع بعضها البعض من خلال تحالفات سياسية مشتركة أو إقامة زواج دبلوماسي ومن هنا أصبح نسب الإنسان وحسبه هما الأساس الثقافي لتحديد المكانة الإجتماعية لأي فرد خلال عصر اللامركزية الثالث ( التساؤلات هنا تتمثل فيما يلي : هل المبدأ الأرستقراطي للنسب لم يكن ممارسا قبل عصر اللامركزية الثالث ؟ أم أن الظاهرة نفسها كانت موجودة و لكن بشكل جزئي ؟ هل نتحدث هنا عن فارق في درجة الظاهرة من عصر إلى آخر أم فارق في النوعية بمعنى آخر أن الظاهرة في حد ذاتها كانت إلى حد ما معترف بها في مصر قبل عصر اللامركزية الثالث و لكنها لم تكن قانونا إلا أن ما حدث بعد ذلك أنها زادت بشكل بارز - الفارق هنا في الدرجة فقط - في ذلك الزمن ؟ ) . 

إن النتيجة السياسية المستحدثة أدت إلى ظهور " نماذج إجتماعية جديدة " مسيطرة على المجتمع المصري خلال ذلك العصر و ما يؤكد ذلك الطرح العلمي الهام ما يلي : 

1 – كشفت نصوص ذلك العصر عن أن الحسب أو النسب كان يمثل الركيزة الأساسية لشغل أي مناصب كبيرة كما أكدت النصوص على الألقاب التي يحملها " فلان إبن فلان إبن فلان " 

2 – إزدادت ظاهرة وحي الإله الذي يبارك إنتقال المنصب و وراثته من إبن لإبن آخر فلا يتمكن الإنسان في مصر من شغل مكانة " إجتماعية مرموقة " خلال ذلك العصر دون الإستناد على " أيدولوجيا دينية بارزة " 

3 – إستمر هذا النظام الإجتماعي الوراثي لمدة إمتدت زمنيا إلى مئات السنين و ظهر مفهوم " شجرة العائلة " التي تضرب بجذورها إلى زمن عتيق وتتوارث المناصب من جيل إلى آخر و ذلك برز مفهوم الأنساب العائلية العريقة على جدران المقابر حيث صار الإنسان ذي المكانة الإجتماعية المرموقة يفتخر بجذره العائلي الممتد إلى زمن بعيد وكان سبب تدوين ذلك على جدران المقبرة هو " الحاجة الأيدولوجية لتثبيت النسب والحسب للأبد " 

و من هنا يمكن القول بأن الزمن الذي كانت فيه المملكة المصرية ذات حكم مركزي قوي ، كانت السلطة الملكية تقوم أحيانا و من خلال لجنة نظام مركزي تعليمي بإختيار وإنتقاء " و لو بشكل جزئي أو هامشي " الموظفين وفقا للكفاءة المهنية و القدرات التعلمية و المهارات المكتسبة و التي تختلف من فرد لآخر و قد إستمر هذا الوضع حتى الزمن الذي زار فيه هيرودوت ( عصر الأسرة 27 ) أرض مصر لدرجة أنه يتحدث و يقول ما يلي : 

" فقد كان للمصريين سبعة طوائف مختلفة ، الأولى هي طائفة الكهنة و الثانية الطائفة العسكرية و بعدها تأتي طوائف رعاة البقر و رعاة الخنازير و التجار الصغار و المترجمين و الملاحين " . 

يلاحظ هنا فيما ورد لدى هيرودوت أمورا هامة وهي : 

1 – ذكر طائفة الكهنة كأولى و أهم طوائف المجتمع المصري في عصر اللامركزية الثالث بل و في العصر المتأخر بأكمله حيث سيطرت هذه الطائفة دينيا و سياسيا على مجريات التاريخ في ذلك الزمن في ظل إنهيار مفهوم الملكية المركزية ذات الصبغة المقدسة . 

2 – بداية وجود إنفصال وظيفي واضح بين الطائفة الكهنوتية و الطائفة العسكرية التي تلتها مباشرة في العصر المتأخر ( تحديدا خلال عصر الأسرة 27 ) و هو ما لم يكن كذلك خلال عصر اللامركزية الثالث فقد فضل الحاكم الفارسي المحتل ( في عصر الأسرة 27 ) أن يتعامل مع النخب الكهنوتية لإحكام قبضته على البلاد ( أنظر نص السيرة الذاتية لكاهن الإلهة نيت " وجا حور رس نيت " الذي عاصر بداية الغزو الفارسي و مدى تعاونه مع المحتل الأجنبي ) و أن يتجاهل النخب العسكرية التي ظهرت في الأسرة 26 و إنفصلت عن النخب الكهنوتية لأسباب و ظروف تاريخية قد نتناولها في دراسة تفصيلية مستقبلية أخرى بإذن الله . 

3 – لم يذكر هيرودوت في هذا النص طوائف إجتماعية أخرى من المجتمع المصري القديم مثل طائفة " الفلاحين " و طائفة " النحاتين أو الفنانين " فأين كان موقعهم من الإعراب ؟ - للرد على هذا التساؤل نحتاج هنا لنصوص إدارية و آثار أخرى للكشف عن حقيقة تلك الحالات الإجتماعية و هو ما يخرج عن نطاق إهتمامنا بالنسبة لموضوع و أهداف هذه الدراسة 

و هنا نجد أنفسنا أمام " بناء إجتماعي جديد " يرتكز على مفهوم " التبعية الإجتماعية " القائمة على مفهوم " الحسب و النسب " و قد حل هذا البناء خلال عصر اللامركزية الثالث محل البناء الإجتماعي القديم و الذي إنهار تماما في نهاية عصر الدولة الحديثة .

و لعلنا نراجع في هذا السياق و في عجالة سريعة ما حدث خلال نهاية عصر الدولة القديمة ( نهدف هنا إلى عمل مقارنة بين ظرفين تاريخيين في عصرين مختلفين و هما زمن اللامركزية الأول و زمن اللامركزية الثالث و المقارنة هنا تهدف للكشف عن المتغيرات الثقافية بين العصرين ) عندما نشأ نظام جديد تمثل في مفهوم " ولي الأمر المحلي – و هم حكام الأقاليم و كبار الأفراد " القادر على صد الخطر و حماية المجتمع من الكوارث و الأزمات و توفير الرخاء للجميع مما أفضى لنشأة و تكون أيدولوجية " الولاء المطلق لولي الأمر المحلي – حاكم الإقليم الذي حل محل الملك " الذي يتعلق الجميع به و يرتبط مصيرهم به – تناول الدارس في أكثر من مقال سابق مفهوم ولي الأمر المحلي خلال عصر اللامركزية الأول – فضلا عن إبراز صورة " التدين و الورع و التقوى الشخصية " للإنسان في مصر تجاه الإله المحلي للإقليم . أما الصورة التي صارت عليها الأمور في عصر اللامركزية الثالث فقد تمثلت في هاتين النتيجتين : 

1 - تبعية الإنتساب لسلسلة من الآباء من ذوي أصحاب المناصب العالية في الزمن الماضي . 

2 – مدى و أهمية الورع الشخصي الذي يجمع بين الإنسان في مصر و بين آلهة المدن المحلية التي أصبحت مسئولة عن تحديد " المكانة الإجتماعية " للفرد بل و صارت تحدد نوعية مسكنه و طريقة حياته من جهة أخرى . 

و بعكس ما حدث خلال عصري اللامركزية الأول و الثاني نجد هنا و بصورة ملفتة للنظر عدم وجود أصوات تشكوا من إنهيار الوحدة السياسية لمصر و مانتج عنه من تغيرات إجتماعية و ذلك على الأقل في النصوص و المصادر الرسمية فلا وجود لكلمة الفوضى و يظهر للعيان أن الوضع السياسي الجديد و المتغيرات الإجتماعية في ذلك الزمن لا تدعو للنقد أو القدح أو الطعن . و من ناحية أخرى سعت نصوص العصر في إظهار إيجابيات و محاسن هذا النظام السياسي الجديد بشكل يقتنع به الإنسان في مصر فلا يتمرد و بحيث تظهر الوحدة السياسية للبلاد كخسارة للجميع .

إن ظاهرة التدين الشخصي و إظهار الورع و التقديس للمعبود المحلي زادت إلى حد كبير خلال زمن اللامركزية الثالث ، فقد كان الإله الشخصي في ذلك العصر هو إله المدينة نفسه ( تماما مثلما حدث في عصر اللامركزية الأول ) كما تحول إله المدينة إلى حاكم محلي لمدينته و أصبح له مجال لممارسة السلطة السياسية من خلال أعياده المحلية و ممارسة ظاهرة الوحي الإلهي " و هي الظاهرة التي تنامت في نهاية عصر الرعامسة " فالعيد المحلي في مصر هو المناسبة التي تتيح للإنسان أن يتصل بالإله حتى يعمل على تحسين مستوى حياته ، فالإله هنا يتنبأ و يعد بالأفضل من خلال " وحي " . و ظاهرة الوحي هي نوع من أنواع العرض الديني المسرحي ، إلا أن الوعي الشعبي المصري القديم لم يكن يرى في مثل هذه العروض أي صورة خادعة ، فالوحي الذي يمارس خلال عيد المعبود لم يكن عرضا خادعا في الذهنية النفسية الشعبية ، بل هو " إخراج مسرحي لإستحضار الإله " في الزمن الحاضر مثلما كان حاضرا و بشكل مباشر في الزمن الأول . العيد هنا هو عودة للزمن الأول الذي كان يحكم فيه الإله مباشرة أرض مصر . 

من جانب آخر يمكن لنا أن نستشف السبب الرئيسي الذي جعل اللامركزية تظهر و كأنها الحل السياسي الأمثل و الأفضل خلال ذلك العصر ، فمع وجود سلطة مركزية لا يتمكن الملك من تموين الأقاليم و المدن بما تحتاجه فيظهر كبار المدن و الأقاليم من ذوي المكانة الإجتماعية المرموقة لكي يسدوا هذا الفراغ . فظهور السلطة المحلية المستقلة في هذا السياق التاريخي لا يكتس أي شرعية سياسية أو دينية إلا من خلال " سد حاجات المجتمع المحلي " و لم يكن عصر اللامركزية الثالث في هذه النقطة تحديدا يختلف كثيرا عن عصر اللامركزية الأول . و لذلك السبب لا نندهش على الإطلاق عندما نجد نصوص السير الذاتية في مقابر كبار الأفراد في زمن اللامركزية الثالث و قد تم إقتباسها بشكل حرفي من نصوص السير الذاتية لحكام الأقاليم في زمن اللامركزية الأول.

ولعل ذلك الأمر يعكس حقائق بارزة الأهمية وهي : 

1 – أن عصر اللامركزية الثالث وضع البذور الأولى لمفهوم العودة للماضي بزيارة و إنتقاء مقابر قديمة وإقتباس نصوص منها تكشف عن إحساس الإنسان بتميزه الإجتماعي ، فلم تكن هذه المقابر تنتمي لا لعصر الدولة القديمة و لا الوسطى و لا الحديثة نظرا لأن النصوص التي تحتويها تخالف أيدولوجيا زمن اللامركزية الثالث . 

2 – كان المرء و من خلال قراءته الجيد لتلك النصوص يشعر بأن له قرابة مع الجماعات البشرية التي عاشت خلال زمن اللامركزية الأول كما كان يرى فيهم " قدوة إجتماعية و أدبية " فاتخذ من صورتهم شكلا إجتماعيا وجيها لتصوير و عرض نفسه أمام الجماهير . 

3 – إستمرت هذه الوجاهة الإجتماعية خلال الزمن اللاحق أي خلال العصر المتأخر و إنتقلت إلى " النخب الكهنوتية " التي سعت و بشكل مباشر لإظهار تميزها الإجتماعي أمام الداخل " عامة الشعب " و أمام الخارج " الأجنبي الفارسي المحتل " . 

4 – إحياء نصوص و أفكار و مفاهيم و معتقدات زمن اللامركزية الأول لأول مرة في الحضارة المصرية و ذلك بعد أن كان ذلك الزمن غير مرضي عنه في ذاكرة الثقافة المصرية منذ الدولة الوسطى و حتى نهاية الدولة الحديثة . " علينا هنا أن نتذكر كيف سعت النصوص الرسمية لعصر الدولة الوسطى لإبراز صورة سلبية عن شكل الحكم اللامركزي و ما نتج عنه من أزمات إجتماعية " – إلا أن ذلك لا يعني أيضا أنهم إكتفوا بإحياء مفاهيم ذلك العصر فقط بل يمكن القول بأنهم إتجهوا كذلك ناحية إحياء المفاهيم الثقافية لعصر الدولة الحديثة فاقتبسوا من ذلك الماضي القريب " و هو زمن الدولة الحديثة " ما يثبت ويدعم سلطتهم السياسية والدينية و الإجتماعية بين الناس

هل يمكن لنا أن نحدد و بشكل أكثر وضوحا ماهية الديناميكية التاريخية للسياسة المصرية القديمة قبل و خلال عصر اللامركزية الثالث وما طرأ عليها من متغيرات تاريخية و ثقافية ؟ ......

تأرجت هذه الديناميكية ما بين نموذجين سياسيين و هما : 

1 – النموذج التقليدي للسلطة الملكية و الذي يتمثل في مفهوم " الوحدة " السياسية المركزية و " والتعدد " و " التميز " على مستوى الوظائف والمناصب فلا يظهر الملك وفقا لهذا النموذج و هو محتكر لكل المناصب بل يقوم بتعيين أفراد بعينهم في وظائف محددة يدينون له بالولاء . 

2 – نموذج " التوازي السلطوي " وهو النموذج الذي إبتدعه حريحور وسار عليه معظم ملوك وأمراء عصر اللامركزية الثالث ويتمثل في مفهوم وجود " سلطات محلية متوازية " وتحتكر كل سلطة منها جميع الوظائف و المناصب الهامة على نمط واحد وتيرة متشابهة .

و يمكن القول أن النموذج الأول كان يمكن تطبيقه في بعض الأحيان خلال زمن اللامركزية الثالث و لا سيما في عصر الأسرة 21 و تحديدا في عهد " باي نجم " الأول في طيبة و " با سبا خع إم نيوت " في تانيس . فهنا نجد كبير كهنة آمون " باي نجم " و قد إستخدم لقب الملك و بصورة واضحة أما " با سبا خع إم نيوت " فقد إتخذ لنفسه لقب كبير كهنة آمون في تانيس و بهذه الطريقة تمت الموازاة السياسية و الدينية بين طيبة و تانيس و قد أتى هذا النموذج بثماره وذلك بسبب أن كلا الحاكمين كانت لهما قرابة تجمعهما من خلال الزواج الدبلوماسي ( فقد كان باي نجم متزوجا من بنت با سبا خع إم نيوت ) . ولهذا السبب يمكن طرح هذه النتيجة : 

لا يمكننا إعتبار ذلك العصر بأنه كان لا مركزيا طوال الوقت ، فهناك بعض الحالات التاريخية الإستثنائية التي حاولت العودة للنوذج السياسي الأول ومن أمثال تلك الحالات الإستثنائية كان هناك الملك " شاشانق الأول " مؤسس الأسرة 22 و الذي سعى بكل ما أوتي من قوة نحو سياسة القضاء التام على مفهوم " الحكم الفردي المستقل لدولة الإله في طيبة " وذلك من خلال إتباع الإجراءات التالية : 

1 – منع وراثة منصب كبير كهنة آمون في طيبة من الأب إلى الإبن . 

2 – قام بتطبيق قاعدة سياسية جديدة : أن يعتلي هذا المنصب أحد أبناء الملك الحاكم والذي كان مستقرا في الشمال . 

3 – منع زواج كبير كهنة آمون " وهو إبن الملك الحاكم في الشمال " من زوجة الإله آمون وكاهنته الأولى " و التي كانت أيضا بنت الملك نفسه " فأصبحت ذات شأن كبير في طيبة و لاسيما وأنها كانت تتولى بنفسها إقامة الطقوس وتقديم القرابين لزوجها المعبود آمون . 

لقد كان الهدف من هذه الإجراءات هو : القضاء على نفوذ كهنوت آمون وعدم إعطاء الفرصة للعائلات الكهنوتية القديمة أن تعود مجددا للمشهد السياسي أو الديني . 

إلا أن نموذج " التوازي السلطوي " عاد وبقوة في عصر الملك " تاكلوت الثاني " في الأسرة 22 و ذلك بعد إندلاع حرب أهلية بين تل بسطة وطيبة فبعدما قام هذا الملك بإرسال إبنه " أوسركون " لكي يشغل منصب كبير كهنة آمون في طيبة واجه مقاومة عسكرية شرسة بقيادة كهان آمون الذين قادوا شعب طيبة للوقوف ضد هذا الأمير وجيشه . وعندما وصل " أوسركون " بجيشه لمدينة طيبة واجه " حور سا إيسه " الثاني حفيد " حور سا إيسه " الأول والذي شغل منصب كبير كهنة آمون في النصف الثاني من الأسرة 21 فاندلعت حرب أهلية بين الفريقين دامت عشر سنين وهناك نص الكرنك الشهير الذي تناول هذه الواقعة بعد إنتصار أوسركون المؤقت والذي يتحدث عن قيام إنتفاضة في طيبة ضد " حماة البلد " وعن وصول أوسركون إلى طيبه وتحقيقه الإنتصار بل وإستقباله الحافل – وفقا لما ورد في النص – من جانب الكهنة ، فنقرأ خطاب الكاهن الطيبي الموجه لأوسركون قائلا له : 

" أنت الحارس الشجاع لكل الآلهة و قد إختارك آمون كأكبر إبن منحدر من سلالته . لقد إصطفاك من بين مئات الألوف و ذلك لكي يحقق رغبته القلبية ولقد بعثك إلينا لتدفع عنا السوء وأن تنهي العاصفة التي تهددنا فقد كاد أن يغرق هذا البلد وكادت تنهار قوانينه بسبب المتمردين الذين تمردوا على سيدهم فقد أباد كل كاتب في معبده أوامره وكل ذلك قد حدث دون علم الملك " ثم " جاءوا بالسجناء كحزمة مربوطة فصرعهم أمام آمون وأحرقهم بالنار في مكان جريمتهم " .

هناك مجموعة من الحقائق يمكن لنا أن نستشفها من هذا النص وهي :

1 – يكشف هذا النص عن تمرد فعلي قام به كهنة و شعب طيبة ضد الملك الشمالي بل ويعكس وجود صراع عسكري مسلح تم ولأول مرة في مدينة تمتعت بشهرة عالية ومكانة دينية مقدسة لدى أهلها مما كان له أثرا نفسيا سلبيا ظل في ذاكرة هذه المدينة لفترة طويلة من الزمن . 

2 – عوقب مجموعة من الكهنة الطيبيين الذين تمردوا على حكم ملك الشمال " مثلما ورد في النص ولأول مرة " بإحراقهم وهم أحياء و ليس هناك مثيلا لهذا النوع من القتل وعدا ذلك فإن العقاب بالنار يأتي فقط في شعائر قتل وحرق الأعداء رمزيا في المعابد المصرية القديمة . " والتساؤل هنا : ما هو مدى السيطرة الفعلية لملوك الأسرة 22 على مدينة طيبة ؟ من هم ملوك الأسرة 22 الذين سجلت أسمائهم على آثار طيبة ؟ 

3 – منذ أن ذكر هذا النص مفهوم عقاب الأعداء و حرقهم بالنار و بشكل فعلي ، إنتشر أدب " ضروب اللعنات " و " الحرق بالنار " في الكتابات و النصوص الخاصة بعصر اللامركزية الثالث فنقرأ في كتابات ذلك الزمن : " إن الذي يطعن في المرسوم الذي سنيته أنا ، يجب أن يحال إلى غضب آمون رع ليستعر بنار الإلهة موت عندما تستعر و يجب أن لا يخلفه إبنه "

4 - على ضوء هذه الإجراءات التي وردت في النص ، يمكن أن ندرك كيفية تعامل ملوك ( تل بسطة و تانيس ) مع المعارضة الطيبية و محاولتهم تثبيت مثل هذه النصوص على جدران المعابد لإدخال الرعب و الفزع في قلوب المتمردين بل و تثبيت و تسجيل مثل هذا العقاب في موقع مقدس بهدف " إضفاء شرعية قانونية ذات صبغة دينية " على عقاب المتمرد ضد الحاكم ( نشير هنا أيضا إلى أن تسجيل عقاب الأعداء كنصوص و مناظر هي فكرة معروفة منذ عصر الدولة القديمة على أقل تقدير ) . 

5 - ظهور بعض العبارات غير التقليدية في هذا النص تكشف عن وجود متغيرات ثقافية لغوية مثل " أنت الحارس الشجاع لكل الآلهة " و " فقد إختارك آمون كإبن أكبر من سلالته " وغيرها من العبارات التي تكشف عن وجود تغير فعلي في الثقافة الملكية المصرية في عصر اللامركزية الثالث و يتزامن هذا التغير مع وجود ملوك و أمراء ظلوا يحتفظون بأسماء شخصية غير مصرية مثل " شاشانق " و " تاكلوت " و " أوسركون " فضلا عن إحتفاظهم بريشة الزعماء التي كانت توضع على رؤوسهم و ظهرت في التصوير الأيقوني الفني لذلك العصر وهي بلا شك معطى حضاري غير تقلديدي ولا ينتمي للأيدولوجية الملكية المصرية . فأسركون لم يظهر في طيبة بوصفه " ملك مصر العليا و السفلى " بل ظهر بصفته زعيما للمشاشا ( أو الماشواش ) و يستخدم عبارات غير تقليدية في نفس النص قائلا لآمون : " أنت سوف تشكل نسلي ، النطفة التي تخرج من أعضائي ، حكاما كبارا لمصر ( نلاحظ هنا عدم إستخدامه للقب النسو بيتي على الإطلاق ) و أمراء و كهانا أوائل لآمون رع ملك الآلهة ( يحتكر المعبود آمون لقب الملك بمفرده ) وزعماءا كبارا للمشاشا ( يعترف أوسركون هنا بوجود زعماء آخرين في مناطق أخرى بل و يسعى لتثبيت ذلك النظام في المعبد ) و كهانا للإله حور سا إيسة " و هنا نتساءل مرة أخرى : هل يمكن لنا أن نخدش السطح الظاهري للتركيبات الثقافية للسلطة آنذاك لكي نتعرف على مدى تمصر هؤلاء الملوك فعليا ؟ ... 

على أية حال يمكن لنا أن ندرك حقيقة هامة وفقا لما ورد في مضمون هذا النص و تتمثل في : 

أن التمرد هنا قادم من " أعلى " وليس من " أسفل " فمعظم نصوص عصر اللامركزية الثالث تتحدث عن تمرد قام به الكهنة ضد الإله نفسه ! ولم نعد نسمع هنا عن تحدي أو تمرد قام به الشعب المصري ضد الملك أو الإله ، فالملك يسعى لمكافحة من يريدون أن يتمردوا على الإله في معبده ولهذا يقول : " فقد أباد كل كاتب في معبده أوامره " ولاشك أن ذلك يحمل في طياته المفاهيم الأيدولوجية السياسية لذلك العصر . 

هل أصاب التمرد الطيبي ضد ملوك الأسرة 22 قدرا - ولو يسيرا - من النجاح ؟ ... يمكننا أن نستشف الإجابة من خلال تسجيل إرتفاع منسوب فيضان النيل عند مرسى الكرنك في عصر الأسرة 22 حيث نجد أن غريم أوسركون وهو حور سا إيسة الثاني كان لا يزال يشغل منصب " كبير كهنة آمون " حتى العام السادس من حكم الملك " شاشانق الثالث " ونستنتج من ذلك بأن التمرد المذكور كان ناجحا بالفعل . ( تناول الدارس في مقال سابق مظاهر الصراع التاريخي بين طيبة وملوك الأسرة 22 ) . 

أدت هذه الحرب الأهلية إلى توابع وحركات تاريخية هامة وهي : 

1 – قيام الأمير " شاشانق الثالث " بالخروج عن سلطة تانيس و تل بسطة وإعلانه عن تأسيس سلطة ملكية جديدة ( تأسيس الأسرة 23 ) في تل المقدام ( محافظة الدقهلية ) وإنشائه لتقويم ملكي جديد وتتويجه كملك هناك . 

2 – تحالف هذا الملك مع كهنة طيبة ضد ملوك الأسرة 22 وهو ما أدى لإعتراف كهنة آمون بملوك الأسرة 23 بتسجيل أسمائهم على جدران الكرنك بل وإنشائهم المقصورة الشهيرة للمعبود أوزير " حقا جت " والتي صور فيها كهنة آمون ملكي من ملوك الأسرة 23 و هما " أوسركون الثالث " و " تاكلوت الثالث " مع بعضهما البعض على شجرتي الإيشد حيث تم تصوير أحدهما أمام آمون و الآخر أمام آتوم حيث كان يهدف مثل هذا التصوير إلى تثبيت شرعية هؤلاء الملوك في طيبة و ضمان نقل و توارث الملكية بشكل شرعي من الأب ( أوسركون الثالث ) إلى الإبن ( تاكلوت الثالث ) . 

3 – ظهرت " إنقسامات سياسية مختلفة " أفضت إلى وجود " ملكيات و زعامات متعددة " حيث ظهرت أكثر من 20 عائلة في الحكم و منهم من حمل لقب " ملك " و هم الأقل عددا و منهم من ظل يعبر عن سلطته بلفظ " زعيم الما " أي زعيم الماشواش ( المشاشا ) . ونذكر هنا أيضا قيام الأسرة 24 في منطقة سايس و التي إنشقت هي الأخرى عن الأسرة 22 – أنظر مقال دكتور جاب الله وكتشين عن التفاصيل التاريخية لعصر اللامركزية الثالث . 

4 - رغم وجود تحالف سياسي بين ملوك الأسرة 23 و كهنة طيبة إلا أن ذلك لا يعني أن ملوك تلك الأسرة تركوا منصب " كبير كهنة آمون " للعائلة الكهنوتية الطيبية القديمة ، بل قام الملك " أوسركون الثالث " – الذي تم تصويره كملك في مقصورة " أوزير حقا جت " – بتعيين إبنه الأمير " تاكلوت الثالث " ( حيث كان يشغل منصب كبير كهنة هيراكليوبوليس – إهناسيا ) ككاهن أول للمعبود آمون فضلا عن إحتفاظه بمنصب كبير كهنة إهناسيا . 

5 – سعى ملوك الأسرة 23 لإعادة تنظيم " دولة الإله في طيبة " بهدف : منع عودة الإضطرابات السياسية مرة أخرى وذلك من خلال وضع شكل جديد لمنصب ( زوجة الإله آمون – وهو لقب معروف منذ عصر الدولة الحديثة على أقل تقدير ) فقام الملك أوسركون الثالث بتعيين إبنته " شب إن وبت " التي صورت في مقصورة المعبود " أوزير حقا جت " كزوجة لآمون وكان ذلك هو أعلى منصب في دولة الإله في طيبة وإحتكرت لنفسها سلطة إقامة الشعائر بمفرها للمعبود آمون كقرينة له ولم يكن يحق لأي فرد أن يتزوجها و لذلك فقد ظلت " عذراء " و عندما قام تاكلوت الثالث بالإشتراك في الحكم مع أبيه أوسركون الثالث تعمد الملك أوسركون الثالث أن يترك منصب كبير كهنة آمون شاغرا ووضع إبنته في منصب قرينة الإله وكانت هذه الإجراءات تهدف إلى منع أنصار آمون نحو العودة لمنصب الكهنوت مرة أخرى.

وهنا نشير إلى أن الملك أوسركون الثالث لم يكن في حسبانه أنه بعدما قام بتجريد أتباع آمون من منصب كبير الكهنة ، أنهم سيتجهوا لشغل الوظائف المدنية والعسكر.

راجع الجزء الأول:

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016