حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

متغيرات عصر اللامركزية الثالث بمصر الفرعونية القديمة الجزء الأول



كتب أحمد فهيم - باحث أثرى ومرشد سياحى - وحاصل على دراسات عليا فى آثار ما قبل التاريخ (قبل الأسرات) والآثار المصرية بتقدير عام جيد جدا

المتغيرات الثقافية والدلالات الحضارية لعصر اللامركزية الثالث
الجزء الأول

لا تهدف هذه الدراسة لتحليل و عرض الأحداث التاريخية التي وقعت في مصر خلال عصر اللامركزية الثالث بشكل تفصيلي و إنما تسعى لإلقاء الضوء على أهم المتغيرات الثقافية و الدلالات الحضارية المستجدة على ذلك العصر فالدارس هنا يسلط بؤرة الضوء على " المتغير " و " الدلالة " و ذلك من خلال " مجمل الأحداث التاريخية ". و لا يفوتني هنا أن أهدي هذا المقال للأخ القدير و الصديق العزيز الأستاذ ( ماجد محجوب ) لتفوقه العلمي و عزيمته الفولاذية و لشغفه بمعرفة كل جديد في مجال علم المصريات . تميزت نهاية الدولة الحديثة بحدوث تغيرات تاريخية ذات طبيعة سياسية و دينية هامة ، حيث تمكن كبير كهنة آمون ( حريحور ) من تسجيل ألقاب ملكية لنفسه على جدران معبد ( خونسو ) و صالة الأعمدة الكبرى بالكرنك و بدأ بتأريخ سياسي جديد لعهده تحت مسمى أو صياغة : زمن أو عهد ( الوحم مسوت ) ، بمعنى : إعادة أو تكرار الميلاد . و جدير بالذكر أن هذا المصطلح كان قد تم إستخدامه من قبل في عهد الملكين : أمنمحات الأول و سيتي الأول ويكشف هذا المفهوم وبشكل ضمني عن الملامح التالية : 

1 - بداية عهد جديد ، فكلا الملكين قاما بتأسيس فترة تاريخية زمنية جديدة و كلاهما إعتبر نفسه مؤسس لعهد جديد . 

2 – يشير هذا المفهوم إلى وجود : " زمن فوضوي يتسم بالأزمات و الكوارث " يسبق عهد البداية الجديدة ، فذلك الزمن الفوضي يمثل أحداث من المفترض أنها وقعت في : " ماضي قريب " غير مرضي عنه و ينبغي تجاوزه أو تشويه ملامحه لأجل إبراز " زمن حاضر " يتميز ببداية جديدة طيبة و إيجابية . 

3 – بناءا على هذه التسمية و ما تحملها من معطيات أيدولوجية ثقافية قام الملك سيتي الأول بتوجيه الطعن و القدح لزمن العمارنة و ما وقع فيه من أحداث سلبية وفقا للأيدولوجيا السياسية لعصر الرعامسة ( هنا يثور تساؤلات حضارية هامة : من المسئول عن إبراز هذا الطعن الموجه ضد العمارنة في عصر الملك سيتي ؟ هل هو الملك الحاكم ؟ أم البطانة الملكية ؟ أم الخطاب الديني المصري القديم ؟ من يتحكم في حركة التاريخ ؟ و ما مدى تأثير كل الأطراف المشاركة في المشهد السياسي آنذاك في إبراز تلك الصورة ؟ ) . 

4 – إن مفهوم إعادة أو تكرار الميلاد يعكس إعادة الميلاد أو وجود ولادة جديدة لآلهة مصر و إعادة هذه الآلهة للوجود مرة أخرى بعد طمسها في زمن العمارنة ، فصور و مناظر و تماثيل الآلهة وفقا لمعطيات الثقافة الدينية المصرية تعتبر : " مولودة " و ليست مصنوعة لأنها لا تعبر عن مواد جامدة و غير حية ، و إنما هي في حد ذاتها أجساد حية ، فتحطيم و تدمير و تجاهل كينونة هذه المعبودات في زمن العمارنة يعني : إبطال فعاليتها و من هنا تبرز أهمية مصطلح ( الوحم مسوت ) في عصر سيتي الأول الذي أعاد ميلادها من جديد و ذلك من خلال برنامج معماري و ديني جديد يرنو لبداية جديدة . 

5 – مما لاشك فيه أن هذا الوصف يبرز مفهوم ديني يرتبط بالخلق و يتمثل في أن كل ولادة جديدة لآلهة مصر تكشف عن عودة لزمن أول ، زمن الأصول الأولى و عهد الخليقة الأول و هو العصر الذي عاشت فيه الآلهة الأوائل على الأرض و هو الزمن الذهبي الأول الذي كان فيه كل شيء يسير بنظام ، فالملكية هنا تسعى لإستعادة ذلك الزمن و الذي يعرف من جانب علماء أنثروبولوجيا الماضي الحضاري " بالماضي الأول البعيد " و الذي يظهر كزمن متفوق على " الماضي القريب " و الذي يظهر كعهد سلبي و يتسم بالإنهيار التام .

يتضح لنا من تحليل هذا المفهوم أن - الوحم المسوت - كان خطوة ثقافية ثورية ذات طابع سياسي أيدولوجي تكشف عن تنصل حريحور من عصر الرعامسة و سياسته و بداية إعلان عهد ديني و سياسي جديد بل و التأريخ لسنوات حكم جديدة و عدم الإعتراف بسلطة الملكية القائمة في العاصمة الشمالية ( بر- رعمسو ) و ظهور إنقسام السلطة و اللامركزية في الحكم و هي السياسة الإستراتيجية التي ستميز معظم فترات عصر الإنتقال ( اللامركزية ) الثالث بداية من عصر الأسرة 21 و حتى بداية عصر الأسرة 25 ؟ ( علامة الإستفهام هنا تشير إلى أنه لا يزال هناك جدل علمي أكاديمي و عدم إتفاق واضح بين الباحثين حول التحديد الزمني القاطع لنهاية عصر اللامركزية الثالث ) . فحريحور هنا لا يلزم نفسه بما تم من واجبات دينية أو إلتزامات سياسية في عصر الرعامسة و يضع بناء سياسي و زمني خاص و مستقل بذاته كما يسعى من جانب آخر نحو إحتكار أهم المناصب و لذلك فقد منح نفسه ألقاب : الملك ( أعلى سلطة في البلاد ) و الوزير ( السلطة التنفيذية ) و القائد الأعلى للجيش ( السلطة العسكرية ) و كاهن آمون الأول ( السلطة الدينية الأقوى في مصر آنذاك ) و لاشك أن وضع جميع هذه المناصب في قبضة واحدة هو أمر يلفت الإنتباه لأنه لا ينتمي للأمور الإعتيادية ، فالمتعارف عليه : أن معظم هذه المناصب تنفصل عن السلطة الملكية ( نستثني هنا فقط منصب القائد الأعلى للجيش و الذي كان حكرا على ولي العهد خلال عصر الرعامسة ). ومن جانب آخر إتسمت إجراءات حريحور في هذا الصدد بأمر هام وهو :

أنها خلت تماما من أي محاولة لتدعيمها بالإتجاه نحو " الأسفل " فوفقا لمعطيات علم الإجتماع أن حريحور لم يسعى لتقوية الإجراءات السياسية و الدينية التي إتخذها بالتوجه نحو عامة الشعب ( أي التوجه نحو الأسفل ) لكي يكتسب ولائهم ( علينا هنا أن نتذكر المحتوى الأدبي الملكي لنصوص الدولة الوسطى و التي نادت بأن الملك هو الراعي الطيب الذي يسهر طوال الليل من أجل حماية القطيع " = عامة البشر " و أنه يحرص تمام الحرص على تطبيق العدالة لإرضائهم و لكي ينال الحظوة لدى المعبودات ) ، بل إتجه نحو " الأعلى " ، أي توجه ناحية المعبود آمون و لجأ لظاهرة الوحي الإلهي الآموني الذي أصدر قرارا لصالحه ، فالإله في مصر يتدخل في مجريات التاريخ و السياسة منذ عصر الدولة الحديثة على أقل تقدير ( و هناك من يرى مفهوم تدخل الإله في مجريات التاريخ منذ عصور ما قبل التاريخ ) و لهذا السبب نقول بأن شخصية " الإله الكاريزماتي " أصبحت هي الأقوى على الإطلاق بمعنى أن الإله هنا يظهر و كأنه يحكم فعليا و لذلك فلا يمكن رد أو رفض أحكامه التي تصدر من خلال وحي ، فحريحور طبقا لذلك المفهوم يسعى لإقامة " دولة الإله " ( هل كانت إجراءات حريحور " سياسة عملية طارئة " أملتها الحاجة و ظروف العصر و ما نتج عنه من وجود أزمات في نهاية عصر الدولة الحديثة ؟ ) . و ما يهمنا في هذا الطرح هو التأكيد على أن ذلك البناء السياسي الجديد هو الذي إنتهجته مصر لنفسها كنظام حكم خلال معظم فترات عصر اللامركزية الثالث .

ومن جانب آخر نجد أن هذا البناء السياسي المستقل يعمل على إمكانية تحويل العلاقات بين مقاطعات و أقاليم و مدن مصر من سياسة داخلية إلى سياسة خارجية و ذلك لا يعني بالضرورة أن العلاقات بين منطقة و أخرى لابد و أن تكون عدائية ، بل النقيض هو الصحيح . فما حدث خلال عصر الأسرة 21 لم يكن تمردا قامت به منطقة ضد الأخرى ، بل هو " إتفاق بابوي " بين حريحور في طيبة و سمندس في تانيس – و هنا ندين بالفضل لعالم المصريات ديفيد أوكونور الذي إستخدم هذا التعبير " إتفاق بابوي " وذلك في دراسته الرائعة عن الأحداث السياسية لعصر الأسرة 21 – ولذا فإن التجربة التاريخية العظيمة التي تعلمتها مصر خلال عصر الدولة الحديثة تكمن فيما يلي :

1 – أن حدود العالم المنظم الذي خلقه رب الشمس رع لا تنتهي عند حدود مصر 

2 – أن رب الشمس خلق مناطق و بلاد أجنبية أخرى و يمكن التكيف معها ثقافيا و لو بشكل جزئي أو يمكن التأثير عليها لصالح مصر . 

3 – في ظل هذا السياق الحضاري الجديد لم تكن الحرب وحدها هي الطريقة الناجزة الوحيدة الفعالة في ممارسة السياسة الخارجية مع تلك البلاد فتراوحت العلاقات مع " العالم الخارجي " ما بين السلم و ما بين الحرب . و لهذا السبب ندرك كيف أجادت طيبة و تانيس في العام 19 من حكم الملك – رمسيس 11 – في ممارسة سياسة سلمية بينهما و دون الدخول في صراع عسكري مسلح ، فلا يسعى أي طرف منهما لفرض هيمنته على الطرف الآخر – مثلما حدث على سبيل المثال في عصر اللامركزية الأول و الصراع الذي قام بين طيبة و إهناسيا – فلا تعجب إذن من رؤية تحول العلاقات السياسية بينهما من داخلية إلى خارجية وهو ما يعني من وجهة نظر الأنثروبولوجيا الثقافية : 

أن ثقافة المجتمع هي عبارة عن " خبرة تراكمية " فالمعرفة هنا يتم تخزينها و تمريرها من جيل إلى آخر و في عملية مرورها بين الأجيال لا تبقى ثابتة في عناصرها بل يضاف إليها عناصر و معلومات أخرى جديدة . فالثقافة هنا تعمل على إيجاد حلول معينة للمشاكل التي تواجهها فتنقلها إلى الأجيال اللاحقة التي تقوم بتعلمها و حفظها بل و يضيفون عليها حلولا أخرى مناسبة لعصرهم إضافة إلى ما تسلموه من الأجيال السابقة . 

فلا غرابة إذن من وجود هذا الشكل السياسي الجديد خلال عصر الأسرة 21 و هو : أن يحكم الملك في الشمال متمركزا تانيس و أن يحكم كبير كهنة آمون في الجنوب متمركزا في طيبة و أن يتزوج كبير كهنة آمون من إبنة الملك التانيسي ، و هكذا تتكون عائلة واحدة ، فإذا خلا الفرع التانيسي من خط الذكور لحكم البلاد يتقدم أحد الذكور من الفرع الطيبي ليحل محله و إذا خلا خط الذكور من الفرع الطيبي لكي يتولى زعامة كهنوت آمون يتقدم أحد الذكور من الفرع التانيسي لتولى المهمة . 

إن الإنقسام السياسي الذي حدث في نهاية عصر الدولة الحديثة كان تمهيد حضاري لحركة تاريخية أخرى لاحقة ألا وهي : تزايد تعدد السلطات السياسية و إتساع مفهوم اللامركزية و بروز ذلك الحدث في الذكرى المستقبلية للثقافية المصرية الرسمية بوصفه حدثا إيجابيا وليس سلبيا وهنا يمكن لنا أن نعرض الملامح التاريخية والحضارية التالية : 

1 – لم تكشف الكتابات الأدبية الرسمية لعصر اللامركزية الثالث – هنا يمكن تقسيم ذلك العهد إلى فترتين : الأولى و هي عصر الأسرة 21 و التي تمتد من 1080 ق.م و حتى 820 ق.م و الثانية و هي زمن الأسرات 22 و 23 و 24 ) - عن مفاهيم الفوضى و الأزمات و الكوارث التي حلت بمصر بظهور اللامركزية في الحكم و هو ما يميز ذلك العصر عن العصرين اللامركزيين السابقين الأول و الثاني و حتى و إن وجدت بعض الكتابات الأدبية التي تناولت تلك الأفكار ، فهي قد ظهرت و بشكل جزئي و لم يكن لها صدى مؤثر في المصادر الرسمية في النصف الثاني من عصر اللامركزية الثالث ( من عام 820 ق.م و حتى عام 650 ق.م ) . 

2 – يتميز النصف الثاني من عصر اللامركزية الثالث بتعدد السلطات المحلية في مصر و بقاء ذلك التعدد في الذاكرة الثقافية الرسمية لمصر لدرجة أن هيرودوت وصف هذه الفترة بأنها حكم الإثنى عشر حاكما فكتب : " فبعد تحرير مصر من حكومة و دولة كهنة الإله هيفاسيوس ( سيتي ) قام المصريون – حيث لا يمكنهم العيش دون ملك - بتقسيم مصر إلى 12 مقاطعة و نصبوا عليهم 12 ملكا و قد أصبح هؤلاء الملوك أقرباء بالمصاهرة كما وقعوا بينهم على عقد بعدم محاولة إسقاط أحدهم للآخر أو إغتصاب أراضيه " . 

3 – لا يعكس نص هيرودوت بالضرورة صحة تاريخية كاملة لحدث تاريخي فعلي بل يكشف عن ( نواة حقيقية ) لعصر اللامركزية الثالث و ذكرى ثقافية رسمية صادقة لهذه ( النواة ) تتمثل في وجود إتفاق سياسي إلى حد كبير بين زعماء ذلك العصر حول طبيعة الحكم آنذاك و الرضاء بمفهوم اللامركزية بل و إظهار تلك الفترة في المصادر الرسمية كزمن إقطاعي و بطولي في ذاكرة المصريين في العصور اللاحقة و هو ما كشف عنه نص هيرودوت .

هناك مجموعة من الأسباب التي دفعت بظهور اللامركزية خلال ذلك العصر بل ربما يمكن رد جذورها إلى نهاية عصر الدولة الحديثة و هي : 

1 – عدم تمكن سلطة الرعامسة في أواخر عهدها من فرض سياسة فرض الرقابة الإقتصادية على جميع أقاليم مصر ، فلا وجود لسلطة تنفيذية قادرة على جلب الضرائب من جميع أنحاء البلاد نحو القصر الملكي في الشمال لأسباب تاريخية لعل من أبرزها ضعف الشخصية الكارزماتية الملكية فضلا عن تنامي طموحات كهنة آمون سياسيا و دينيا في ذلك العهد . 

2 – إنهيار الأجهزة الإدارية للدولة و المعنية بإستلام الضرائب أدى إلى وجود عجز إقتصادي في مخازن القصر الملكي مما نتج عنه عدم تمكن هذه المخازن من أن تمون مناطق أخرى و هو ما كشفت عنه شواهد و نصوص تلك الفترة التي تحدثت عن أزمات و مجاعات و إضرابات عمال و محاكمات فضلا عن إرتشاء الموظفين المعنيين بهذه العملية و عجز السلطة الملكية عن مواجهة كل ذلك

3 - لم يكن هناك حل عملي سوى : ظهور تجربة تاريخية سياسية ثقافية جديدة تحل محل التجربة القديمة و التي بدت هنا و كأنها شكل سلبي لممارسة الحكم ، فهنا لم يعد مفهوم السلطة المركزية صالح للتطبيق و لم يكن هناك حل سوى وضع السلطات في قبضات ( أيدي ) سياسية متعددة ، و كلما إمتدت قدرة كل قبضة على التحكم في مجريات الأمور كلما إمتدت سلطتها و بمعنى آخر أن هذه القبضة تتوقف عن فاعليتها و ممارستها للحكم في منطقة نفوذ مختلفة تتحكم فيها قبضة أخرى مما يؤدي عمليا إلى تقسيم البلاد إلى مناطق و مقاطعات و مراكز مستقلة سياسيا عن بعضها البعض . 

4 – من وجهة النظر الأنثروبولوجية السياسية : أن العلاقات بين حكام و ملوك و زعماء ذلك العهد ستتحول من علاقات سياسية داخلية إلى علاقات سياسية خارجية طالما كان هناك تأريخ مستقل لأحداث فترة كل حاكم داخل منطقة نفوذه و طالما كان القانون في كل مقاطعة يختلف إلى حد كبير عن قانون المقاطعة الأخرى و هو ما كشفت عنه بردية موسكو التي سيتناولها الدارس في الفقرة القادمة مباشرة . 

تنتمي بردية موسكو لطراز الأدب الشعبي لعصر اللامركزية الثالث فهي تحكي عن موظف كان ينتمي لمكانة إجتماعية مرموقة و كان يمتلك سفينة و عربة و خدما و كان مقرب لأحد زعماء أو ملوك عصر اللامركزية الثالث إلا أن الملك قام بعزله من منصبه و تجريده من كل ممتلكاته فذهب يتجول في البلاد من مدينة إلى أخرى لكي يبدأ حياة جديدة و يسعى لتشكيل علاقات إجتماعية جديدة ، إلا أن كل ذلك كان ينتهي حتما بالفشل و قبل أن نقرأ ما ورد في هذه البردية نشير إلى أمر هام : 

يجب توخي الدقة و الحذر عند التعامل مع هذه النوعية من النصوص فلا ينبغي أن نصدر حكم " بتعميم ثقافي " لحالة المجتمع المصري في أنحاء البلاد نظرا لأنها رؤية فردية و لا نملك نصوص أخرى مشابهة لكي نصدر مثل هذا التعميم على حالة البلاد آنذاك و لنتذكر أنه حتى الآن هو نص شعبي " فريد من نوعه " في عصر اللامركزية الثالث . و لكن و رغم ذلك فلا يجب علينا أيضا أن نتجاهل ما ورد في هذه البردية فقد ورد فيها : 

" لقد كنت دوما في مدينة غير مدينتي و في مكان لا أعرفه كنت أجتاز حدود كل مدينة بصعوبة بالغة و كنت دائما تحت قانون أجنبي و قد فقدت جميع رفاقي القدامى و حتى الأصدقاء الجدد الذين حاولت الحصول عليهم لم يبقوا معي إلا لمدة وجيزة و إبتعدوا عني بعد ذلك و قد حدث كل ذلك بسبب حالتي البائسة ، فالجميع هرب مني بسبب فقري . لقد ظلمني حاكم هذه المدينة التي كنت فيها و كانت ضرائبه شديدة و كان يقوم بسجن من لا يدفع ضرائبه و كان الناس يقولون عنه أنه رجل ظالم فأقسم بالإله الواحد الأحد بأنه كان يسلب الناس " . ثم يتابع و يقول : 

" لقد جاءني الشقاء و لم يسأل أحد عن حالي و أنا هنا أتساءل : إذا تركت أشلاء الإنسان بمفردها عند حافة الصحراء ، فمن يقوم بدفنها ؟ لم يكن هناك أحد يهمه حالي . أنظر ليس هناك من يهمه حالي لا من الأموات و لا من الأحياء ، فما معنى آلامي في الزمن القادم ؟ " . 

هناك مجموعة من النتائج النسبية الهامة التي يمكن الكشف عنها من خلال قراءة و تحليل ما سبق و هي : 

1 – شعور الرجل بالغربة بمجرد خروجه من مدينته بل و أصبحت هناك رقابة حدودية طوبوغرافية و سياسية خاصة لكل مدينة و ذات طبيعة صارمة حتى أنه يقول : " و كنت أجتاز حدود كل مدينة بصعوبة بالغة " و هنا ينسجم ما ورد هنا و يتوافق مع آثار عصر اللامركزية الثالث بعد الكشف عن بقايا أسوار من الطوب اللبن في معظم مدن مصر و تنتمي زمنيا لذلك العصر فلكل مدينة أسوار خاصة . ( و هنا نسعى لإثارة تساؤل هام : ما هو السبب وراء ذلك الإجراء ؟ ) و لعلنا نتذكر من قصة سنوهي لتي ترجع لعصر الدولة الوسطى أنه لم يشعر بالغربة إلا عندما إجتاز حدود مصر بالكامل ، فضلا عن كونه أنه لم يشعر بأي صعوبة عند تنقله من مكان لآخر داخل البلاد و هنا يكمن الفارق بين النصين . 

2 – لم يعد هناك قانون مشترك في مصر خلال ذلك العصر فقد كان كل حاكم يسيطر على مدينته وفقا لقانونه الخاص . و أن القانون الخاص لبعض المدن لم يحمي الضعفاء من الظلم . 

3 – لا يزال صدى التوحيد القادم من زمن العمارنة مسموعا في هذا النص فهو يقول : " أقسم بالإله آتوم الواحد الأحد " . و هو ما يعني : أن التأثير الثقافي لأي عصر سابق لا يختفي بشكل كامل على الإطلاق حتى و لو سعت السلطة السياسية فيما بعد لطمس الهوية الثقافية لذلك الماضي الغير مرضي عنه فالثقافة هنا لا تتلاشى بصورة تامة .

4 – يسعى صاحب النص – و بمعطيات علم الإجتماع - لتصوير حالة من " الإنحلال الكامل في النسيج الإجتماعي " فآلامه التي يعاني منها ليس هناك من يهمه أن يتفقدها و من الجائز جدا أن يفقد الإنسان أعلى المناصب دون أن يهتم بما حدث له أي شخص ( و هنا نعقب على ذلك و نقول : أين نحن من النصوص الأدبية لعصر الدولة الوسطى التي نادت بأن معنى الماعت هو " أن يعمل الإنسان من أجل الآخرين ، فإذا عمل الإنسان من أجل الآخر سيتذكره الناس للأبد و لن يختفي إسمه من الأرض " . شتان الفارق بين ما ورد في النصين إلا أنه من جانب آخر يتشابه ما ورد في هذا السياق مع نصوص عصر اللامركزية الأول التي كشفت عن وجود أزمات و كوارث إجتماعية ) .

5 – يكشف النص عن إستمرارية المعتقد و الموروث الديني المصري القديم و الذي يتمثل في : تصور وجود تأثير من الأموات على عالم الأحياء و أن الأموات يتدخلون أحيانا إما لصالح أو ضد الأحياء مما يعني أنهم يهتمون برعاية مصالح الناس الذين لا يزالون أحياء على الأرض أحيانا و لذا فهو " أي صاحب النص " يظن أن حالته لم تعد تهم الأموات التي كان يلجأ إليها المصري القديم في وقت الشدة و الأزمات و هو وصف أدبي بلاغي يعكس مدى الأزمة التي يمر بها بطل القصة . 

يتضح لنا من خلال هذا العرض أن بردية موسكو تنتمي للطراز الأدبي الشعبي المعتاد لوصف الفوضى ( فهل يعكس ما ورد فيها أحداث تاريخية حقيقية ؟ و ما مدى نسبة المصداقية و نسبة التضليل في محتوى النص ؟ هل يمكن أن نرفض ما ورد فيها ؟ تلك تساؤلات و قضايا نقدية مشروعة و لكن لا مجال لمناقشتها في السياق الحالي للدراسة ) فنحن هنا نرى عنف و تعسف و مجاعة و جباية ضرائب مجحفة و تدهور العلاقات بين الناس و عزلة الإنسان و إنحلال التضامن الإجتماعي و إختفاء مفهوم الذاكرة الحضارية الإجتماعية التي تدفع الإنسان للعمل من أجل الآخرين حتى يتذكره الناس فضلا عن إضمحلال الأمل في وجود سلطة عليا عادلة تسعى نحو إرضاء الرعية . 

و هكذا نرى أن الأحوال السياسية في مصر في نهاية عصر الدولة الحديثة و خلال عصر اللامركزية الثالث أدت إلى : تحويل مصر من دولة مستقلة موحدة إلى عصبة من الدويلات الصغيرة حيث بدأت كل مدينة بتحصين نفسها عن طريق تشييد القلاع التي يلجأ إليها المواطنون خلال أوقات الخطر ، فلم تعد هناك سلطة مركزية وحيدة قادرة على حماية كل مدن و أقاليم مصر ( الإعتراض هنا يكمن في هذه التساؤلات : هل بناء هذه القلاع أمر مستحدث خلال عصر اللامركزية الثالث ؟ هل لم تكن هناك أسوار قلاع لمدن مصرية خلال عصر الدولة الحديثة ؟ و ماذا عن نص الملك أمنتحب الثاني الذي ورد فيه تعليق الأسرى القتلى من أعداء مصر على أسوار مدينة طيبة ؟ بل يمكن القول بأن فكرة بناء الأسوار حول المدن ظهرت منذ النصف الثاني لعصر نقادة الثانية أي في المراحل الأخيرة لعصور ما قبل الأسرات ... من جانب آخر هناك بالفعل وجود إمكانية لتصديق مفهوم إنعدام الأمن خلال ذلك العصر بسبب ما هو متاح لدينا من شواهد أثرية و نصية تتمثل في شكوى عمال دير المدينة في نهاية الدولة الحديثة بأن بدو الصحراء الغربية من " المشاشا " كانوا يغيرون على قريتهم من آن لآخر فطلبوا تدخل السلطات لحل مشكلتهم ) .

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016