حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

الجزء الرابع - سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة



كتابة وإعداد أحمد السنوسي - باحث أثرى وتاريخي ومرشد سياحى
ماجستير جامعة فرانكفورت بألمانيا عام 1991

سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة الجزء الرابع
من كتاب ترميم التاريخ الفصل الأول


** الكتابة المصرية فى العصر البطلمى ( الديموطيقية ) :- عندما اتى العصر البطلمى وخاصة فى عهد بطليموس الاول (سوتر) بدا البطالمة فى عمل تطور جديد فى اللغة المصرية القديمة وهم الذين اطلقوا عليها اللغة الديموطيقية (لغة الشعب). وذلك لان البطالمة مع بعضهم البعض كانوا يتحدثون اللغة اليوناينة او المقدونية وكانت لغة القصور وعليه القوم بل ان كليوباترا نفسها اخر ملوك البطالمة كانت تتحدث اللغة المقدونية مع ذويها بجانب اللغة المصرية بطبيعة الحال. ولما الاستغراب من هذا ايضا، فحتى يومنا هذا فهناك علية القوم من المصريين يتحدثون مع بعضهم البعض الفرنسية او الانجليزية مع انهم مصريين ومسلمين كذلك، وكذلك اليونانيين المصريين فهم يتحدثون مع بعضهم البعض اليونانية ومع الناس المصرية وكذلك فى النوية والبدو فى الصحراء، فلا تحملوا الحضارة لو سمحتم اكثر مما تحتمل جزاكم الله خيرا. فهكذا ظهر فى العصر البطلمى لغة او كتابة جديدة وهى التى تعرف حتى الان باسم الديموطيقية ومن خصائصها الاتى:

(1) فى ذلك العهد تم اضافة سبعة احرف كاملة لم تكن معروفة من قبل وطوال التاريخ المصرى كله من اوله الى اخره، ومنها على سبيل المثال حرف (اللام) وحرف (الثاء) وحرف (الاس المشددة) وحرف (الباءالمشددة) وغيرها من الحروف السبعة الاخرى،ولذلك نجد فى الحروف التى لدينا الان شكلين للحرف الواحد مثل حرف السين او الباء او الالف وهكذا.

(2) ان البطالمة هم الذين اطلقوا على هذه الكتابة اسم الديموطيقية وبنفس الرموز التى كانت فى الدولة الحديثة ولكنهم قللوا استخدام هذه الرموز،وهذا ما جعل البعثة البريطانية تحتار لاكثر من خمسة سنوات فى ترجمة نصوص معبد ادفو وخاصة فى موضوع الرحلة المقدسة من ادفو الى دندرة والعكس، ومازالوا حتى اليوم لم ينشروا اى شىء عن نصوص هذا المبعد وخاصة انه كتب كاملا وجدد فى العهد البطلمى وخاصة منذ عهد بطليموس السابع، وكذلك معبد دندرة والذى جدد كاملا فى عهد الملكة كليوباترا.

وهكذا استمرت هذه اللغة او الكتابة الديموطيقية طوال التاريخ البطلمى كله. اما اللغة العلمية فكانت ايضا بالكتابة الهيراطيقية فقط. حتى دخول مصر فى حقبة الاتحلال الرومانى، واطلق الرومان على هذه اللغة ايضا لغة الشعب وخاصة ان الرومان لم يكونوا محبين للغة المصرية القديمة وكانوا اسياد هذه البلد انذاك. وهكذا ظهرت المسيحية فى مصر وتطورها وفى ظل التعسف الرومانى اظهر المسيحيين لغة غريبة وجديدة من نوعها فى البلاد واستخدموها سرا وهى التى نطلق عليها الان اللغة القبطية.

** اللغة القبطية :- وهى اللغة التى اختص بها فقط مسيحى مصر فى ظل التعسف الرومانى وعصور الاضطهاد. وهذه اللغة او الكتابة هى فى حقيقة الامر خليط من اللغة الهيراطيقية واليونانية وتنطق باللهجة المصرية وكما كان النطق فى العهد البطلمى. وظلت لغة سرية فى العهد الرومانى حتى تم الاعتراف بالديانة المسيحية فى مصر كديانة رسمية فى البلاد فى اواخر القرن الثالث الميلادى، وهكذ اصبحت اللغة القبطية هى لغة الكنيسة فقط وهى مخالفة بطبيعة الحال للغة الشعب بصفة عامة.

والدليل على ذلك بانه عند فتح مصر فى منتصف القرن السادس الميلادى لم يكن كل المصريين مسيحين كما يدعى البعض،ومن مواثيق هذه الحقبة وكما وقع عليها البابا بنيامين نفسه,نجد ان تعداد مصر انذاك2.4 مليون نسمة وليسأل فى ذلك المعهد القبطى نفسه العالم ببواطن الامور وان ربع هذا العدد كان مسيحين فقط اما عن موضوع اللغة فكانت فى مصر عدة لغات وهى :-

* اللغة المصرية القديمة فى شكلها الديموطيقى وهى لغة عامة الشعب اما اللغة العلمية فهى الهيراطيقية ولكنها كانت قليلة او شبه مندثرة فى ظل الحقبة الرومانية السوداء سواء قبل المسيحية او بعد المسيحية.

* اللغة الاغريقية وهى لغة علية القوم والذين من اصل بطلمى وكانوا ايضا مصريين ولهم امتيازات.

* اللغة اللاتينية وهى لغة اسياد البلاد من الرومان ومنهم القضاة والحكام والامراء واهل السياسة .

* اللغة القبطية وهى لغة خاصة بالكنيسة ولم يكن حتى كل مسيحى مصر يعلموها، وما العجب فى ذك وانه حتى اليوم فى القرن الحادى والعشرون فان كل مسيحى مصر لا يعلمون عن هذه اللغة اى شىء ما عدا الدارسين فى المعهد القبطى فقط.

وبعد تعريب مصر فى منتصف القرن السابع الميلادى اصبحت اللغة العربية هى اللغة الرسمية والوحيدة بالبلاد وظلت اللغة القبطية هى لغة الكنيسة حتى يومنا هذا.

وبعد هذا السرد السريع كملخص تاريخى للغة فى مصر،نجد ان اللغة المصرية القديمة التى يقال عنها مجازا الهيروغليفية اصبحت مندثرة تماما لاكثر من 2300 عاما كاملة حتى جاء الفرنسى شامبليون وفك رموز هذه اللغة واوجد ابجديتها القديمة ولكن من الهيراطيقية .

والتوضيح ههنا لغير المتخصصين هو : كيف حل شامبليون هذه اللغة ؟؟.

( حجر رشيد) :- هذا الحجر الشهير كان شاغل بال شامبليون طوال العشرون عاما التى استغرقها لفك رموز اللغة القديمة،صحيح انه استعان بعناصر اخرى مثل اوراق البردى والالواح والمخطوطات ولكن كان الاهم فى هذا كله هو حجر رشيد.

واهمية هذا الحجر انه كتب بثلاثة كتابات مختلفة وتم عمله فى عهد بطليموس الخامس (ايبيفانس) والذى يعود تاريخه الى عام 187 ق.م. اما الكاهن كاتبه فهو مجهول حتى الان بالرغم من ان هناك شبهات كثيرة تحوم حول كاتبه ولكنه ليس بالاهمية الان. فالاهمية هنا هى انواع الكتابات الثلاثة على هذا الحجر وهما: الكتابة القديمة والكتابة الديموطيقية والكتابة اليونانية القديمة. ولقد كان المفهوم السابق وفى عهد شامبليون نفسه ان النصوص الثلاثة على هذا الحجر واحدة،غير ان الواقع اثبت عكس ذلك وخاصة بعد تطور اللغة على يد العالم الروسى (جولينشيف) والذى يعتبر حتى يومنا هذا العمدة الاول بلا منافس او منازع فى اللغة القديمة. فلقد اثبت ان المضمون الوثائقى واحد ولكن النص مختلف لان كل كتابة منها لها معاييرها الخاصة ومصطلحاتها كذلك.

والاشارة الى المضمون الواحد جاء فقط فى السطر الاخير بالكتابة اليونانية والذى يقول ((مرسوم منف للضرائب المفروضة على المعابد،وانه قد عمل 14 نسخة لتوزع على المعابد الكبرى فى مصر)). ومن الجدير بالذكر اننا حتى الان لم نجد سوى نسخة واحدة وهى تلك التى لدينا والاصلية توجد الان فى المتحف البريطانى اما التى لدينا بالمتحف المصرى فهى النسخة المقلدة. ومن هنا كانت اهمية هذا الحجر تاريخيا، ولكن من العجيب ان نجد عليه الكتابة القديمة فى العهد البطلمى وخاصة فى عهد الملك الخامس البطلمى!!. وبالرغم من المجادلات الكثيرة التى حامت حول هذا الحجر ونصوصه بين علماء اللغة المتخصصين من الاجانب فقط الا انه كان هناك ايضا نقطة اخرى شاغلة بال كل العلماء بلا استثناء وهى مشكلة الرموز والمخصصات.

( الرموز والمخصصات ) وهى حقا حتى يومنا هذا تعتبر من المشاكل فى هذه اللغة ولكن ليس من الالغاز كما يصورها البعض،وخاصة رموز الدولة الحديثة وكثرتها لكثرة الصيغ الدينية والتى لم توجد مثل هذه الصيغ على الاطلاق لا فى الدولة القديمة او الوسطى. ومن هنا كانت مشكلة المخصصات والرموز فى الدولة الحديثة وكلها مشاكل تخص النصوص الدينية فقط وليس النصوص الاجتماعية.

ولتسهيل ذلك على قدر المستطاع، قمت بجمع هذه الرموز والمخصصات والتى هى اصلا ليس لها علاقة من قريب او بعيد بالحروف الابجدية مما صعب امر هذه اللغة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلى :-

** هناك رموز تصويرية شائعة الاستعمال يصل عددها كما جمعتها بحوالى 40 علامة تصويرية مثل كلمة (سخ = القصر) وتلك العلامة التصويرية فى بعض النصوص لا تعنى القصر الملكى بل تعنى من النص انها قلعة او مبنى كان من كان، فلا يشترط فى الترجمة مع هذا المخصص انه يعنى القصر او القصر الملكى وممكن ان يكون سجنا على سبيل المثال.

** هناك رموز تصويرية تمثل جزءا من الجسم البشرى ويصل عددها الى 62 علامة مثل (نمتت = بعثة اورحلة) واحيانا كثيرة تاتى فى النص على انها تعنى كلمة (الاتباع) الذين يسيرون خلف الاله فى احتفالاته او الملك.

** هناك رموز او علامات تصويرية تمثل اجزاء حيوانية ويصل عددها الى 63 علامة مثل فخذ الثور او البقرة مثل (خبش = فخذ الثور) وهو الذى يقدم فى القرابين ولابد ان يكون هذا الجزء على وجه الخصوص من الثور او البقرة،فلماذا هذا الجزء بالتحديد؟؟ فهذا لم يوضحه المصرى القديم نفسه على مستوى كل العصور.

** هناك رموز او علامات تدل على السماء او الارض او الماء او النبات ويصل عددها الى 33 علامة مثل (خع = الاشراق) وفى هذه الرموز على وجه التحديد بعضا من الشك الترجمى حتى الان.

** هناك علامات تصويرية صغيرة الشكل تبلغ عددها 38 علامة مثل (شس = الاباستر) ولو كتبت مقلوبة فتعنى (شن = وهو مخصص يخص الاله حورس). وهكذا لو لم نكن مدققين فى هذه الرموز مع النص فانها تعطى معنى مخالف تماما،وخاصة وكما سبق القول بان كل هذه الرموز والمخصصات ليس لها علاقة من قريب او بعيد بالحروف الابجدية.

هذا قليل من كثير لنفهم الرموز والمخصصات فى اللغة القديمة،بجانب ان هناك مخصصات واضحة وضوح العين ولاتحتاج الى ترجمة على الاطلاق مع عيون كل البشر فى العالم مثل مخصص(سا = رجل). فاى انسان يرى هذا المخصص يقول على الفور انه رجل،ولكن المشكلة هنا هى وضع هذا الرجل سواء كان واقفا او راكعا او مائلا او على وضع من الاوضاع.فالمشكلة هنا تخص الامر او الموضوع الذى يحيط بهذا الرجل وما الغرض الشكلى من هذا الوضع!!. فمخصص لرجل مرسوم على اى شكل من الاشكال يتعدى 22 مخصص،وايحانا يكون فى النص اكثر من وضع لهذا الرجل،وكذلك مخصصات المراة بالرغم من انها قليلة العدد الا ان الشىء الوحيد من هذه المخصصات فهى شكل المراة المنتفخمة البطن وتعنى امراة حامل.

** وايضا مخصصات الطير التى تتعدى 25 مخصصا سواء طيور جارحة او أليفة او صغيرة الحجم،وخاصة لو ظهر هذا المخصص فى الكتابة فتوحى بشىء اخر تماما.وكذلك بالنسبة للحيوان ولكن فى الحيوان ليست مشكلة على الاطلاق حيث ان المخصص الحيوانى لا يتعدى خمسة اشكال فقط،واهما البقرة او الثور سواء واقف او رابض.

هناك مخصصات متنوعة مثل الحبل بعدة اشكال،العصا بعدة اشكال،مركب بلا مجداف او مركب بمجداف.

** وهذا كان مختصر بسيط جدا للغة بدون اى تعقيد،خاصة وكما سبق القول من قبل مرارا وتكرارا ان هذه المخصصات والرموز ليس لها من قريب او بعيد اية علاقة بالحروف الابجدية، بل العجيب فى الامر انه عند دراسة اللغة القديمة هذه نجد الاعتماد على الابجدية يمثل 20 % فقط من الترجمة اما الباقى ويمثل 80 % لفهم النص يعتمد على قدرة المعرفة بالرموز والمخصصات اكثر من الابجدية.

ولابد ان نعترف بلا تكبر بان بعضا من هذه الرموز والمخصصات حتى يومنا هذا غير مفهوم على الاطلاق ولكن ليس لغزا،ومن هنا كانت اخرالابحاث اللغوية التى نوهنا عنها عن طريق الامريكى والانجليزى(بيلمينلى) وظهور بداية الابحاث الجديدة حول تطور مفهوم هذه اللغة التى مازالت تشغل بال الكثير من العلماء فى الخارج ماعدا المصريين المتخصصين بطبيعة الحال.

** الخلاصة فى موضوع اللغة المصرية القديمة **

فى نهاية موضوع اللغة القديمة وكما فى بحثنا هذا،وجب علينا وضع بعض الملاحظات كالمعتاد لتأكيد فكرة ترميم التاريخ واعادة كتابة التاريخ المصرى القديم وفق المعطيات البحثية الجديدة لما يلى :-

(1) ان الابجدية المصرية التى اظهرها شامبليون تتكون من 24 حرفا،ولكنها فى الاصل اللغوى وطبقا للكتابة القديمة تتكون من 17 حرفا فقط.فالحروف السبعة المضافة فى العصر البطلمى غيرت من مفاهيم كثيرة لم تكن فى خلد المصرى القديم وكتاباته وخاصة فى الدولة القديمة والوسطى بل وحتى فى الدولة الحديثة. بل اعمل بنفسك هذه التجربة الان على اية لغة من لغات الارض وعلى سبيل المثال العربية واضف لها سبعة احرف فقط واعمل كلمات مكونة منها واعطى لى النتيجة فى الاخر.. فماذا نقول؟؟.

(2) ان اللغة فى عهد الدولة القديمة كانت اعقد بكثير مما كانت فى الدولة الوسطى وذلك لكثرة الرموز والمخصصات،وهذه المشكلة رجعت مرة اخرى فى الدولة الحديثة وكما سبق القول والشرح وخاصة فى المسائل الدينية.

والسؤال الان الهام هو: لماذا لم تترجم كتاب الساعات حتى الان وخاصة فى المعهد البريطانى؟؟ وان الترجمات التى لدينا كانت ناتج المشاهدة للمناظر التصويرية فقط فى كل ساعة،وغير ذلك من الكثير فى النصوص الدينية وخاصة كتاب (أكر = الارض) والذى لم يترجم حتى الان.

(3) ان اللغة القديمة للاسف الشديد لم يوضحها لنا المصرى القديم من ناحية الازمنة وافعال الامر وغير ذلك، وهنا وجب علينا الشكر لعالم الروسى جولينشيف على مجهوداته الجبارة فى هذا المضمار ويعتبر اول من وضع القواعد النحوية لهذه اللغة المندثرة.

(4) هناك كلمات كثيرة فى هذه اللغة كتبت بتصويرات مختلفة وفى نفس الزمن والعهد، فلماذا هذا الاختلاف وهذا ما لم يوضحه المصرى القديم ايضا. فعلى سبيل المثال كلمة (المبجل او المحترم) لها عدة اشكال ورموز مع ان كلمة (المرحوم) ظلت ثابتة فى التاريخ الكتابى كله بدون تغير ولاحتى فى العهد البطلمى.

واخيرا اقول بانه لابد من الاتفاق بين المدارس المختلفة على اسس هذه اللغة ورموزها والا نحيد عن ذلك قط واشكر وانحنى امام هؤلاء العلماء جميعا بدأ من شامبليون مرورا بجولينشيف والى بيل مينلى لانهم علمونى كثيرا وهذا ما لم اتعلمه على ايدى اساتذتى من المصريين،وانحنى لكل هؤلاء بكامل التقدير والاحترام على مجهوداتهم فى هذه اللغة القديمة والتى تخصنى انا قبلهم،ولكنهم اجادوا على قدر المستطاع فشكرا لهم جميعا.

وبعد الانتهاء من موضوع اللغة القديمة ننتقل الان الى النقطة الاخيرة فى الموضوع الاول الخاص بالغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة الا وهى الحياة اليومية.وهذه نقطة هامة للغاية فى موضوع ترميم التاريخ،وانه احد عوامل الغموض فى هذه الحضارة بجانب ندرة الكتابة عن هذه الحياة اليومية اللهم الا فى الدولة القديمة فقط.


د – الحياة الاجتماعية .

وهى النقطة الرابعة المسببة فى غموض الحضارة المصرية القديمة. فتاريخ اية امة يعود فى المقام الاول الى الكتاب والمؤرخين المعاصرين لاحداث هذه الامة ثم ماسرده المؤرخين فى تلك الحقبة او بعدها، وهذا ما نجده فى الكثير من الحضارات القديمة ومنذ جذورها مثل اليونانية والرومانية والفارسية والى ما غيرها من حضارات قديمة،اما عندنا فى الحضارة المصرية فالامر على العكس من ذلك تماما.هذا ما جعل جذور الحضارة نفسها غير واضحة المعالم،ولذلك اجتهد علماء الاثار الاوائل فى دراسة نصوص الحياة الاجتماعية لعلهم يجدوا فيها مخرجا او تفسيرا لاشياء كثيرة. ولذلك فعند دراستنا لهذه النصوص لابد ان نبدا ايضا من الجذور ولذلك قسمنا هذه الموضوع الى خمسة اجزاء رئيسية وهى :

** اولا :- جذور الحضارة المصرية القديمة. وهى حقبات ما قبل التاريخ او توحيد القطرين،وهذه النقطة لم نجد لها اية ملامح سوى بعض الادوات المستخدمة وبعض المقابر البدائية التى توضح طريقة الدفن ثم بعض القرابين ايضا ووضع هذا كله تحت مسمى حفريات ما قبل عصر الاسرات.

ثم وجدنا لوحة الملك العقرب الموجودة فى متحف الوفر الان، ويقال عنه فى المدرسة الفرنسية بانه كان الملك الذى سبق الملك مينا،وحارب ايضا من اجل توحيد الشمال مع الجنوب ولكنه فشل حتى تحقق الامر على يد الملك مينا.

وهذه الحقبة بالتحديد لا نجد فيها سوى الاجتهادات فقط من مؤرخين حديثون بدون مستند تاريخى واحد مكتوب او حتى مصور كاملا لحدث ما!!. ويرجع الفضل الاول للكتابة عن هذه الحقبة التاريخية السحيقة الى العالم الاثرى(دى مورجان عام 1925) وكان اول متخصص فى العالم يكتب عن جذور الحضارات القديم،وكتب مرجعا تاريخيا من ثلاثة اجزاء وخصص الجزء الثالث لجذور الحضارة المصرية واثبت انها اقدم حضارة بشرية فى التاريخ البشرى كله بلا منازع.

وفى هذا الجزء الخاص بمصر اشار الى العصور الحجرية المختلفة وغيرها حتى بداية توحيد القطرين فى عهد الملك مينا،وبذلك يعتبر دى مورجان هو الاوحد فى العالم وحتى الان فى هذا المضمار،بل مرجعا لايمكن الاستغناء عنه لاى دارس سواء فى كلية الاثار او فى الدراسات العليا.

ولكن السؤال الملح الان هو: من اين استقى دى مورجان كل تلك المعلومات الغزيرة عن حياة الملك العقرب على سبيل المثال وغيرها من التساؤلات الاخرى فى بعض العصور الحجرية؟؟.

والاجابة ستكون بالطبع عن طريق الرسوم والنقوش والحفريات والادوات المستعملة مدنيا او حربيا، ثم النقوش على لوحة الملك العقرب نفسه على الواجهتين.ولكن مل يلفت نظرنا فى كل ذلك مع احترامنا الكامل للعالم دى مورجان انه وضع هذه الحقبات او بعضا من الحقبات تحت بند (الهمجية المنظمة) وان كانت اكثر عقلانية فى مصر دون باقى الحضارات الاخرى.ثم حدثنا عن (قانون الغاب) وهو القانون الذى تعلمه المصرى منذ حروب الالهة قبل ظهور البشر على ارض مصر.

واقول بعلو فم باننى غير مقتنع تماما بالكثير ممن كتبه واثبته بالرغم من استاذيته، ولعل السبب فى ذلك يرجع الى اننى مسلما وان كلامه هذا لايتفق مع الخليقة البشرية السوية منذ ادم عليه السلام، وان الانسان خلق فى احسن تقويم. نعم هناك دائما الخير والشر،ولكن الانسان الاول لم يكن همجيا قط بل تعلم عدد السنين والحساب والفلك والبناء وهى اسس حضارية لها جذور فى صلب الجذور الحضارية لاية حضارة كانت وعلى راس الجميع بطبيعة الحال جذور الحضارة المصرية القديمة.

ومنذ عام 1990 قامت البعثة الامريكية بمشروع اثرى كبير وهو مشروع (حفائر المطرية) والتى اتت بنتائج موثقة تثبت بان جذور الحضارة المصرية ارقى بكثير عما كتبه دى مورجان، وان كانا قد اتفقا فى الكثير من الامور التاريخية ومنها مثلا المحاولات العدة لتوحيد قطرى مصر الشمال مع الجنوب.

ولا اعرف لماذا حتى الان لا تريد البعثة الامريكية نشر وتوضيح كل ذلك؟؟ اوعلى الاقل يعملون كتيبا او كتابا مثلما فعل دى مورجان من قبل حتى لو كان للمتخصصين فقط.

ثم مرة اخرى نقول هنا اين الدور المصرى فى كل هذا واين هيئة الاثار والمفروض فيها ان تكون هى مظهرة الاثار والحامية لها من كافة الوجوه،وخاصة ان هذا الامر متعلق بتاريخ امة بل اقدم الامم على الارض، ام ان الحضارة والتاريخ ليس لهما وزن بالنسبة لهيئة الاثار.

وهكذا فان ندرة الاثار عن هذه الحقبة بجانب التخاذل المصرى الكامل هو الذى دفع بالاهواء الى الكتابة بالظنية والهوى وان الظن لا يغنى عن الحق شيئا. ولقد اثبت تماما بان حضارة (اون الاولى) قبل توحيد القطرين كانت ارقى بكثير وكثير عما كتبه دى مورجان،الا ان مسألة الحروب وسفك الدماء فهذا شىء اخر ولا يمكن انكاره على الاطلاق، ويمكن وضع ذلك فى مقولة الصراع بين الخير والشر منذ الخليقة الاولى وهل نسينا مثلا قصة ابنى ادم عليه السلام!!.

** ثانيا : عصر الدولة القديمة. ان الحقيقة الكاملة والتى يعلمها كل اثرى متخصص بانه فى عصر الدولة القديمة مجملا ظهرت الحياة اليومية من كل جوانبها وكانت واضحة وضوح الشمس وهاهى مقابر سقارة مثالا على سبيل لا الحصر. وهناك دراسات مفصلة للعلماء عن تلك الفترة ولايعلمها سوى دارسى الدراسات العليا للاثار فقط،ويرجع الفضل الاول لكل هؤلاء العلماء الى العالم الاثرى الانجليزى (جيمسبريستد) الذى لم يترك صغيرة او كبيرة الا وضحها،ووضع الدولة القديمة فى خمسة اجزاء كاملة وكان صدوراول طبعة فى عام 1900.

وهذا يدل على انه فى عصر الدولة القديمة ظهرت فعلا الحياة الاجتماعية فى مصر وذلك لكثرة اكتشافات المقابر فى هذه الحقبة،وعلى العكس كان الغموض فى هذه النقطة الى حد ما فى الدولة الوسطى ثم الغموض الكامل عن الحياة اليومية فى الدولة الحديثة!!.

وان هناك مواضيع معينة خاصة بالعمل والحصاد ودفع الضرائب كانت تسرد احيانا بتفصيل مسهب ممل وتكرار الشىء فى السطر الواحد مثل كلمه (على دفع الضريبة). وهناك ايضا مواضيع طبية وخاصة تلك المقبرة الشهيرة خلف هرم الملك اوناس والتى تعرف باسم (مقبرة الطبيب) وهى من الاسرة الخامسة. هذا الطبيب عمل اول عملية جراحية فى المخ لانسان مريض وشرح لنا فى مقبرته كيفية اجراء العملية والادوات المستخدمة فيها ويقول فى اخر الامر (( ان هذا المريض عاش بعد هذه العملية خمسة سنوات كاملة ثم توفى بعد ذلك وفاة طبيعية)). وتعتبر هذه العملية فى نظر الكثيرين من الاطباء المتخصصين بانها اول واعقد عملية جراحية فى التاريخ البشرى، بل هناك لا يصدق اجراء مثل هذه العملية فى مثل هذا الزمان القديم.

حتى فى السرقات بانواعها تم التدوين وخاصة تلك السرقات التى حدثت من بعض العمال اثناء عملهم فى بناء الهرم الاكبر وسرقة ادوات زملائهم وكذلك محاكماتهم!!. ولكن بالرغم من كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر ولا مدرسة اثرية واحدة اثبتت فعلا اذا كان الملك خفرع ابن الملك خوفو او اخيه؟؟. وكذلك من هو الملك بينهما المسمى (جدفرع) الذى بنى مراكب الشمس للملك خوفو،واحداهما معروضة الان بالمتحف الخاص بهذه المركب خلف الهرم الاكبر.

حتى المركزية فى الحكم واتخاذ القرار تم تدوينه،ومن هنا قال بعض العلماء بان اصل المركزية فى العالم هى مصر،وان المركزية من العوامل التى تؤدى الى كبت المجتمع ولايكون فيه ديمقراطية او شورى وما الى اخره من كلام سياسى متعلق بهذه الحضارة القديمة. وهذا الكلام فيه تناقض كامل لشخصيات ملكية محبوبة فى التاريخ المصرى وخاصة فى هذه الحقبة من الدولة القديمة امثال الملك(خوفو) مثلا. وكذلك الملك (اوناس) من الاسرة الخامسة وان اسمه يعنى الصديق (اوناس = الصديق) بل فى بعض نصوص مقابر بعض الشخصيات فى عهده نجد وصفا له بانه كان صديقا للشعب، فلماذا بعض المدارس الاثرية لا تظهر مثل ذلك بدلا من الحض على هذه الحضارة بافتراءات قد تكون صحيحة او غير صحيحة.

وهنا اسأل علماء العالم كله سؤالا واحدا فقط وهو: هل يمكن للعبودية والسخرة ان تصنع حضارة كبرى مثل الحضارة المصرية؟؟. وفى اية حضارة كانت كان العبيد اصحاب حضارة؟؟. وهاهو التاريخ البشرى كله امامنا واثبتوا لى ولو لمرة واحدة بان العبيد كانوا اصحاب حضارة؟؟. فلو كانت الاهرامات بنيت بالسخرة ما كانت شامخة للالاف من السنين حتى الان!!. ففى الدولة القديمة نصوص كثيرة تدل على الحياة اليومية فى مجالات كثيرة وخاصة الملك مع العامل فى المزرعة وتلك الابتسامة البادية على وجوه العمال او الزراع من الرجال والنساء والتى تدل على الرضا فى العمل والقناعة بالحياة بما لديهم وما الى اخره من موضوعات اجتماعية بين الغنى والفقير وما الى اخره، وهذا الموضوع فيه شروح طويلة وكثيرة ولكن من يقرا ومن يسمع.

وبجانب ذلك جاء امرا فى غاية الغموض حتى الان وهو كيفية انهيار الدولة القديمة،ودخول مصر الى فترة عصر الوسيط الاول او الاضمحلال الاول والذى اطاح بالدولة القديمة تماما. وهذه الفترة شملت عدد من الاسرات من السابعة حتى منتصف الحادية عشر،وهى كلها من الفترات الغامضة فى التاريخ المصرى حتى الان،وخاصة لسرقات الاهرامات والمقابر وهدمها ومحو نصوصها وماالى اخره ونحمد الله باننا وجدنا حتى الان قليل من كثير يتناول هذه الفترة وما قبلها من الدولة القديمة.

وفى راى الخاص علينا ان نضع جدولا لهذه الدولة القديمة ونضع فى هذا الجدول كل مميازات هذه الفترة من حياة اجتماعية وعلوم وما الى اخره، ثم نعكس هذه المميزات الى عيوب من هنا سنعرف السبب الحقيقى لانهيار الدولة القديمة،فهل هناك حلا اسهل من ذلك؟؟. وبذلك نريح ونستريح من كل هذا الجدل والمجادلات حتى يومنا هذا.وكذلك يمكن وضع تأريخ اقرب الى العقل والمنطق والبحث فى احوال البشرية وانتقالها بعد احداث الطوفان الكبير،وسنجد ان البشرية انذاك لم تكن قد تعدت اكثر من الالفى عاما فقط وليس ملايين السنين كما يقول الجهلاء.وعن طريق هذا التأريخ يمكننا الوصول الى تاريخ حقيقى تقريبى بشرى بصفة عامة ومصرى بصفة خاصة لان ارض مصر شهدت اول حضارة بشرية شهدها التاريخ على الاطلاق،ام هناك شك فى ذلك ايضا!!.

تابع القراءة فى الجزء الخامس والأخير على الرابط التالى:
الجزء الخامس - سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة
راجع الجزء السابق على الرابط التالى:
الجزء الثالث - سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016