حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

الجزء الثانى - سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة


كتابة وإعداد أحمد السنوسي - باحث أثرى وتاريخي ومرشد سياحى
ماجستير جامعة فرانكفورت بألمانيا عام 1991

سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة الجزء الثانى
من كتاب ترميم التاريخ الفصل الأول


الموضوع الأول - لماذا الغموض فى الحضارة و التاريخ المصرى القديم .

ان الغموض الجامح للكثير من حقبات التاريخ المصرى القديم يعود الى اصحاب هذه الحضارة انفسهم لانهم لم يكتبوا او يشرحوا لنا تاريخهم او حتى عمل تسلسل تاريخى وتأريخى لحضارتهم منذ الجذور الاولى مع انهم برعوا فى الحساب والفلك والطب وما الى غيره من علوم.

ولذلك من ناحيتى الدراسية المتأنية والمتخصصة عملت حصرا شاملا لكل ذلك، وجمعت اربعة نقاط رئيسية وهى المسببة لهذا الغموض. ونتناول كل نقطة من هذه النقاط بالتفصيل الكامل، ولعلنا نحلها جميعا فى يوما من الايام وتساعدنا على ترميم التاريخ بل والتأريخ.... وهذه النقاط الاربعة هى :

أ – الاثار المكتوبة .

ب –المؤرخين المصريين القدماء .

ج – اللغة .

د – الحياة الاجتماعية .

**وبعد الانتهاء من الدراسة التفصيلية لكل نقطة من هذه النقاط الاربعة سيتأكد لك اسباب هذا الغموض. ولكن بقليل من الجهد يمكن ازالة هذا الغموض ولكن من يسمع ومن يقول.وسيتاكد لنا جميعا خاصة نحن المصريين بانه لابد فعلا من ترميم التاريخ واعادة تأريخه مرة اخرى باسلوب سليم متفق عليه حتى وان كان هذا الاتفاق لا يعجب الاجنبى او الكثير من المدارس الاثرية.

أ – الاثار المكتوبة . ان الاثار المكتوبة الدالة على التاريخ المصرى تكاد تكون معدومة ولايوجد لدينا الا الندرة منها لا تتعدى اصابع اليد الواحدة، وخاصة ان اقدم اثر يحتوى على تاريخ مصر لم يوجد حتى الان وان كل ما وجدناه حتى الان لم يتعدى خمسة مصادر فقط وياليتها كانت متفقة!!. وتلك المصادر الخمسة لا يوجد منها فى مصر سوى مصدر واحد فقط، وهذه المصادر المكتوبة هى :

1- حجر باليرمو :- وهو حجر يحتوى على اسماء بعضا من الملوك فقط، ويرجح انه يعود الى عصر الدولة الوسطى !!. وهو يتعبر اقدم اثر للتاريخ والتأريخ المصرى. وهو يحتوى على عدد قليل من ملوك الاسرة الخامسة والحادية عشر والثانية عشر فقط!!.

وهو حجر مهشم غير مكتمل الاجزاء ويوجد فى متحف باليرمو بايطاليا. ولذك فان اقدم اثر مكتوب ومكتشف حتى الان لنا معه عدة ملاحظات هامة متمثلة فيما يلى :

* ان هذا الحجر لم يذكر اسم الملك مينا قط بل ذكر اسماء اربعة ملوك قبله ومنهم مثلا الملك العقرب ولوحته محفوظة بمتحف اللوفر بفرنسا.

* يحوى هذا الحجر على اسماء عدد من الملوك فقط وينتهى بالاسرة الثانية عشر. وهذه الاسماء غير مرتبة ولانعرف ايهما قبل الاخر، مع احترامى للمدارس الاثرية المختلفة. لان عدم مثل هذه الترتيب يقودنا الى مجهول مثل من هو فرعون موسى على سبيل المثال!!. وغيره من المواضيع الاخرى والاحداث المرتبطة بهذا الملك او ذاك.

* هذا الحجر لم يوضح عدد سنين حكم كل ملك وبالطبع لا ذكر عن الحياة اليومية.

والسؤال ههنا هو : هل مستند تاريخى مثل هذا يمكنه ان يساعدنا فى تأريخ التاريخ؟؟. وهل هذا الحجر يعطى لنا اى مؤشر لمعرفة احوال مصر طوال تلك العقود؟؟.

بالطبع ( لا ) فلماذا نهلل دائما بهذا الحجر يا اصحاب العقول فهل من مجيب؟؟.

2– قائمة الكرنك :- وهى القائمة التى اقامها الملك تحتمس الثالث مؤسس الامبراطورية المصرية الاولى والاخيرة حتى الان، واقامها لتخليد ذكرى اجداده من الملوك.واقامها فى قاعته الشهيرة بمعبد الكرنك المعروفة باسم قاعة (الاخ مينو) ولكن بعضا من البعثات الفرنسية فكوا احجار هذه القائمة من على الجدار ونقلوها الى متحف اللوفر.

وهذه القائمة تحتوى على اسماء ملوك غير مرتبة ايضا وهناك ملوك مشهورين من عصور مختلفة لم يذكروا من الاصل على هذه القائمة بالرغم من شهرتهم التاريخية !!. كما ان هذه القائمة لم تذكر قط ملوك الاسرات من 14 الى 16 الذين عرفوا باسم ملوك الهكسوس، كما ان هذه القائمة ايضا لم توضح من هو اول ملك على مصر ولاحتى عدد سنين حكمهم .

وبالرغم من شهرة هذه القائمة اثريا وعالميا الى الان ومن اهم معالم متحف اللوفر فى فرنسا، الا انها لا تساعدنا على معرفة التاريخ الحقيقى لمصر ولا حتى ترتيب حقيقى لملوكها.

3– قائمة ابيدوس :- وهى القائمة الوحيدة الموجودة فى مصر فى داخل معبد ابيدوس بالغرفة المعروفة باسم (غرفة قوائم الملوك) وقد اقامها الملك سيتى الاول بمناسبة افتتاح معبده وكان الغرض منها تخليد ذكرى اجداده القدماء من ملوك مصر،ولكننا ايضا لنا ملاحظات هامة على هذه القائمة مثل –

* هذه القائمة تحوى على اكبر عدد من ملوك مصر حوالى 190 ملكا ولكنها غير مرتبة على الاطلاق مثل القوائم الاخرى.

* هذه القائمة هى الوحيدة التى ذكر فيها الملك مينا كاول ملوك مصر وهذا ما لم يذكر فى القوائم الاخرى.

* هناك اسماء لمولك لم نكتشفهم بعد وليس لهم اى اثر حتى الان على الاطلاق .

* تتميز هذه القائمة بذكر عدد سنين حكم كل ملك ولكن هذا التأريخ من ناحية اخرى مخالف تماما لما يوجد على ورقة تورين.

* تنتهى هذه القائمة باسم الملك رمسيس الثانى وهو ابن الملك سيتى الاول بطبيعة الحال.

وهذا كل ما نلاحظه فى قائمة ابيدوس ولكن الميزة الوحيدة بها بانها محفوظة بشكل جيد داخل المعبد حتى الان كما انها تحوى على اكبر عدد من الملوك ماعدا طبعا حقبة ملوك الهكسوس من الاسرات 14 حتى الاسرة 16.

4– ورقة تورين :- وهى ورقة بردى محفوظة فى متحف تورين بايطاليا ويعود تاريخها الى الاسرة 19 لعهد ملك غير معروف !! ولكن البعض يقول بانها من عهد الملك رمسيس الثانى نفسه او رمسيس الثالث مؤسس الاسرة العشرون.

ومما يؤسف له بان هذه الورقة مهلهلة وغير سليمة ولكن بها بعضا من المميزات مثل :

* هذه الورقة وضحت بدقة ولاول مرة عدد سنين حكم كل ملك بل وعدد الشهور والايام.

* ان هذه الورقة ذكرت لاول مرة اسماء لبعض ملوك الهكسوس فى مصر.

5– قائمة سقارة :- كانت محفوظة بالمتحف المصرى حتى عام 2005 ولكنها رفعت من مكانها ولانعرف اين هذه القائمة الان، ولعلها فى مخازن المتحف ونتمنى ذلك!!!. ووجدت هذه القائمة على لوحا فى قبر كاتب ملكى يدعى (تنورى) من عهد الملك رمسيس الثانى،وقد تم اكتشافها بالمصادفة البحتة فى قبره بسقارة. وهذه القائمة لم تراعى الترتيب التاريخى للكثير من الملوك بل والاسرات الملكية كذلك.

ومن الملاحظات العجيبة على هذه القائمة مما احدث بلبلة تاريخية بين المدارس الاثرية المختلفة بانها بدأت قائمة ملوك مصر بملك يدعى (مربابا) وهذا الملك لم نجد له اى اثر او ذكر سوى على هذه اللوحة فقط.

كما ان هذه القائمة لم تذكر ملوك شهيرين فى عصور مختلفة وهذا من عجائب هذه القائمة مثل الملك سنفرو وهو والد الملك خوفو وهرمه الشهير بدهشور وهذا من الدولة القديمة. وكذلك الملك بيبى الثانى الذى تربع على عرش مصر لمدة 92 عاما كاملة كاطول فترة حكم ملكى ليس فى مصر بل فى التاريخ البشرى كله.

وهذه القائمة لم تذكر ملوك عظام من الدولة الحديثة مثل توت عنخ امون او الملك تاعا وهو جد الملك سقنن رع محرر مصر من الهكسوس وهكذا.

** الخلاصة فى موضوع الاثار المكتوبة :-

يتضح من كل ذلك ان هذه القوائم الخمسة كاثر مكتوب لا تساعدنا قط فى التوثيق التاريخى والتأريخى،لملوك مصر وبهما العديد من الملاحظات الهامة المجمعة والتى تستحق الدراسة والتأمل وخاصة بعد كل تلك

الاكتشافات الحديثة منذ حقبة الثمانينات، ومن هذه الملاحظات:-

1–ان هذه القوائم لم تتفق على ترتيب هؤلاء الملوك ولا حتى على اسم اول ملك على مصر ولاحتى عدد سنين الحكم.

2–نلاحظ ان اربعة من هذه القوائم تعود الى عصر الدولة الحديثة ما عدا حجر باليرمو الذى يعود الى الدولة الوسطى!!. فاين القوائم التى تعود الى الدولة القديم؟؟. هل سرقت ام لم تكتشف بعد؟؟. ام انه فى الدولة القديمة لم يفكر احدا فى كتابة مثل هذه القوائم، وهذا احتمال ايضا بالرغم من ضعفه وخاصة منذ عهد الاسرة الرابعة كان هناك تدوين عن الحياة اليومية وبعض خصائص الملك وكذلك فى الاسرة الخامسة ونصوص الاهرامات فكيف لا يظهر احدا ويدون قائمة باسماء ملوك هذه الفترة؟؟. ام علينا الانتظار حتى تظهر باطن مصر ما فى داخلها ولعل هذا الاكتشاف ان ظهر يفك كثيرا من هذا الغموض .

3–هذه القوائم بصفة عامة من الناحية التاريخية لم تظهر لنا سوى اسماء الملوك فقط ولم توضح اى شىء اخر ولاحتى اسلوب الحكم. فأسلوب وخصائص الحكم علمناها من نصوص المقابر هذا لوان صاحب المقبرة كتب شيئا اصلا فى هذا الموضوع وخاصة وكما سبق القول المبالغة والافراط فى الكتابة عن العالم الاخر وعدم الاهتمام بالحياة الدنيوية على الاطلاق.

4–هذه القوائم لم تظهر لنا من كتبها ماعدا قائمة سقارة فقط!!. ولكن تدل هذه القوائم من ناحية اخرى باهتمام الملوك بمن سبقهم من اجدادا تربعوا على عرش مصر. ولكن لماذا لم يكتبوا عن اسلوب الحكم وكيفية الحياة فى هذا العهد او ذاك؟؟. ثم لم يشرحوا لنا ما فائدة هذه القوائم والغرض منها وخاصة انها غير مرتبة وكانها كتبت لحفظ الاسماء فقط ولايهم الترتيب التاريخى.

5–ان هذه القوائم وقفت عند الدولة الحديثة ( الاسرة 20 ) فلماذا لم يكتب الملوك اللاحقين فيما بعد قوائم اخرى ام باطن ارض مصر لم يظهر ذلك بعد. وخاصة انه ما بين الدولة الحديثة وانتهاء الحضارة عشرة اسرات كاملة حتى دخول الاسكندر الاكبر مصر وتحريرها من الفرس وبداية العصر البطلمى فى مصر. اتكون طوال هذه الاسرات العشرة لم يظهر واحد فقط من الملوك او غير الملوك ليكتب عن قوائم الاجداد؟؟.

وهذا يدفعنا ايضا الى سؤال محير فعلا وهو: لماذا طوال هذا التاريخ المصرى الطويل وحتى بداية العصر البطلمى لم يظهر قط مؤرخ مصرى واحد؟؟. الى هذا الحد كان المصرى القديم لا يهتم بتاريخ بلده وكل الاهتمام ينحصر فقط فى الحياة الاخرى!!. انه امر محير فعلا وكيف وان المصرى نفسه كان من عباقرة العالم القديم فى علوم مثل الحساب والهندسة والطب بل وطب الحيوان،وفوق كل ذلك علم الفلك والنجوم ومنها السيارة والثابتة وبالرغم من كل ذلك لم يهتم قط بكتابة تاريخ متسلسل لتاريخه القديم او حتى ملوكه.

وهذا ما دفعنى بالدخول ودراسة المؤرخين القدماء لتتبع الامر ومعرفة النقطة الثانية المسببة لهذا الغموض فى الحضارة المصرية القديمة، ولنتاكد بكل حزم وعلو فم بانه لابد من ترميم هذا التاريخ بل ومن جذوره وخاصة بعد الاكتشافات الحديثة منذ حقبة الثمانينات.

ب – المؤرخين القدماء.

وهى النقطة الثانية فى بحثنا هذا لانه للاسف الشديد بالرغم من تاريخنا الحضارى الطويل والضارب فى اعماق جذور التاريخ الا انه لم يصلنا حتى الان اى مؤرخ مصرى قديم فى هذه الحضارة سوى واحد فقط وفى العصر البطلمى كذلك.

فكل ما نعتمد عليه حتى الان وخاصة من بعض المدارس الاثرية هو اعتماد علماء هذه المدارس على ما كتبوه هؤلاء المؤرخين القدماء والذى فيه الكثير والكثير من الشك ايضا وخاصة بعد تلك الاكتشافات الحديثة، وكذلك نقوش الحياة اليومية التى سندرسها فيما بعد والتى تكذب ما كتبه هؤلاء القدماء، ولذلك اقول بان هؤلاء المؤرخين القدماء هم لغزا فى حد ذاته وهنا يطرح سؤال هام يتمثل فى :

هل لم يكن فى خلد المصرى القديم قط تدوين تاريخ بلاده العظيم؟؟ وهل اهتمامه المبالغ فيه بعالم الاخرة انساه تدوين تاريخه الدنيوى؟؟.

ومن هنا كان لنا وقفة هامة مع هؤلاء المؤرخين،لانه حتى يومنا هذا تعتمد بعضا من المدارس الاثرية على كتابة هؤلاء فى تدوين التاريخ بل والتأريخ وفى ذلك مغالطات كثير ستعرفها بنفسك لاحقا، وهكذا نبدأ مع اول مؤرخ يكتب عن تاريخ مصر ولم يكن مصريا وهو هيكاته الملاطى.

1– هيكاته الملاطى عام 550 ق.م :- وهو اول مؤرخ اغريقى على الاطلاق يكتب عن تاريخ مصر، وخاصة ان مصر فى هذا التاريخ كانت قابعة تحت الاحتلال الفارسى، كما ان هيكاته نفسه وكما يقول لم يكن على دراية باللغة المصرية القديمة، وهكذا فى بسطة شديدة يمكن التعليق على تاريخه بعدة ملاحظات هامة، وسنتخلص منها الكثير من الامور مثل :-

* انه كان زائرا لمصر فقط كما قال وعاش بها اربعة سنوات فقط.

* كان اهتمامه الرئيسى بكتابة تاريخ ليبيا (لوبيا) وفى طريقه اليها زار مصر ليكتب عن الجذور المشتركة بين مصر وليبيا.

* فى مصر تناقش مع الكهنة فى طيبة فقط الذين يأنون من الاستعمار الفارسى وكتب تاريخ مختصر فقط عن هذه الرحلة وما سمعه من الكهنة فقط.

ويتضح من ذلك بانه كان رحالة وليس مؤرخ حقيقى بالمعنى المفهوم لكلمة مؤرخ واحتمال ان يكون مؤرخا للحضارة الليبية ولكن لم يكن مهتما قط بالحضارة المصرية وكما قال هو بنفسه عن ذلك. وبعده بمائة عاما كاملة حضر الى مصر المؤرخ الاشهر وهو هيرودوت والذى نشك فيه اليوم بان يكون قد حضر الى مصر اصلا وخاصة ان كل ما كتبه ليس فيه صحيح التاريخ المصرى على الاطلاق.

2– هيرودوت عام 450 ق.م :- اثبتت الدراسات والاكتشافات الحديثة كذب كل ما قاله وكتبه عن مصر، لدرجة اننى اريد محو اسمه من قائمة مؤرخى مصر القدماء واشك شخصيا بانه قد زار مصر فى يوما من الايام. ونحن فرحين به لانه قال بان مصر هبة النيل،وهذا كلام غير صحيح على الاطلاق لان مصر هبة المصريين وليس النيل،وهناك اسباب عديدة لمهاجمة هيرودوت ومنها :-

* هو فى الاصل مغرما بتاريخ اليونان الى حد العبادة ولكنه خصص جزءا فقط من تاريخه يخص ارض مصر اشهر بلد وحضارة فى العالم القديم انذاك.

* يقول بانه زار الدلتا وظل يتجول فى مصر لاعوام كثيرة حتى وصل الى اسوان ثم عاد الى القلزم (بورسعيد الان) ومنها رحل الى بلاده اليونان مرة اخرى.

* اقر بان زيارته كانت فى العهد الفارسى وكتب عن الاحوال المضطربة فى البلاد وتخصص فى هذه الجزئية فقط، ولكنه لم يكتب تاريخ حقيقى عن مصر مجملا كما يدعى البعض حتى الان.

* كل ما كتبه يقول بانه سمعه من الكهنة فقط فى طول البلاد وعرضها، وعندما نقرأ ما كتبه نلاحظ بانها كتابات من الخرافات والهرطقة اكثر من الواقعية الحقيقية نفسها. ومن هذه الخرافات عملية التحنيط والتى كذبتها الابحاث الحديثة تماما، وكذلك مسالة عبادة بعض فراعين مصر القدماء.

* وضع تاريخ مصر حسب ما سمعه من الكهنة فى 340 ملكا بدأ من الملك مينا وقال ان جذور التاريخ المصرى حتى زمنه يتعدى 11340 عاما فهل يعقل ذلك؟؟.

* اول من يكتب عن الالهة المصرية واساطيرها بل هناك الهة لم نسمع عنها قط حتى يومنا هذا، وما اكثر خرافاته وهرطقته فى موضوع التحنيط مثلا.

ولذلك قمنا منذ عدة سنوات بعمل ندوة كبرى متخصصة حول هذا الموضوع وتلك الشخصية الهرطقية التى تسمى هيرودوت، واثبتنا فى الندوة واقره الكثيرين من الباحثين وقلنا بان كتابات هيرودوت ما هى الا خرافات وهرطقة ونشك ان يكون قد زار مصر اصلا وخاصة انه يقول دائما (ما اكتبه سمعته من الكهنة سواء فى الدلتا او الجنوب) فكيف نوثق تاريخ عن طريق السمع وهو نفسه اقر بذلك؟؟.

وهكذا انقضى التاريخ المصرى الاصيل بدون ان يظهر مؤرخ مصرى واحد وبعد ذلك دخلت مصر فى حقبة عصر البطالمة،واستقرت مصر فى عام 310 ق.م بحكم الملك بطليموس الاول وظهور اول مؤرخ بطلمى وهو هيكاته الابدرى فى مصر.

3 – هيكاته الابدرى عام 310 ق.م :- وهو الذى عاش فى بلاط بطليموس الاول (سوتر) وبامره كتب عن تاريخ مصر وظل يكتب فيه حتى عام 284 ق.م. ولكن بالرغم من طول هذه المدة ونشكره على ما كتبه الا انه لدينا عدة ملاحظات هامة جدا عن تاريخه وهى على سبيل المثال ما يلى :-

* يقول هو بنفسه بانه كتب هذا التاريخ متجولا بين ربوع مصر للتوفيق بين وجهة نظر البطالمة وحكم مصر الجديد وبين كهنة امون،بدون اى توضيح ما يقصده فى هذا الموضوع وخاصة توفيق الاوضاع!!

فهل هى اوضاع دينية ام سياسية ام ماذا على وجه التحديد؟؟.

* التمجيد المبالغ فيه بالاسكندر الاكبر مع احترامنا الكامل لهذه الشخصية التاريخية وخاصة انه محرر مصر من الحكم والاستعباد الفارسى. وقال مرارا وتكرارا بانه لولا الاسكندرالاكبر ما تحررت مصر ثم التمجيد المبالغ فيه ايضا للملك البطلمى بطليموس الاول (سوتر) وكانه اله مصر الحقيقى.

* الاصرار على تطوير مصر دينيا واجتماعيا وخاصة بعد تحرير مصر من الفرس والبعد المصرى الدينى لقرون عديدة تحت وطأة الفرس.

* بداية ظهور ديانة او عقيدة جديدة فى مصر بنفس الالهة المصرية ولكن بمسميات يونانية،واظهار عبادة العجل مثل ابيس وسرابيس وما الى اخره.وفى هذا الموضوع لنا وقفة كاملة مع موضوع الديانة المصرية القديمة فيما بعد.

* الادعاء بان البطالمة هم مظهرى الحضارة المصرية المندثرة والتمنى والجود على المصريين، وهاهم البطالمة يعيدون بناء المعابد واعطاء الحرية الدينية المفقودة منذ العهد الفارسى، وهاهم البطالمة يواصلون بناء وتوسيع مدينة الاسكندرية والشروع فى بناء فنارة الاسكندرية لتكون اعجوبة العالم بعد الهرم الاكبر وكذلك مكتبة الاسكندرية وما الى اخره.

وهكذا يتضح من تاريخ هيكاته الابدرى بانه يتناول مصر من الناحية السياسية بعد العهد الفارسى،وتاريخه ينحصر فى بدايات العهد البطلمى ومحاسنه. اما عن تاريخ مصر الحقيى فهو لم يتناوله بالمفهوم الحقيقى لمعنى كلمة التاريخ،وخاصة انه كتب عن بعضا من ملوك مصر العظام مثل الملك خوفو بانى الهرم الاكبر وكذلك تحتمس الثالث بانى اول واخر امبراطورية فى التاريخ المصرى كله. وكذلك كتب عن بعضا من الملوك (الرعامسة) ومنهم مثلا رمسيس الثانى، وان كل مواثيقه كما يقول هو جمعها من كهنة طيبة وهم كهنة الاله امون.

وفى الحقيقة بان ما كتبه مثلا عن الملك رمسيس الثانى لم تخالفها الاكتشافات والابحاث الحديثة وخاصة موقعة قادش (سوريا الان) والتى قال بان هذه الحرب لم تكن فى صالح رمسيس الثانى، وهذا ما اثبتته الوثائق الحديثة سواء فى مصر او سوريا منذ سنوات قليلة فقط. وباختصار شديد يمكننا القول بان تاريخ هيكاته الابدرى ينفعنا فقط فى تاريخ بداية العصر البطلمى منذ الاسكندر حتى بطليموس الاول (سوتر )

4– مانيتون السمنودى 270 ق.م :- وهو اول كاهن مصرى حقيقى يظهر فى التاريخ وكان كاهنا مشهورا انذاك للاله امون وهو من اصل مدينة سمنود. وظهرت شهرته الكهنوتية والثقافية فى عهد بطليموس الثانى (فيلادلفيوس) بل وكان صديقا مقربا له، ولذلك طلب منه ان يكتب تاريخ مصر كاملا ومنذ الجذور الاولى وخاصة كما يقال من العالمين باللغة القديمة بانواعها. وبذلك يعتبر مانيتون اول مؤرخ مصرى حقيقى يكتب عن تاريخ بلاده منذ الجذور الاولى. ولكن للاسف الشديد فان معظم ما كتبه احرق فى حريق مكتبة الاسكندرية الشهير ولم ينقذ منها الا القليل فقط والتى لنا معها وقفة هامة مثا :-

* بدأ التاريخ منذ عهد الملك مينا ولم يذكر اسم اى ملك قبله.

*كتب عن تاريخ الهكسوس وكل ما لدينا عن هذه الحقبة منقول من تاريخ مانيتون.

* ذكر بان ( أوزارسف) كان شخصية حقيقية من اصل بلاد كنعان من البدو ووصل الى مرتبة وزير فى مصر كاول اجنبى يشغل مثل هذا المنصب وانقذ مصر من مجاعة حقيقية.

* كتب عن شخصية (موسى) وهى ايضا حقيقية وليست اسطورة،ولكنه لم يشير الى تدمير مصر بل انه اخذ قومه ورحلوا من مصر فقط، بل ادعى ان ذلك كان فى عهد الملك رمسيس الثانى.ولذلك يعتقد الكثير حتى يومنا هذا بان رمسيس الثانى هو فرعون موسى وهذا ليس صحيحا على الاطلاق.....

* كانت كتاباته معدلة باللغة المصرية القديمة، ومعنى معدلة لانه فى بداية عصر البطالمة ادخلوا سبعة احرف فى هذه اللغة لم تكن موجودة من قبل فى التاريخ المصرى القديم.

وبخلاف ذلك لم نجد له اية كتابات، وكما سبق القول بانها احرقت كاملا فى حريق الاسكندرية. وبذلك يعتبر مؤرخ متخصص فى عصر الهكسوس،اما عن التحنيط فكتب فقط عن التحنيط الملكى وكان واقعيا جدا فى هذا الموضوع واكدته الابحاث الحديثة، على عكس ذلك المؤرخ الهرطقى هيرودوت.

5– ارستوستين السيرينى عام 194 ق.م :- وهو مؤرخ اغريقى الاصل ولد بالاسكندرية عام 270 ق.م وتوفى فى عام 194 ق.م. ويقول بانه ومنذ صباه كان مولعا بالحضارة المصرية بشدة، وكان تلميذا نجيبا بالمدرسة ثم كرس حياته بين جدران مكتبة الاسكندرية ومعابدها ورغب ان يكون مؤرخا للحضارة المصرية القديمة. وذهب الى طيبة وعاش بها سنوات عدة وتقابل مع كثير من الكهنة والاهالى وذاعت شهرته هناك. وتاريخه الكامل محفوظ الان بالمكتبة القومية للاثار فى اثينا باليونان، ولكن بالرغم من كل ذلك فانه يؤخذ على تاريخه عدة نقاط فى غاية الاهمية بالنسبة للمتخصصيين كما يلى :-

* ان تاريخه بالكامل منقول عن السمع فقط من كهنة طيبة ولم يقم باى اكتشاف هناك،لتكون مرجعا له وخاصة انه كان على علم كامل باللغة المصرية القديمة والمعدلة فى العصر البطلمى.

* ان قائمة تاريخه الكامل للاسف الشديد تحتوى على 38 ملكا فقط لاغير!!. مبتدأ بالملك مينا واخر اسرة كتب عنها كانت الاسرة العشرين. وكان تاريخه يحتوى على امجاد هؤلاء الملوك الثمانية والثلاثون فقط دون عيوبهم،ولم يذكر شىء قط عن الحياة الاجتماعية مثل سابقيه بالرغم من انه كان معاصرا للاحداث. وهكذا انقضى العهد البطلمى ولم يظهر مؤرخ اخر منذ عام 194 ق.م, وبعد فترة حوالى قرنين ونصف القرن وكانت مصر تحت الحكم الرومانى ظهر اول مؤرخ فى هذه الحقبة وكان ايبون السكندرى.

6– ايبون السكندرى عام 77 م :- وهو اول مؤرخ لمصر يظهر فى التاريخ بعد الميلادى،وهو رومانى الاصل وعاش فى مدينة الاسكندرية ومعتزا وعاشقا لها لدرجة ان الرومان انفسهم لقبوه بلقب (الاسكندرانى). وكان مثل كل الرومانيين كارها بشدة لليهود وفرحا جدا لتدمير مملكتهم فى عام 70 م،وكان يبغض اليهود من اعماق قلبه وكان يقول عنهم انهم من اصل ابرص ومن منشا دنس نجس، ولذلك يمكن تلخيص تاريخه فى عدة نقاط وهى :-

* ان تاريخه المكتوب محفوظ الان فى مكتبة الفاتيكان الكبرى وتناول فيه تاريخ اليهود اكثر مما تناول التاريخ المصرى بصفة عامة.

* كان معتزا بالمصريين القدماء لانهم طردوا الهكسوس من مصر، ومن قبلهم اليهود النجس مع زعيمهم موسى،وكان هذا هو الخروج اليهودى الكبير من مصر وكما اطلق عليه.

* ان اليهود هم سبب مشاكل الكثير من المناطق فى العالم وخاصة فلسطين وبلاد العراق والشام.

* اما فيما يخص التاريخ المصرى فلقد انحصر بين عهدى الملك تحتمس الاول من الاسرة 18 والملك رمسيس الرابع من الاسرة 20، ومعنى هذا ان تاريخه انحصر فى ثلاثة اسر فقط وعدد 21 ملكا فقط.

* لقد ذكر عدد سنين حكم كل ملك وكذلك الشهور والايام مع الاسهاب التاريخى لهؤلاء الملوك والتى اثبتت الاكتشافات الحديثة صحة الكثير والكثير مما كتبه.

ويتضح هكذا من تاريخ ايبون انه اختذل التاريخ المصرى على عصر الدولة الحديثة فقط، خاصة وكما سبق القول كان اكثر اهتمامه بتاريخ اليهود الذين يمقتهم بشدة.

7– يوسيفوس السكندرى عام 70 م :- وكان مصرى اغريقى الاصل يهودى الديانة وقبض عليه فى الاسكندرية بعد تدمير مملكة اليهود على يد الرومان،واودع احد السجون بالاسكندرية واحتمال انتقاله الى احد السجون فى روما ولم نعرف ماذا حدث له عد ذلك. المهم انه فى فترة السجن كتب كتابه الشهير باسم ( الرد على ايبون) والمحفوظ حتى الان كاملا فى مكتبة الفاتيكان الكبرى، وننوه ههنا باهم المقتطفات التى جاءت فى كتابه والتى تهمنا فى بحثنا هذا وهى :-

* من الظاهر انه كان على ثقافة عالية وخاصة بالتاريخ المصرى القديم لانه مجد فى شخص المؤرخ المصرى مانيتون،وهو الذى اخبرنا بان معظم ما كتبه احرق فى حريق مكتبة الاسكندرية منذ اكثر من مائة عاما، وانه لولا يوسيفوس هذا ما كنا سمعنا عن مانيتون على الاطلاق.

* نقض كل ما كتبه ايبون عن اليهود،وقال ان تاريخ مصر اكبر بكثير جدا عما كتبه مانيتون، وانه لم يذكر سوى الملوك المصريين الكارهين لليهود فقط، وهم الملوك الذين هدموا كل اثار اليهود فى مصر.

* اظهر اعتزازه بجنسيته المصرية وديانته اليهودية وقال بان اليهود كانوا فاتحين لمصر ومعلميها لفن الزراعة ولم يكونوا ابدا عبيدا وواحد منهم حكم مصر (يوسف) وهو الجالبين للعربة الحربية.

* عمل قائمة كاملة لمولك مصر بدأ من الملك مينا حتى الملكة كليوباترا، وكان ترتيبا معقولا الى حد كبير واشار الى بعض النظم الاجتماعية فى بعض العهود.

وللتدقيق التاريخى لا نعرف فعلا ماذا حدث ليوسيفوس بعد سجنه،هل اعدم او قتل وخاصة انه اعلن يهوديته وكان معتزا بها!!. المهم كتاباته حفطت منذ ذلك الحين ولم تظهر الا فى القرن 18 وهو عصر الاجتهادات والاكتشافات والبحث والتدقيق عن الحضارة المصرية القديمة. ويعتبر تاريخه من التواريخ الموثقة فى التاريخ المصرى القديم. وهو يعتبر بذلك ثانى مؤرخ مصرى حقيقى بعد مانيتون بل كان ادق من مانيتون فى الكثير من الموضوعات.

8– ديدور الصقلى عام 60 م :- وهو مؤرخ رومانى من اصل مدينة صقلية ووصل الى الاسكندرية ليكتب عن تاريخ مصر،وهو يعتبر كذلك تاريخيا اول متخصص يكتب عن اصل الجنس البشرى ونشأة العالم والبشرية. وكتاباته محفوظة كاملا فى مكتبة روما القومية بقسم الاثار التاريخية، ويمكننا تناول تاريخه فى حدود عدد من النقاط الهامة مثل :-

* قال ان مصر هى اصل العلم بعد الخليقة الاولى وانها مهد الالهة قبل البشر ومهد الحضارة والتاريخ.

*وضع تاريخا كاملا لمصر منذ عهد الملك مينا حتى العام 60 م وهو بذلك يعتبر ثالث شخصية يكتب عن تاريخ مصر كاملا.

* تميز تاريخه بالتوغل فى الافكار الفلسفية والدينية فى التاريخ المصرى كله منذ الجذور الاولى.

* مجد الالهة المصرية بشكل مبالغ جدا فيه وهذا من عيوب تاريخه، وذلك التمجيد للالهة المصرية والمبالغة مازالت تسير على نهجه المدرسة الفرنسية حتى الان،بل انه قال بان الالهة المصرية هى الاصل لكل الالهة فى العالم وليس الالهة اليونانية او الرومانية.


تابع القراءة فى الجزء الثالث على الرابط التالى:
الجزء الثالث - سر الغموض واللغز فى الحضارة المصرية القديمة
راجع الجزء السابق على الرابط التالى:

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016