حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

روائع النحت فى عصور ما قبل الأسرات 4400 ~ 3300 ق.م


روائع النحت فى عصور ما قبل الأسرات 4400 ~ 3300 ق.م

كتب أ/ محمد ممدوح فايق


فى خطاب لها بمناسبة إفتتاح جاليرى النحت بالمتحف البريطانى فى 8 سبتمبر 1981 أشادت مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا حينذاك بروعة اعمال النحت المصرية و مكانة حضارة مصر العتيقة فى تاريخ الإنسانية و لم يفوتها أن تذكر تأثير أعمال النحت المصرية بالمتحف البريطانى على أهم نحات بريطانى فى العصر الحديث هنرى مور 1898 / 1986.

و يمكننا بسهولة أن ندرج الأعمال النحتية من عصر ما قبل الاسرات بوادى النيل 4400 / 3300 ق م فى مدرسة النحت الحديثة المعروفة بإسم التشخيص التجريدى abstract figurative art و هو يطلق على الأعمال الفنية التجريدية الحديثة التى توحى بأشكال شخوصية.

و بالفعل أشاد الناقد الفنى الشهير أرنست جومبرج 1909 / 2001 بصرامة التشكيل الأيقونى فى الفن المصرى القديم المبنى على أساس وضوح المعالم لا كما تشاهد فى حالات متغيرة و لكن كما يستقطرها العقل من مشاهدات عديدة و قد أطلق على هذا التوجه الفنى / الطريقة المصرية.

و من هذه الأعمال التى تدعو إلى الدهشة النصف العلوى من تمثال يوجد حاليا فى متحف بيترى فى لندن قد لا يسترعى النظر لوجوده ضمن قطع أخرى عديدة و لصغر حجمه و هو لا يتعدى فى طوله 6 :6 سم و لكنه فى قمة الإختزال و التجريد إذ تمثل الرأس بكتلة مستطيلة تلتحم بكتفى الجزع مباشرة و تتشكل الأكتاف العريضة فى حركة إنسيابية مائلة و ينحدر الجزع ليلتقى بالوسط فى زاوية محددة مع إستدارة لطيفة لما تحت الوسط و تتميز هذه القطعة الفريدة بالإستغناء عن الأذرع و إستخدام الخطوط المستقيمة مما يضفى على هذا التمثال الصغير أناقة عصرية و بلاغة بصرية أخاذة.

و على مقربة من متحف بيترى يقع المتحف البريطانى و به مجموعة لا تبارى من الأعمال النحتية و التى ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات و منها تماثيل العاج لسيدة تتحلى بشعر يتدلى على جانب راسها تحيط به ذراعيها و قد إستخدمت شرائط أفقية متقاربة لتحديد شكل الشعر و قد يكون باروكة و يتميز الوجه بتلخيص شديد لقسماته من أنف تظهر كمثلث فوق الشفاه و تظهر كخط مستقيم و يسترعى فى هذا العمل حفرتين للعينين وضعت بهما قطعتين من حجر lapis lazuli.

و يتميز التمثال بإستطالة ما تحت الخصر الذى يحدده إلتقاء اليدين و يضع الذراعين مربع يحيط بالثديين و توجد مكان الحلمتين حفرتين ربما كان بهما إضافة من مادة ما و ينساب الجزع فيما تحت السرة و التى تنحدر بوضوح إلى منطقة الفخذين و تظهر الأفخاذ و الأرجل مضمومة فى تكامل جمالى أنيق يؤكد تماثل الجسد حول محور رأسى و إستخدم الفنان نقط غائرة فى توزيع يكسر التماثيل ليحدد منطقة إلتقاء الفخذين بالجذع و يصاحب هذا التمثال تمثال اخر يشترك فى نفس المعالم ما عدا تحديد العينين بشكل لوزى ووجود حواجب مع إستخدام مثلث عريض لتحديد إلتقاء الفخذين بالجذع.

و فى تمثال اخر تمتد اليدان بجوار الجسم فى رشاقة و إستطالة تستدق فيها اليدان عند إتصالهما بالأفخاذ و تظهر العيون كدائرة أغلب الظن انها كانت محشوة و يتميز هذا التمثال ببروز الأذن و تحدد منطقة إلتقاء الفخذين بالجذع بمثلث من النقط الغائرة التى تصنع قوسا خفيفا فى الجزء الأعلى يتماشى مع إنحناءة الجذع من الثديين إلى الوسط ثم إلى الفخذين.

و من الملفت للنظر تمثال أخر لسيدة قزم تتميز بأذنين عريضتين و إستدارة البطن حول السرة مع إستطالة أفقية للمثلث الذى يحدد ما فوق الفخذين و تم تقصير الساقين لإظهار القزمية كما قصد الفنان إلى زيادة حجم الأفخاذ بالنسبة للصدر.

و تنتمى هذه التماثيل إلى فترة نقادة الأولى 4000 إلى 3600 ق.م
قد سبقها ظهور تمثال يرجع غلى عصر البدارى 4400 / 4000 ق.م

و هو يمثل مرحلة سابقة تظهر فيها الرأس اضخم من المعتاد و تتخذ اليدان وضع على مبعدة من الجسم كما تفترق الساقان و هى بذلك لا تمثل كتلة نحتية موحدة و يشترك هذا التمثال مع التماثيل الأخرى فى إستخدام مثلث كبير اتحديد منطقة العانة مع وجود فتحة طولية ظاهرة بين الفخذين و التمثال مصنوع من عاج فرس النهر و حجمه 3 :14 فى 4 سم.

و بالإضافة إلى تماثيل نقادة المصنوعة من العاج أو العظم توجد عدة تماثيل مصنوعة من الطين المحروق و منها التمثال الشهير للمعبودة التى ترفع ذراعها حول رأس دلالة على الروح.

و من التماثيل المصنوعة من الطين تمثال فريد فى منحف المتروبوليتان بنيويورك و تمثال أخر فى المتحف المصرى فة تورينو بإيطاليا و هو لإمرأة جالسة فى وضع مائل للخلف تتميز بوجه طائر و عيون ذات شكل لوزى مستطيل يحفها لون تركوازى و تعلو العيون رسم للحاجب كما يظهر الشعر بلون اسود و يمثل الجسم وحدة عضوية من الصدر إلى الساقين و هما إسطوانيتان و مضمومتان تنتهيان بقدمين صغيرتين تحددت عليهما خطوط إشارة إلى أصابع القدم.

و يظهر فوق القدمين رسم سوار قدم قد يمثل سوار من الخرز و تظهر على الجسم فى أماكن متفرقة رسوم بمداد أسود منها شريط أسود فيما فوق إلتقاء الفخذين و نتعرف على تصوير لحيوتن فرس النهر على الجانب الأيسر من البطن و يوجد كلب على ظهر التمثال ربما يطارد حيوان برى و يبدو أن تماثيل المشخوصات كما هو الحال فى تصاوير الفخار فى حضارة نقادة الأولى و الثانية ترتبط بفكرة الميلاد و يرمز له فرس النهر و الميلاد إنتصار على الموت الذى ترمز له الكلاب ووضع هذه المشخوصات السحرية فى المقابر يدل على دورها فى عودة الحياة إلى المتوفى فى العالم الأخر و تظهر مشخوصات الرجال بأشكال مختلفة منها ما يتميز برؤوس مثلثة قد تدل على لحية و شرطة أو إثنين كعلامة على الفم و حفرتان للعيون توضع بهما خرزتان من قشر بيض النعام و يظهر الجسم و الرأس كوحدة نحتية متكاملة قد تمثل جسدا ملفوف بإزار كما هو الحال مع الكهنة و رجال الدين و يبدو ان الراس كانت ليقة و تستخدم فى صنع هذه المشخوصات العاج من فرس النهر و من الأعمال النحتية المتميزة إستخدام قرن العاج ليمثل الجسد كإسطوانة طويلة ينتهى طرفها المدبب بالرأس و التى تم تشكيلها بصورة أكثر واقعية من الأشكال الأيقونية الأخرى.

و من الأنماط الأخرى لمشخوصات الرجال تماثيل من العاج أو الخشب حوالى 25 سم تتميز بالإستطالة و تتميز بوجود جراب للقضيب و يبدو انه كان يربط حول الوسط بحزام أو حبل كما يظهر فى إحدى المشخوصات بمتحف الأشمولين فى إكسفورد بإنجلترا و باتأكيد هناك إهتمام خاص بعضو الذكورة كما أنه هناك إهتمام خاص بعضو الأنوثة فى التقاليد الفنية فى عصر ما قبل الأسرات و لا نغفل أن القضيب كان من المعالم التقليدية فى فنون ما قبل التاريخ فى الصحراء.

و فى متحف الأشمولين فى إكسفورد عدة تماثيل صرحية أحدهم 77 :1 متر من طول التمثال الأصلى 6 :2 متر ترجع غلى بدايات عصر الاسرات يظهر فيها المعبود من و يده تقبض على عضوه الذكرى المنتصب الذى لم يعد موجودا.

و يرتبط التمثال تاريخيا بمنطقة قفط على أطراف وادى النيل فى الطريق لعمق الصحراء الشرقية و يتميز بجسم نحيل كما نعرفه من النقوش و التصاوير من العصور التالية تعلو رأسه ريشتان يحيط به إزار محكم و قد ثنى ذراعه اليمنى عند المرفق ممسكا بالسوط الملكى و يمسك بذراعه اليسرى عضوه المنتصب و الذى يدل دائما و أبدا غلى الإنجاب و إستمرارية الحياة و عودة الحياة للمتوفين فى رحلتهم فى العالم الاخر على عكس ما قد يشير فى مخيلة المشاهدين من الثقافات التى أصبح فيها القضيب رمزا و دلالة على الشهوانية الجنسية و مع ما واكب ذلك من حياء و خجل و إخفاء و حتى إستنكار لهذه القوة الفعالة فى الحياة.

و لذلك فهناك فجوة حضارية و ثقافية تحول أحيانا بيننا و بين فهم فنون الحضارات السابقة أو المغايرة و قد يستدعينا ذلك إلى تصور الفن على أساس خاطئ و ينبهنا هربرت ريد 1893 / 1968.

فى كتابه معنى الحياة / أننا إذا لم نقع فى خطأين كبيرين اولهما تصور الفن بإعتباره مجرد شئ فيزيقى و موضوعى و ثانيا تفسير الفن عن طريق الإشارة إلى شعور جمالى خاص سيكون علينا إذا لم نقع فى هذين الخطأين أن نعترف بأن الفن فى أكثر مظاهره و ضوحا يعتمد فى قيمته على نوع من تفسير الحياة إما أن يكون تفسيرا شاعريا أو دينيا أو فلسفيا.

و من أهم الإكتشافات الاثرية الحديثة التى لم يلق عليها الضوء الكافى ما يتم فى موقع تل الفرخة بالدلتا حيث تعمل بعثة بولندية منذ 1998 و التى إكتشفت خبيئة من 60 قطعة من تماثيل صغيرة مصنوعة من عاج فرس النهر ترجع إلى بداية عصر الأسرات و كانت المفاجاة أكتشاف تمثالين من رقائق الذهب لرجلين و فى الغالب كانت هذه الرقائق على جسم من عاج فرس النهر أو الخشب و لكنه قد تحلل و لم يبق سوى الذهب و يرجع التمثالين غلى أخر عصر ما قبل الاسرات من طراز الاشخاص المستطيلة المتميزة بجراب القضيب و هو يظهر بصورة مؤكدة فى أحد التماثيل الذى تم ترميمه و يبلغ طول أحد التماثيل 65 / 70 سم و الأخر 35 / 40 سم.

و يتميز التمثالان بعيون من حجر lapis lazuli
و ما من شك أن هذين التمثالين قمة فنية فى الطريق الذى أدى بعد ما يزيد على 1500 عام إلى قناع توت عنخ أمون و لحسن الحظ أن هذا الكشف الفريد لم يخرج من مصر و هو معروض حاليا بالمتحف المصرى بميدان التحرير بالقاهرة.

لقد اغفل الباحثون فى تاريخ الفن و تاريخ الفن المصرى بالتحديد بشائر و بدايات النحت و التصوير على ضفاف النيل ربما لأنها لا تتميز بالصرحية و التألق الذين يحظى بهما الفن من عصر الاهرامات و ربما لندرة الأعمال الفنية من عصور ما قبل الاسرات و تشتتها فى متاحف العالم و المجموعات الخاصة و ربما لأنها لم تتفق مع الذوق الفنى العام عند إكتشافها و ربما مهد الطريق إلى تقديرها محاولات الفنانين المحدثين فى سعيهم لإستحداث رؤية و مفهوم جديد للفن و ربما كان ضعف الإهتمام ببدايات الفن فى وادى النيل راجعا لانها بالغة فى القدم و انها قد تطورت إلى ما هو أحسن و أرقى و أجمل.

و نسترجع هنا بعض تاملات بيكاسو فى العددالثانى من مجلة forms الفرنسية، يؤكد فيها أنه ليس للفن ماض و لا مستقبل و الفن الذى لا يستطيع تأكيد نفسه فى الحاضر لم يستطع إكتشاف ذاته أبدا و الفن المصرى و الإغريقى لا يمتان إلى الماضى إنهما أكثر حياة اليوم مما كنا بالأمس.

أنية على شكل فرس النهر منحوتة من عاج الفيل بواكير ما قبل الأسرات الألف الخامس قبل الميلاد من مستجدة إرتفاعها 3 :6 سم

مشط من العظم و فوقه نحتت صورة حيوان عصر ما قبل الأسرات حضارة نقادة الأولى من مطمر إرتفاعه 5 : 12 سم

صلايات تجميل لصحن الكحل بأشكال هندسية و حيوانية من عصر ما قبل الأسرات حضارة نقادة الأولى و منها واحدة على شكل سلحفاة

تمثال صغير من عصر حضارة البدارى 4400 ~ 4000 ق.م متحف بيترى فى لندن

تمثال من حضارة نقادة الثانية فى متحف بروكلين فى نيويورك

تمثال من العاج من حضارة البدارى


دميتان لإمرأتين اليمين منهما من جهة القارئ ربما كانت قد زودت فى الأصل بعينين مطعمتين بالقواقع من عصر حضارة نقادة الأولى غرتفاع 4 : 20 سم

جزء من دمية فخارية لإمرأة بواكير ما قبل الأسرات عصر حضارة البدارى

تمثال من عاج الفيل لرجل بقضيب مجموعة خاصة فى فرنسا

سكين من الصوان ذو مقبض عاجى نحتت عليه صفوف من الحيوانات منها فيلة و أسود و ظباء و خراف و عجول عصر أواخر ما قبل الأسرات من منطقة الشيخ حمادة طولها 5 : 26 سم

بطاقة منحوتة من العظم على هيئة ناب لا يزال تحديد معناها غير واضح من حضارة نقادة الأولى طولها 5 : 9 سم

تمثال لإمرأة من حضارة نقادة الثانية فى متحف بروكلين فى نيويورك
المصدر :
مجلة الخيال العدد الثامن نوفمبر 2010 .
الصور من كتاب مصر فى فجر التاريخ من تأليف : جيفرى سبنسر.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016