حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

من هو فرعون النبي موسى عليه السلام الحقيقي الجزء الأول

كتب أحمد السنوسى - باحث اثرى ومرشد سياحى
ماجستير فى الاثار جامعة فرانكفورت عام 1991


دراسة اثرية تاريخية ودينية حول موسى عليه السلام فى مصر
من واقع الاثر والتاريخ والقرأن الكريم


** مقدمة تمهيدية **

الدخول لمعرفة النبى موسى عليه السلام ومن هو من واقع التاريخ المصرى القديم والاثرى،لابد من معرفة احداث مصر بعد وفاة يوسف عليه السلام. وهذا كان بحثنا السابق فى معرفة يوسف فى ارض مصر ولذلك واصلنا البحث بفضل الله لمحاولة معرفة النبى موسى عليه السلام من واقع التاريخ والاثر المصرى.

وان نسب موسى هو : موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب. ومن المعروف ان لاوى كان احد اخوة يوسف عليه السلام وعاش مصر ومن نسله ولد موسى عليه السلام فيما بعد. وان لاوى نفسه هو مؤسس طبقة الاشراف (الكنعانين) فى مصر وفى هذا المضمار هناك جدل كبير حتى اليوم بين المدارس الاثرية المختلفة.

ويتضح من هذا التسلسل بانه ما بين لاوى وموسى أربعة اجيال كاملة، وهنا ندخل فى زمن الجيل والذى أرجعه بعض العلماء الافاضل ما بين 33 و 40 عاما. وهناك من أكد وجزم بان الجيل يقدر باربعون عاما. ولذلك سناخذ بهذا الراى ويكون ما بين يوسف وولادة موسى حوالى 160 سنة كاملة وليس اكثر من ذلك باى حالى من الاحوال.

وعندما خرج موسى مع بنى اسرائيل من مصر كان يبلغ من العمر خمسون عاما،وبذلك يكون الفترة الزمنية منذ عهد يوسف الصغير الى وفاته اوعزيز مصر 120 عاما ويضاف الى ذلك الفارق الزمنى بين يوسف وموسى وهى 160 عاما ويضاف الى ذلك 50 عاما مدة موسى فى مصر حتى الخروج الكبير، فيكون المجموع الكلى لهذه الحقبة حوالى 330عاما كاملة. وان مدة مكوث موسى فى مصر والتى تقدر بخمسون سنة فهى فترة كافية لوجود ملكين على الاقل فى عهده كانوا يتربعون على عرش مصر وهذا ما يؤكد بان فرعون المولد ليس هو فرعون الخروج.

والغرض من هذا التأريخ هو معرفة الزمن التقريبى للخروج الكبير من مصر لبنى اسرائيل فى عهد موسى وخاصة لتدمير مصر وكما جاء ذلك بنصا صريحا فى القران الكريم. فنجد ان عهد موسى كان يناسب عهد الدولة الوسطى اواواخرها بدون القول الان باسم الملك او التأريخ او التقويم لانه فى بحوثنا نسير على نهج التقويم الطبيعى لتارخ القرون الاولى من واقع قصص الانبياء وكما جاءت فى القرأن الكريم.

وللوصول الى حقيقة موسى فى بحثنا هذا وكما فعلنا مع يوسف من قبل لابد من تتبع عدة خطوات كاملة وموجزة لوصول الى تلك الحقبة وتلك الحقيقة بفضل الله وهو العليم الخبير. وتلك الخطوات هامة جدا بل وشاقة للوصول الى حقية الامر حيث اننا نتناول فيها موضوعات عدة تحضيرية قبل الدخول المباشر فى الموضوع. ولذلك فاننى اتعبر هذه المقدمة التمهيدية جزء هام لا يتجزاء عن الموضوع الاصلى وهو معرفة موسى عليه السلام فى التاريخ والاثر المصرى.

ولابد للقارىء والدارس ان يهتم بهذه الخطوات التمهيدية لاهميتها الكبرى وخاصة ان الكثير منها ذكر فى ايات الله العلى القدير ومن الصعب ايجادها اثريا او تاريخيا مكتوبا الا بعد الشواهد التى تؤكد كلام الصدق والعدل وهو القرأن الكريم الذى لم يفرط الله فيه من شىء.

( 1 ) الخطوة الاولى : ما بعد يوسف فى مصر :- منذ وصول اهل يوسف اجمعين الى مصر ثم وفاته، نجد انه فى التاريخ المصرى ظهر ما يعرف باسم ( تاريخ الكنعانيين ) فى مصر او بالمعنى الاصح ( بنو اسرائيل ) او ابناء يعقوب. ونجد ان مصر شهدت سلام اجتماعى وما لبث بعد فترة من الزمان تتعدى اكثر من أربعون عاما كاملة،بدأت مصر تشهد تغيرات اجتماعية كثيرة غفل عنها فى التاريخ المصرى القديم الذى كتب بيد الاجنبى ومنها :-

* اصرار الكنعانيين على عبادة الاله الواحد.
* ظهور النبؤة التى تقول بانه من نسل هؤلاء الكنعانيين سيولد غلام وسيكون هلاك مصر على يديه.
* بداية اشتغال الكنعانيين بالسحر مما ترتب عليه ظهور طبقة الكهنة السحرة من المصريين و طبقة الحسرة من الكنعانيين، وهذا السحر لم يكن موجودا من قبل فى عهد وزمن يوسف عليه السلام.
* بداية الثرثرة فى البلاد وكذلك انضمام بعض المصريين لافكار التوحيد مع الكنعانيين وعبادة الاله الواحد.
* بداية دفع بعض اخر من المصريين بصب جم غضبهم على هؤلاء الكنعانيين وتذكيرهم بانهم من اصل البدو بلا حضارة او تنظيم( همج ).

ومن هنا نجد ان ملك مصر بعد ان وصلته كل تلك الاخبار فرق البلاد الى فرق وشيع واهتم فقط بالموالين له ونجد لذلك أشارة فى القران الكريم فى سورة القصص الاية 4 ((
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ )).

ويتضح من هذا النص القرأنى ان ملك مصر علا فى الارض، ومن الناحية الاثرية احداث تغيرات دينية وسياسية واجتماعية للحد من التوغل الفكرى الكنعانى وخاصة مسالة عبادة الاله الواحد. وهذا هو المدخل الحقيقى لتفهم احوال مصر انذاك للوصول الى معرفة موسى من واقع الاثر والتاريخ المصرى.

( 2 ) الخطوة الثانية : حلم الملك:- نجد فى الاثر المصرى حلما غريبا وهذا ما نجده فى بردية نفر رهو مثلا نجد فيها حلما غريبا لملك مصر انذاك وملخصه كما جاء فى البردية (ان الملك رأى فى منامه كأن نارا قد اقلت من نحو ارض كنعان فاحرقت ديار مصر وجميع اهل مصر ما عدا هؤلاء البدو وهاله من ذلك تخوف كبير وتخوف من الامر ...).

* ولابد من البحث ههنا عن هذا الملك الذى راى هذا الحلم!!. والذى ارجعه بعض الاثريين الى انه الملك امنمحات الاول؟؟. ولكن ما يهمنا ههنا ان نعرف ماذا فعل هذا الملك بعد هذا الحلم العجيب والتغيرات والاحداث التى شهدتها ارض مصر بعد فترة سلام اجتماعى منذ عهد يوسف عليه السلام.

* وفى ذلك الامر هناك نصوص مصرية كثيرة تشير الى ذلك وسناتى لها فيما بعد وبالتفصيل, ولكننا الان نكتب عن احداث مصرية حدثت بالفعل وليست اساطير كما ال البعض. ولذلك قلت ايضا بان التحضير لهذه المقدمة يعتبر باهمية البحث نفسه وخاصة لصعوبة الموضوع من الناحية اثرية والوثائقية فى التاريخ المصرى القديم.

* ونجد ان هذا الملك المصرى اصدر عدة قرارات هامة بعد التشاور مع كبار الكهنة والوزراء وخاصة الكهنة الذين اخبروه بان هذا الصبى هو من اصل اهل البدو ولابد من قتل صبيانهم ولذلك اصدر الملك ما يلى :-

اولا :- التفريق بين المصريين وهؤلاء الكنعانيين.
ثانيا :- ذبح ابناءهم دون الاناث.
ثالثا :- استضعافهم فى ارض مصر بعد عزة وقوة وسلام, وتسخيرهم فى الاعمال الدنيا.

وهكذا تبدل احوال البدو او الكنعانيين،وحدث كل هذا حتى قبل مولد او ظهور موسى نفسه باكثر من قرن من الزمان ويزيد. ونجد لذلك اشارة فى القران الكريم فى سورة الاعراف الاية 129 عندما قال بنو اسرائيل لموسى مهدئا لهم (( ..
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْد مَا جِئْتنَا .. )) وهذا دليل دامغ باذية هؤلاء القوم حتى قبل ظهور موسى عليه السلام. وهذا الاضطراب الجامح لابد ان نجد له اثرا وخاصة لقتل المواليد بجانب تخوف المصريين وملك مصر من ضياع الملك من ايديهم او زال دولتهم،ولسوف ناتى لكل ذلك من نصوص مصرية فيما بعد.

ومن هنا ندخل الى نقطة هامة اخرى وهى التغير الدينى الكبير الذى حدث فى مصر، وتحويل لقب الملك الى لقب فرعون عنادا فى اله هؤلاء البدو لا اكثر ولا اقل.

( 3 ) الخطوة الثالثة : التغير الدينى الكبير :- هناك فترة فى التاريخ المصرى لم يتنبه اليه الكثيرين من الاثريين والعلماء وخاصة المسلمين منهم الذين لا يريدون حتى الاسترشاد بالقرأن الكريم، وكذلك من ناحية النصوص المصرية وخاصة لتلك المشاكل الكبرى السياسية والدينية والتى حدثت فى مصر انذاك :

* اصدر ملك مصر بالاتفاق مع الكهنة المقربين بقانون توحيد الالهة جميعها فى اله واحد. وهذا الاله الواحد هو نفسه فرعون مصر.ونجد لذلك اشارة فى القران الكريم فى سورة النازعات الاية 33 و 34 (( 
فَحَشَرَ فَنَادَى. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى. )). وهنا ندخل الى قضية اخر منسية فى تاريخنا القديم وهى موقف معارضة باقى الكهنة لهذا القرار الفرعونى وهى ثورة الكهنة !!. فهل حدث مثل ذلك فى مصر ؟؟.

ونقول بعلو فم(نعم) لقد حث مثل ذلك فى عهد الملك سنوسرت، ولكننا ههنا وكما سبق القول لا يهمنا من هو هذا الملك الان، بل الاهم هو الحدث نفسه للوصول الى الحقيقة الشبه الكاملة وخاصة لو كانت هناك احداث متشابهة.

* ثورة الكهنة ضد هذا القانون والذى منشأنه ايضا التفريق بين الكهنة انفسهم وجعلهم شيعا وفرقا.

* الاعدام السرى الاول من نوعه وبامر من الفرعون ضد هؤلاء الكهنة المعارضين له، وانشغال المجتمع بهؤلاء الكهنة المختفين وخاصة انهم علموا بان ذلك الاختفاء كان بامر الهى سماوى.

* هناك فرقة من المصريين لم يصدقوا الامر ولم يقتنعوا بذلك الامر السماوى وانضموا الى طبقة البدو المحديين،وهكذا جعل الفرعون اهل البلاد فرقا وشيعا.

* ظهور جامح لطبقة الكهنة السحرة وظهور سلطتهم العليا لاول مرة فى التاريخ المصرى كله.

وبعد تلك المقدمة ندخل فى موضوع اخر اكثر اهمية ويؤكد صدق الاحداث السابقة وهو احوال مصر الاجتماعية والوصول الى قمة العلو فى الارض سواء من جانب الفرعون الاله او من جانب المصريين المواليين له.

( 4 ) الخطوة الرابعة : الحالة الاجتماعية :- ان مصر فى تلك الفترة شهدت لاول مرة فى تاريخها تطورات اجتماعية خطيرة لم يعرفها المجتمع من قبل وهى :-

* الطبقة الحاكمة من بيت الفرعون والكهنة المواليين له.

* طبقة المصريين وهى منقسمة الى فرقتين،فرقة موالية لبيت الفرعون وانه الرب الاعلى. والفرقة الثانية هى التى مع الكنعانيين ومتمسكين بعبادة الاله الواحد وتزاوجهم لبعضهم البعض منذ عهد يوسف عليه السلام ومن بعده.

* طبقة الكنعانيين او البدو المستعبدة وهم ايضا منقسمين الى فرقتين، فرقة فى انتظار مخلصهم من العبودية والسخرة. والفرقة الثانية موالية لفرعون مصر والذى سيكون منهم قارون فيما بعد وهو من قوم موسى وكما جاء ذكره فى القرأن الكريم.

ويتضح من ذلك بان الحالة الاجتماعية فى مصر انذاك لم تكن مستقرة ولابد من حكمها بالحديد والنار،وهذا يتطلب سلطة كبرى اخرى بجانب الكهنة، فكانت طبقة ( المازوى = الشرطة ).وظهرت تلك الطبقة بقوة شديدة لاول مرة فى التاريخ المصرى،وان تلك الاحداث لابد ان تدون ولابد من البحث عنها فى الاثر والوثائق حتى ولو من بين طيات السطور، فهل نجد ذلك؟؟.

والاجابة هى بعلو فم ( نعم ) ولكن لابد من مواصلة دراسة احوال مصر فى تلك المقدمة التمهيدية لنصل الى شبه اليقين الكامل عن عهد موسى وفرعون مصر لنصل الى حقيقة موسى فى التاريخ المصرى.

( 5 ) الخطوة الخامسة : الحالة الدينية :- ان الاضطراب المجتمعى لابد ان يكون له تاثير دينى وكذلك العكس وخاصة فى حضارة دينية كبرى مثل الحضارة المصرية القديمة بحلوها ومرها. وانه فى تلك الحقبة شهدت مصر تطورات دينية خطيرة ومنها :

* فئة منادية بعبادة الاله الواحد وهم البدو ومعهم فئة من المصريين.

* فى تلك الحقبة لم تبرز الالهة المصرية وهى كثيرة الا واحد فقط وهو الاله ( أوزير ) وكان الاله الرئيسى فى عهد تلك الدولة او الحقبة والذى تلاشت بجانبه كل الالهة الاخرى المعروفة.

* تجسد الفرعون فى صورة الاله أوزير ثم ظهور الاناشيد الخاصة بهذا الاله لاول مرة فى التاريخ ومنها الانشودة الكبرى والصغرى. ومن خلال دراسة تلك الاناشيد نجد فى متون منها التحدى لكل الالهة الاخرى مهما كانت وكانها كتبت عنادا فى الالهة الاخرى اوعنادا لاله هؤلاء الكنعانيين او البدو. وهذا ما يلاحظه كل دراس لهذه الاناشيد وذلك التحدى الكبير الذى لا مبرر له. ومنها على سبيل المثال ( أرتعاد الالهة الاخرى منه بل واصحاب القوى العظمى ) ومنها كذلك ( سيد الالهة العظمى ويقف امامه العظماء من الناس على الارض كلها ) ومنها كذلك ( هو ملك الالهة المسيطرة فى السماء ).

وجاء فى الانشودة الكبرى شىء عجيب حقا ونقتبس من هذه الانشودة ذلك المقطع الكامل لمزيد من المعرفة والدراسة لنعرف ما يقصدون من وراء ذلك ( رب الابدية وصاحب الاسماء المتعددة والظاهر على عرش مصر التى يحبها،الشر قد ولى والخبث اختفى واصبحت الارض سعيدة تحت ربها الفرعون والحق ثبت لربه وولى الظهر للباطن ).

* ونجد هنا التحول الكبير الدينى وخاصة للفرعون بجانب انه اخذ لقبا نادرا لم يظهر من قبل ولا حتى من بعد وهو لقب ( ابن أوزير الحى ) وهذا كله كان عنادا فى اله الكنعانيين. والمتامل لكل ذلك ومعها تلك النصوص يلاحظ فيها التمجيد المبالغ فيه لهذا الاله والذى سياخذ كل ذلك كميراث من ابيه وهو الفرعون الاخذ للقب ابن اوزير الحى ثم نصل الى قمة اعلناد والتكبر فحشر ونادى ونصب نفسه الاله الاعلى وكما جاء فى سورة النازعات. وهذه الالقب سوف ياخذها من بعده وريث العرش وهو ابن الفرعون والذى سيكون الخروج الاسرائيلى الكبير على يديه وتدمير مصر. ومن هنا وجب علينا البحث فى القاب هؤلاء الملوك وخاصة انها القاب كما سبق القول لم تظهر من قبل ولا من بعد.

( 6 ) الخطوة السادسة : الحالة الاقتصادية :- منذ احداث يوسف عليه السلام كانت مصر فى تطور وتقدم مستمر حتى بلغت قمة العلو فى الارض والوصول الى قمة هذا البلوغ فى عهد فرعون موسى نفسه، ومن الامثلة الدالة على ذلك والظاهرة فى التاريخ كوضوح الشمس ما يلى :

* التقدم الزراعى المذهل وتوسيع الرقعة الزراعية فى مصر وخاصة منطقة الفيوم.

* انشاء نظم الرى الحديثة انذاك والتى لم تعرفها مصر من قبل،وكذلك القنوات العديدة الماخوذة من فروع نهر النيل ووصولا الى القناة الشهيرة المسجلة فى التاريخ و تعرف باسم ( قناة سيزوستريس ) وهى التى انشاها الفرعون سنوسرت.

* وصول مصر الى حالة من الثراء المجتمعى حتى بين العامة من الناس والتى لم تشهدها الحضارة المصرية من قبل. ونجد لذلك اشارة فى القرأن الكريم فى سورة يونس الاية 88 (
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ ..). والزينة هنا يمكن ادراكها فى الملبس والحلى والمراكب الجميلة المزركشة والصور والبيوت، بجانب المأكل الشهى والشراب وكما توضخ صور اثار الكثير من مقابر هذه الفترة، بجانب ان صناعة الحلى فى هذه الفترة ايضا وصلت الى درجة من الرقى والفن ما لم تشهده اى فترة اخرى من فترات التاريخ المصرى الطويل.

* ومازال العلماء حتى يومنا هذا يبحثون ويجادلون حول ( قصر التيه ) كفن معمارى عجيب الذى كان فى الفيوم ويقال بانه بنى على عدة ادوار وبه اكثر من الف حجرة. وسمى حديثا بقصر التيه لان من يدخله يتوه فيه ويقال بانه تم الانتهاء من بناءه فى عهد الملك امنمحات الثالث، وهناك من يقول فى عهد سنوسرت الثالث ومازال موقع هذا القصر مزارا فى الفيوم والذى لم تبقى منه سوى بعض الاحجار فقط وهذا القصر زاره كثيرين وكتبوا عنه ومنهم المؤرخ هيرودوت نفسه.

( 7 ) الخطوة السابعة : الحالة الفنية والعلمية :- ان ذلك العهد ( الدولة الوسطى ) وبالاخص فى الاسرة الثانية عشر يعتبر بصفة عامة تاريخيا واثريا قمة ودرة تاج الحضارة المصرية القديمة وهذا يعلمه كل دارس ومتخصص فى هذه الحضارة. ففى هذا العهد وصلت مصر الى قمة علوها الحضارى والذى لم تشهده لا من قبل ولا من بعد ومن االامثلة على ذلك :

*فن المصاغ والحلى كدرة للانتاج الفنى فى هذه الحضارة الكبيرة والعظيمة.

* فن المعمار والزخرفة مثل الالوان وغيرها وما بقى لنا شاهد على ذلك للأن ومنها مقصورة سنوسرت

* فن العمار مثل بناء الاهرمات وهاهى اهرامات الفيوم شاهدة على ذلك. وكذلك طرق بناء الصوامع والمخازن وما الى اخره من ابنية هامة فى داخل المجتمع المصرى.

* الملابس الجميلة للعائلات الملكية والكهنة وايضا عامة الشعب والخدم والمرضعات وملابس الجنود.

* فن التحنيط والذى لم تعرفه حتى الدولة الحديثة وعصر الرعامسة.

* وجود مصلحة خاصة لصك العملة ( الدرهم ) كاقدم مصلحة نقدية فى التايخ البشرى والتى كان لنا معها وقفة كاملة فى البحث الخاص عن يوسف عليه السلام وان الدرهم عملة مصرية اصيلة.

* أنتشار مدارس الادب والحساب والطب والفلك، ونذكر ههنا مدارس الطب وكذلك صناعة الدواء، بل وصل بهم الامر الى الاهتمام بالحيوان وتحنيطه وكذلك تشريح الحيوان والتخصيب وظهور طبقة الاطباء البيطريين كاقدم علماء فى التاريخ لطب الحيوان.

* ظهور الحدائق العامة وفنونها وكنوزها،ونجد لذلك اشارة فى القرأن الكريم فى سورة الشعراء الايات 57 و 58 ((
فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)).

( 8 ) الخطوة الثامنة : الحالة الادبية :- ان الحالة الادبية بصفة عامة فى تاريخ الشعوب توضح بصورة جلية مدى التقدم المجتمعى فكريا وانسانيا،وهذا ما شهدته مصر فى تلك الحقبة ووصوله الى قمة العلو الحضارى الادبى. فبالنظر الى الحالة الادبية فى هذا العصر المتوسط وخاصة فى الاسرة 12 نجد ان مصر وصلت ايضا الى قمة المجد الحضارى الادبى ولم تتكرر هذه الحالة مرة اخرى فى التاريخ سوى فى العصر الاسلامى فقط. ولكن هناك ندرة فى هذه النصوص او تدمير الكثير منها،ولكن بفضل الله وبما حفظ لدينا ومقارنته بعصور اخرى سابقة او لاحقة كان الفوز دائما لهذ الحقبة.ومن تلك الوثائق النادرة على سبيل المثال لا الحصر ما يلى

* القصائد والاناشيد التى قيلت فى الفرعون سنوسرت الثالث،وبالرغم من رقيها الفنى والادبى الا اننا نلاحظ فيها مدى العلو والغلو فى هذا الفرعون والتى لم ينال مثلها اى ملك او فرعون اخر. وهذا يعتبر من ناحية اخرى علوا فى الارض ( أن فرعون علا فى الارض ) ومن الامثلة التى قيلت عنه : يحمى الارض ويمد حدودها ويحميها من دخول اى اجنبى - ان الاراضى الاجنبية فى يده وقبضته – ذبح قبائل البدو اعداء مصر – هو الذى جعل البدو يولون الادبار – فهو اقوى من الالهة سخمت لاعدائه الذين تطا اقدامهم حدوده ولاياخذ فيهم شفقة ولا رحمة.

* وفى القصة الادبية برع المصرين انذاك كاقدم حضارة بشرية تعرف الادب والقصص الادبى وقبل النبوغ الادبى اليونانى نفسه بما لا يقل عن ستة قرون ونصف. ومن تلك الامثلة الرائعة مثلا : قصة سنوهيت ( سنوحى ) – قصة الغريق – قصة الفلاح الفصيح وشكاويه التسعة باسلوب ادبى يدرس حتى الان – قصة الراعى – قصة هلاك الانسانية – قصة الملك خوفو والسحرة. وهذه القصص مازالت محفوظة حتى الان بخلاف الكثير الذى ضاع او سرق. وفى متون بعضا منها وخاصة فى قصة هلاك الانسانية نجد الكاتب يذكر عن اشياء مدمرة ستحدث فى الارض (مصر) وهذا ما اخبرنا عنه القران الكريم وهو اصدق الصادقين فى قوله تعالى "
فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ﴿٣٦ الفرقان﴾; وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧ الأعراف﴾".

* ويلاحظ كذلك وكما فى الاشعار التى كتبت فى الملك سنوسرت الثالث بيتا يقول بالنص الحرفى بدون اية مغالطة لغوية ( ذبح قبائل البدو اعداء مصر ). ولماذا قبائل البدو تذبح دون اعداء مصر الاخرين وكان عددهم تسعة اعداء؟؟. والسؤال الاخر هل تم الذبح فعلا ام مجرد تشبيه ادبى للقوة؟؟. وماذا لو وحدنا الان بردية او نص يشير الى هذا الذبح بل ذبح المواليد، فهل هناك شك بعد ذلك فى من هو فرعون موسى!!.

فكل تلك الحقائق سوف نتناولها بالتفصيل الكلى فى بحثنا عن فرعون موسى كما سناتى له فيما بعد.

فتلك الخطوات الثامنية فى المقدمة التمهيدية كان الغرض منها وضع طريق صحيح للوصول الى فرعون موسى وخاصة ان ايات القرأن الكريم اشارت الى اشياء لم تذكرها النصوص المصرية، خاصة ان مصر كانت فى حالة يرثى لها بعد الخروج الكبير وما بها من تدمير وخلافه كما سناتى له فى النهاية. 


تابع باقى المقال فى .... 
الجزء الثانى 

قائمة المراجع فى نهاية الأجزاء ...

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016