حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي؟ ثقف نفسك

لماذا إهتم المصري القديم بالماضي ؟
كتابة وتأليف أحمد فهيم

لم تكن العلاقة مع الماضي في الحضارة المصرية القديمة تقتصر على مجرد أحداث عظيمة وقعت في زمان عتيق ، بل هي تختص بفكرة التذكر المستديم لما قام به الأسلاف بهدف تأطيرها في ( نموذج مستقبلي ) يتعلق بالتخطيط و بعث الأمل ، بمعنى أن تذكر الماضي المجيد يؤدي التخطيط الجيد في المستقبل و لعل التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا المضمار : هل الماضي كماضي موجود بذاته ؟ و ما هو مفهوم الماضي ؟

إن الماضي في أي حضارة قديمة ( و ليس فقط الحضارة المصرية القديمة ) ليس موجودا بذاته ! و إنما ينشأ في المقام الأول في اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بربط نفسه و مصيره بما وقع أو حدث . و مثل ذلك الأمر قد يثير الدهشة لدى القاريء ، فما من شيء في الوجود أكثر طبيعية مثل نشأة الماضي : فالماضي ينشأ ببساطة عن طريق أن الوقت يمضي ، و لهذا يحدث مثلا أن اليوم يصير في الغد ماضيا و يصبح جزءا من الماضي ، فاليوم يصبح عندئذ أمس و هكذا ينشأ الماضي على نحو واضح.

و هنا ينبغي لنا أن نشير لأمر هام : أن المجتمع المصري القديم بذل كل ما في وسعه و قام بتسخير كل ما لديه من طاقات و قدرات لكي يجعل الماضي في معظم الأحيان في حالة دوام مستمر و هكذا بدت جميع خطط هذا المجتمع المستقبلية متسقة مع مبدأ الخلود و لذلك السبب وضع الملوك في مصر القديمة ( الغد نصب عينيهم ) كما كانوا يروون بأنفسهم . إن من ينظر بهذه الطريقة إلى ( الغد ) و هو لا يزال يعيش في ( يومه ) لابد أنه سيسعى للحفاظ على ( الأمس ) من النسيان و الضياع و لابد أنه سيحاول تخليده عبر الذكرى التي ستنشأ مع الأجيال اللاحقة في المستقبل.

و لكن هل يصل لنا الماضي بنفس صورته التي حدثت في أول مرة ؟

إن الماضي في أي حضارة بشرية قديمة ( و لا نستثني الحضارة المصرية القديمة من ذلك الأمر ) أثناء تذكره تتم إعادة تركيبه و إعادة صياغته من جديد و يظل هذا ( الماضي المركب ) في ذكرى الأجيال اللاحقة و بهذا المعنى قصدنا ما كنا نتحدث عنه في البداية بأن الماضي ليس موجودا بذاته و إنما ينشأ بالقدر نفسه الذي ينسب الإنسان نفسه إليه و يتصل به.

و لكن كيف يتصل الإنسان في الحضارة المصرية القديمة ( و في أي حضارة بشرية قديمة ) بهذا الماضي ؟

ينبغي قبل أي شيء أن يكون هذا الماضي باقيا في الأذهان و حيا في الشعور و لكي يتحقق ذلك لابد من وجود شرطين هامين هما :

1 – ينبغي أن لا يكون الماضي الذي نتناوله قد إنمحى تماما أو بمعنى أدق لابد من وجود شواهد معنوية و دلائل مادية من هذا الماضي

2 – أن تكون هذه الشواهد و الدلائل في حالة إختلاف ظاهر و مميز مع كل ما يقع في الحاضر ( اليوم )

و لكي نفهم النقطة الثانية جيدا نقول أن الماضي المجيد لن يظهر لنا كنموذج طيب و يحتذى به إلا بعد ( حدوث قطيعة غائرة ) تعيق عملية ( التواصل ) داخل المجتمع نفسه بين ( ما كان ماضيا ) و ما هو ( كائن اليوم ) و هذكا ينشأ الماضي . و لذلك فقد كانت البدايات الجديدة لبعض فترات التاريخ المصري القديم تأخذ دائما شكل العودة و الرجوع إلى الماضي و بقدر ما كانت هذه البدايات المصرية متجهة نحو المستقبل و تسعى لكي تفتح آفاقه بقدر ما تنتج الماضي في الوقت نفسه و تعيد تركيبه و مونتاجه لأجل إكتشافه من جديد . ألم ينظر ملوك الدولة الوسطى لأنفسهم بوصفهم من أعادوا إحياء ماضي الملوك القدماء ؟ ألم ينظر ملوك الدولة الوسطى لعصرهم بأنه عصر النهضة ؟ فالإسم البراجماتي ( النفعي ) الذي أطلقه مؤسس الأسرة الثانية عشرة على نفسه هو ( آمون إم حات ) و يعني وفقا للترجمة الأدق علميا و منهجيا ( آمون في العهد الأول ) و المقصود بآمون في هذا السياق هو الملك نفسه ، الأمر الذي يؤكد إنتهاج سياسة العودة إلى الماضي و لعل أهم الأمثلة العملية التي تعكس عودة هؤلاء الملوك لماضي مصر القديمة هي :

1 – قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بإستعارة صورا فنية و أشكالا معمارية و مناظر طقسية من ملوك الأسرتين الخامسة و السادسة.

2 – أقام هؤلاء الملوك شعائر تخليد الذكرى و عبادة أسلافهم من ملوك العصور السابقة .

3-إهتم هؤلاء الملوك بتدوين مجموعة من الموروثات و الحكم الأدبية وزعموا أنها ترجع لأسلافهم الذين عاشوا في عصر الدولة القديمة و عصر الإنتقال الأول.


4-إتخذوا من شخص الملك سنفرو مثالا لأنفسهم يحتذى به و هو ملك عاش في بدايات الأسرة الرابعة و أطلقوا عليه ألقاب (الملك الفاضل) و (الملك العادل) و (الملك الطيب).

و بكل هذه الأنماط و السياسات المختلفة إستطاعوا أن يقيموا الملكية المصرية بمفهوم الماضي الذي لا يزال حيا في أذهان الناس و هو ماضي طيب و يحمل ذكرى عطرة لدى القوم و من هنا تتأسس الثقة بين الملكية و الرعية و يتم إضفاء الشرعية على سياستهم المستقبلية.

ولكن ما الذي جعل المصري القديم يهتم بمفهوم الإهتمام بالماضي وعدم نسيانه أبدا ؟
مما لاشك فيه أن ذلك الإهتمام إرتبط بفكرة الموت ، فهي التجربة العملية التي تفصل بين التذكر و النسيان و بين الإحتفاظ و الزوال ، فالموت هنا بمثابة المشهد الأول لتجربة الإنفصال و القطيعة بين ( ما كان أمسا ) و ( ما هو كائن اليوم ) و لهذا السبب إهتم الإنسان في مصر القديمة بإستدامة ذكراه بعد موته لدى ذويه و الآخرين و كانت القاعدة المتبعة هي :

أن الميت يعيش في ذكرى الأجيال اللاحقة كما لو كان لا يزال يعيش فعليا بين الناس و على الأرض.

فلا ينبغي أن يتم نسيانه أبدا و يجب أن يظل إسمه يتردد في الأفواه و عالقا في الأذهان . و لكن من جانب آخر نجد أن عملية إحياء و إنعاش حياة هذا الميت تتم من خلال الأجيال اللاحقة ، فالميت هنا يدين بالفضل لعزيمة الخلف الذين لم يتركوه يقع في أغوار النسيان و الضياع . فالخلف هنا يسعى لكي يحافظ على إنتماء ذلك السلف إليهم كعضو في جماعتهم عن طريق تذكره و إقامة طقوس عبادته و هكذا ينتقل السلف دائما إلى حاضر الخلف و بشكل مستمر و لا إنقطاع فيه.

و يجدر بنا هنا أن نشير أن أهم ما تميزت به الحضارة المصرية القديمة عند إستحضار ماضي السلف هو عدم الإكتفاء بذكرى الميت و تبجيله بعد موته بل السعي لتأسيس هذه الذكرى بينما لا يزال الإنسان على قيد الحياة فقد كان الموظف في الدولة المصرية القديمة يبني مقبرته بنفسه و يأمر بنقش سيرة حياته فيها ، و لكن ليس بغرض كتابة مذكرات أو بهدف كتابة تاريخ و إنما بمغزى تأبين و إستحضار سابق لذكرى ميت قبل أن يموت.

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016