حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

أنصار المعبود حورس ومحاولات تعزيز عقيدته في عصر الدولة القديمة

أنصار المعبود حورس ومحاولات تعزيز عقيدته في عصر الدولة القديمة
كتابة وتأليف أحمد فهيم

مما لاشك فيه أن الملكية المصرية القديمة و منذ عصر الأسرة صفر على أقل تقدير إرتبطت بشخصية المعبود حور في إطار إنتساب معظم زعماء الأسرة صفر لهذا المعبود و خلال مراحل كفاحهم المختلفة عبر السنين لتوحيد البلاد سياسيا مما ترك أثره في إعتبار الملك هو التجسيد الأرضي للإله حورس خلال العصر العتيق و إستقر ذلك الموروث الديني حتى نهايات العصور التاريخية . و من جانب آخر كانت هناك بعض المحاولات لمنافسة ذلك المعبود سياسيا و دينيا و لاسيما في العصر العتيق من خلال ما ظهر في عصر الملك ( بر إيب سن ) في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية عندما إنتسب للمعبود ( ست ) عند صعوده على عرش مصر و قام بتصويره بدلا من حورس على واجهة القصر الملكي ( السرخ ) و هو ما يجعلنا نرجح بعض النتائج التالية :

1 – تم تأليف مذهب تاسوع عين شمس الذي يتناول فكرة الخلق و لأول مرة في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية حيث لا وجود للإله حورس – الرب الذي إنتسب إليه ملوك الأسرة صفر و ملوك الأسرة الأولى و معظم ملوك الأسرة الثانية فحورس لا يظهر في التاسوع الشمسي القديم كأخ للإله ست بل لا وجود له على الإطلاق في تلك الفترة و ما يؤيد ذلك مقصورة تورين التي ترجع لعصر الملك زوسر و التي لايظهر فيها رب الملكية القديم كواحد من أعضاء التاسوع .

2 – ظهور ست في مقصورة تورين التي تؤرخ ببداية الأسرة الثالثة و هو جالس على العرش مثله مثل جميع أعضاء التاسوع الشمسي القديم في هيئة ملك آدمي يرتدي رداء الحب السد الشهير و يكاد يتطابق كل شكل من أشكال أعضاء التاسوع الشمسي القديم مع هيئة تمثال الملك زوسر في المتحف المصري مما يشير لهذه النتيجة : أن مصر قد حكمها مجموعة من المعبودات في زمن سالف و أن المعبود ست واحد من الحلقة الأخيرة لهذه المعبودات التي تولت مقاليد الحكم في البلاد .

3 – إزدياد نفوذ كهنة و أتباع الإله ست في الجنوب و الشمال و لاسيما في منف و عين شمس و تمكنهم من إستقطاب أحد ملوك الأسرة الثانية ( بر إيب سن ) بشكل كامل و إقناعه بالإنتساب لربهم و أخذ الشرعية من ذلك المعبود الأمر الذي يكشف عن وجود بذور أولى للصراع الأسطوري بين الربين حورس و ست .

كما كشفت ألقاب بعض كبار رجال الدولة خلال عصر الأسرة الثالثة مثل ( خع باو سكر ) عن وجود عبادة منتظمة لحورس و ست خلال تلك الفترة و رغم عودة ملوك الأسرة الثالثة للإنتساب للمعبود حورس مرة أخرى إلا أن دلائل تقديس ست و بشكل واسع في البلاد لا يمكن تجاهلها بل و إحتفاظ الزوجة الملكية العظمى بلقب قديم و معروف منذ عصر الأسرة الأولى و هو ( التي ترى حورس و ست ) حيث إستمر هذا اللقب حتى عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير مما يكشف عن واحدة من أهم النتائج المتعلقة بعقيدة الصقر حور في ذلك العصر و هي :

لم تكن عقيدة المعبود حورس و إنتساب الملك إليها هي العقيدة المهيمنة في البلاد و لاسيما منذ النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية فضلا عن غيابه التام من التاسوع الشمسي القديم ( رغم أنه رب الملكية القديم ) و قبل ظهور الأسطورة الأوزيرية التي ستجد له دورا أسطوريا كمحاولة لرفعة شأنه كإبن لأوزير كوريث شرعي للحكم في مقابل وضع حد لكهنة الإله ست و إبطال أي محاولة لإضفاء الشرعية على حكمه إلا أن ذلك الأمر لم يتحقق إلا في النصف الأخير من عصر الدولة القديمة و ليس قبل ذلك العصر .

و هناك من يرى أن الملك و حورس قد إستمرا في الإلتحام ببعضهما البعض من خلال النموذج الشهير لتمثال الملك خع إف رع في عصر الأسرة الرابعة و المعروض حاليا في المتحف المصري إلا أن الدارس يختلف مع هذا الطرح و لاسيما و أنه قد تناول شرح ذلك التمثال في معظم الجروبات من خلال مقاله و تحت عنوان ( المغزى الديني لتمثال الملك خع إف رع ) حيث أن الصقر الذي يفرد جناحيه خلف الملك هو غالبا رب الشمس القديم الذي ورد ذكره في متون الأهرام تحت مسمى ( حور آختي ) أو حورس الذي ينتمي للأفق أما تمثال الملك نفسه فهو يشير بلا شك للملك ببوصفه إله الشمس رع و من خلال إسمه خع إف رع بمعنى فليشرق هو رع و لم يسمي نفسه خع إف حور مما يرجح إنتفاء أي علاقة بين الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك و بين المعبود حورس كرب للملكية بل هو حورس الشمسي المنتسب للأفق .

و على كل حال نجد بداية إنتساب الملوك لإله الشمس رع صراحة في أسمائهم و ألقابهم منذ عصر الأسرة الرابعة الأمر الذي يكشف عن وجود تزايد ديني و سياسي للعبادة الشمسية بشكل واضح و محاولة البلاط الملكي لربط الملك بالديانة الشمسية مع الوضع في الإعتبار الحقائق التالية و هي :

1 – لم تكن هذه الديانة جديدة على الإطلاق بل نجد إنتساب الملوك إليها منذ عصر الأسرة صفر و من خلال صلايات الشمس الشهيرة و التي قام فيها زعماء تلك الفترة بالتعبير عن إيمانهم الديني بمعبود الشمس و صوروا أنفسهم كأحد الحيوانات المدافعة عن الشمس مثل الأسد و الثور و إبن آوى كما لم يغفلوا إنتمائهم السياسي نحو المعبود حور حيث إنتسب معظمهم لذلك المعبود فيما يعرف باللقب الحوري الشهير خلال عصر الأسرة صفر

2 – ظهرت بعض المحاولات لربط المعتقد الصقري الحوري بمعبود الشمس رع خلال عصر الأسرة صفر و ذلك عن طريق تصوير الزعيم ( بي حور ) فوق ذيل ثعبان دائري في أحد الصلايات و يمثل هذا الذيل الملتف حول نفسه شكل الشمس مما يعكس هنا أن الزعيم بي حور واحد من الكائنات المدافعة عن النظام الكوني و الشمسي في إطار الترويج السياسي لفن الملكية الناشئة خلال تلك الفترة .

3 – ظهور ثاني ملوك الأسرة الثانية و هو ينتب لإله الشمس رع من خلال القب الحوري ( رع نب ) بمعنى رع هو الرب و بمعنى أدق أن الصقر الذي يعتلي السرخ لم يكن سوى الرب رع نفسه و هو الملك الحاكم مع الوضع في الإعتبار أنه الملك الوحيد خلال الأسرات الثلاث الأولى الذي إنتسب صراحة لرب الشمس و في لقبه الحوري مما يعني أنه كان حالة إستثنائية و ذلم على النقيض مما حدث منذ عصر الأسرة الرابعة و معظم ملوك الأسرة الخامسة و بعض ملوك الأسرة السادسة الذين إنتسبوا صراحة لذلك المعبود الشمسي .

و هنا ينبغي لنا أن نشير لإختفاء الشكل المعماري الخاص بمقاصير معبودات الأقاليم في ساحة الحب سد و التي كانت منفذة كشكل معماري خلال الأسرات الثلاث الأولى و إرتبطت بإعطاء و تجديد البيعة لللإله الملك حورس و ذلك في مقابل تبني الشكل الهرمي الكامل و تغير شكل المجموعة الجنائزية خلال عصر الأسرة الرابعة و إرتباط ذلك بمعبود الشمس رع و توحد الملك به دنيويا و أخرويا

و هنا يتبين لنا النتيجة التالية :

تراجع أهمية المعبود حورس في مقابل تزايد نفوذ الديانة الشمسية و بداية ظهور لقب ( سا رع ) – إبن الشمس – و بداية تراجع اللقب الحوري في خلفية المشهد السياسي الأمر الذي يكشف عن وجود تحدي خطير لعقيدة الملك كحورس المقدس و محاولة رد إعتبار الملك و قدسيتها من خلال معبود الشمس رع و إنتساب الملك إليه فضلا عن إحتواء حورس داخل الديانة الشمسية و حتى لا يفقد أهميته و لاسيما بعد ظهور منافس خطير من جانب المعبود ست و أنصاره ، فلم تعد عقيدة الإله حورس كافية لترسيخ و تثبيت قداسة و ألوهية شخص الحاكم على المستوى العملي و من هنا كان لقب ( السا رع ) هو أحد الوسائل الضرورية لربط الملك برع بوصفه حورس و كإبن لإله الشمس رع لأول مرة في عصر الأسرة الرابعة فلم يوصف الملك قبل ذلك العصر بأنه إبن المعبود الشمسي على الإطلاق .

و من جانب آخر زاد نفوذ الديانة الشمسية بشكل واضح في عصر الأسرة الخامسة و من خلال بناء معابد الشمس الملكية في أبو غراب و إلتحام الملك الكامل في رب الشمس بل و تصويره في تلك المعابد في هيئة الصقر الذي يحمل فوق رأسه قرص الشمس مما يشير لبداية الإعتراف الرسمي بالمعبود رع حور آختي في تلك المعابد و بداية تصوير الملك بوصفه حورس الذي يحمل فوق رأسه قرص الشمس .

كما كشفت هذه المعابد عن مفهوم مصاحبة الملك لرع في رحلته عبر السماء في العالم الآخر و هو الأمر الذي أكدته متون الأهرام في مرحلة لاحقة عندما قامت بالتأكيد مرارا و تكرارا على هذه الفكرة و في المتن رقم ( 264 ) نقرأ ما يلي :

" منصات السماء العائمة المصنوعة من أعواد البوص تنزل في الماء لحورس لكي تكمنه من العبور عليها حتى الأفق حيث الإله حور آختي . إن منصات السماء العائمة و المصنوعة من أعواد البوص تنزل للملك كي يتمكن من العبور للأفق إلى حور آختي . إن حقول البوص مملوءة بالمياه و ذلك لكي ينتقل الملك بالمعدية إلى هناك حيث الجانب الشرقي من السماء كي يولد ثانية شابا جديدا و هناك يعرف بإسمه رع حور آختي " . إن الفقرة رقم ( 264 ) من متون الأهرام تعكس مجموعة من الحقائق الهامة تتمثل فيما يلي :

1 – إن الملك هنا يتوحد بالمعبود حورس الذي يسعى للعبور على أعواد البوص الموجودة في السماء و المليئة بالمياه و لذا ورد في المرة العبارة الأولى إسم المعبود حورس ثم ورد في العبارة الثانية إسم الملك الحاكم و لكي يؤدي نفس ما سيقوم به الإله حورس .

2 – تتحدث العبارة الثالثة عن وصول الملك الحاكم هنا إلى الأفق و حيث يوجد المعبود حور آختي ( حورس الشمسي المنتمي للأفق ) و ذلك حتى يتحد به و بعدما نزلت إليه أعواد البوص .

3 – تؤكد العبارة الرابعة على وجود معدية تقوم بنقل الملك الحاكم من الجانب الغربي للسماء ( و هي هنا لم تذكر صراحة في النص ) و حتى الجانب الشرقي للسماء و ذلك كله يتم عبر حقول البوص المليئة بالمياه حيث يصل الملك هناك و يولد في الأفق الشرقي للسماء بإسمه ( رع حور آختي ) بمعنى رع هو الصقر الشمسي المنتسب للأفق .

4 – إن وجود الصقر الذي يحمل على رأسه قرص الشمس كتصوير فني في معابد الشمس يعكس هيئة الملك الحاكم كرع حور آختي المولد في الأفق الشرقي من السماء شابا و جديدا مثلما ورد في متون الأهرام .

و لعلنا نتسائل في هذا الصدد : هل صالة الأعمدة الموجودة في مجموعة الملك زوسر الجنائزية و التي يرى فيها بعض الدارسين تمثيلا لأعواد البوص و ليس أعمدة البردي هي التجسيد الأول و الإرهاصات الأولى لفكرة أعواد البوص العائمة في مياه السماء و التي يعبر من خلالها الملك نحو الأفق الشرقي حيث يولد من هناك ( عند بوابة المجموعة ) كرع حور آختي ؟

و على أي حال تظهر متون الأهرام تسلسل متطور من الشخصية الملكية و إرتباطها بالمعبود حورس ثم الإنتقال نحو إدماج الملك بإله الشمس رع تارة و إنصهاره بالإله أوزير تارة أخرى الأمر الذي جعل العديد من علماء المصريات يميلون لهذا الطرح التالي :

أن متون الأهرام تعكس مرحلة تاريخية كشفت عن وجود صراع سياسي ديني بين أنصار حورس و أنصار ست ثم سعي كهنة حورس لإدماج معبودهم برب الشمس رع من خلال الإتفاق مع أنصار ذلك المعبود في منف و عين شمس ، فإرتباط الملك هنا برع يهدف لتعزيز العقيدة القديمة لحورس الملكي في مواجة أنصار ست ثم إتخاذ آخر الخطوات بتأليف و صياغة الأسطورة الأوزيرية بإظهار حورس كإبن لأوزير الذي قام بدفن أبيه أوزير و قدم له القرابين اللازمة مما جعله يكتسب شرعية الحكم من جديد ثم إكتسابه للقب المنتقم لأبيه و ذلك لكي ينتزعوا الشرعية تماما من جانب المعبود ست و التأكيد على أن الملك هو تجسيد لحورس و ليس ست و ذلك على النقيض مما نادى به أنصار ست ثم إدماج تلك الأسطورة في الديانة الشمسية و إحلال المعبود أوزير في التاسوع الشمسي بدلا من الإله جحوتي ( الزوج الأول للإلهة إيزيس ) و ظهور ست في شكل سلبي من خلال عدم إبراز أي علاقة له بالمعبودة نفتيس بل و إرتباطها بأوزير بوصفها التي إشتركت مع أختها إيزيس في طقوس البكاء و الندب و العويل و التحنيط أمام جسد الإله أوزير و تهيئة الفرصة لإقحام حورس في ذلك التاسوع الشمسي من خلال أبيه أوزير الذي أوجد له مكانا للظهور بوصفه من ورث حكم البلاد و كآخر حلقة في التاسوع الشمسي و ذلك كله لم يحدث إلا بهدف تعزيز عقيدة حورس القديمة .

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016