حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

كيف ولماذا قام المصري القديم بإعادة تركيب وصياغة الماضي؟ ثقف نفسك

كتابة وتأليف أحمد فهيم

كيف كان يتذكر الإنسان المصري القديم نفسه ؟ ما هو معنى الماضي بالنسبة له ؟ لماذا كان الماضي يحمل أهمية قصوى لديه ؟ ... إرتبط وجود الماضي بذكرى حضارية كبرى لدى المصري القديم و هي ذكرى الماضي الأول الذي قامت الآلهة الأوائل بتأسيسه في أسطوري قديم شهد إنجازات عظيمة تم تأطيره فيما يعرف لدى أهل علم الأنثروبولوجيا الثقافية ( بالعصر الذهبي الأول ) . و لكن ينبغي لنا هنا أن نؤكد على أمر هام و هو : ... أن الماضي في حد ذاته غير موجود و إنما ينشأ في اللحظة التي ينسب الإنسان نفسه فيها إليه فلولا تذكر الإنسان لهذا الماضي و لولا حاجته إليه ، لما نشأ ذلك الماضي على الإطلاق .

و الماضي أثناء تذكره تتم إعادة تركيبه و إعادة صياغته من جديد حتى يتبلور في صيغة بعينها متفق حضاريا عليها ، و لكي يتصل الإنسان بهذا الماضي لابد أن يكون حيا في شعور الجماعة البشرية و هنا نفترض وجود شرطين هما :

1 – ينبغي أن لا يكون هذا الماضي قد إختفى تماما ، فلابد من وجود شواهد مادية تشهد على عظمته أمام أفراد المجتمع .

2 – أن هذه الشواهد لابد أن تظهر إختلافا مميزا مع الحاضر حتى يتم تقدير و تثمين و تبجيل ذلك الماضي .

و هنا يمكن أن نقول بأن أي ( إنقطاع حضاري ) يحدث في المجتمع بين الحاضر و الماضي القريب يؤدي إلى نشأة ذلك ( الماضي الأول المقدس ) و هنا تظهر الحاجة أمام من يعيش في الزمن الحاضر لإسترجاع ذلك الماضي بعد إعادة تركيبه و صياغته من جديد ثم يعلن أصحاب الزمن الحاضر عن بداية حضارية جديدة بعد هذا الإنقطاع الحضاري الذي حدث بين الماضي القريب و الحاضر ، فجميع البدايات الجديدة هي عبارة عن نهضات تشهدها المجتمعات في عصور يطلق عليها بالمعنى الأنثروبولوجي ( عصور الإصلاح ) و التي تأخذ دائما شكل العودة و الرجوع إلى ( الماضي الأسطوري الأول ) . فبقدر ما يكون عصر الإصلاح متجها نحو ( المستقبل ) بقدر ما يتم إنتاج ذلك ( الماضي الأول المقدس ) الذي يعاد إكتشافه و تركيبه من جديد .

فعلى سبيل المثال يظهر ملوك عصر الدولة الوسطى على أنهم من قاموا بإحياء ماضي العصر الذهبي الأول ، ماضي ملوك الدولة القديمة ، و هو عصر الآلهة الأوائل التي حكمت البلاد في خير و سلام و أمن . و هنا يختلط التاريخ بالأسطورة و يتحول ملوك الدولة القديمة تاريخيا إلى ذمة أساطير الآلهة الأوائل التي حكمت مصر في زمن سحيق . فما هي الخطوات التي قام بها ملوك الدولة الوسطى لإحياء ماضي الدولة القديمة و إتخاذه كنموذج يحتذى به ؟ ...

1 – أطلق مؤسس الأسرة الثانية عشرة الملك على نفسه تسمية ( آمون إم حات ) و هو لا يعني فقط آمون في الصدارة و لكن المغزي الفعلي هو ( آمون في الزمن الأول ) وفقا لترجمة عالم المصريات ديتيلف فرانكه ، و بمعنى أدق أن الملك نفسه هو الإله الذي يحيا في عهد الخليقة الأول .

2 – كان هو أول ملك يطلق على عهده عبارة ( وحم مسوت ) بمعنى إعادة أو تكرار الميلاد و بمعنى آخر إعادة ميلاد الآلهة التي خلقت الكون في بدء الزمان لكي تعيد خلقه من جديد بعد الإنقطاع الحضاري الذي حدث بين عصري الدولة القديمة و الدولة الوسطى .

3 – إستعار ملوك الأسرة الثانية عشرة صورا فنية و أشكالا معمارية من عصر ملوك الأسرتين الخامسة و السادسة ، فالمعبد الجنائزي لهؤلاء الملوك أصبح نموذج معماري يحتذى به من جانب ملوك الدولة الوسطى .

4 – إهتمام ملوك الدولة الوسطى بترميم آثار عصر الدولة القديمة بل و إقامة شعائر تقديس و إحياء ذكرى هؤلاء الملوك في معابدهم القديمة و التأكيد على وصف عصرهم بأعظم العصور التي شهدتها مصر .

5 – قاموا بتدوين موروثات و قصص أدبية و حكم و تعاليم حياتية و ثقافية عظيمة و نسبوها لشخصيات مشهورة عاشت في عصر الدولة القديمة ، فكانت الحكمة في مصر لا تأتي إلا من أفواه الأسلاف و هكذا تكتسب قيمتها بين الناس و تخلد في ذاكرة المصريين للأبد .

6 – إتخذ ملوك الدولة الوسطى لأنفسهم من شخص الملك سنفرو مثالا يحتذى به لملك عاش في بداية عصر الأسرة الرابعة فخلعوا عليه جميع الخصال السلوكية الحميدة تماشيا مع الرأي العام الشعبي و إتجه البعض منهم لإنشاء أضرحة ( أهرام ) رمزية في رحاب منطقة دهشور المقدسة حيث إكتسب سنفرو شعبية كاسحة بين الجماهير المصرية بوصفه إله شعبي يلبي طلباتهم و يسمع ندائهم ، فتمنى هؤلاء الملوك أن يصبحوا مثله .

بكل هذه الأنماط التي إتبعها ملوك الدولة الوسطى ، قاموا بتأسيس ماضي عصر الدولة القديمة من جديد ، فكان ذلك ( الماضي الأسطوري الثاني ) لا يتفق بالضرورة مع صورة ( الماضي الفعلي الأول ) ، بل هو ماضي تم تركيبه و تشكيله من جديد لأجل خلق الشرعية الملكية لملوك الدولة الوسطى ، فكلما إنتسب الإنسان في مصر لأسلافه ، كلما إكتسب شرعية وجوده ، و كلما إكتسب أيضا هويته الحضارية الإجتماعية ، و كلما تماسك أفراد الجماعة و زاد تضامنهم مع الأسلاف و من ناحية أخرى إهتم ملوك الدولة الوسطى بقوة بمفهوم الخلود و إدامة ذكرى الأحياء بعد مماتهم في أفواه الناس و دونوا في نقوشهم نغمة حماسية مرتفعة لفكرة خلود الإنسان في مصر .

فالموت هو التجربة التي تفصل بين تذكر الإنسان في مصر و بين نسيانه للأبد و من هنا كان لابد من إيجاد طريقة لتذكر الإنسان في مصر و لم تكن هذه الطريقة سوى الإحتفاظ بالماضي ، ماضي ذلك الإنسان ، فلا تذكر دون وجود ماضي و العكس صحيح . و لهذا السبب يمكن القول بأن الإنسان الميت في مصر يعيش في ذكرى عائلته و أقاربه و أصدقائه كما لو كان يعيش فعليا بينهم من خلال إستدامة الشعائر المؤداة له و عبر سيرته الذاتية التي تروى كمادة للأجيال القادمة . و في حقيقة الأمر نحن هنا أمام عملية إحياء و إنعاش لحياة هذا الميت و التي يدين فيها الميت نفسه بالفضل للعزيمة القوية للجماعة التي لم تتركه يقع في طي النسيان و أن تحافظ على إنتمائه إليها كعضو في الجماعة من خلال تذكره بشكل دائم بل و تقوم بنقله معها إلى الحاضر الذي يتقدم بإستمرار .

و كان أوضح تمثيل لهذا النمط نجده على سبيل المثال في عيد آمون في الوادي و هو العيد الذ كان يسمح بتلاقي الأحياء مع الأموات في جبانة طيبة الغربية في عصر الدولة الحديثة ، بل يسمح بعودة الأموات إلى عالم الأحياء خلال زمن العيد نفسه بفضل مرور موكب آمون في الجبانة الذي يشع ضيائه على وجوه الموتى فيعودون من العالم السفلي و يخرجون من المقبرة و يجتمعون بأقاربهم أحياءا على الأرض بل و يتذكر الأحياء جميع الذكريات التي قضوها مع هؤلاء الموتى و تصبح هذه الذكريات حية من جديد .

و من هنا نؤكد على حقيقة هامة و هي : أن السلطة كانت هي التي تخلق منشط قوي لتذكر الماضي ، فالسلطة تحتاج تأصيل نفسها بإيجاد أساس أولي و منشأ حضاري قوي ، تحتاج إلى شرعية الأصل الأول ، فكان ذلك هو الجانب الإستذكاري الموجه إلى الماضي . من جانب آخر فإن هذا التحالف بين السلطة و بين تذكر و إنشاء و تركيب الماضي كان يتجه ناحية المستقبل ، فالحاكم لا يحتكر فقط لنفسه الماضي و إنما يحتكر أيضا المستقبل لنفسه فهو يسعى لكي يتذكره الآخرون في المستقبل و لذلك ندرك الدافع وراء تشييد أنصابا و لوحات و تماثيل و معابد لنفسه فهو يسعى إلى وضع جميع أعماله كمادة ترويها الأجيال و تتغنى بها و تخلدها في آثار و تماثيل و توثق جميع إنجازاته في محفوظات الدولة ، فالسلطة تبحث عن الشرعية لنفسها بالإتجاه نحو الماضي كما تبحث أيضا عن الخلود بالإتجاه نحو المستقبل ، ففي أحد نصوص الدولة الوسطى نجد الكتابات الأدبية تبشر بحلول عصر الرخاء و سيادة النظام و أن رجلا إبن رجل ( كناية عن الأصل الكريم ) سوف يشتهر إسمه في الآفاق و سيبقى إلى الأبد في جميع مراحل الخلود ( و هو الملك المصري المعروف أمنمحات الأول ) و سيسعد الإنسان في زمانه . و كذا يسعى أدب الدولة الوسطى إلى تأكيد خلود الفرد في المستقبل و أن النظام لن يتحقق إلا من خلال وجود السلطة الملكية المركزية فقط و هي السلطة التي تمنح الخلود لأفراد المجتمع في المستقبل ، فبدون الدولة ( السلطة الملكية ) تنهار الذكرى الحضارية لجميع أفراد المجتمع و ينهار الماضي نفسه و بإنهياره تتلاشى جميع الطرق التي تؤدي لخلود الإنسان في مصر .

إعتمدت السلطة الملكية في الحضارة المصرية القديمة على وجود ماضي مركب يفترض حدوثه في زمن سحيق ، هذا الماضي يتحول إلى صورة متجذرة في النفس لا يمكن الإستغناء عنها . إن هذا الماضي الأول المركب الذي وقع في زمن بعيد ما هو إلا الأسطورة بصرف النظر عما إذا كان خياليا أو واقعيا ، فالأسطورة هي تاريخ غير مباشر ، قصة تتناولها الأجيال و يحكيها الناس لبعضهم البعض طالما حافظت على طاقتها الإيحائية بالنسبة لهم و لكي يتمكنوا من تحديد وجهتهم إتجاه أنفسهم أولا و إتجاه العالم ثانيا . الأسطورة هي حقيقة ثقافية مطلقة و هي ليست فقط صحيحة بالنسبة لمن يؤمن بها ، بل تفرض على أفراد المجتمع سلوكا و نمطا حياتيا محددا يتوافق مع ما جاء في الأسطورة .

إن الماضي هنا يتحول إلى أسطورة ، و الأسطورة لها قدرة على تأسيس الماضي المركب لكي يوجه المستقبل و يجعله متسقا مع ذلك الماضي . فالأسطورة هنا في حال تعلقها بالماضي تهدف لتسليط الضوء على الحاضر و المستقبل ، فهي تقوم بوضع الزمن الحاضر في ضوء تاريخ مقدس ، فيظهر الزمن الحاضر على أنه ذو مغزى و على أنه تنفيذ لرغبة إلهية و على أنه ضروري و غير قابل للتغيير أو التبديل ، بإختصار : يظهر الحاضر و المستقبل على أنه إمتداد طبيعي للماضي فعلى سبيل المثال كانت أسطورة أوزير تؤدي هذا المعنى بالنسبة للسلطة الملكية في مصر و ذلك يمكن فهمه من خلال عرض الحقائق التالية و هي :

1 – كان المعبود أوزير ملكا حكم مصر في زمن ماضي مثالي أول و كان يحكم هذه البلاد بالعدل و النظام مما أدى إلى وجود الرخاء و عم الخير على جميع أفراد الشعب .

2 – لم يكن هذا الملك الطيب الذي حكم مصر في الماضي المثالي الأول سوى الملك الذي يحكم مصر في الزمن الحاضر و المستقبل ، فالحاجة لوجود ملك عادل و طيب على الدوام هي التي أنشأت صورة الملك الإله أوزير في الزمن الماضي و وضعته في صورة مثالية مطلقة .

3 – راح هذا الملك ضحية لغدر أخيه ست الذي وضعته الأسطورة الأوزيرية في شكل المغتصب للعرش الملكي مما يعني وجود معارضة للسلطة الملكية في الزمن الحاضر و المستقبل ، إلا أن هذه المعارضة تم تأطيرها في صورة المعبود ست الذي يتم إستدعائه من مخزون الأسطورة الأوزيرية فأي معارضة تنشأ في الحاضر أو المستقبل تستلزم إستدعاء الماضي الأسطوري .

4 – يصبح كل ملك مصري هو ملك شرعي بمجرد إرتقائه العرش و عمل شعائر التتويج له ، فيتم وصفه بأنه حورس الذي ورث عرش أبيه أوزير فكل ملك حي في الزمن الحاضر و المستقبل لم يكن سوى إعادة ترجمة عملية للمعبود حورس الذي كافح كثيرا من أجل إسترداد عرشه المسلوب من ست و يصبح كل ملك ميت هو صورة أوزير الذي ظل يحكم البلاد في عالمه الآخر . فالحاضر هنا هو الذي يقوم بإعادة تركيب الماضي و إظهار الماضي في صورة الموجه الدائم للمستقبل .

و هنا ننتقل لصورة أخرى لشكل الماضي في الحضارة المصرية القديمة و علاقته بالزمن الحاضر . فأحيانا كانت هناك فجوة كبرى في بعض المراحل التاريخية بين الماضي و الحاضر و لاسيما في الفترات التي يستشعر فيها بوجود نقص شديد في الزمن الحاضر عند مقارنته بزمن ماضي مجيد . فأحيانا يظهر الحاضر على أنه زمن البؤس و الشقاء و يتجلى ذلك في ظل الإحتلال الأجنبي أو في عهود الظلم و الإستبداد ، ففي مثل هذه الحالة لا تستطيع الموروثات الخاصة بالماضي أن تؤكد ما هو موجود في الزمن الحاضر و إنما تضعه موضع التساؤل و تنادي بالتغيير و الإنقلاب و يصبح الماضي هنا مضاد للزمن الحاضر ، فالحاضر بائس و الماضي مثالي و مشرف و مليء بالبطولات و كلما كان الحاضر يشعر بأنه منهزم أمام نفسه و أمام صورته في الخارج كلما إتجه أكثر و أكثر لوضع الماضي في مثالية مطلقة و هنا تحيا الأسطورة من جديد بعد أمثلة ( صبغ الصفة المثالية ) الماضي و إعادة تركيبه مرة أخرى بشكل أقوى من التركيب الذي حدث في السابق . حدث ذلك في العصور المتأخرة للحضارة المصرية القديمة و لاسيما في العصر البطلمي ، في زمن الإحتلال الذي ظهرت فيه المظالم ، فقام المصري القديم بكتابة نص على جدران معبد إدفو تحدث فيه عن أسطورة الماضي المثالي الأول حيث يظهر فيها الماضي و كأنه مختلف تماما عن ما يحدث في الزمن الحاضر ، فيظهر مثل عصر بطولي و ذلك بعد حدوث إنقطاع حضاري كبير بينه و بين الحاضر ، فيظهر الماضي في صورة يوتوبية ( = حلم عظيم تحقق في زمن أول ) و يقول النص :

" لقد نزلت ماعت من السماء في زمن الآلهة الأوائل عندما حان وقت نزولها و تعانقت مع كل ما هو في الأرض و كان ذلك العصر هو الزمن الذي لا تسقط فيه الأسوار و لا تشوك فيه الأشواك و كان النهر يفيض بالماء على الأرض فامتلأت البطون و لم يكن هناك عام للمجاعة في أي من الأرضين "

و من هنا يتم إستدعاء أبطال الماضي ( آلهة المعبد ) مرة أخرى لكي تعود لتحيا في مصر من جديد فلا ينبغي لها أن تترك مصر لحالها طالما حافظت الأجيال القادمة على طقوس إحيائها و إستدعائها مرة أخرى و لم يكن مثل هذا النص يكتفي بوصف ما حدث في ذلك الماضي ، بل هناك أمل في إستعادته من خلال إستدامة شعائر المعبد فيعود أبطال الماضي لكي يخلصوا مصر من أزماتها الحاضرة و تصبح أسطورة الماضي هنا ديناميكية ، بمعنى أنها أسطورة تنادي بتغيير الحاضر الغير مرضي عنه من خلال إستدعاء الماضي .

لم يكن التاريخ في مصر مجرد رواية تروى للأجيال بل هي رواية تكشف عن صورة الذات هي رواية تضع الذات أمام ماضيها لكي تعدل مسارها إن حادت عن الطريق السليم فكان الماضي هو الحاكم الأول على سلوك الإنسان في عالم مصر

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016