حراس الحضارة حراس الحضارة

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...
random

حوار نادر مع حسن محمد السيسى أحد جنود أحمد عرابى باشا - حديث مع أحد جنود عرابي

حوار نادر مع حسن محمد السيسى أحد جنود أحمد عرابى باشا - حديث مع أحد جنود عرابي
كتب بواسطة أ/ محمد ممدوح فايق

لقيت الرجل مصادفة و قد أثار فضولى بقامته المديدة و أعصابه القوية و ملامح القوة البدنية البادية على جسمه ثم بصوته الرنان القوى و عينيه البراقتين فعجبت من رجل أوغل فى الشيخوخة و لم يزل يحتفظ بصحة جيدة يحسده عليها شاب فى عنفوان صباه و تقدمت لأتحدث إليه و كان يدخن فى ذلك المقهى البسيط الهادئ بحى الجمالية فقلت / السلام عليكم

فرد / و عليكم السلام و الرحمة يابنى
كيف إستطعت يا أبى أن تحتفظ بقواك فلم توهنك الأيام ؟
فإبتسم قائلا / أصل أنا إتولدت قبل ما تطلع الحكما ( الأطباء يعنى )
فضحكت و أمرت له بقدح من الشاى ليتبسط معى فى الحديث
ثم قلت / أنا أفتكر الحكما طلعت قبل ما تتولد
فقال / يعنى قصدك عمرى كام سنة ؟

بالكثير 60 أو 65 فضحك الرجل و الموجودون معه من شيوخ القوم المتهدمين ثم نظر إلى نظرة إشفاق و قال / أنا عندى يابنى لغاية دلوقت مائة سنة و خمسة حضرت إسماعيل باشا و توفيق و عرابى و عباس و السلطان حسين و أدينى أهه لسه كويس زى ما أنت شايف.

و صدق الموجودون على كلامه بحماسة لم تدع لى مجالا للشك فى صدق الرجل و قد كان كل منهم و جميعهم شيوخا كما قدمنا يوازن بين الشيخ حسن محمد السيسى و هذا إسمه و بين نفسه و يقول أنا تلميذ فى الصنعة أو يحكى أخر كيف كان يسمع أخبار الشيخ من أناس كبار فى السن و يقول ثالث أنا كبرت لقيت الشيخ حسن بالشكل ده و هكذا.

و ما لبث الشيخ السيسى نفسه أن أسكتهم و أخذ يروى لى ذكرياته الماضية فى أمور تتعلق بالشجاعة و القوة فكان يقول:
ما يغركشى شكلى إلى أنا فيه دلوقت زمان ما كانش ليه دقن و لا شنب أبيض بالشكل ده و كان عندى قوة من صغرى تلاطم الزلط و إسأل يابنى عنى الناس يحكولك عن شقاوتى و قوتى ده أنا كانت الحكومة نفسها بتأجرنى عشان أمسك لها الناس الأشقياء و قطاع الطرق قبل الدنيا ما تعمر و قبل البوليس ما يكتر

و سكت قليلا يحتسى الشاى ثم عاد يقول:
أه حاكم البوليس زمان كان من الناس الشراكسة و كان قليل أوى و كانوا كلهم بيجوا بعد العشاء و يروحوا ولا يبقاش حد فى الشوارع و لا عساكر و لا يحزنزن و كان الى يمشى فى الوقت ده فى حتة خلاء زى جبل الدراسة ما يسلمش من قطاع الطرق

و أغمض الرجل عينيه قليلا كأنما هو يستعيد ذكرياته ثم قال:
و تعرف إنى أنا نفسى كنت واحد من الأشقياء دول بس مكنتش بسرق كنت بتخانق بس
أنت تعرف محمد سلطان اللى كان فتوة بولاق زمان خالص ؟
و تذكرت أنى سمعت بهذا الإسم من شيوخ بولاقيين يتحدثون عن فروسيته أو شقاوته و كيف نفى إلى سواكن فى السودان مع عصبة من الأشقياء.

فقلت سمعت عنه مش اللى كان منفى فى سواكن ؟

فقال الرجل و قد إنبسطت اساريره

أهو أنا كنت واحد من اللى نفوهم مع محمد سلطان و عدد الرجل عدة أسماء أخرى ثم قال و كنت أصغرهم لكن أشقاهم فعملت كل حيلة اللى بها هربت من سواكن و جيت مصر ماشى على رجلى فى مدة شهر.

هوجة عرابى:
و اخذ الرجل يسرد علينا عدة حوادث متتالية معروفة فى طلاقة عجيبة و ذاكرة لم يؤثر فيها كر الغداة و مر العشى إلى أن وصل بنا الحديث ألى ذكر عرابى باشا و الثورة و كيف دخل الإنجليز مصر فعلمت من الرجل أنه إشترك فى تلك الثورة و كان جنديا من جنود عرابى باشا البواسل الذين أبلوا فى تلك الحرب ثم باتوا تأكلهم الحسرة على هزيمتهم التى أوقعها بهم الغدر و الخيانة من ضباط شراكسة كانوا بالجيش و كان الرجل يطلق على هذه الثورة إسم هوجة عرابى و هو لفظ لا نزال نسمعه من أفواه الرجال و النساء الذين عاصروا الثورة أو سمعوا بها إلى وقتنا هذا.

العشرين خردة
أشد ما ادهشنى الرجل فى حديثه عن الثورة و مواقعها و قتالها إذ ألقى على هذا السؤال / أنت تعرف ليه عملوا العشرين خردة ؟

فلم أحر جوابا إذ أنى رايت من العبث أن يشرح الإنسان السبب فى ضرب العشرين خردة و أن يكون شرحه إقتصاديا لا تستسيغه هذه العقول

لكن الرجل ما لبث أن تولى عنى سرح السبب فقال:

العشرين خردة دى عملوها الإنجليز علشان يغلبونا بيها فقاطعته يغلبونا بيها إزاى ؟
كانوا بيحطوها فى البنادق بدل الرصاص ؟

فإعتدل ليتخذ هيئة المطلع الخبير ثم قال :

أهو أنت لسه مش عارف
دول كانوا يملوا الزلع عشرينات خردة جديدة من دى لغاية ثلاث أرباعها و يغطوها براق و لا راقين من الجنيهات الذهب و يفرقوا الزلع على الشراكسة و الضباط و الأعيان بتوع البلد عشان يخونوا الجيش و هما فاكرين أن الزلع كلها مليانة دهب

موقعة التل الكبير

لكن يا شيخ حسن الناس دول خانوكو صحيح ؟

فأجاب فى هيئة المؤكد لما يقول:

أمال مش هما اللى كانوا السبب فى أن الأنجليز غلبونا فى واقعة التل الكبير ؟

و تحدث الشيخ حسن عن هذه الواقعة حديثا طريفا فقال :

كنا بقالنا ثلاث أيام بثلاث ليالى ما نمناش فيها الجيش و لا ساعة و قعدنا ننقل فى الجبخان و نوضب نفسنا فى الطوابى من غير راحة و اللى خلانا نقعد فى الحتة دى اللى هى التل الكبير أن الجواسيس بتوعنا قالوا أن الجيش الإنجليزى لسه بعيد خالص و أنه ما يمكنش يجى لغاية عندنا إلا بعد ما نكون أحنا صلحنا أمورنا خالص

و جبنا الذخيرة بتاعتنا ووضبناها فى مخزن كبير بعيد عن الجيش شوية و بعيد عن الطوابى و كل عسكرى أخد كفايته من الجبخان ده تكفيه ثلاث أربع ساعات

و قال الرجل أنه كان من الطبيعى بعد بذل ذلك المجهود المتواصل ثلاث ايام أن يستريح الجيش قليلا فينام الجند ليلتهم هذه

أمنين مطمئنين و خاصة بعد أن علموا أن بينهم و بين قدوم الجيش الإنجليزى وقتا طويلا و أن لا خطر عليهم من ناحية الإسماعيلية.

فسألت الشيخ و هل كان المفروض أن ينام الجيش فلا يبقى احد للمراقبة ؟

فأجاب على الفور :

هنا بقى الخازوق و كان السر فى الزلع المليانة عشرينات خردة لاأن عرابى باشا خد خبر أن عشرة ألاف خيال جم من الصعيد علشان يحاربوا ويا الجيش ففرح عرابى بالخيالة و أمر الجيش بأن ينام و الخيالة يحرسوه طول الليل

ويل للخائنين

واصل الشيخ حسن حديثه قائلا أتارى الباشا اللى بعت الخيالة كان واخدله سبع زلع من اللى حكيت لك عنها إنما أحنا ما عندناش خبر بحاجة و لا الباشا بتاعنا راخر و فرحنا اللى حنام شوية و فعلا راح الجيش كله ينام و كنت أنا نايم فى طابية من الطوابى و صحيت باليل على صوت أقدام بتدخل ففتحت عينى و قلت مين ؟

فرد أنا أخوك عسكرى متخافش

و كان الواحد لما يسمع كلمة زى دى يسكت و يطمئن لكن ما كناش نعرف أن كل واحد داخل من الخيالة الحراس دول بيدخل و معه واحد من العدو و الدنيا ضلمة و الواحد ميقدرش يشوف سترته من سترة العدو

و أخبرنى الرجل أن القوم ظلوا على تلك الحال إلى الفجر و كانوا فى هذه الاثناء قد إحتلوا مخزن الذخيرة ( الجبخان )

و عزلوه عن موقع الجيش و الطوابى فبما غنبلج الفجر و تبين القوم ما حل بهم و أن الذخيرة قد إستولى عليها العدو لم يلبثوا ان أتاهم النذير بأن الجيش الإنجليزى ينحدر من الإسماعيلية و هو منهم قاب قوسين أو أدنى

فإستعد الجنود فى الطوابى على قدر الإمكان و هيأوا أنفسهم للإستبسال بين نارين نار الجيش القادم من الإسماعيلية و نار المحتلين لذخائرهم.

فلما نشبت المعركة و حمى الوطيس أظهر المصريون من الشجاعة و الإستماتة فى الدفاع عن كيانهم ما ألقى الرعب فى قلوب الإنجليز اللذين غدروا بهم و خدعوهم فكان المدفع المنطلق من الطابية المصرية يفتح الشوارع فى صفوف الإنجليز على حد تعبير الشيخ حسن السيسى و لكنه قال أيه تنفع الشجاعة يابنى من غير سلاح ؟

أهو كلنا كنا زى الوحوش عاوزين ندك الأرض دك لكن الجبخان فى إيد العدو و الشئ اللى ويانا كله راح و ما بقاش الا الخروج بالسيف و فعلا خرجنا و كل واحد فينا أشجع من عنتر و زياد و فضلنا نطير الرءوس و نقطع فى الناس اللى قدامنا يجى ساعة و هم يصرخوا و يصوتوا لحد ما غلب غلبنا و لقينا الفرسان العشرة ألاف بيهربوا فما نشعر إلا و كل واحد فينا طاير أما أنا فجريت على حصان لجمته و ركبته و هات يا طيران.

و فى النهاية إعترف الشيخ حسن بأنه باع بذلته العسكرية و السيف و الطربوش و الحصان فى قرية من قرى الفلاحين نظير جلباب و طاقية يتخفى فيهما هربا من الأسر

المصدر: المقال منشور فى مجلة ذاكرة مصر المعاصرة فى العدد الرابع الصادر فى أكتوبر 2010 و كذلك بعض الصور
2 / عدد كبير من الصور من كتاب يوميات إسكندرية 1882
تأليف أمل الجيار
وصادر من مكتبة الإسكندرية


بينما يقوم الجنود بإعداد المدافع المتهالكة للقتال و تزويدها بالبارود كان هناك بعض المواطنين الذين هرعوا الى الطوابى للمساعدة و تقديم يد العون للجنود و كان الأهال ينشدون أغنيتهم المشهورة مدد يا أبو العباس و يا ياقوت العرش لإثارة حماسة الجنود صورة منشورة the graphic 8يوليو 1882


جنود الحامية المكلفين بحماية الطوابى يرقبون تحركات سفن الاسطول الإنجليزى بتاريخ 15 يوليو 1882 بنفس الجريدة السابقة


غلاف مجلة كل شئ و الدنيا المنشور فيها هذا الحوار فى 2 أكتوبر 1935 و كان ثمنها 10 مليمات


صورة بنفس الصحيفة السابقة بتاريخ 29 يوليو 1882 فيها يظهر سوء حالة الطوابى


صورة الأميرال فردريك بوشامب سيمور قائد الإسطول الإنجليزى الذى وصل قبالة الشواطئ الإنجليزية فى 19 مايو كما نشرتها الجريدة الإنجليزية the garphic فى عددها الصادر 22 يوليو 1882

صورة لمذبحة الإسكندرية كما صورتها جريدة فرنسية فى ذلك الوقت و الطريف ان الرسم صور اولاد العرب و هم يضربون الأجانب بالسيوف و هو ما لم يحدث ابدا بل استخدموا العصى و النبابيت و أرجل الكراسى فقط

عرابي باشا فى طريقه الى المحاكمة

عرابى باشا و طلبة عصمت فى سجن العباسية بعد إنتهاء الثورة صورة منشورة فى the illustrated بتاريخ 7 أكتوبر 1882


هجرة و فرار الأجانب الجماعية العاجلة من مصر فى مراكب صغيرة للوصول الى السفن الأجنبية الراسية خارج ميناء الإسكندرية هربا من المذبحة منشورة فى جريدة the illustrated london 8 يوليو 1882

عن الكاتب

Admin Admin

التعليقات



إذا أعجبك محتوى موقعنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع ليصلك جديدنا أولاً بأول ، ويمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جوجل بلاس

المتابعون

فيس بوك

جميع الحقوق محفوظة

حراس الحضارة

2016